لم يقتصر الإعداد لحرب أكتوبر 1973 على الاستعداد العسكري فقط، بل امتد للمجال العام والإعلامي بوصفه أحد مكونات الخداع الاستراتيجي، وبفضل التخطيط والإعداد المسبق لم يكن الإعلام المصري خلال حرب أكتوبر وفترة الإعداد لها مجرد ناقل للأحداث، وإنما كان جزءًا من خطة أوسع استهدفت إدارة إدراك العدو وإعادة تشكيل توقعاته بشأن النوايا المصرية وقدراتها.
وقد نجح الإعلام المصري في الاضطلاع بهذا الدور إلى الحد الذي جعل الجانب الإسرائيلي يقدم مؤشرًا على مدى نجاح هذا التوظيف، إذ أشار الجنرال “إيلي زعيرا”، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر، في كتابه حرب يوم الغفران إلى أن “كل موضوعات الإعلام المصري كانت حملة خداع من جانب الرئيس أنور السادات، أو شخص ما بجواره، وأن ذلك ليعتبر أكبر نجاح لمصر في حرب يوم الغفران (أكتوبر)” . وتكتسب هذه الشهادة أهميتها باعتبارها صادرة عن المسؤول عن تقدير الموقف الاستخباري الإسرائيلي خلال الحرب، بما يعكس أن تأثير الإعلام المصري تجاوز وظيفته التقليدية في نقل الأخبار، ليصبح جزءًا من عملية تشكيل الصورة التي بنت إسرائيل على أساسها تقديراتها بشأن مصر.
وتكتسب دراسة الدور الذي لعبه الإعلام المصري في خطة الخداع الاستراتيجي أهميتها من أن الخداع الإعلامي لم يبدأ مع اندلاع العمليات العسكرية، وإنما سبق الحرب بسنوات؛ إذ جرى العمل على إعادة بناء مصداقية الإعلام المصري، ووضعه ضمن منظومة أكثر تنظيمًا وتنسيقًا مع القيادة السياسية والعسكرية، بما جعله قادرًا على التأثير في إدراك الخصم، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قدرته على مخاطبة الجمهور المصري والعربي والدولي. ومن هنا تتناول الورقة مسار توظيف الآلة الإعلامية المصرية ضمن الخداع الاستراتيجي، بدءًا من استخلاص دروس حرب 1967 وإعادة بناء العقيدة الإعلامية، مرورًا بإدارة المعلومات واستخدام أساليب الخداع والتمويه، وصولًا إلى إدارة الإعلام أثناء الحرب واستعادة المصداقية باعتبارها سلاحًا في المعركة.
إعادة بناء العقيدة الإعلامية
خلال التخطيط لحرب أكتوبر 1973 أدركت القيادة المصرية أن الإعلام لم يكن مجرد أداة لنقل الأحداث، وإنما يمكن أن يمثل عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الإدراك؛ لذلك كُلفت وقتها وزارة الإعلام برئاسة الدكتور “محمد عبد القادر حاتم” بإعداد تقييم لأداء الصحافة والإعلام خلال حرب يونيو1967 التي كشفت عن قصور في الأداء الإعلامي المصري، وما ترتب عليها من فقدان المصداقية داخليًا وخارجيًا. وقد خلص إلى أن غياب التخطيط الإعلامي المسبق، وضعف التنسيق بين أجهزة الإعلام والقيادة العسكرية، إلى جانب المبالغة والتهويل في الخطاب الإعلامي، والتهوين من قدرات إسرائيل، وإطلاق تصريحات غير مسؤولة، أسهم في تقويض مصداقية الإعلام المصري
انطلاقًا من ذلك، جرى إعادة بناء العقيدة الإعلامية المصرية على أساس يقوم على التخطيط والتنسيق بين القيادات السياسية والعسكرية وأجهزة الإعلام، وجرى توظيف الإعلام كأداة ضمن منظومة الخداع الاستراتيجي. وقد وضعت خطة الإعلام على أساس دراسة متأنية تضمنت حتى دراسة الملف النفسي لقادة إسرائيل، خاصة قيادات الجيش الإسرائيلي، من أجل انتقاء أنواع الكذب والخداع التي يمكن أن تنطلي على قادة إسرائيل، من أجل تغذية الشعور بالغطرسة والقوة والغرور الإسرائيلي.
