أدت حرب السادس من أكتوبر 1973 إلى إحداث هزة عميقة في صورة إسرائيل داخليًا وخارجيًا، لم تقتصر أسبابها على النتائج العسكرية، بل ارتبطت أيضًا بالارتباك الذي شاب إدارة المعلومات خلال الأيام الأولى للحرب، إذ كشفت الأيام الأولى من الحرب عن ارتباك في إدارة المعلومات وعن فجوة واسعة بين البيانات الرسمية والواقع الميداني؛ واتسمت الرسائل الصادرة عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بالمبالغة في التفاؤل، وتقديم معلومات مضللة عن سير المعارك، والتركيز على أحداث منفردة دون عرض صورة شاملة عن الوضع العسكري، وفي المقابل، برز الإعلام المصري في إدارة المعركة الإعلامية من خلال تقديم رواية أكثر اتساقًا مع التطورات التي كانت تعلنها القاهرة عن سير العمليات.
ورغم تبرير “بنحاس لاهاف” رئيس قسم الإعلام بالجيش الإسرائيلي آنذاك، والمتحدث باسم الجيش، لبعض أوجه القصور الإعلامي بأن الحرب فاجأت المتحدث باسم الجيش بالقدر نفسه الذي فاجأت به المؤسسة العسكرية بأكملها، فإن الأزمة لم تكن مرتبطة بعامل المفاجأة وحده، فقد ساهم غياب قيادة إعلامية مركزية ونقص المعلومات القادمة من الجبهة، والتداخل بين الاعتبارات الأمنية والمعنوية والإعلامية، في إنتاج رسائل متناقضة وأحيانًا مضللة، ومن أبرز مظاهر هذا الخلل أن المتحدث باسم الجيش تعمد عدم تقديم صورة تفصيلية عن الخسائر خلال الحرب، بحجة أن نشر هذه المعلومات قد يوفر معلومات استخباراتية مهمة، وقد يؤثر في الروح المعنوية للجبهة الداخلية والقوات. [1]

ومع اتساع الفجوة بين البيانات الإسرائيلية والتطورات الفعلية، تراجعت ثقة الجمهور الإسرائيلي والصحفيين في البيانات الرسمية، ووجهت اتهامات لوحدة المتحدث العسكري بإخفاء الحقائق وتأخيرها. نتيجة لذلك شُكلت لجنة تحقيق في الثاني عشر من نوفمبر 1973، برئاسة العقيد “نحمان كارني”، الذي سبق أن شغل منصب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بين عامي 1953 و1955، وذلك لفحص أداء قسم الإعلام التابع للجيش، ولم تقتصر مهمة اللجنة على تقييم البيانات التي أصدرها المتحدث أثناء القتال، بل شملت أيضًا دراسة أساليب الإيجازات والعلاقة بين المتحدث والرقابة العسكرية، وطريقة التعامل مع الصحفيين المحليين والأجانب.
ورغم أن أبرز ما أسفرت عنه تحقيقات اللجنة تمثل في إعادة هيكلة وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، فإن التقرير يكشف أن المشكلة لم تكن مسئولية وحدة المتحدث وحدها، بل ارتبطت أيضًا بأداء وسائل الإعلام العبرية التي ساهمت، في بعض مراحل الحرب، في إعادة إنتاج الخطاب المتفائل من خلال الانتقائية والتكتم وضعف التمييز بين الخبر والتحليل؛ فقد أدى تداخل البيانات الرسمية مع تقارير المراسلين والمنشورات المعنوية إلى خلق صورة إعلامية أكثر تفاؤلًا من الواقع، بينما واجه الصحفيون الأجانب صعوبات في الوصول إلى المعلومات ومصادرها وفي الحصول على إحاطات واضحة ومتسقة، ما انعكس على مصداقية الرواية الإسرائيلية أمام وسائل الإعلام الأجنبية والجمهور الدولي.
وانطلاقًا من ذلك، تسعى الورقة إلى تقديم قراءة فيما كشفه تقرير لجنة كارني عن أوجه القصور في إدارة الإعلام العسكري الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر 1973، والتعرف على أبرز التغييرات التي اقترحتها اللجنة لإعادة تنظيم عمل وحدة المتحدث باسم الجيش وعلاقتها بوسائل الإعلام، والكيفية التي عالجت بها توصيات اللجنة أوجه القصور التي رصدتها في أداء المنظومة الإعلامية العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب.
أولًا: خلفية تشكيل لجنة كارني وتكوينها:
شُكلت اللجنة في الثاني عشر من نوفمبر 1973[2]، لفحص أنشطة قسم الإعلام التابع للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في حرب السادس من أكتوبر، وقد شكلت اللجنة قبل بداية التحقيقات الرسمية الحكومية في الإخفاقات، إذ قرر “بنحاس لاهاف” تعيين العقيد “نحمان كارني” لتقديم تقرير إليه حول أداء وحدته خلال الحرب، وقد اتخذ لاهاف هذا القرار حيث كان يعلم أنه سيواجه أسئلة حول أوجه قصور وحدته، وكان يأمل أن يحميه تقييم مستقل من المزيد من الانتقادات.[3] وقد تشكلت اللجنة في سياق أزمة ارتبطت بطريقة إدارة المعلومات ونقلها إلى الجمهور ووسائل الإعلام، وما نتج عن ذلك من تراجع في الثقة بالبيانات الرسمية واتساع الفجوة بين الصورة الإعلامية والواقع الميداني.
وقد اطلعت اللجنة على المواد التي وُضعت تحت تصرفها، بما في ذلك صحافة أيام الحرب، واستَمعت إلى تسجيلات للبث الإذاعي، واطلعت على دروس وتجارب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي من حروب سابقة.
وقد ضمت اللجنة أربعة أعضاء وهم:
- العقيد (احتياط) نحمان كارني –אל״מ (מיל׳) נחמן קרני رئيسًا: كان ضابطًا إسرائيليًا من أصل بولندي، برتبة عقيد احتياط. ارتبط اسمه بصورة خاصة بالمنظومة الإعلامية والأمنية الإسرائيلية في العقود الأولى من قيام إسرائيل. بدأ نشاطه العسكري قبل عام 1948 في منظمة الهاجاناه، ثم انضم إلى الجيش الإسرائيلي عقب تأسيسه، وتدرج في المناصب والرتب العسكرية، قبل أن يتولى عددًا من المسئوليات المرتبطة بالإعلام والعلاقات الأمنية والخارجية.
