لا تزال العلاقات التركية الأرمينية تقف عند نقطة حرجة يتقاطع عندها محاولات الدفع نحو استعادة كاملة للعلاقات الدبلوماسية الطبيعية، مع استمرار إرث تاريخ طويل من التوترات وانعدام الثقة المتبادل الذي يُبطئ من عملية بناء الثقة واستعادة العلاقات، ورغم أن الارهاصات الأولى لمساعي التطبيع بدأت منذ أواخر 2021، وشهدت العديد من الخطوات خلال السنوات الماضية وصولًا لعام 2026، بما في ذلك عقد ست جولات محادثات بين المبعوثين الخاصين التركي والأرميني لتطبيع العلاقات؛ سردار كيليتش وروبن روبينيان على الترتيب، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة في فبراير 2022، والسماح برحلات الشحن الجوي المباشرة منذ أوائل 2023، والإعلان عن اتفاقية لتبسيط إجراءات التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمية والخاصة في 29 ديسمبر 2025 والتي دخلت حيز النفاذ في 1 يناير 2026، والاتفاق على فتح الحدود البرية أمام رعايا الدول الثالثة والدبلوماسيين، فإن التطبيع الكامل الفعلي لم يُنفذ حتى الآن ارتباطًا بشرط التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين أرمينيا وأذربيجان، غير أن المرحلة الحالية تُثير متغيرات من شأنها تحفيز الإسراع من تطبيع العلاقات وقد شهدت الآونة الأخيرة حراكًا بين البلدين، وعليه، تناقش هذه الورقة مظاهر التقدم على صعيد استعادة العلاقات ودوافعه بالنسبة للطرفين.
زخم إيجابي
شهدت العلاقات التركية الأرمينية زخمًا إيجابيًا خلال الفترة الأخيرة دون تحقيق تحول لافت، وهو ما يُمكن استعراضه على النحو التالي:
• تمثيل سياسي متباين خلال فعاليات تستضيفها البلدين: في رسالة سياسية لافتة شارك نائب الرئيس التركي جودت يلماز في القمة الثامنة للمجموعة السياسية الأوروبية المنعقدة في يريفان يومي 4 و5 مايو الجاري، في زيارة هي الأرفع مستوى لمسؤول تركي إلى أرمينيا منذ زيارة الرئيس آنذاك عبد الله جول عام 2008 خلال فترة ما يسمى بـ”دبلوماسية كرة القدم”، وقد شهدت الزيارة اجتماعًا ثنائيًا مع رئيس الوزراء نيكول باشينيان نُوقش خلالها العلاقات الثنائية والتعاون في مجالات النقل والجمارك والطاقة والبنية التحتية الرقمية والاتصال، وتطرق يلماز خلال خطاب ألقاه إلى التقدم في العلاقات الثنائية نحو السلام والتطبيع، بما يُشير إلى نية تركية لتغيير الوضع الراهن. بالمقابل، كان التمثيل الأرميني في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي عُقد في ولاية أنطاليا خلال الفترة بين 17 و19 أبريل الفائت، هو الأقل منذ بدء عملية التطبيع بين البلدين عام 2022، حيث لم يحضر وزير الخارجية أرارات ميرزويان ولا المبعوث الخاص لتطبيع العلاقات ونائب رئيس البرلمان روبن روبينيان – الذي حضر المنتدى عامي 2024 و2025، حيث مثَّل يريفان نائب وزير الخارجية فاهان كوستانيان، وهو مع عكس استياء أرميني من تباطؤ مسار التطبيع لاسيَّما فيما يتعلق بإعادة فتح الحدود.
• بحث إعادة إحياء وتشغيل خطوط النقل والتجارة المباشرة: أدى قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق الحدود البرية المباشرة منذ 1993، إلى توقف البنية التحتية للنقل بين البلدين حيث باتت التجارة تمر عبر الوسيط الجورجي، ومن ثم، فإن استعادة تلك البنية من حيث ترميم أجزائها القائمة وبناء المقاطع المدمرة وصولًا لإعادة تشغيلها يحمل أبعادًا إيجابيًا تتعلق بالربط المباشر بين الجانبين. وفي هذا السياق، اجتمع مسؤولون أتراك وأرمينيون في مدينة كارس يوم 28 أبريل الماضي لمناقشة إعادة تأهيل وتفعيل خط سكة حديد كارس-غيومري، ورغم أن حجم التجارة المارة عبره قبل توقفه غير كبيرة إذ سجلت ذروتها 180 ألف طن عام 1989 وهو رقم منخفض نسبيًا آنذاك، فإن إعادة تشغيله ينطوي على دلالات سياسية أكبر منها اقتصادية وتجارية تتعلق باستعادة التواصل والترابط بين البلدين.