آليات توظيف الإعلام في الخداع الاستراتيجي
لم يكن توظيف الإعلام المصري في إطار خطة الخداع الاستراتيجي قائمًا على إجراءات منفصلة أو على نشر معلومات مضللة بصورة عشوائية، وإنما جاء ضمن خطة متكاملة ومركزية استهدفت التأثير في الصورة التي كونتها إسرائيل عن مصر وتوجه تقديراتها بعيدًا عن النوايا والاستعدادات الحقيقية.
وانطلقت الخطة من إدراك أن تحقيق المفاجأة الاستراتيجية لا يتطلب فقط إخفاء قرار الحرب، وإنما يتطلب بناء واقع بديل، ومقنع لدى العدو عن طبيعة الموقف المصري، وإقناع العدو به. وفي هذا الإطار جرى توظيف وسائل الإعلام في إطار خطة تهدف إلى إرباك التقديرات الإسرائيلية وإضعاف قدرتها على التمييز بين المؤشرات الحقيقية والمصطنعة. وقد قامت الخطة على مجموعة من العناصر المترابطة كان لكل منها وظيفتها في خدمة الهدف النهائي وقد شملت عناصر تنفيذ خطة الإعلام التي حققت المفاجأة الاستراتيجية ما يلي:
- وضع هدف استراتيجي أساسي سري: تمثل الهدف الاستراتيجي الأساسي في اتخاذ قرار الحرب والإعداد لها مع الحفاظ على أعلى درجات السرية، وسرية تحقيق الهدف لم تكن مرتبطة بوجود نية الحرب من عدمها، وإنما تكون السرية في الإعداد لهذه الحرب من ناحية وإقناع إسرائيل بعدم قدرة مصر على الحرب من ناحية ثانية.
- وضع هدف مخادع لتحويل الأنظار إليه: بالتوازي مع إخفاء الهدف الاستراتيجي جرى بناء هدف بديل لتوجيه أنظار الإسرائيليين إليه، وهنا بدأ دور الإعلام المصري، لإقناع إسرائيل بشكل خاص، والمجتمع الدولي بتسليم مصر للأمر الواقع، وعدم قدرتها على مواجهة إسرائيل وسعيها للتسوية السلمية وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وتحرير الأراضي المحتلة بوسائل سياسة.
- التحكم المركزي والسرية التامة والسيطرة على المعلومات: مثل التحكم المركزي في المعلومات وفرض السرية التامة أحد أهم عناصر نجاح خطة الخداع الاستراتيجي المصرية، إذ أخضعت الخطة ما يصدر عن الدولة من أخبار وتصريحات ومعلومات لرقابة دقيقة، شملت البرقيات الصادرة من مصر، وما تنشره الصحافة المصرية، وما يذاع عبر الإذاعة والتليفزيون، مع تحديد طبيعة المعلومات التي يمكن إعلانها، والشخصيات التي تُنسب إليها، والتوقيت المناسب لبثها، كما فُرض حظر صارم على الإدلاء بأي تصريحات سياسية أو عسكرية بشأن الحرب، بما يحول دون تسرب مؤشرات تكشف النوايا أو الاستعدادات المصرية.
ولم يكن الهدف من هذه الإجراءات مجرد الحفاظ على سرية الاستعدادات العسكرية، وإنما إدارة الصورة التي تصل إلى إسرائيل بصورة مركزية ومقصودة، بحيث تعكس أن مصر لا تسعى إلى الحرب أو العدوان، وإنما تتمسك بالحل السياسي وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وبذلك أصبحت السيطرة على المعلومات جزءًا أساسيًا من عملية تشكيل إدراك الخصم وتوجيهه نحو التقدير الخاطئ للنوايا المصرية، بما يخدم الهدف النهائي للخداع الاستراتيجي، وهو تحقيق المفاجأة في توقيت الحرب.