شغل كارني منصب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي خلال الفترة من 1953 إلى [4]1955، وهي فترة شهدت تصاعدًا في التوترات والعمليات العسكرية على الحدود، وأكسبه هذا الموقع خبرة مباشرة في إدارة الاتصال بين المؤسسة العسكرية ووسائل الإعلام، وفي صياغة ونقل الرسائل الرسمية خلال الأزمات والعمليات العسكرية. في الفترة بين 1962 و1968، تولى كارني رئاسة وحدة المساعدات والعلاقات الخارجية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، حيث ارتبط عمله بتنسيق العلاقات الأمنية والبعثات العسكرية والتعاون مع الأطراف الخارجية. عقب حرب أكتوبر 1973، عاد كارني إلى الخدمة بصفته ضابط احتياط، وكُلّف برئاسة اللجنة التي عُرفت باسمه، والتي تولت فحص أداء المنظومة الإعلامية العسكرية خلال الحرب.[5]

- د. يرماهو يوفال ד״ר ירמיהו יובל – عضوًا: جاء اختياره للجنة في ضوء خلفيته التي جمعت بين العمل الإعلامي والخبرة الأكاديمية، وهو ما أتاح له النظر إلى أداء المنظومة الإعلامية من زاوية تتجاوز الاعتبارات العسكرية البحتة. قبل عضويته في اللجنة، ارتبط يوفال بالعمل في هيئة البث الإسرائيلية “صوت إسرائيل” كما كان من الشخصيات التي شاركت في تطوير الإعلام التلفزيوني الرسمي في إسرائيل.[6]
في إطار لجنة كارني، شارك يوفال في فحص أوجه القصور التي ظهرت في إدارة المعلومات والاتصال الإعلامي خلال حرب أكتوبر، ولا سيما ما يتعلق بتدفق المعلومات، والتنسيق بين الجهات الرسمية، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية ووسائل الإعلام.

- دافيد بادهتسور מר דוד פדהצור – عضوًا: صحفي ومحلل سياسي إسرائيلي، جاء اختيار دافيد بادهتسور لعضوية اللجنة في ضوء خبرته الطويلة في الصحافة المكتوبة والتحرير الصحفي، وقد امتلك بادهتسور مسيرة بارزة في الصحافة العبرية، حيث شغل منصب رئيس تحرير صحيفة “لِمرخاف” (Lamerhav)، ثم تولى منصب نائب رئيس تحرير صحيفة دافار (Davar) بعد اندماج الصحيفتين.[7]

- المحامي موشيه شاليت עו״ד משה שליט – مقررًا: تولى موشيه شاليت دور المقرر والمنسق الإداري للجنة كارني التي تشكلت عقب حرب أكتوبر 1973 لفحص أداء منظومة الإعلام العسكري الإسرائيلي خلال الحرب. وقد اكتسب هذا الدور أهمية خاصة، إذ لم يكن شاليت عضوًا في اللجنة بالمعنى نفسه الذي كان عليه رئيسها وأعضاؤها، وإنما اضطلع بالمهام القانونية والإدارية اللازمة لتنظيم عملها وتحويل نتائج التحقيقات والمداولات إلى تقرير متكامل. وتمثلت مهامه في تنظيم جلسات اللجنة وتوثيق الإفادات والشهادات وتجميع المواد التي اعتمدت عليها في عملها، إلى جانب المساهمة في إعداد وصياغة المسودات والتوصيات النهائية.
كما قام بدور تنسيقي بين رئيس اللجنة وأعضائها وبين الجهات العسكرية والإعلامية التي استُدعيت للإدلاء بالمعلومات والشهادات، بما في ذلك المسئولون والعاملون في منظومة الناطق باسم الجيش والرقابة العسكرية ووسائل الإعلام، وقد أضفى عليها إطارًا قانونيًا وإداريًا منظمًا، سمح بتحويل الخبرات والشهادات المختلفة التي جمعتها اللجنة إلى نتائج وتوصيات مؤسسية.
وبذلك، ضمت لجنة كارني مجموعة من الخبرات المتكاملة: نحمان كارني بخلفيته العسكرية والإعلامية، ويرماهو يوفال بخبرته في الإعلام والبث والعمل الأكاديمي، ودافيد بادهتسور بخبرته الصحفية والتحريرية، إلى جانب موشيه شاليت في الدور القانوني والإداري. ويعكس هذا التنوع طبيعة المهمة التي أُسندت إلى اللجنة، والتي لم تكن مجرد تقييم لأداء الناطق باسم الجيش، وإنما مراجعة أوسع لآليات إنتاج المعلومات وإدارتها ونقلها إلى الجمهور خلال الحرب.
منهجية اللجنة ومصادرها:
اعتمدت اللجنة في إعداد التقرير على مجموعة متنوعة من المواد، شملت صحافة أيام الحرب، وتسجيلات البث الإذاعي، والدروس المستفادة من عمل المتحدث باسم الجيش في حروب سابقة، فضلًا عن جلسات الاستماع إلى عدد من المسئولين والضباط والصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، وعقدت اللجنة 10 جلسات في الفترة بين أواخر نوفمبر وأواخر ديسمبر 1973[8]، وقد استمعت اللجنة بنهاية عملها إلى 32 شهادة.[9]
ولم يكن هدف اللجنة مقتصرًا على تقييم الأداء الإعلامي بمعناه الفني، وإنما ارتبط بصورة أوسع بأزمة الثقة التي ظهرت بين الجيش والمجتمع الإسرائيلي خلال الحرب، نتيجة اتساع الفجوة بين الصورة التي قدمتها القيادة السياسية والعسكرية ووسائل الإعلام الرسمية، وبين التطورات الفعلية على جبهات القتال. فقد كشفت الحرب أن الطريقة التي أُديرت بها المعلومات لم تعد قادرة على الحفاظ على المصداقية أمام الجمهور الإسرائيلي أو أمام وسائل الإعلام الأجنبية، خصوصًا مع وصول الصحفيين الأجانب إلى مصادر ومواقع ميدانية على الجانب المصري كانت تقدم صورة مختلفة عن البيانات الرسمية الإسرائيلية.
ثانيًا: كيف شخصت اللجنة أزمة الاتصال والمصداقية[10]:
انصب تركيز اللجنة على فحص أداء قسم الإعلام التابع للجيش الإسرائيلي، مع التركيز على دوره خلال الحرب بشكل أساسي، إذ أفاد التقرير حينها بأن الإعلام والاتصال Media& communication ليسا مهمة جانبية في الجيش، وأكدت اللجنة على مبدأ أساسي وهو “أن سياسة الإعلام هي جزء من مجهود الطوارئ الشامل للدولة“.
