بتاريخ 28 يونيو 2026، وافق الرئيس الأوكراني على عملية هجومية على مصافي النفط ومواقع عسكرية مهمة تستمر لـ 40 يومًا؛ للتأثير على القيادة الروسية لإنهاء الحرب، لتعلن قيادة الجيش الأوكراني بعد خمسة أيام فقط عن تعطيل 42.74% من قدرة روسيا على إنتاج النفط بواقع ثماني منشآت وتدمير 60 حاوية تخزين، لتصل الخسارة الصناعية إلى 13.5 مليار دولار. وبالرغم من أن الحملة الأوكرانية كانت ناجحة في تحقيق هجمات بعيدة المدى في العمق الروسي، فإن ذلك قوبل برد فعل روسي عنيف تأخر لثلاث ليالٍ في البداية، ليكون مكثفًا في ليلتي 1 و2 يوليو على العاصمة كييف، وما فاقم الأمور كان عجز الدفاعات الجوية الأوكرانية.
الحملة الأوكرانية المبتكرة
حددت القيادة الأوكرانية ثلاثة أهداف لها من الحملة وهي: “الوقود”، و”أنظمة الاتصالات”، و”مصانع الأسلحة”، بمدى يتراوح ما بين 300 و2000 كم في العمق الروسي وصولًا إلى سيبيريا. وشمل ذلك مهاجمة مصفاة “Tyumen”، إحدى أكبر مصافي النفط في روسيا، ومصفاة العاصمة “موسكو” المسئولة عن إمداد العاصمة بـ 40% من الوقود و50% من الديزل، بالإضافة إلى وقود الطائرات للمطارات الروسية في العاصمة.
وكان أحد أهم المواقع العسكرية المتضررة منشأة “Titan-Barrikady” في “فولغوغراد”، المسئولة عن تصنيع المدفعية ومنصات إطلاق الصواريخ البالستية من طراز “إسكندر-إم” والصواريخ الاستراتيجية النووية من طرازي “توبول-إم” و”يارس”. بالتوازي مع ذلك، استُهدفت منشأة “VNIIR-Progress” في “تشيبوكساري”، المسئولة عن صناعة شرائح التوجيه الإلكترونية “Kometa” المستخدمة في المسيرات الانتحارية وصواريخ “كاليبر” الجوالة وصواريخ “إسكندر-إم” والقنابل الموجهة”UMPK”، وكذا منشأة “VZPP-Mikron” في “فورونيش”، المسئولة عن تصنيع المكونات الإلكترونية لصواريخ “إسكندر-كا” التكتيكية ومنظومات “بانتسير” للدفاع الجوي.
كما تضمنت أهم الأهداف النوعية مركز “Dubna”، الذي يُعد أكبر مركز روسي خاص بالاتصالات مع الأقمار الصناعية لدعم الجيش والاستخبارات الروسية، بالإضافة إلى التنسيق بين القوات الروسية على الأرض.

تثير النتائج الجيدة للهجمات الأوكرانية تساؤلًا مهمًا حول كيفية إنجاح هذه الضربات ضد شبكة الدفاع الجوي الروسية المركبة والطبقية، وبالأخص في الاستهدافات المتكررة للعاصمة التي تم تعزيز دفاعاتها جيدًا بدءًا من شهر أكتوبر 2025؛ حيث نُشرت الدفاعات الجوية خارج الطريق الدائري A-107 الذي يحيط بالعاصمة بنصف قطر يصل إلى 50 كم. وقد أُنشئت وجُهّزت عدة مواقع خارج الدائرة الدفاعية وداخلها تقوم بطاريات الدفاع الجوي بالتحرك بينها بشكل مستمر، بالإضافة إلى وضع عديد من الهياكل الخداعية المماثلة لأنظمة الدفاع الجوي.
وتمثل الهدف من هذه الجهود هو الحرص على إرباك المسيرات والصواريخ الأوكرانية، وتشتيت الهجمات بين الأهداف المختلفة والأنظمة الدفاعية التي اختيرت لهذه المهمات؛ وهي من طراز “S-400″ و”S-300VM” للدفاع الجوي البعيد و”Pantsir-S1″ للدفاع الجوي قصير المدى خارج الدائرة، والنسخة “SMD-E” داخل الدائرة لحماية المنشآت الروسية نفسها.