- صناعة منطقة ظلام معلوماتي لدى إسرائيل: من خلال إضفاء كامل السرية والغموض على أنباء أو أحداث معينة، بحيث لا يتم معرفة أي شيء عنها أو معرفة ما حدث فيها أو تفسير حدوثها في هذا التوقيت، الأمر الذي يخلق منطقة من الظلام المعلوماتي في الصورة الاستخبارية التي تكونها إسرائيل، بالإضافة إلى إضفاء السرية على أحداث معينة، بهدف جذب إسرائيل إلى الاهتمام بها أكثر مما يجب، واستغلال ذلك لإبعادها عن أحداث أخرى.
- تجاهل الأنشطة والتصريحات الإسرائيلية ذات الصلة بالحرب: كانت تصدر عن إسرائيل تصريحات مستمرة عن أنشطتها العسكرية التي تبرز التفوق العسكري الإسرائيلي، حتى وإن كانت تلك التصريحات مستفزة إلى أبعد الحدود، كان يتم التعامل معها بتجاهل شبه كامل، وقد كان لهذا التجاهل المتعمد أثر في تضليل إسرائيل فيما يتعلق بنوايا وقدرات مصر، وزاد من إيمانها بعجز مصر عن القيام بأي صلة عسكرية في هذه الفترة.
- السماح بنشر الأخبار عن إسرائيل وقوتها العسكرية: بعد أن كان من غير المسموح نشر أي أخبار عن صفقات السلاح الإسرائيلية أو عن تقدير موقف لصالح إسرائيل، أتيح للإعلام المصري الإعلان عن صفقات السلاح الإسرائيلية وعن القدرات الكبيرة التي تمتلكها إسرائيل، وجرى استثمار صورة التفوق الإسرائيلي التي ترسخت بعد 1967، وبدلًا من محاولة هدمها إعلاميًا، أصبح يسمح بنشر بعض هذه الأخبار بحذر، بما في ذلك الحديث عن التسليح الأمريكي لإسرائيل، وقوة الجيش الإسرائيلي، والتحصينات وخط بارليف، وقدرات إسرائيل العسكرية. وكان الهدف من ذلك إيصال رسالة إلى الجانب الإسرائيلي بأن مصر باتت تسلّم بتفوقه العسكري، بما يعزز لديه الشعور بالثقة والغرور ويؤكد التصورات التي يريد الجانب المصري أن تترسخ لديه بشأن عجز مصر عن خوض حرب جديدة.
- استغلال حملة الدعاية الإسرائيلية بعد 1967 في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية: استغلت مصر ما رسخته الدعاية الإسرائيلية بعد يونيو 1967 من تصورات ومعتقدات حول ضعف العرب وعجزهم عن المبادرة والتخطيط لخدمة خطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت حرب أكتوبر، وبدلًا من مواجهة هذه التصورات بصورة مباشرة، اتجهت الخطة المصرية إلى تعزيزها لدى الجانب الإسرائيلي، من خلال تقديم مؤشرات توحي باستمرار حالة الضعف وعدم الاستعداد للحرب، مع إخفاء التحركات والاستعدادات العسكرية الحقيقية وتمويه بعضها في صورة إجراءات أو احتياجات مدنية، ما أسهم تدريجيًا في ترسيخ الثقة الإسرائيلية المفرطة بالقدرات الذاتية، وتعميق الاعتقاد بأن مصر غير قادرة على اتخاذ قرار الحرب أو تنفيذ عملية عسكرية ناجحة، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرة القيادة الإسرائيلية على تفسير المؤشرات الفعلية للاستعداد المصري بصورة صحيحة، ومهّد لتحقيق عنصر المفاجأة الاستراتيجية في السادس من أكتوبر 1973.
- استخدام أساليب الخداع والتمويه الإعلامي: لم تقتصر خطة الإعلام المصري على حجب المعلومات التي يمكن أن تكشف الاستعدادات المصرية للحرب، وإنما امتدت إلى توجيه المعلومات التي تصل إلى إسرائيل بما يدفعها إلى بناء صورة مغايرة عن الواقع.