كما وُقع بروتوكول بشأن الترميم المشترك لجسر آني التاريخي في 4 مايو الجاري على خلفية حضور يلماز القمة الثامنة للمجموعة السياسية الأوروبية، ويُعد هذا البروتوكول أول اتفاقية ملموسة يتم توقيعها وتنفيذها بين البلدين، ما يجعله خطوة على طريق إرساء مجالات تعاون بين البلدين في إطار تدابير بناء الثقة، والمساهمة في التواصل المؤسسي بين تركيا وأرمينيا من خلال تبادل المعلومات والخبرات، ويكتسب الحديث عن هذا الجسر دلالات رمزية ارتباطًا بكونه أحد الرموز المادية القليلة التي تجسد الاتصال التاريخي المباشر بين الأناضول والقوقاز قبل إغلاق الحدود الحديثة والصراعات السياسية اللاحقة. ورغم انخفاض حجم التبادل التجاري بين تركيا وأرمينيا الذي بلغ حوالي 400 مليون دولار عام 2025، فإن إحياء وتشغيل خط سكة حديد كارس-غيومري وجسر آني يحملان دلالة مرتبطة بمساعي إعادة وصل فضاء جغرافي وسياسي ظل مقطوعًا منذ أوائل التسعينيات.
• اعتراضات أرمينية على استمرار إغلاق الحدود: أظهر الجانب الأرميني استياءً من تأخر تنفيذ أنقرة لتعهداتها بإعادة فتح الحدود البرية بين البلدين أمام رعايا الدول الأخرى وحاملي جوازات السفر الدبلوماسية، والذي أُشير سابقًا إلى أنه سيكون في أوائل فبراير 2026 لكنه لم ينفذ، ليعقبه أيضًا نفي مصادر بوزارة الخارجية التركية أنباء تواردت بشأن فتح الحدود في 4 يونيو المقبل، مؤكدةً عدم وجود جدول زمني محدد حتى الآن، ورأت يرفان أن أذربيجان تؤثر على وتيرة الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا، حيث ترهن أنقرة التقدم في وتيرة التطبيع بإنجاز اتفاق السلام بين باكو ويرفان وإجراء التعديل الدستوري الأرميني المتعلق بإزالة الإشارة في ديباجة الدستور إلى إعلان الاستقلال لعام 1990 كونه يتضمن إشارة غير مباشرة إلى توحيد أرمينيا مع ناجورنو كاراباخ، ورغم توقيع البلدين بالأحرف الأولى على إعلان السلام في واشنطن في أغسطس 2025، فإن أنقرة لا تعتبرها خطوة كافية لتطبيع العلاقات.
• تبني لغة براجماتية بشأن قضية الإبادة الجماعية للأرمن: أظهر الخطاب الرسمي الأرميني موقفًا أكثر براجماتية ومهادنة وأقل أيديولوجية بخصوص تحميل تركيا مسؤولية الإبادة الجماعية للأرمن في سياق دعم التقارب مع تركيا، فرغم الانتقادات الحادة التي ساقها مؤرخون أرمن وجماعات الشتات وشخصيات معارضة ودبلوماسيون متقاعدون ضد نهج رئيس الوزراء نيكول باشينيان، فإن الأخير واصل التخفيف من حدة أحد القضايا الخلافية العالقة الكبرى، حيث أكد أن يرفان لم تعد تسعى جاهدة لحمل الدول الأجنبية والهيئات الدولية على الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن عام 1915، وأنها ليست من بين أولويات السياسة الخارجية حاليًا، وخلال أحياء الذكرى السنوية الـ 111 للمذبحة في 24 أبريل المنصرم، تجنب مرة أخرى تحديد تركيا العثمانية ونظام تركيا الفتاة بشكل مباشر باعتبارهما مهندسي ومنفذي الإبادة الجماعية للأرمن، وركز خلال رسالته الرسمية بشكل غير معتاد على المصطلح الأرمني “ميدس يغيرن”، أي “الجريمة الكبرى”، بينما استخدم مصطلح “الإبادة الجماعية” بشكل محدود.