انطلاقًا من الإخفاقات الإعلامية العسكرية، خلصت لجنة كارني إلى أن الإخفاقات الإعلامية التي رافقت الحرب لم تكن مجرد مشكلات مرتبطة بأداء المتحدث العسكري، وإنما كشفت عن قصور أوسع في فهم موقع الإعلام والاتصال داخل المجهود الحربي، ووضعت اللجنة مجموعة من المبادئ العامة التي استندت إليها في مقترحاتها لإعادة تنظيم هذه المنظومة.
الإعلام جزء من المجهود الحربي: أحد أهم الاستنتاجات التي خلصت إليها اللجنة تمثل في ضرورة التعامل مع الإعلام والاتصال باعتبارهما جزءًا أساسيًا من المجهود الحربي، حيث أدركت إسرائيل في وقت مبكر أن مهمة الإعلام العسكري ليست مقتصرة على نقل البيانات أو تقديم معلومات محدودة عن العمليات، وإنما أصبح الاتصال بالجمهور ووسائل الإعلام عنصرًا من عناصر إدارة الحرب نفسها، وهو ما ترى اللجنة أنه مبدأ تُجوهل خلال حرب أكتوبر، لذا أكدت اللجنة أن على الجيش الإسرائيلي أن يُظهر فهمًا أكبر بكثير لمركزية قضية الإعلام والاتصال في زمن الحرب، ورغم أن الإعلام لا يمثل نشاطًا قتاليًا مباشرًا، ولا يقدم بالضرورة دعمًا قتاليًا بالمعنى العملياتي الضيق، فإنه يمثل وظيفة مركزية في المجهود الحربي الشامل للجيش وللدولة.
وتستند أهمية الإعلام، وفقًا للجنة، إلى اتساع نطاق تأثيراته؛ إذ إن تداعيات الاتصال في زمن الحرب لا تقتصر على نقل المعلومات إلى الجمهور، وإنما تمتد إلى معنويات القوات، والجبهة الداخلية، والرأي العام العالمي، والقضايا السياسية، والقضايا الاستراتيجية على المدى القصير والمباشر. وأكدت اللجنة أن أهمية هذا الدور ستزداد في الحروب المقبلة، وهو ما يستوجب التعامل مع الإعلام والاتصال باعتبارهما جزءًا من إدارة الحرب وليس نشاطًا منفصلًا عنها.
تحويل الإعلام إلى فرع مهني متخصص: كشفت الحرب كذلك عن أن إدارة الاتصال العسكري لم تكن قد تطورت بالقدر الذي يتناسب مع أهميتها، فقد كان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر، “بنحاس لاهاف”، يفتقر إلى الخبرة الإعلامية المتخصصة السابقة، كما لم تكن منظومة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قد أُعدت بصورة كافية للتعامل مع الحجم الكبير من الأحداث والصحفيين والمعلومات التي ظهرت خلال الحرب.
لذا رأت اللجنة أن على الجيش الإسرائيلي التعامل مع الإعلام والاتصال باعتبارهما فرعًا مهنيًا متميزًا، وليس خدمة جانبية يمكن أن يُكلّف بها أي ضابط تقريبًا، وأكدت اللجنة أن الاتصال في البيئة الحديثة لم يعد شأنًا يمكن إدارته بالاعتماد على الهواة أو على الخبرة العامة وحدها. فحساسية العمل الإعلامي، حتى وإن كانت غير مادية، لا تقل عن حساسية مجالات تقنية أخرى؛ لأنها ذات طبيعة معنوية وسياسية، ويمكن أن تترتب عليها آثار واسعة على الجيش والدولة.
وبناءً عليه، طالبت اللجنة بتعزيز العنصر المهني في القوى البشرية التابعة لوحدة الإعلام، وأن يُنظر إلى مهامها باعتبارها مجالًا مهنيًا مستقلًا لا يقل من حيث أهميته عن الفروع المهنية الأخرى، بما فيها أقسام هيئة الاستخبارات. ولا تعني اللجنة أن العاملين في المجال الإعلامي يحتاجون إلى المستوى نفسه من التأهيل المطلوب في الوحدات التقنية، لكنها أكدت ضرورة أن يكون التأهيل ملائمًا لطبيعة المهام الإعلامية، وألا يقتصر الاختيار على امتلاك القدرة التنظيمية أو المنطق السليم.
ضرورة توحيد إدارة الإعلام داخل الجيش: أظهرت تجربة الحرب وجود تداخل في الاختصاصات وتعدد في مصادر المعلومات والتقديرات، وهو ما انعكس على الرسائل الإعلامية الموجهة إلى الجمهور. وكانت إحدى المشكلات أن الضباط المكلفين بمهام إعلامية داخل وسائل الإعلام لم يحصلوا دائمًا على تعليمات واضحة ومسبقة، الأمر الذي جعل بعضهم يعتمد على تقديره الشخصي في تحديد ما ينبغي إظهاره أو حجبه. كما أن منظومة الإعلام العسكري لم تكن تعمل دائمًا باعتبارها جهازًا موحدًا يمتلك صورة متكاملة عن الوضع العملياتي والسياسة الإعلامية.
ومن هنا شددت اللجنة على ضرورة تركيز أنشطة الإعلام في يد واحدة لا سيما في أوقات الطوارئ، ودعت اللجنة إلى إنشاء مركز إعلامي وعملياتي يتولى تنسيق الرسالة الإعلامية ومتابعة المعلومات من الجبهة والجبهة الداخلية والخارج، وينسق بين المتحدث والرقابة العسكرية والإذاعة والتلفزيون والمراسلين العسكريين، ويضمن اتساق الرسائل الصادرة عن مختلف الأطراف. ولم تكن المركزية المقصودة تعني بالضرورة احتكار كل المعلومات، وإنما ضمان وجود قيادة إعلامية واحدة قادرة على تحديد الرسالة العامة وتنسيق تدفق المعلومات بين مختلف الجهات.
إعادة تحديد وظيفة الرقابة العسكرية: كشفت الحرب عن الحاجة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الرقابة العسكرية والمتحدث باسم الجيش، فقد شارك أفراد من الرقابة في بعض مراحل العمل الإعلامي بصورة لم تكن دائمًا مؤسسية أو محددة مسبقًا، كما لم تكن هناك قواعد واضحة في بعض الحالات تتعلق بما يمكن نشره لأسباب مرتبطة بالروح المعنوية أو الصورة العامة. وعليه أشارت اللجنة إلى ضرورة أن تركز الرقابة العسكرية على الموضوعات الواضحة المرتبطة بأمن الميدان، وكذلك على المعلومات التي تتعلق بصورة مباشرة بالروح المعنوية للقوات، دون أن تمتد سلطة الرقابة إلى تقرير ما إذا كان نشر معلومات معينة قد يؤدي إلى تأثير معنوي إيجابي أو سلبي من وجهة نظرها، عندما لا تكون المعلومة مرتبطة مباشرة بهذه المجالات، وتوصي اللجنة كذلك بأن يشارك ممثل رفيع المستوى عن الرقابة العسكرية بصورة دائمة في اجتماعات منتدى الإعلام، بما يسمح بوجود الرقابة داخل عملية صنع القرار الإعلامي، بدلًا من أن تعمل بصورة منفصلة عنه.
ثالثًا: أزمة المصداقية وأسبابها[11]:
تناولت اللجنة أزمة المصداقية باعتبارها واحدة من أبرز المشكلات التي كشفت عنها الحرب في مجال الاتصال والإعلام العسكري الإسرائيلي، وربطتها أساسًا بالفجوة بين التوقعات التي تشكلت لدى الجمهور والإعلام وبين التطورات الفعلية في ساحة القتال. ويوضح التقرير أن تصريحات القيادات السياسية والعسكرية ساهمت عشية الحرب وفي أيامها الأولى، إلى جانب استحضار تجربة حرب الأيام الستة، في تكوين توقعات متفائلة بحرب قصيرة وحاسمة، في الوقت الذي كانت فيه التطورات على الجبهات، ولا سيما الجبهة الجنوبية، مختلفة بصورة كبيرة. وأشارت اللجنة إلى أن المشكلة لم تكن في التفاؤل وحده، وإنما في تحوله إلى إطار إعلامي جرى من خلاله تفسير الأحداث اللاحقة. فقد ركزت بيانات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على أحداث عسكرية منفردة، دون تقديمها في إطار الصورة الشاملة للحرب، بينما تضمنت التغطية الإعلامية تقارير ميدانية وتحليلات وتوقعات مستقبلية، واختلط أحيانًا ما ينقله المراسلون بما يصدر رسميًا عن المتحدث العسكري. وأدى ذلك إلى تقديم صورة متفائلة عن سير المعارك لا تتوافق مع الواقع الميداني.
يوم 8 أكتوبر كنموذج لتشكل أزمة المصداقية[12]
توقفت اللجنة بصورة خاصة عند تغطية يوم 8 أكتوبر 1973، باعتباره نموذجًا واضحًا لتشكل فجوة المصداقية، فعلى الرغم من أن بيانات المتحدث العسكري في ذلك اليوم تناولت عددًا من العمليات والأحداث المنفردة، فإنها لم تقدم صورة متكاملة عن صعوبة القتال على الجبهة الجنوبية. وفي المقابل، استمرت وسائل الإعلام في نقل تقارير عن نجاحات إسرائيلية متتالية، مستخدمة مصطلحات مثل “سحق” القوات المصرية وانتقال المبادرة إلى الجانب الإسرائيلي، ونتيجة لذلك، تراكمت لدى الجمهور صورة متفائلة عن قرب انتهاء الحرب، في حين كانت المعارك على الأرض أكثر تعقيدًا. كما كشفت اللجنة عن مشكلة في تدفق المعلومات وتنسيقها داخل المنظومة الإعلامية نفسها. فعندما وصلت إلى بعض المراسلين تقارير ميدانية تناقض رواية الانتصار الإسرائيلي المتداولة، لم يتمكنوا من تصحيحها بصورة فعالة، كما لم تنتقل بعض المعلومات بين الجهات الإعلامية المختلفة.
ولم تنشأ فجوة المصداقية في الثامن من أكتوبر من طبيعة المعلومات التي قدمها المتحدث العسكري فقط، وإنما أيضًا من الطريقة التي جرى بها انتقاء المعلومات وتداولها داخل المنظومة الإعلامية، فعندما شارك بعض المراسلين تقارير ميدانية تناقض رواية الانتصار الإسرائيلي المتداولة، لم يتمكنوا من تصحيحها بصورة فعالة؛ إذ تدخل ممثل الجيش الإسرائيلي داخل غرفة الأخبار لحذف أو منع المعلومات التي كانت تعكس صعوبة القتال، وبذلك لم تكن المشكلة في غياب المعلومات المخالفة للرواية السائدة، وإنما في عدم قدرتها على الوصول إلى الجمهور بالقدر نفسه الذي وصلت به التقارير المتفائلة.
كما تكشف الدراسات عن مشكلة أوسع في تدفق المعلومات وتنسيقها داخل المنظومة الإعلامية نفسها، إذ لم تنتقل بعض المعلومات بصورة فعالة بين الجهات المعنية، في الوقت الذي استمرت فيه وحدة المتحدث باسم الجيش في توزيع تقارير تعكس صورة أكثر تفاؤلًا من الواقع الميداني. وحتى عندما أصبحت لدى قيادة الجيش صورة أكثر حذرًا بشأن سير المعارك، لم تنعكس هذه المعرفة بصورة متسقة على التغطية الإعلامية. كانت قيود الرقابة العسكرية تحول دون نشر تفاصيلها، وفي المقابل استمرت التقارير العسكرية والإحاطات الصحفية في تقديم صورة عن تدمير واسع للقوات المصرية.[13]
ورأت اللجنة أن الرقابة العسكرية لعبت دورًا أساسيًا في تعميق فجوة المصداقية، نتيجة إخضاع سياسة الإعلام في بعض الحالات لاعتبارات الأمن والمعنويات والرقابة في الوقت نفسه. فقد جرى منع نشر بعض التفاصيل التي كانت تعكس صعوبة الوضع الميداني، كما تأخر الإعلان عن الخسائر الإسرائيلية رغم تداول معلومات بشأنها من مصادر أخرى. وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين ما يعرفه الصحفيون من مصادرهم وما تسمح لهم المنظومة الرسمية بنشره.
الأسباب التي حددتها اللجنة لفجوة المصداقية:
تصل اللجنة في تحليلها إلى أن فجوة المصداقية لم تنتج عن خطأ واحد، وإنما عن مجموعة مترابطة من العوامل يمكن إجمالها فيما يلي[14]:
- تصريحات القيادة السياسية والعسكرية المتفائلة: التصريحات التي صدرت قبل الحرب وفي بداياتها خلقت صورة إيجابية وتوقعات مرتفعة بشأن مسار القتال.