وقد اعتمدت عملية الخداع والتمويه الإعلامي على التحكم في حجم ونوعية المعلومات المقدمة، فكانت بعض الاخبار تُضخم في مقابل التقليل من أهمية أخبار أخرى، ومن بين الأساليب التي استخدمت في الخداع والتضليل في الفترة التي سبقت الحرب التركيز الإعلامي على الأوضاع الداخلية في مصر وإبراز أخبار المظاهرات وحالة الغضب الشعبي بسبب عدم إعلان الحرب، وقد استهدفت الخطة الإعلامية ضمان غياب أي مؤشرات واضحة على استعدادات القوات المسلحة على الجبهة، وتجلى ذلك عمليًا في التغطية الإعلامية التي سبقت الحرب، ففي 22 سبتمبر على سبيل المثال قبل الحرب بأسبوعين، ركزت الصحف القومية مثل الاهرام والجمهورية على المناوشات الدبلوماسية والسياسية، والأنباء حول قطيعة بعض الدول الأفريقية لإسرائيل، إلى جانب التركيز على تحركات وزير الخارجية ومشاوراته في الجمعية العامة للأمم المتحدة وبالتوازي مع ذلك أبرزت الصحف موضوعات تتصل بالحياة اليومية مثل الاستعدادات لموسم المدارس والاستعدادات لشهر رمضان، والتعاون المصري الليبي في مشروعات اقتصادية وتعليمية وإدارية، بما أسهم في تقديم صورة لمصر منشغلة بقضاياها الداخلية.
- المتابعة المستمرة لمعرفة تأثير أساليب الخداع والتمويه على العدو: لم تُنفذ أساليب الخداع بصورة ثابتة، وإنما جرت متابعة المعلومات والتصريحات الصادرة من أو عن إسرائيل وتحليل ردود الفعل لقياس مدى تأثير الخطة المصرية وتحديد ما إذا كانت حققت أهدافها أم لا، وبناءً على ذلك كان يتم مراجعة أساليب الخداع وتعديلها بصورة مستمرة وتطوير أساليب جديدة وفقًا لرد الفعل.
وقد تكاملت هذه العناصر، ونُفذت في إطار إدارة مركزية ومحكمة للمعلومات، بما ضمن اتساق الرسائل الإعلامية والسياسية مع الهدف العام للخطة، ما جعل الإعلام لا يعمل كأداة لنقل المعلومات فحسب، وإنما كجزء من عملية تشكيل إدراك العدو ودفعه إلى التقدير الخاطئ.
إدارة الرواية المصرية للحرب لتهيئة الرأي العام الدولي
لم تكن مهمة الإعلام المصري في الحرب تقتصر فقط على الجمهور المصري أو العربي، ولم يتوقف الهدف الرئيسي على تضليل إسرائيل بشأن النوايا المصرية، وإنما امتد لتهيئة الرأي العام الدولي للتعامل مع الحرب؛ انطلاقًا من إدراك أن الصورة التي ستتكون لدى المجتمع الدولي عن دوافع الحرب ستكون ذات أهمية كبيرة في تحديد المواقف الدولية تجاهها، لذا عمل الإعلام على بناء رواية تؤكد أن مصر لا تسعى إلى الحرب لذاتها، وإنما تريد استعادة أراضيها المحتلة، ما مهد إلى أن لجوء مصر للحرب كان نتيجة لمسار طويل استُنفدت فيه الوسائل السياسية والدبلوماسية وليس باعتبارها عدوان مصري على إسرائيل، وأن الخيار العسكري هو وسيلة اضطرارية بعد تعثر التسوية السلمية وفشل الجهود الدولية في إنهاء الاحتلال.
وفي هذا الإطار، فُرضت ضوابط صارمة على الخطاب الإعلامي ولم يكن مسموح باستخدام كلمة “حرب” أو مناقشتها بصورة مباشرة سواء بالسلب أو بالإيجاب، كما حُظرت التصريحات النارية، والتحريضية ضد إسرائيل بما في ذلك تلك الصادرة عن الكتاب والمفكرين والشخصيات العامة، كما جرى ضبط المصطلحات المستخدمة في الخطاب الرسمي والإعلامي بحيث لا تقدم مصر باعتبارها دولة تخوض حربًا هجومية، وإنما دولة تسعى إلى تحرير أرضها .