سياق محفز
ثمة جملة من المتغيرات المرتبطة بالتطورات في جنوب القوقاز، حفزت مسار التطبيع التركي الأرميني، وهو ما يُمكن توضحيه كالتالي:
• الانتخابات البرلمانية الأرمينية المقبلة: لا ينفصل الزخم الحالي ضمن مسار تطبيع العلاقات التركية الأرمينية، حتى وإن لم يُسفر عن تحولات نوعية، عن الانتخابات البرلمانية المقرر إجرائها في أرمينيا يوم 7 يونيو 2026 التي ستحدد التوجه السياسي للبلاد، ويخوضها نيكول باشينيان زعيم حزب “العقد المدني” ممثلًا لتيار يدعم التسوية مع أذربيجان والانفتاح التدريجي على تركيا وتقليل الاعتماد على روسيا وتوثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، في مواجهة شخصيات وتحالفات معارضة على رأسها “تحالف أرمينيا” بقيادة الرئيس الأسبق روبرت كوتشاريان الذي يخضع حاليًا للإقامة الجبرية ويُحاكم بتهمة التخطيط لانقلاب ضد الحكومة، ويُمثل كوتشاريان توجهًا أكثر تشددًا تجاه أذربيجان وأكثر قربًا من روسيا، ويطرح نفسه كبديل يعيد التوازن الاستراتيجي الذي تراه المعارضة مفقودًا في عهد باشينيان.
وتنظر أنقرة إلى فوز باشينيان في الانتخابات على أنه مهم لاستمرار عملية التطبيع الحالية، بالمقابل ترى يريفان أن أي مبادرة تركية كفتح الحدود أو استئناف التجارة، من شأنها تعزيز موقف رئيس الوزراء الأرميني في الانتخابات من خلال دعم حجته بأن السلام يؤتي ثماره، حيث تراجعت شعبيته داخليًا بشدة على خلفية الوضع الاقتصادي الضاغط وسياسته الخارجية التي يُنظر إليها في الأوساط القومية والمحافظة باعتبارها تنازلًا أمام أذربيجان. ولا يقتصر الأمر على الفوز في الانتخابات وإنما تحصيل الأغلبية البرلمانية الضرورية لتمرير التعديلات الدستورية دون الحاجة إلى بناء توافقات مع القوى المعارضة، إذ يتطلب التعديل موافقة ثلثي البرلمان (72 عضو من أصل 107 أعضاء)، وبينما يحصل حزب العقد المدني على 71 مقعدًا في البرلمان الحالي (انتخابات 2021)، فإن استطلاعات الرأي قبل الانتخابات المقبلة تمنحه في أكثر التقديرات نسبة 35% فقط، وهو ما يعني الحاجة للدخول في ائتلاف لتمرير أي تعديلات دستورية.
• إعادة تشكيل بنية التجارة في جنوب القوقاز: إن الاهتمام التركي بتحسين العلاقات مع أرمينيا لا يأتي بمعزل عن مساعي إعادة تشكيل بنية النقل والتجارة في جنوب القوقاز، لاسيَّما فيما يتعلق بالإسراع نحو إنشاء ممر ترامب للسلام والازدهار الدوليين TRIPP (ممر زانجيزور) الذي اكتسب زخمًا على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران (29 فبراير – 7 أبريل 2026) ضمن مساعي الولايات المتحدة وتركيا إلى استثمار الصراع لإعطاء دفعة للمشروع في إطار البحث عن مسارات تجارة ونقل لتلك المارة عبر إيران وروسيا. وتنظر أنقرة إلى TRIPP كمسار مكمل ضمن الممر الأوسط العابر لبحر قزوين بما يعزز موقعها على خطوط الربط بين آسيا وأوروبا، ويتطلب إنشاء المشروع المرور عبر الأراضي الأرمينية جنوب محافظة سيونيك على شريط حدودي ضيق مع إيران، ما يعني ضرورة وجود علاقات إيجابية مع الطرفين التركي والأذري لاستكمال هذا الممر ومعالجة الحساسيات السياسية معهما.

• التقدم على صعيد عملية السلام الأرمينية الأذربيجانية: رغم استمرار التعثر بشأن اتفاق سلام نهائي، فإن البلدين تخطيان خطوات إيجابية تجاه بعضهما البعض، حيث عُقد الاجتماع الثالث عشر لترسيم الحدود في 29 أبريل الماضي، برئاسة مشتركة من نائب رئيس الوزراء الأذربيجاني شاهين مصطفاييف ونائب رئيس الوزراء الأرميني مهر غريغوريان، واتفق الطرفان على مسودة تعليمات بشأن إجراءات عمل فرق خبراء ترسيم الحدود، وإعداد خريطة الترسيم، وإضفاء الطابع الرسمي على وثائق الحدود ونشرها، وتقرر تقديم هذه النصوص إلى الحكومة للموافقة عليها. وعلى عكس الاجتماعات السابقة التي جرت برعاية روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فإن ما يُميز الاجتماع الأخير أن مسؤولي الطرفين يتحدثان مباشرةً تحت مسؤوليتهما السياسية.