- توقع الجمهور حربًا شبيهة بحرب الأيام الستة: ساهمت تجربة الانتصار السريع في 1967 في تشكيل توقعات بشأن حرب قصيرة وحاسمة.
- عدم كفاية المعلومات في الأيام الثلاثة الأولى: أدى غياب المعلومات المركزية حول سير الحرب وأبعادها إلى ترك مساحة واسعة للشائعات والتقديرات.
- التركيز على الأحداث الفردية: كانت البيانات الرسمية تتناول أحداثًا منفردة بدل تقديم صورة شاملة عن سير العمليات.
- عدم دقة بعض التقارير العملياتية: أسهمت تقارير عملياتية من الجيش الإسرائيلي في رسم صورة أكثر تفاؤلًا عن مراحل القتال، خصوصًا في يوم 8 أكتوبر.
- التقارير غير الدقيقة من قطاعات مختلفة في الجبهة الجنوبية: أدت المعلومات المتباينة القادمة من مناطق مختلفة إلى بناء صورة غير موحدة عن الوضع الميداني.
- استخدام لغة التقدير والتوقع: احتوت بعض التقارير على تقديرات مستقبلية وتوقعات، ثم جرى التعامل معها إعلاميًا كما لو كانت وقائع مؤكدة.
- تحويل أجزاء من التقارير القتالية إلى أخبار: أدى اقتباس فقرات من المنشورات القتالية وتحويلها إلى مواد إخبارية إلى نقل رسائل أُعدت لأغراض معنوية إلى الجمهور العام.
- الخلط بين القطاع المحلي والصورة الشاملة: حدث خلط بين وصف ما يجري في قطاع معين وبين تقديمه باعتباره وصفًا للوضع على الجبهة بأكملها.
- مشكلات التحرير في “إذاعة إسرائيل”: رأت اللجنة وجود خلل في عملية التحرير الإخباري، ساهم في إعادة إنتاج الصورة المتفائلة.
- قصور الإيجازات: اعتبرت اللجنة أن أسلوب الإيجازات كان معيبًا ويفتقر إلى التوجيه، ما ساهم في استمرار الالتباس.
تقييد وصول الصحفيين الأجانب وتأثيره على المصداقية الإسرائيلية:
امتدت أزمة المصداقية الإسرائيلية خلال حرب السادس من أكتوبر 1973 إلى الصحفيين الأجانب، الذين واجهوا في الأيام الأولى صعوبات في الوصول إلى جبهات القتال والحصول على معلومات مباشرة من الميدان، فبخلاف المراسلين العسكريين الإسرائيليين، لم يُسمح للمراسلين الأجانب بالوصول إلى جبهات القتال[15]، ونتيجة لذلك، اعتمدوا بدرجة كبيرة على البيانات الرسمية ووسائل الإعلام الإسرائيلية، قبل أن تبدأ المعلومات الواردة من مصادر أخرى، ولا سيما من الجانب المصري ووكالات الأنباء الدولية، في تقديم صورة مغايرة للمجريات الميدانية. ومع اتضاح التناقض بين هذه المعلومات والرواية الإسرائيلية، تراجعت الثقة في البيانات الرسمية لدى الصحفيين الأجانب، لتتجاوز أزمة المصداقية حدود الداخل الإسرائيلي وتمتد إلى صورته أمام الإعلام الدولي.
وقد حظيت شهادات ممثلي الصحافة الأجنبية والمراسلين الدوليين باهتمام رئيسي في تحقيقات لجنة كارني، في ظل التدفق الإعلامي الكبير الذي شهدته الحرب، والذي جعل إسرائيل مركزًا للتغطية الإخبارية الدولية، وقد كشفت شهادات ممثلي كبرى المؤسسات الصحفية أمام اللجنة عن أوجه قصور في إدارة الإعلام الخارجي، لم تقتصر على صعوبة الوصول إلى المعلومات، بل شملت أيضًا ضعف التنسيق والتسهيلات اللوجستية، وتضارب التصريحات الرسمية، وعدم وضوح آليات التعامل مع المراسلين.
وقد شكّلت شهادات وملاحظات ممثلي الصحافة الأجنبية والمراسلين الدوليين محط اهتمام رئيسي في تحقيقات “لجنة كارني” نظرًا لأن حرب 1973 شهدت تدفقًا إعلاميًا دوليًا غير مسبوق وحولت إسرائيل إلى مركز إخباري عالمي، إلا أن شهادات ممثلي كبرى المؤسسات الصحفية العالمية أمام اللجنة كشفت عن عيوب هيكلية حادة في إدارة إسرائيل للإعلام الخارجي خلال الحرب.
وتتلخص أبرز المحاور والشهادات الواردة عن الصحافة الأجنبية أمام اللجنة فيما يلي[16]:وتتلخص أبرز المحاور والشهادات الواردة عن الصحافة الأجنبية أمام اللجنة فيما يلي[16]:
خلال شهاداتهم أمام اللجنة، سجل ممثلو وكالات الأنباء والصحف العالمية تراجعًا حادًا في أمانة ومصداقية البيانات الرسمية الصادرة عن الجيش والحكومة الإسرائيلية، فقد صرح أريه ولنشتاين (Arie Wallenstein)، ممثل وكالة “رويترز” في إسرائيل، في شهادته الموثقة أمام اللجنة بأن مصداقية البيانات الإسرائيلية تدهورت بعد اندلاع الحرب لدرجة جعلت وسائل الإعلام الدولية تتعامل معها بذات قدر الشك الموجه للبيانات العربية، مبينًا أن “مصداقية البيانات الإسرائيلية انخفضت بينما ارتفعت مصداقية البيانات المصرية” [17]التي بدت أكثر واقعية في وصف المجريات الميدانية. وفي السياق ذاته، أفاد “تيري سميث” (Terry Smith)، مراسل صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، بأن التصريحات التفاؤلية المفرطة الصادرة عن القيادات السياسية والعسكرية (مثل “غولدا مئير”، و”موشيه دايان”، و”دافيد إلعازار”) ألحقت ضررًا بالغًا بالمصداقية التي كانت تمتلكها إسرائيل لدى الإعلام الدولي في الحروب السابقة.