وفي الوقت نفسه، اتجهت مصر إلى التعامل بصورة أكثر انفتاحًا مع الإعلام الدولي الموجود على أراضيها، فخُففت الرقابة على البرقيات الصحفية والإعلام الأجنبي، كما جرى وقف التشويش على الإذاعات الأجنبية، وتجنب الخطاب الذي يهاجم اليهودية كدين، والتركيز بدلًا من ذلك على الأبعاد السياسية والاستعمارية للصراع وأسهمت هذه الإجراءات في منح الإعلام الأجنبي مساحة أكبر لنقل الموقف المصري، بما ساعد على الوصول إلى الرأي العام الدولي مباشرة بدلًا من ترك الساحة الإعلامية الدولية للرواية الإسرائيلية.
كما ركز الإعلام على تقديم القضية المصرية باعتبارها قضية حقوق وأراضي محتلة، والتأكيد على أن مصر تريد استعادة أراضيها وإعادة فتح قناة السويس واستعادة ظروف الاستقرار والتنمية والتجارة في المنطقة، وقد استخدمت القنوات الإعلامية والدبلوماسية بصورة متكاملة لتوصيل الرسالة نفسها للمجتمع الغربي. وفي هذا السياق، جرى استغلال الأحداث والتحركات الدبلوماسية الدولية لتأكيد هذه الرسالة، فعندما زار الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، “كورت فالدهايم” المنطقة في صيف 1973، سربت معلومات إلى وسائل الإعلام العالمية تفيد بأن مصر أكدت له تمسكها بالتسوية السلمية وطلبت منه تنشيط الجهود الدولية لحل الصراع دون الإشارة إلى احتمالات الحرب.
ولم تكن تلك الرسائل منفصلة عن هدف الخداع الاستراتيجي، وإنما كانت تخدم في الوقت نفسه هدفين متكاملين: تعزيز الاعتقاد الإسرائيلي بأن مصر لا تستعد للحرب، وإقناع المجتمع الدولي بأن مصر مازالت تتحرك لتحقيق التسوية. وبذلك سعت مصر لترسيخ معادلة واضحة أمام الرأي العام العالمي: أنها تريد السلام، وأنها استنفدت الوسائل السياسية والدبلوماسية لتحقيقيه وأن استمرار الاحتلال هو نتيجة تعنت إسرائيل وعدم التزامها القرارات الدولية، وأن الخيار العسكري أصبح هو الخيار الوحيد المتاح لاستعادة الأراضي المحتلة، ومن ثم عندما بدأت الحرب كانت مصر قد قطعت شوطًا طويلًا في تهيئة البيئة الإدراكية والسياسية الدولية لاستيعاب دوافعها.

الإذاعة العبرية والحرب النفسية
وظفت مصر إذاعتها الناطقة بالعبرية صوت القاهرة “كول كاهير קול קהיר” والموجهة إلى الداخل الإسرائيلي كأحد أدوات الحرب النفسية مستهدفة التأثير في إدراك المجتمع الإسرائيلي وعلاقته بقيادته العسكرية والسياسية. كما استهدفت التأكيد على أن استمرار الحرب لا يخدم إلا مصالح فئة محدودة من القيادات الإسرائيلية، واتسم خطاب الإذاعة بالحرص على عدم مهاجمة الشعب الإسرائيلي أو الديانة اليهودية، والتركيز بدلًا من ذك على تحميل القيادة الإسرائيلي مسؤولية استمرار الصراع والتأكيد أن مصر لا تسعى إلى الحرب وإنما تحرير أراضيها والوصول إلى السلام.
كما جرى تطوير أداء الإذاعة خلال المعركة، واستفادت مصر من وقوع أعداد من الجنود الإسرائيليين في الأسر وبتنسيق مع القيادات العسكرية، كانت تبث أسماء الأسرى ورسائل منسوبة إليهم، مدموجة بموسيقى “البوب” لجذب انتباه المستمع الإسرائيلي، وأسهم ذلك في زيادة معدلات الاستماع إلى الإذاعة، إذ أصبحت مصدرًا مهمًا للمعلومات التي يبحث عنها الإسرائيليون بشأن أقاربهم المفقودين أو الأسرى. وامتد تأثير هذه البرامج إلى المجال النفسي، حيث ساهمت في تعميق حالة القلق والارتباك داخل المجتمع الإسرائيلي خلال الحرب، وفي التأثير في صورة الحرب وتداعياتها على الرأي العام الإسرائيلي. ولم تكن الإذاعة خلال الحرب تهاجم إسرائيل أو شعبها بل كانت تنادي الشعب الإسرائيلي للخروج في مظاهرات وإسقاط الحكومة الإسرائيلية التي تقف عائقًا أمام عملية السلام. وقد نجحت الإذاعة العبرية التي تبث من القاهرة في جذب انتباه الداخل الإسرائيلي في حرب أكتوبر لا سيما مع التعتيم الإسرائيلي، وبلغ عدد مستمعي الإذاعة حينها نحو مليون وربع مليون مستمع.
إدارة الإعلام أثناء الحرب التحول من التضليل إلى المصداقية
لم يتوقف دور الإعلام المصري مع اندلاع العمليات العسكرية، بل انتقل إلى مرحلة جديدة اختلفت فيها وظيفته وأدواته، فبعد أن قامت مرحلة ما قبل الحرب على إخفاء النوايا والتحكم في المعلومات والتضليل والتمويه، وتشكيل إدراك الخصم، أصبحت الأولوية مع بدء القتال هي استعادة المصداقية التي فقدها الإعلام والحفاظ على مكانته كمصدر أساسي للمعلومات للتأثير في الداخل والخارج، لذلك وضعت خطة إعلامية مستقلة للتعامل مع الحرب، جرى إعدادها بالتنسيق مع القوات المسلحة، وقامت على نقل المعلومات بسرعة وهدوء دون مبالغة أو تهويل.
وكانت استعادة الثقة في الإعلام المصري خاصة أثناء الحرب تمثل تحديًا كبير، إذ كانت حرب 1967 قد تركت فجوة كبيرة بين الجمهور وأجهزة الإعلام المصرية بسبب الأخبار غير الدقيقة والمبالغات، لذلك اتخذت الإدارة المصرية قرار بأن دستور الإذاعة والإعلام في 1973، يجب أن يقوم على الصدق والسرعة في نقل الخبر، بحيث يحصل المواطن على أول معلوماته عن الحرب من مصادر الإعلام المصرية.
ولم يكن المقصود بالمصداقية هنا مجرد تجنب الأخبار الكاذبة، وإنما بناء نمط إعلامي يبتعد عن الخطابة والتهويل، ويقدم المعلومات في إطار منضبط، وفي هذا السياق عُقد اجتماع موسع لرجال الإذاعة والتلفزيون ظهر يوم السادس من أكتوبر، قبل إذاعة البيان الأول الذي كان قد أٌعد بالتنسيق مع قيادة القوات المسلحة، وطُلب من المذيعين إجراء بروفة على طريقة تقديم البيان مع وضع قواعد واضحة للتغطية الإعلامية في مقدمتها عدم الخطابة أو الإثارة، أو المبالغة في البيانات العسكرية، وكان للبيانات الأولى للحرب طابع خاص، حيث اتسمت بالموضوعية والمصداقية الشديدة والالتزام بالقراءة بلغة هادئة، واعتمدا على إذاعيين لديهم استعداد فكرى وثبات انفعالي قوي.
وفي الوقت نفسه، حافظت مصر على قدر من الانضباط فيما يتعلق بالمعلومات التي يمكن أن يستفيد منها العدو عسكريًا فالمصداقية لم تعنِ الكشف الكامل عن المعلومات العسكرية، وإنما ظلت هناك حدود واضحة لما يمكن الإعلان عنه.
وقد استمر التنسيق بين أجهزة الإعلام والقيادة العسكرية، بحيث يتم الإعلان عن المعلومات التي يمكن نشرها دون الإضرار بالعمليات أو تقديم معلومات ذات قيمة استخبارية للجانب الإسرائيلي. وبذلك جمعت الخطة بين مبدأين؛ الشفافية والمصداقية أمام الجمهور، والسرية والكتمان فيما يتعلق بالمعلومات العسكرية الحساسة.