كما شارك 19 خبيرًا أرمينيًا برفقة ممثلين عن وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، إلى جانب 20 خبيرًا أذربيجانيًا في مائدة مستديرة ثنائية عقدت في الفترة من 10 إلى 12 أبريل، ضمن مبادرة “جسر السلام” في مدينة غابالا الأذرية، وهو الاجتماع الرابع عقب اجتماعات أكتوبر ونوفمبر 2025 وفبراير 2026، وقد عبر الخبراء الأرمن الحدود هذه المرة برًا وليس جوًا، وتضمنت الجلسات النقاش بشأن كيفية تعزيز السلام في المجال العام والثقة في المراحل المقبلة، والتقى المشاركون أيضًا بمساعد رئيس أذربيجان حكمت حاجييف. ويعكس الاجتماع محاولة بناء الثقة على مستوى الممارسة اليومية وليس فقط عبر الاتفاقات السياسية الرسمية، والسعي إلى تهيئة رأي عام أكثر تقبلًا لمسار السلام، عبر إشراك خبراء وإعلاميين ومنظمات مجتمع مدني في المناقشات، كما يهدف العبور البري إلى اختبار إمكانية استعادة أنماط التفاعل الطبيعية. وقد سبق ذلك اتخاذ البلدان خطوات لدعم التقارب تعلقت برفع باكو الحظر على عبور البضائع من وإلى أرمينيا عبر دولة ثالثة، وبناء عليه، أرسلت أذربيجان عدة شحنات من الوقود بما في ذلك البنزين والديزل، إلى أرمينيا بالسكك الحديدية عبر جورجيا، خلال الفترة بين ديسمبر 2025 ومارس 2026، كما تبادل الجانبان قوائم البضائع في إطار مساعيهما لتطبيع العلاقات الاقتصادية.
• المنفعة الاقتصادية المحتملة عند عودة العلاقات: أثَّر إغلاق الحدود المباشرة وقطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية على الجانب الاقتصادي للعلاقات بين البلدين، حيث سجلت التبادلات التجارية عبر طرف ثالث مستويات شديدة الانخفاض بلغت نحو 400 مليون دولار فقط وفق تقديرات عام 2025، وقد تحملت أرمينيا بالأساس العبء الاقتصادي الأكبر لإغلاق حدودها لعقود مع الجانب التركي، ومن ثم، فإن فتحها يعني إنعاش الاقتصاد من خلال الوصول إلى أسواق جديدة وتدفق الاستثمارات. وبالمثل ورغم انخفاض التأثر الاقتصادي التركي مقارنة بالأرميني فإن استعادة الاتصال الحدودي سيساهم في التنمية الاقتصادية للولايات الحدودية.
ختامًا، رغم الرغبات التركية الأرمينية لتطبيع العلاقات والعوامل الدافعة نحو هذا الاتجاه تبقي العقبة الكبرى المتعلقة بغياب اتفاق سلام نهائي بين أرمينيا وأذربيجان قائمة، وهو الأمر الذى يحول دون الانتقال الفعلي من مرحلة بناء الثقة وإزالة الحواجز النفسية بين الطرفين إلى الانفتاح الكامل والعلاقات الطبيعية، ويرتبط التباطؤ على صعيد مسار اتفاق السلام بمسألة داخلية أرمينية تتصل بتأخر خطوة إجراء تعديلات دستورية تضعها باكو شرطًا أساسيًا للسلام، وتهدف لإزالة الإشارة إلى إعلان الاستقلال لعام 1990 في ديباجة الدستور كونه يتضمن إشارة غير مباشرة إلى توحيد أرمينيا مع ناجورنو كاراباخ، كما يتضمن أيضًا عبارات تُثير حساسية الجانب التركي، فبينما لا يُذكر مصطلح “الإبادة الجماعية” صراحةً في الدستور، فإن الإعلان يُعرف أحداث عام 1915 بأنها “إبادة جماعية”، كما تُصنف المادة 11 من الدستور مناطق محددة في شرق وجنوب شرق تركيا على أنها “أرمينيا الغربية”، غير أن إجراء هكذا تعديل يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان (72 عضوًا) وهو أمر غير معروف حاليًا بالنظر إلى إقبال يريفان على انتخابات برلمانية في نوفمبر 2026، كما أنه لا يزال يواجه معارضات داخلية واسعة في أوساط القوميين والمحافظين رغم محاولات باشينيان تسويقه باعتباره قرارًا سياديًا داخليًا وليس استجابة مباشرة لمطالب أذربيجان.