كما أبرزت شهادات الصحفيين الأجانب عجز المؤسسة العسكرية عن تقديم التسهيلات اللوجستية اللازمة للتغطية الصحفية في الوقت المناسب في مقابل التيسيرات المصرية على الجانب الآخر[18]. وأفاد المراسل تيري سميث بأن منع الصحفيين من الوصول إلى جبهات القتال في الأيام الأولى للحرب فرض عليهم وضعًا نُقلت فيه الأخبار والتغطيات استنادًا إلى تقارير تسريبية أو شائعات دون مشاهدة ميدانية مباشرة، مما أضر بالقدرة على تقديم تقارير موضوعية من الميدان.
كما أبرزت شهادات المراسلين الأجانب أزمة تضارب التصريحات الرسمية كعامل أساسي أثر في المصداقية الإسرائيلية، ويوضح التقرير أن هذه المشكلة برزت خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد يوم 9 أكتوبر بمقر “بيت سوكولوف”، عندما طرح الصحفي الفرنسي “فيكتور سيجلمان” (Victor Ciegelman) من مجلة “نوڤيل أوبزرفاتور” سؤالًا وبحوزته وثيقة توضح أن القوات الإسرائيلية قد أخلت مواقع خط بارليف، وتساءل عن مدى صحتها، وردّ “الموضح الوطني” اللواء “أهارون ياريف” أمام كاميرات التلفزيون الدولي وبث حي يشاهده الملايين بأن “هذه الوثيقة غير صحيحة” دون التأكد منها، ليتبين لاحقًا أنها مسودة صحفية تتضمن معلومات واقعية، مما وجه ضربة قاضية لأمانة البيانات الرسمية الإسرائيلية أمام وسائل الإعلام الأجنبية. كما انتقد المراسلون الأجانب اعتماد المتحدث العسكري على توزيع أوراق خلفية غير رسمية أُطلق عليها “الورق الأبيض” (OTR)، والتي وصفها أريه ولنشتاين بأنها صياغات هجينة تفتقر إلى الوضوح ولا يمكن الجزم بمدى جديتها أو اعتمادها. وبشكل عام أعرب 35% فقط من الصحفيين الأجانب عن رضاهم عن المعلومات التي تلقوها من السلطات الإسرائيلية خلال الحرب.[19]
وتشير هذه الشهادات مجتمعة إلى أن أزمة المصداقية لم تكن ناتجة عن نقص المعلومات وحده، بل ارتبطت أيضًا بطريقة إدارة العلاقة مع الصحافة الأجنبية، بدءًا من تقييد الوصول إلى الميدان، فضلًا عن ضعف التسهيلات والتنسيق، وصولًا إلى تضارب التصريحات وعدم وضوح طبيعة المعلومات المقدمة. وبذلك، لم تعد المشكلة مقتصرة على قدرة المؤسسة العسكرية على إيصال روايتها، وإنما امتدت إلى مدى ثقة الصحفيين في المعلومات التي تقدمها وإمكانية التحقق منها بصورة مستقلة.
لكن بعد نحو خمسة عقود، عادت إشكالية العلاقة بين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ووسائل الإعلام الأجنبية لتبرز خلال حرب غزة 2023، حيث ظهرت مجددًا إحدى القضايا التي كانت لجنة كارني قد ربطت بينها وبين المصداقية، وهي قدرة الصحفيين على الوصول إلى الميدان والحصول على معلومات مستقلة يمكن مقارنتها بالرواية الرسمية، فمنذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يتمكن الصحفيون الدوليون من الدخول إلى القطاع بصورة مستقلة، بينما اقتصرت بعض الزيارات التي نظمتها إسرائيل على جولات منظمة وتحت مرافقة الجيش الإسرائيلي. وقد دفعت هذه القيود مؤسسات إعلامية دولية إلى المطالبة بإتاحة الوصول المستقل، باعتباره شرطًا ضروريًا للتحقق من الروايات الإسرائيلية، والتحدث مباشرة مع المدنيين، وتوثيق التطورات الميدانية.[20]
التجربة المصرية كدليل على أهمية المصداقية في المجهود الحربي
استشهدت اللجنة بالحالة المصرية باعتبارها مثالًا على فهم أهمية الاتصال باعتباره مكونًا من مكونات المجهود الحربي، حيث أوضح التقرير أنه خلال الأيام الحاسمة من الحرب، وبينما كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية الرسمية تقلل من حجم الإنجاز المصري، وتخفي الصعوبات التي تواجه القوات الإسرائيلية، وتتحدث مبكرًا عن كبح القوات المصرية، كان صحفيون ومراسلو تلفزيون أجانب قد وصلوا بالفعل إلى الجانب المصري وبالتحديد إلى الضفة الشرقية للقناة، وقد أتاح هذا الوصول لمصر مكسبًا سياسيًا ودعائيًا كبيرًا؛ إذ أصبح بإمكان الصحفيين الأجانب رؤية الواقع الميداني مباشرة، في الوقت الذي كانت فيه الرواية الإعلامية الإسرائيلية تقدم صورة مختلفة.
وترى اللجنة أن الانهيار المفاجئ في مصداقية المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في العالم ارتبط بهذا التناقض بين الرواية الرسمية الإسرائيلية والصورة التي أصبح الصحفيون الأجانب قادرين على مشاهدتها ونقلها من الجانب المصري.
وينقل التقرير نصًا: “يبدو لنا أن العدو المصري قد أحسن فهم هذه النقطة -أهمية المصداقية- على الأقل في الأيام المختلفة والحاسمة من الحرب كانت له اليد العليا في المواجهة، على سبيل المثال: بينما كانت وسائل إعلامنا الرسمية تقلل من حجم الإنجاز المصري، وتخفي صعوباتنا وتتحدث قبل الأوان عن “كبح” وحتى عن “سحق”، كان قد وصل بالفعل من الجانب المصري مراسلو صحافة وتلفزيون أجانب إلى الجانب الشرقي من القناة، وهذا الأمر أكسب المصريين إنجازًا سياسيًا ودعائيًا كبيرًا وأدى إلى سقوط مفاجئ لمصداقية المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في العالم، ويقول المراسلون الأجانب الذين يعرفون البيروقراطية المصرية في أيام السلم، إنه لا شك في أن الأمر كان مخططًا له مسبقا كجزء من الخطة العملياتية المصرية، وهو ما يشهد على فهمهم لموضوع الاتصال كمكون في المجهود الحربي”.[21]
رابعًا: أوجه القصور المؤسسية والتنظيمية[22]:
لم تقتصر ملاحظات اللجنة على أزمة المصداقية وأسبابها، وقصور أداء المتحدث العسكري، رغم كونه الجانب الأبرز في تقييمها وما ترتب عليه لاحقًا من إعادة هيكلة للوحدة، إنما امتد تقييم اللجنة إلى البنية المؤسسية والتنظيمية التي كانت تحكم عمل منظومة الإعلام العسكري، وما شابها من قصور في التنسيق وتحديد المسئوليات وإدارة تدفق المعلومات. فقد كشفت الحرب عن غياب سياسة إعلامية واضحة ومعدة مسبقًا للتعامل مع الظروف الاستثنائية، إلى جانب عدم وجود جهة مركزية تتولى تنسيق الرسائل الإعلامية الصادرة عن المؤسسات العسكرية والحكومية، وهو ما أفسح المجال لتضارب التصريحات وتأخر تقديم المعلومات، وأضعف قدرة المؤسسة العسكرية على إدارة الاتصال مع الجمهور ووسائل الإعلام بصورة متماسكة.
وأظهرت التحقيقات كذلك أن منظومة المتحدث العسكري لم تكن تتمتع بالاستقلال التنظيمي أو الصلاحيات اللازمة لأداء دورها بكفاءة؛ إذ كانت وحدة المعلومات تتبع شعبة الاستخبارات العسكرية أمان، الأمر الذي نتج عنه تداخل بين الوظيفة الإعلامية والاعتبارات الاستخباراتية، وأثر في طبيعة المعلومات التي يمكن تقديمها وفي سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية، كما برزت الحاجة إلى تطوير الكوادر العاملة في مجال الإعلام العسكري، لا سيما في ما يتعلق بالتخصص المهني، والتعامل مع الصحفيين الأجانب، وإتقان اللغات الأجنبية، وفهم طبيعة وسائل الإعلام الدولية ومتطلباتها.
وفي السياق ذاته، كشفت الحرب عن قصور في الاستعداد المسبق لإدارة الاتصال أثناء العمليات العسكرية، سواء من حيث إعداد الخطط والإجراءات، أو تنظيم الإحاطات الإعلامية، أو ضمان التنسيق بين المتحدث العسكري والجهات الحكومية والإعلامية المعنية. ولم تكن المشكلة، وفقًا لما أظهرته اللجنة، مقتصرة على نقص المعلومات أو صعوبة الحصول عليها، بل شملت أيضًا غياب آليات مؤسسية تضمن اتساق الرسائل، وتحدد المسئول عن إصدارها، وتكفل وصولها إلى وسائل الإعلام في الوقت المناسب وبالصيغة الملائمة.
وبذلك، عكست أوجه القصور التي رصدتها اللجنة خللًا أوسع من مجرد أداء أفراد أو وحدات بعينها؛ إذ كشفت عن حاجة منظومة الإعلام العسكري إلى إعادة تنظيم شاملة، تستند إلى تحديد واضح للاختصاصات، وتعزيز التنسيق مع المؤسسات المعنية، ورفع مستوى التأهيل المهني والاستعداد المسبق للتعامل مع الأزمات والحروب.
خامسًا: من تشخيص الأزمة إلى إعادة هيكلة منظومة المتحدث:
لم تتوقف لجنة كارني عند تشخيص أوجه القصور، وإنما امتدت إلى إعادة تنظيم وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي داخل الهيكل العسكري، انطلاقًا من أن معالجة مشكلات الاتصال التي ظهرت خلال الحرب تتطلب تغييرًا في البناء التنظيمي وتحديدًا أكثر وضوحًا للاختصاصات والمسئوليات، وجاءت توصيات اللجنة بإعادة تنظيم دائرة الإعلام داخل الجيش في أعقاب فصلها عن شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، بعد استخلاص الدروس من حرب السادس من أكتوبر، إذ قررت اللجنة ضرورة إجراء تغيير في الهيكل التنظيمي القائم.
وفي هذا السياق، خلصت اللجنة إلى ضرورة إعادة تنظيم الهيكل القائم بما يتناسب مع حجم المسئوليات التي تضطلع بها وحدة المتحدث، ليس فقط خلال أوقات الحرب، وإنما كذلك في فترات الهدوء والاستعداد للطوارئ، وأوصت اللجنة بتعديل وضع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الذي كان يتبع شعبة الاستخبارات العسكرية، ليصبح تابعًا مباشرة لرئيس الأركان العامة، بما يسمح له بالعمل كدائرة مستقلة.
استنادًا إلى الهيكل التنظيمي الذي أُقر عقب توصيات لجنة كارني، أُعيد تنظيم وحدة المتحدث العسكري على أساس أربعة فروع متخصصة، هي: فرع الإعلام، وفرع الارتباط بالصحافة، وفرع العلاقات العامة، وفرع التنظيم والتدريب. واستهدف هذا التقسيم توزيع المسئوليات بين إعداد الرسائل الإعلامية، وإدارة العلاقة مع وسائل الإعلام، والتواصل مع الجمهور، وتطوير القدرات التنظيمية والمهنية للوحدة. كما أُنشئت خمسة أقسام جديدة وأدخلت تعديلات داخلية على الوحدات القائمة.
كما أُعيد تنظيم وحدة الارتباط بالصحافة داخل هيئة الأركان، وأُطلق عليها في إطار الترتيبات الجديدة اسم وحدة المتحدث باسم الجيش في الاحتياط، بما يسمح بتوفير قوة احتياطية يمكن استدعاؤها وتوزيعها عند الطوارئ. ونص التنظيم الجديد على وجود ضباط إداريين في القيادات والمناطق العسكرية يعملون كممثلين للمتحدث باسم الجيش. وفي أوقات السلم، يكون هناك اتصال مباشر بينهم وبين وحدة المتحدث، بما يسمح بنقل المعلومات وتنسيق النشاط الإعلامي على المستوى المحلي.
وفي الوقت نفسه، أصبح المتحدث تابعًا بصورة مباشرة لرئيس الأركان، بينما تُقدم له الخدمات الإدارية من هيئة الأركان، بما في ذلك ترتيبات المقر والتجهيزات والموارد. وأصبح التنظيم الجديد نافذًا اعتبارًا من 10 مايو 1974، مع تكليف أقسام العمليات والتنظيم بوضع الأوامر الخاصة بالهيكل والقوى البشرية والمركبات والمعدات، وتكليف إدارة الأفراد بالتنسيق في المسائل الإدارية وتوزيع القوى البشرية. كما كُلف المتحدث بتحديد مهام الأقسام المختلفة لإدراجها في أوامر القيادة العليا بحلول 30 مايو 1974.