وفي المُرفق التصويري السابق، تظهر خريطة فضائية لمنطقة موسكو ومحيطها مع توزيع مواقع منظومات الدفاع الجوي الروسية في إطار شبكة دفاعية متعددة الطبقات تحيط بالعاصمة. تشير العلامات الملونة إلى أنواع مختلفة من مواقع ومنصات الدفاع الجوي؛ حيث تظهر تسميات مثل S-300 وS-400 للدلالة على مواقع بطاريات الصواريخ بعيدة المدى المنتشرة في حلقات متتالية حول موسكو، بما يعكس اعتماد روسيا على نظام دفاع دائري يهدف إلى توفير تغطية متداخلة ضد التهديدات الجوية والصاروخية. كما تتضمن الخريطة إشارات إلى مواقع رادارات الإنذار المبكر وعناصر أخرى للدفاع الجوي موزعة داخل العاصمة وعلى أطرافها، بما يعزز قدرة المنظومة على الاكتشاف المبكر والتتبع والاشتباك مع الأهداف القادمة من مختلف الاتجاهات، ويبرز الأهمية الاستراتيجية التي توليها روسيا لحماية مركزها السياسي والعسكري.
نظريًا، تبدو الشبكة الروسية حول العاصمة منيعةً جدًا يصعب اختراقها، غير أنّ الجيش الأوكراني يمتلك خيارات متعددة للهجوم متوسط وبعيد المدى للوصول إليها، بالإضافة إلى البطاريات الدفاعية المنتشرة بالفعل على طول الخطوط الأمامية والممتدة شرقًا وصولًا إلى العاصمة وما بعدها. وهذا يبرز تساؤلًا مهمًا: كيف نجحت أوكرانيا في اختراق هذه الشبكة؟
يمكن تقسيم الإجابة إلى عنصرين رئيسيين:
- المنصات المستخدمة – Hardware: تنقسم الترسانة الهجومية الأوكرانية إلى مسيّرات قصيرة/متوسطة المدى حتى ألف كيلومتر من طرازات AQ-400 Scythe وAn-196 وFP-2 و Batyar المشابهة للمسيّرات الإيرانية “شاهد”. كما تُستخدم مسيّرات FP-1 بمدى يصل إلى 2700 كيلومتر، إضافةً إلى الصواريخ الجوالة FP-5 Flamingo بمدى 3000 كيلومتر ورأس حربي يزن 1.5 طن.
- التطبيقات المساعدة – Software: تُدار العمليات الهجومية الحالية بواسطة الاستخبارات الأوكرانية (HUR) عبر تطبيق يُعرف باسم “PRISMA” من شركة Palantir العاملة مع الاستخبارات الأمريكية. يقوم هذا التطبيق بدمج جميع المعلومات الاستطلاعية والاستخباراتية الخاصة بمواقع بطاريات الدفاع الجوي الروسية، ليختار أنسب المسارات الهجومية، ثم ينسق بين عدد كبير من المسيّرات الأوكرانية. وتستمر عملية التحليل أثناء الرحلات لتحديث مواقع البطاريات التي تقوم بالاعتراض وتجنّبها. وبعد إتمام المهمة، تتم مقارنة هذه المواقع بالبيانات السابقة لفهم أفضل لتحركات الشبكة الدفاعية الروسية وتحسين المسارات الهجومية مستقبلًا. يعتمد التطبيق على أداة للتعلّم المستمر تجمع بين دراسة العمليات السابقة وتحسين العمليات الحالية للحصول على أفضل النتائج لاحقًا.

