ليبيا.. مؤتمر «باريس» وما بعده

عضو الهيئة الاستشارية

أكد البيان الختامى للمؤتمر الدولى من أجل ليبيا، فى باريس الجمعة الماضى، إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فى موعدها فى ديسمبر ويناير المقبلين، مهددا بفرض عقوبات فورية بحق من يحاول عرقلة ذلك. ودعا رئيس المجلس الرئاسى محمد المنفى، بلغة لا تخلو من التحذير، الماسكين بزمام السلطة الحاليين والمرشحين المحتملين الى التقيّد بالتزامهم بإجراء الانتخابات فى 24 من الشهر المقبل، والالتزام علنا باحترام حقوق خصومهم السياسيين قبل الانتخابات وخلالها وبعد انتهائها، وقبول نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة والجامعة. جاء مؤتمر باريس فى وقت مهم جدا بعد إعلان مفوضية الانتخابات انطلاق التحضيرات النهائية وفتح باب الترشح للسباق الرئاسى والبرلماني. وقد جاء ايضا قبل أسابيع…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

أكد البيان الختامى للمؤتمر الدولى من أجل ليبيا، فى باريس الجمعة الماضى، إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فى موعدها فى ديسمبر ويناير المقبلين، مهددا بفرض عقوبات فورية بحق من يحاول عرقلة ذلك. ودعا رئيس المجلس الرئاسى محمد المنفى، بلغة لا تخلو من التحذير، الماسكين بزمام السلطة الحاليين والمرشحين المحتملين الى التقيّد بالتزامهم بإجراء الانتخابات فى 24 من الشهر المقبل، والالتزام علنا باحترام حقوق خصومهم السياسيين قبل الانتخابات وخلالها وبعد انتهائها، وقبول نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة والجامعة.

جاء مؤتمر باريس فى وقت مهم جدا بعد إعلان مفوضية الانتخابات انطلاق التحضيرات النهائية وفتح باب الترشح للسباق الرئاسى والبرلماني. وقد جاء ايضا قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التى تم الاتفاق عليها ضمن خارطة الطريق المدعومة من الأمم المتحدة، أملا فى إنهاء عقد من الصراع والحرب الأهلية. لكن، وعلى الرغم من دعم المجتمع الدولى أو على الأقل غالبية اللاعبين الرئيسين لإتمام الاستحقاقات فى موعدها، فلايزال هناك عدد من التحديات التى قد تعرقل إجراءها، وأهمها حالة السيولة الأمنية فى الغرب الليبى.

بدأت الأوضاع الأمنية فى التدهور أخيرا ارتباطاً بمحاولات بعض الأطراف تعطيل إجراء الانتخابات، أو على الأقل لضمان سيطرتها على المناطق ذات الوزن النسبى ذات التأثير على عملية التصويت. كما تشهد العلاقات القائمة بين أعضاء السلطة الانتقالية أزمات داخلية متفاقمة، فبالإضافة إلى العلاقات المتوترة بين حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب الليبى، تزايدت الخلافات داخل الحكومة الليبية نفسها وبين حكومة الوحدة والمجلس الرئاسى من جانب آخر. وتجلت هذه الإشكاليات فى قرار وقف وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش عن العمل وتحويلها للتحقيق تمهيدا لإقالتها، فضلا عن الخلافات بين رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة ونائبه الأول حسين القطراني.

بالإضافة الى ذلك، هناك أطراف تسعى إلى التشكيك فى قانونى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. فعلى الرغم من اعتماد المفوضية العليا للانتخابات على القانونين الصادرين من مجلس النواب، فمازال المجلس الأعلى للدولة، الذى تهيمن عليه التيارات الإسلامية لاسيما جماعة الإخوان المسلمين، يرفض القانونين ويروج إلى ضرورة تعديلهما وفقا لرؤيته. وقد زادت الأمور تعقيداً بتدخل البعثة الأممية على خط الأزمة ومطالبتها للبرلمان بإجراء بعض التعديلات على قوانين الانتخابات. وبات واضحا أن عددا من الدول الغربية تحاول تعديل قوانين الانتخابات لتزيل العوائق أمام ترشح شاغلى المناصب الانتقالية خاصةً عبدالحميد الدبيبة رئيس الحكومة الحالى، وذلك على الرغم من سابق تعهده كتابيا قبل توليه منصبه بعدم الترشح فى الانتخابات المقبلة.

بالإضافة الى هذه التعقيدات وغيرها، لابد من الإقرار بأنه حتى وإن أجريت الانتخابات الشهر المقبل، فلن يكتب لها النجاح، ما لم تخرج كل القوات الاجنبية والمرتزقة من ليبيا. وهذه هى حجرة العثرة امام كل المؤتمرات الدولية التى تعقد حول ليبيا، بما فيها برلين 1 وبرلين 2 وباريس. وأكد هذا الاخير دعم الدول المشاركة لخروج القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة من ليبيا وفقا للقرارات الدولية ذات الصلة، وأكد بيانه الختامى أهمية بلورة إطار زمنى واضح ومحدد لخروج هذه القوات. بينما كانت تركيا الدولة الوحيدة التى تحفظت على الفقرات ذات الصلة، وهو ما يوضح انها أصبحت فى معزل عن اجماع المجتمع الدولى، ويؤكد أطماعها فى ليبيا. وبقاء هذه القوات والمرتزقة يعكس عجز المجتمع الدولى عن تأمين ظروف طبيعية للانتخابات. ويمكن القول إن إجراء الانتخابات فى ظل الوضع القائم يمكن ألا يحقق الاستقرار المنشود.لاشك أن المرحلة القادمة مفصلية فى تاريخ الأزمة الليبية. فى حال تمت الانتخابات فى موعدها هناك بعض المخاوف من حدوث انفلات أمنى يعرقل العملية الانتخابية أو يؤثر عليها، خاصة فى الغرب الليبى الذى يقع تحت سطوة الميليشيات المسلحة. وفى حال تمت الانتخابات دون مشكلات تعوق إتمامها أو التأثير على نتائجها، تظل إشكالية قبول النتائج معضلة، حيث إن الطرف الخاسر قد يرفض الاعتراف بنتيجة الانتخابات وهو ما سيفتح المجال أمام سيناريوهات التقسيم أو العودة لخيار الحرب، خاصةً أن رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشرى كان قد هدد باللجوء للعنف فى حالة فوز حفتر بالانتخابات.

استمرار التحركات والضغوط الدولية والإقليمية على كل الأطراف يبقى عنصرا حاسما خلال الفترة القادمة لضمان انعقاد الانتخابات فى موعدها، والاعتراف بنتائجها، والحيلولة دون لجوء أى طرف إلى العنف.

نقلا عن جريدة الأهرام بتاريخ 18 نوفمبر 2021 

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب