في فبراير 2026، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) ألغت ما يُعرف بـ “Endangerment Finding” (تحديد المخاطر)، وهو قرار صدر عام 2009 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، بشأن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تُهدد الصحة والبيئة. هذا التقييم كان يعتبر أن الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان تشكل خطرًا على الصحة العامة والبيئة، وهو ما شكل الأساس القانوني لدى المحكمة العليا لتنظيم الانبعاثات بموجب قانون الهواء النظيف، وبإلغائه، تفقد وكالة حماية البيئة الأمريكية السلطة الأساسية لتنظيم انبعاثات الغازات الدفيئة من السيارات والمصانع ومحطات الطاقة وغيرها من المصادر. وقد اعتبر هذا القرار تنازلًا خطيرًا عن حماية الصحة العامة والمناخ، ويقوض السياسات المناخية الأمريكية ويخلّف آثارًا بعيدة المدى على الساحة الدولية.
الخطوة التي اتخذتها إدارة ترامب لا تؤثر فقط على السياسة البيئية داخل الولايات المتحدة، بل تشكل صدمة للعمل المناخي العالمي. فإلغاء الأساس القانوني لتنظيم الانبعاثات يقلل من قدرة أكبر اقتصاد عالمي على الالتزام بالمعايير الدولية لخفض الغازات الدفيئة؛ مما يضعف الزخم نحو أهداف اتفاقية باريس للمناخ خاصة بعد الانسحاب الثاني منها. واقتصاديًا، قد يؤدي القرار إلى تباطؤ الاستثمار في الطاقة النظيفة والتقنيات الصديقة للبيئة داخل وخارج أمريكا، بالتالي، ينعكس هذا القرار على العلاقات الدولية ومفاوضات المناخ، ويزيد الضغط على الدول الأخرى لتعويض أي فراغ قيادي في جهود خفض الانبعاثات.
يسعى المقال لتفكيك القرار وانعكاساته داخل الولايات المتحدة وخارجها وكيف يمكن أن يؤدي إلى تباطؤ العمل المناخي العالمي.
خلفية القرار
عام 2007، قضت المحكمة العليا في الدعوى القضائية ضد وكالة حماية البيئة بأن قانون الهواء النظيف (وهو القانون الفيدرالي الشامل الذي ينظم انبعاثات الهواء من المصادر الثابتة والمتنقلة) يمنح الحكومة سلطة تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من المركبات الآلية وهو أمر طالب به المدافعون والعلماء لسنوات. وبعد ذلك بعامين في عام ٢٠٠٩، وبعد المراجعة العلمية المكثفة، خلصت وكالة حماية البيئة الأمريكية رسميًا إلى أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري تُهدد الصحة العامة والبيئة، واستندت هذه النتيجة المتعلقة بتحديد الخطر أو ” Endangerment Finding”، إلى أدلة من خبراء وكالة حماية البيئة أنفسهم، والأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب، والمجتمع العلمي، لتُبين أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة، الناتجة عن استخراج وحرق الوقود الأحفوري، تُسهم في تغير المناخ العالمي وتُلحق الضرر بالبشر . وانتهت الأدلة بأن التركيزات الحالية والمتوقعة للغازات الدفيئة الستة الرئيسية -ثاني أكسيد الكربون (CO2)، والميثان (CH4)، وأكسيد النيتروز (N2O)، ومركبات الهيدروفلوروكربون (HFCs)، ومركبات البيرفلوروكربون (PFCs)، وسداسي فلوريد الكبريت (SF6)- في الغلاف الجوي تهدد البيئة والصحة العامة ورفاهية الأجيال الحالية والمستقبلية.
وكان لهذا أهمية قانونية بالغة؛ فبموجب “قانون الهواء النظيف الأمريكي”، يُلزم قانون حماية البيئة الأمريكية (EPA) بوضع معايير وطنية لجودة الهواء المحيط لحماية الصحة العامة والرفاهية، ولتنظيم انبعاثات ملوثات الهواء الخطرة، وبمجرد أن أصدرت وكالة حماية البيئة هذا القرار بشأن غازات الاحتباس الحراري، أصبحت ملزمة قانونًا بالتحرك وأصبح هذا المبدأ الأساس القانوني للسياسة المناخية الفيدرالية، بما في ذلك تنظيم انبعاثات السيارات والشاحنات والصناعات الثقيلة ومحطات إنتاج الطاقة، والتعامل مع تغير المناخ كقضية صحية عامة ضمن صلاحيات وكالة حماية البيئة.
ماذا يعني إلغاء القرار للولايات المتحدة
إلغاء قرار قيام وكالة حماية البيئة الأمريكية بتحديد الخطر؛ يعني عمليًا تفكيك الأساس القانوني الذي كان يلزم الحكومة الفيدرالية بالتحرك ضد الانبعاثات الضارة. قبل الإلغاء، كانت الوكالة مجبرة بموجب قانون الهواء النظيف على تنظيم غازات الاحتباس الحراري بمجرد أن تقرر أنها تشكل خطرًا على الصحة العامة والرفاه، وهو ما استندت إليه في تحديد معايير الانبعاثات للمركبات ومحطات الطاقة لسنوات. بإلغاء هذا الأساس، لم يعد هناك التزام قانوني فوري لمعالجة الانبعاثات، حتى لو ظلت الأدلة واضحة بشأن تأثيرها على البيئة والمناخ والصحة العامة. ونتيجة لذلك، تصبح إدارة الانبعاثات اختيارية وليست إلزامية، وهو تحول يضعف قدرات الحكومة على إصدار أو الدفاع عن سياسات بيئية قوية في المستقبل.
هذا التحول ينعكس بشكل مباشر على حياة الأسر والاقتصاد الأمريكي. بدون تنظيمات فيدرالية ملزمة، ستتحمل الأسر عبء تكاليف مالية وصحية أعلى نتيجة تفاقم آثار تغير المناخ؛ من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة إلى التكلفة الصحية بسبب موجات الحر الشديدة وتدهور جودة الهواء. كما أن الشركات قد تواجه مخاطر قانونية متغيرة؛ إذ يؤدي غياب الإطار الموحد إلى احتمالات جديدة للدعاوى أو متطلبات تنظيمية على مستوى الولايات، مع زيادة التكاليف المتعلقة بالتأمين والطاقة. وأخيرًا، يضعف صورة الولايات المتحدة في العمل المناخي، و قد يعمّق الانقسام الداخلي بين الولايات ذات التوجه البيئي الصارم والإدارة الفيدرالية.
§ جوانب أخرى لتأثيرات القرار
بحسب التحليل الصادر عن وكالة حماية البيئة الأمريكية نفسها، فإن إلغاء تحديد الخطر سيؤدي إلى إلغاء كل معايير انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للمركبات؛ مما يوفر للأسواق الأمريكية نحو 1.3 تريليون دولار حتى عام 2055 من التكاليف المرتبطة بالامتثال التنظيمي وتقليل تكاليف تصنيع السيارات وتقليل ضوابط الانبعاثات. هذا رقم ضخم يعكس التقليل الفوري للأعباء التنظيمية على الشركات والمستهلكين من حيث أسعار المركبات وتقليل بعض تكاليف الامتثال الحكومية. لكن هذه التقديرات الرسمية لا تشمل التكاليف الأوسع الناتجة عن ارتفاع الانبعاثات وتأثيراتها البيئية والصحية.
إلا أن التلوث وتدهور المناخ يفرضان أعباءً مالية ضخمة على الاقتصاد، من خسائر زراعية وحرائق ممتدة وغمر مناطق ساحلية إلى تكاليف صحية وعلاجية. وعلى سبيل المثال، هناك تقديرات أوسع حول التكلفة الاجتماعية للكربون (وهي الخسائر الاقتصادية المرتبطة بطن واحد من الانبعاثات) تُظهر أنها تتراوح من عشرات إلى مئات الدولارات لكل طن كربون؛ مما يعني أن زيادة الانبعاثات الناجمة عن تخفيف التنظيمات يمكن أن تكبّد الاقتصاد الأمريكي آلاف المليارات الإضافية على المدى الطويل عبر خسائر إنتاجية، وارتفاع نفقات الرعاية الصحية، وتفاقم الكوارث المناخية، وهو ما لم تحسبه تحليلات الوكالة في ادعاءاتها لتوفير التكاليف. إذ أن الولايات المتحدة تكبدت خسائر اقتصادية تقدر بنحو 378 و424 مليار دولار من الأضرار المباشرة خلال عام 2025 فقط، جراء التغيرات المناخية الشديدة التي تعرضت لها عدد من الولايات الامريكية في شكل أضرار للمنازل والبنية التحتية بسبب الحرائق والفيضانات والعواصف الشديدة وغيرها، وهذه الأرقام تمثل تكاليف مباشرة للأضرار فقط؛ مما يعني أن الأعباء الحقيقية على الاقتصاد الأمريكي قد تكون أعلى بكثير من هذه التقديرات، وقد تؤثر على النمو الاقتصادي والميزانية الفيدرالية في السنوات المقبلة.
ماذا يعني القرار بالنسبة للعالم
يُمثّل إلغاء الأساس القانوني لتنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة نقطة تحول استراتيجية في السياسة المناخية العالمية. إذ تعد أمريكا ثاني أكبر مصدر للانبعاثات عالميًا. ومع تراجع هذا الإطار التنظيمي الداخلي، يضعف التزام واشنطن العملي بإجراءات مواجهة تغير المناخ، ويمثل رسالة سياسية (بجانب انسحابها الثاني من اتفاق باريس للمناخ، وانسحابها من مؤسسات وجهات تمويل المناخ العالمية الأخرى) بأن الالتزامات البيئية يمكن التراجع عنها بسهولة؛ مما يقلل الثقة في مصداقية التعهدات الوطنية ويضعف الزخم العالمي نحو رفع مستوى الطموح في خفض الانبعاثات. هذا التراجع يمكن أن يُفسّر في بعض الدول على أنه إشارة بأن البلدان الكبرى لا تبذل الجهود اللازمة لمواجهة تغير المناخ؛ مما قد يحث بعض الدول على تقليل وتيرة تنفيذ سياساتها المناخية أو حتى إعادة النظر في أهدافها الطموحة.
وعلى صعيد الاقتصاد الدولي، فإن العالم يعتمد بشكل متزايد على سياسات مستقرة وواضحة لتحفيز الاستثمار في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا منخفضة الكربون وفي اتجاه طموح نحو تحول الطاقة والاقتصاد الأخضر. عندما تُظهر أكبر قوة اقتصادية في العالم استعدادها لتقويض الأدلة العلمية كأساس للسياسات المناخية، فإن ذلك يُحدث عدم يقين في الأسواق العالمية ويُضعِف التوقعات الاستثمارية في التحول الطاقي. وهذا يمكن أن يؤثر على تكلفة رأس المال لمشاريع الطاقة المتجددة، ويُضعف التعاون في نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية التي تحتاج دعمًا تقنيًا وماليًا لتحقيق أهداف المناخ والتنمية المستدامة. كما أن تراجع القيادة الأمريكية قد يفتح المجال أمام تباينات بين النهج التنظيمية في الدول الكبرى (مثل الاتحاد الأوروبي والصين)؛ مما يزيد من تعقيد الجهود الدولية للتنسيق حول خفض الانبعاثات وتحقيق هدف الاحترار العالمي إلى أقل من 1.5 °C.
الخلاصة
هذا القرار مع القرارات السابقة للادارة الأمريكية الحالية يعكس إنكارًا تامًا لقضايا تغير المناخ والحاجة الضرورية لمواجهتها سواء محليًا داخل الولايات المتحدة، أو عالميًا من خلال الوفاء بالتزامتها نحو البلدان النامية الأقل تأثيرًا في تغير المناخ ولكنها الأكثر تأثرًا؛ مما قد يضعف حماس وخطوات الدول الأخرى في سياستها وإجراءاتها للتخفيف والحد والتكيف من آثار تغير المناخ، ويفتح الباب لكثير من الأزمات العالمية المستقبلية.
وفي دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تُعد من بين المناطق الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ مثل ارتفاع درجات الحرارة الشديدة، ندرة المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي، يمكن أن يؤدي هذا التراجع في الزخم الدولي لمواجهة تغير المناخ إلى تراجع التمويل والتعاون الدولي المطلوبين لتعزيز المرونة والبنية التحتية المناخية، بينما الاقتصاديات المحلية تحمل أعباء التكيف مع تأثيرات المناخ التي قد تصل تكلفتها إلى نسبة كبيرة من الناتج المحلي. ومع ذلك، فإن القرار الأمريكي يفتح فرصًا بديلة لدول نامية منها تركيز الجهود على التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة التي تشهد انخفاضًا كبيرًا في التكاليف، خصوصًا في الطاقة الشمسية التي يتوسع استخدامها في أفريقيا والشرق الأوسط؛ مما يعزز قدرة هذه الدول على جذب الاستثمارات، خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وخلق فرص اقتصادية جديدة.
وبالنسبة لمصر، التي تواجه هي الأخرى تأثيرات متزايدة من التغيرات المناخية، يمكن أن يسهم القرار مع التوجه العام الأمريكي سلبيًا تجاه قضايا المناخ وتحول الطاقة إلى تعزيز دور مصر أكثر إقليميًا في قطاع الطاقة بكافة أشكالها، ويدعم التحول للطاقة النظيفة وتوسيع مشاريع الطاقات المتجددة والتعاون الإقليمي (مثل مشاريع الربط الكهربائي مع أوروبا)، وأن يمثل ذلك فرصة لتعويض ضعف التمويل الدولي التقليدي للمناخ، وتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة مع بناء مرونة وطنية في مواجهة تغير المناخ وكفاءة إدارة الموارد المحلية مثل مصادر الطاقة المتجددة والموقع الجيواستراتيجي لخلق فرص تصدير وتجارة سلع الطاقة الجديدة (الطاقة المتجددة – الهيدروجين الأخضر – الأمونيا الخضراء – الميثانول) إلى أوروبا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
- https://www.epa.gov/regulations-emissions-vehicles-and-engines/final-rule-rescission-greenhouse-gas-endangerment
- https://www.theguardian.com/environment/2026/feb/14/trump-obama-climate-rule-takeaways
- https://www.reuters.com/legal/government/trump-epa-ends-emissions-limits-us-automakers-state-rules-lawsuits-could-follow-2026-02-13/
- https://www.epa.gov/regulations-emissions-vehicles-and-engines/final-rule-rescission-greenhouse-gas-endangerment
- https://weather.com/news/weather/news/2026-01-08-billion-dollar-weather-climate-disasters-2025
- https://www.wri.org/insights/endangerment-finding-repeal-explained?apcid=00659457dba884bc22884800&utm_campaign=wridigest&utm_medium=email&utm_source=wridigest-2026-02-12