جديرٌ بالذكر أنّ شركة Palantir هي التي دعمت القيادة المركزية الأمريكية بتطبيق Maven للذكاء الاصطناعي، المسئول عن تحليل الصور الاستطلاعية القادمة من الأقمار الصناعية والمسيّرات، لاستخلاص وتحديث بنك الأهداف، ووضع الأولويات للأهداف المهمة، وتحديد إطارٍ زمني لتحييدها، بالإضافة إلى تحسين فاعلية اتخاذ القرار. كما تقوم الشركة أيضًا بإمداد أجهزة الاستخبارات بتطبيق يُعرف باسم “Gotham” لتحليل مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الاتصالات، بهدف تتبّع الإرهابيين والأنشطة المرتبطة بدعمهم أو تنسيق العمليات.
كنتيجة مباشرة لهذه الهجمات، مددت الإدارة الروسية فترة وقف تصدير النفط، كما فرضت مجموعة من الإرشادات الصارمة على عمليات شحن الوقود داخل البلاد. فقد مُنع تمامًا تعبئة الوقود في أي حاويات خارجية، واقتصر السماح بالتزوّد على تعبئة خزانات السيارات فقط، في محاولة للحد من عمليات التخزين الفردي ومواجهة النقص المتزايد في الإمدادات.
الرد الروسي الكاسح
بتاريخ 2 يوليو، نفّذ الجيش الروسي إحدى أكبر وأقوى الهجمات على أوكرانيا، بواقع 496 مسيّرة و74 صاروخًا، من بينها 24 صاروخًا بالستيًا لم يُعترض أيٌّ منها، في حين جرى صدّ أغلب صواريخ الكروز والمسيّرات الانتحارية. وقد تركزت الضربات في العاصمة على منشآت تابعة لشركة Fire Point المصنّعة لصواريخ Flamingo FP-5 والمسيّرات الانتحارية FP-1/FP-2، إضافةً إلى منشأة لتصنيع صواريخ Neptune الجوالة والمضادة للأهداف البحرية، ومصانع Antonov المنتجة للمسيّرات، ومنشأة لتطوير أنظمة الحرب الإلكترونية، فضلًا عن مستودعات وقود رئيسية في العاصمة.

تُظهر الصورة السابقة خريطة عملياتية للهجوم الروسي المنفذ بتاريخ 2 يوليو؛ حيث تُحدد مدينة كييف كنقطة الاستهداف الرئيسية مع مسارات متعددة للهجوم الجوي قادمة من اتجاهات مختلفة داخل الأراضي الروسية. تستخدم الخريطة ألوانًا مختلفة لتمييز أنواع الوسائط الهجومية، بما في ذلك الصواريخ البالستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، مع إظهار خطوط انطلاقها من مناطق شمال شرق روسيا وشرقها ومن شبه جزيرة القرم باتجاه العمق الأوكراني. كما تُبرز المناطق المظللة أجزاء من الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية أو المستخدمة كنقاط انطلاق للعمليات، وتوضح أن الهجوم اعتمد على إطلاق متزامن من عدة محاور بهدف تشتيت الدفاعات الجوية الأوكرانية وزيادة فرص وصول الذخائر إلى الأهداف حول العاصمة كييف.
الهجمة الروسية كان لها تأثير ميداني كبير؛ إذ كشفت قصورًا في الدفاعات الأوكرانية ناتجًا عن تكيف روسي واضح في التكتيكات الهجومية، استنادًا إلى معلومات استخباراتية وتحليل مستمر لنتائج العمليات السابقة. فبدلًا من الاعتماد على المسيّرات كعنصر الثقل الرئيسي في الهجمات، جرى استخدام عدد محدود من الصواريخ بمختلف أنواعها، وأقلّها الصواريخ البالستية. وقد انعكس هذا التغيير في عاملين رئيسيين:
- اختراق دوائر الباتريوت الدفاعية: استغل الروس انخفاض مخزون أوكرانيا من صواريخ PAC-3 MSE المصممة لاعتراض الصواريخ البالستية؛ مما أجبر بطاريات الباتريوت على إطلاق صاروخ واحد فقط لكل صاروخ بالستي، مقارنةً بالنسبة القياسية (صاروخين إلى ثلاثة) بحسب قدرة الصاروخ البالستي على المناورة وتفادي الاعتراض، وهي قدرات مشابهة لما يمتلكه صاروخ إسكندرM.
- تخطي حواجز المسيّرات الاعتراضية: رفعت أوكرانيا فاعلية اعتراض المسيّرات الانتحارية عبر الاستخدام الموسّع لمسيّرات اعتراضية مثل Sting؛ مما دفع الجانب الروسي إلى التكيف بتغيير نطاق استخدام المسيّرات الانتحارية. فأصبحت مسيّرات Geran-2 / شاهد-136 تُستخدم قرب الخطوط الأمامية، بينما تُستخدم مسيّرات Geran-3 / شاهد-238 ذات المحرك النفاث في ضرب العمق بسبب سرعتها العالية، التي تعيق المسيّرات الاعتراضية عن مطاردتها.

بعد انتهاء الهجمات الأخيرة، دفع الرئيس الأوكراني باتجاه تسريع الحصول على رخصة تصنيع صواريخ الباتريوت PAC-3 MSE داخل الأراضي الأوكرانية، وذلك لتقليل الاعتماد على الإمدادات القادمة من الدول الأوروبية المجاورة أو شحنات المساعدات الأمريكية التي تمرّ بحالة عدم استقرار في الوقت الحالي.
وفي الوقت نفسه تعمل شركة Fire point على تطوير صاروخ دفاع جوي جديد من طراز FP-7x ليتم دمجه في منظومة FREYJA المحلية للدفاع البالستي، وتشير المعلومات المتاحة إلى أن مدى الصاروخ يبلغ نحو 200 كيلومترًا، وأن المشروع يتم بشراكة ألمانية مع شركة Diehl المصنعة لمنظومة IRIS-T، غير أن هذا النظام لم يدخل الخدمة التشغيلية حتى الآن، وهو ما يفرض واقعًا صعبًا على الجيش الأوكراني الذي يجد نفسه بين خيارين؛ إما زيادة عدد منظومات الدفاع الجوي الأوروبية من طراز SAMP/T لتعزيز قدرته على اعتراض الصواريخ البالستية، أو محاولة إرضاء الإدارة الأمريكية للحصول على مزيد من صواريخ الباتريوت من الشركاء الأوروبيين على الأقل لتعويض ما تم استهلاكه خلال العمليات الأخيرة.
ختامًا
يمكن القول إن حملة الأربعين يومًا الهجومية حققت نجاحًا ملموسًا في تعميق المشكلات اللوجستية داخل روسيا؛ إذ جرى تركيز الضربات على العاصمة موسكو لإيصال رسائل مباشرة بضرورة وقف الحرب. ومع ذلك، يواصل الجيش الروسي الاعتماد على أبرز نقاط تفوقه، وهي القدرة العالية على التكيّف وجرّ الجيش الأوكراني إلى معركة استنزاف طويلة، خصوصًا في مجال الدفاعات الجوية.
وعلى الرغم من امتلاك أوكرانيا شبكة دفاعية مبتكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين فاعلية الاعتراض وترشيد استخدام الصواريخ القادرة على التصدي للتهديدات البالستية، فإن محدودية القدرة على تعويض المخزونات تنعكس سلبًا على كفاءة العملية الدفاعية. هذا الواقع ينبئ بمزيد من الهجمات الأوكرانية في العمق الروسي، والتي ستستهدف المنشآت الصناعية المنتجة للصواريخ البالستية وأنظمة الإطلاق، إلا أن تحقيق هذا الهدف يظل بالغ الصعوبة؛ فحتى في حال نجاح أوكرانيا في تدمير بعض خطوط الإنتاج، يمكن لروسيا تعويضها بسهولة عبر منظومات مماثلة مصدرها كوريا الشمالية أو الصين.
وبذلك تعود أوكرانيا مجددًا إلى الحلقة الاستنزافية ذاتها؛ حيث يتقدم الروس خطوة إضافية في معركة الإرهاق الاستراتيجي، بينما تجد كييف نفسها مضطرة إلى البحث عن حلول عاجلة لتعزيز دفاعاتها الجوية قبل أن تتسع فجوة التفوق الروسي في هذا المجال.