وقد اتسمت التغطية الإعلامية بالفعل بنبرة هادئة بعيدة عن التعبئة الانفعالية المفرطة، ولم تتجه الإذاعة إلى الإغراق في الأناشيد الحماسية وإنما جرى اختيار أغنيات هادئة، وكان الالتزام بالحقائق أحد المبادئ الأساسية في إدارة التغطية الإعلامية في حومة المعركة، إذ تجنب الإعلام المبالغة في تقدير خسائر العدو، أو حجم الانتصارات المصرية.
كما وضعت الخطة أُسسًا للتعامل مع الإعلام الأجنبي باعتباره قناة تُستخدم لنقل الرواية المصرية إلى الخارج وفي الوقت نفسه أداة لإثبات مصداقيتها، إذ رفعت الرقابة عن البرقيات الصحفية الأجنبية العاملة في مصر، وأتيح قدر من الانفتاح الإعلامي على الخارج، مع الحرص على عدم طرد الصحفيين أو التضييق عليهم، وجرى تنظيم جولات للصحفيين والإعلاميين الأجانب في المناطق التي أصبحت تحت السيطرة المصرية بعد العبور، وإتاحة الفرصة لهم لمعاينة مجريات القتال وأوضاع القوات المصرية والأسرى الإسرائيليين بصورة مباشرة، وبذلك لم تعتمد مصر في تقديم روايتها على البيانات الرسمية وحدها، وإنما سعت إلى تمكين الإعلام الدولي من الوصول إلى مصادر وشواهد ميدانية مستقلة نسبيًا، بما عزز من مصداقية الرواية المصرية، ولا سيما في مواجهة الدعاية الإسرائيلية ومحاولات التعتيم على ما يجري في الجبهة.
مجمل القول، لعب الإعلام المصري دورًا هامًا في مجال الإعداد والتخطيط لحرب أكتوبر 1973، وخرج الإعلام المصري إلى نطاق التأثير الإقليمي والدولي، حيث لم يستخدم الإعلام في حرب أكتوبر باعتباره أداة دعائية بالمعنى التقليدي، وإنما وظف كجزء من منظومة متكاملة للخداع الاستراتيجي، وإدارة الأدراك، ففي مرحلة الإعداد للحرب تولى الإعلام التحكم في تدفق المعلومات وإخفاء المؤشرات الدالة على الاستعداد العسكري، وصناعة رواية بديلة تقوم على السعي إلى التسوية والسلام، والانشغال بالقضايا الداخلية والاقتصادية إلى جانب تضخيم بعض مظاهر الضعف والاضطراب والاستفادة من صورة التفوق الإسرائيلي التي رسخت بعد 1967، واستهدف ذلك تشكيل البيئة المعلوماتية التي تبني عليها إسرائيل تقديراتها بما يدفعها إلى تفسير السلوك المصري بشكل خاطئ.
وفي الوقت ذاته استخدمت مصر الإعلام الموجه للخارج لبناء صورة لدى الرأي العام الدولي تقوم على أن الحرب إذا وقعت ستكون نتيجة لاستنفاد كل الوسائل السياسية والدبلوماسية، ووسيلة أخيرة لاستعادة الأراضي المحتلة. ومع اندلاع الحرب انتقل الإعلام من وظيفة التضليل إلى وظيفة الحفاظ على المصداقية وإدارة الرواية من خلال خطاب هادئ ومنضبط والاعتماد على البيانات الرسمية، وإتاحة قدر من الانفتاح أمام الإعلام الأجنبي بما سمح لمصر بالحفاظ على ثقة الجمهور وتقديم روايتها للحرب دوليًا. ومن ثم فإن الدور الإعلامي في خطة أكتوبر لم يكن منفصلًا عن الخداع الاستراتيجي بل امتد عبر مراحله المختلفة من إخفاء المعلومات وتضليل الخصم وتشكيل إدراكه وتهيئة البيئة الدولية ثم إدارة الرواية أثناء الحرب.
باحثة بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية





