تكشف توصيات لجنة كارني أن اللجنة لم تتعامل مع أزمة المصداقية باعتبارها مشكلة في صياغة البيانات فحسب، وإنما باعتبارها مشكلة مؤسسية تتعلق بكيفية إنتاج المعلومات، وتدفقها، والتحقق منها، وتوزيعها، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة والرقابة ووسائل الإعلام، وبذلك لم يكن الهدف من الإصلاح مجرد تحسين صياغة البيانات، وإنما بناء منظومة أكثر انتظامًا لإدارة الاتصال العسكري والإعلامي، قادرة على تحديد المسئوليات، وتنسيق المعلومات، والاستعداد للتعامل مع الصحافة، وإدارة العلاقة مع الرقابة، وضمان جاهزية الموارد البشرية والمادية.
غير أن هذه الإصلاحات عالجت، بدرجة أكبر، آليات إنتاج الرواية وتنسيقها وتوزيعها، ولم تحسم المعضلة الأوسع المتعلقة بمضمون الرواية وعلاقتها بالوقائع التي يفترض أن تستند إليها. فالمركزية قد تحد من تضارب البيانات، والتدريب قد يحسن أداء المتحدث، وتطور المنصات قد يوسع نطاق الوصول إلى الجمهور، لكن هذه الأدوات لا تكفي وحدها لضمان المصداقية عندما تتعارض الرواية الإسرائيلية مع الوقائع الميدانية.
وبذلك، لا تكمن القيمة الأساسية لتقرير لجنة كارني في أنه يوثق أوجه القصور التي شابت إدارة الإعلام خلال حرب أكتوبر أو يشرح إعادة هيكلة آليات تقديم الرواية العسكرية الإسرائيلية فحسب، بل في أنه يكشف حدود الإصلاح المؤسسي نفسه. فإعادة تنظيم المنظومة قد تجعلها أكثر سرعة وانضباطًا وقدرة على إدارة الرسائل، لكنها لا تضمن تجاوز أزمتها إذا ظلت الرواية منفصلة عن الوقائع أو إذا جرى التعامل مع الإعلام العسكري بوصفه أداة للتحكم في الصورة، وبذلك، لا تكمن القيمة الأساسية لتقرير لجنة كارني في الإصلاحات التي اقترحها لتنظيم العمل الإعلامي العسكري الإسرائيلي فحسب، وإنما في أنه يكشف طبيعة الاستجابة الإسرائيلية لأزمة المصداقية وإدارة المعلومات خلال حرب أكتوبر؛ إذ انصبت المعالجة على تحسين قدرة المؤسسة على إدارة المعلومات وتقديم روايتها، بينما تظل مسألة المصداقية مرتبطة بما يتجاوز كفاءة المنظومة الإعلامية إلى الوقائع والممارسات التي تتناولها الرواية نفسها.
[1] المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، موسوعة حرب أكتوبر 3: الانتصار السياسي.. مصر تصنع السلام، 2024، (ص963-965)
[2] Israel Defense Forces and Defense Establishment Archive، Public relations “Hasbara” in the Yom Kippur War: The Karni Committee report
أرشيف الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية، وزارة الدفاع الإسرائيلية، العلاقات العامة(الهاسبارا) في حرب يوم الغفران: تقرير لجنة كارني حول إخفاقات العلاقات العامة خلال حرب أكتوبر:https://archives.mod.gov.il/Exhib/Hasbarakipur/Pages/ExhibitionsDocs.aspx?ExhbId=91
[3]Cummings، Jonathan (2012) ’Muddling through’ hasbara: Israeli government communications policy، 1966-1975. [PhD thesis]. London School of Economics and Political Science.P 208
كامينغز، جوناثان (2012) “التخبط” في “الهسبارا”: سياسة الاتصال الحكومية الإسرائيلية، 1966-1975. رسالة دكتوراه كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. ص 208: https://researchonline.lse.ac.uk/id/eprint/131724/
[4] المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، جدول: قائمة بأسماء المتحدثين الرسميين للجيش الاسرائيلي منذ تأسيسه:
[5] موقع إلكتروني يخلد ذكرى نحمان كارني: https://nachmankarni.co.il/main.htm
[6] الصحافة المجندة، إسرائيل هيوم، 1 مارس 2018: https://www.israelhayom.co.il/article/116443
[7] في ذكرى محرر وصديق، ديفيد بيدهاتسور محرر مجلة “L’Merhav” صحيفة الكيبوتس: http://www.kibbutz.org.il/itonut/2008/hakibutz/080104_pedatzur.htm
[8] Cummings، J. (2012).op cit.
[9] تقرير لجنة كارني ص1
[10] تقرير لجنة كارني من ص2 إلى ص6
[11] تقرير لجنة كارني من ص6 إلى ص 12
[12] تقرير لجنة كارني من ص8 إلى ص10
[13] Goodman، G. (2017). ‘Spokesman-ship is a weapon’: Israeli army news management during the October 1973 war. Israel Affairs، 23(2)، 231–252
غودمان، ج. (2017). الخطابة سلاح إدارة الأخبار في الجيش الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر 1973: . https://doi.org/10.1080/13537121.2016.1274510
[14]הדוברות הצבאית במלחמת יום הכיפורים
إفرايم لابيد ورون جافيان، المتحدث العسكري في حرب يوم الغفران، الموقع الرسمي للجيش الإسرائيلي، قسم التاريخ العسكري ص29:
[15]Giora Goodman، Op. cit
[16] راجع تقرير لجنة كارني من ص 31 إلى ص 78
[17] إفرايم لابيد ورون جافيان، مرجع سابق ص28
[18] د. محمد عبدالقادر حاتم، دور الإعلام المصري في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية في حرب أكتوبر 1973، مكتبة الأسرة
[19] Cummings، Jonathan، op. cit، P206
[20] Media organizations urge Israel to open press access to Gaza، Committee to protect journalists، 11 july 2024:
منظمات إعلامية تحث إسرائيل على فتح المجال أمام الصحافة للوصول إلى غزة، لجنة حماية الصحفيين، 11 يوليو 2024: https://cpj.org/thetorch/2024/07/media-organizations-urge-israel-to-open-press-access-to-gaza/
[21] راجع تقرير لجنة كارني ص 3
[22] راجع تقرير لجنة كارني من ص 18 إلى ص 21
باحثة بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية






























