لا يمكن تأمل أحوال الاقتصاد العالمي اليوم، وتحديدًا الاقتصاد الأمريكي في أعقاب المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران، دون دراسة تحولات الأرقام والتوجهات في غضون أشهر معدودة ليتحول العالم من أعتاب التعافي الاقتصادي إلى طوق التحديات، كل هذا إلى جانب أن الرفاهة الاقتصادية باتت رهنًا بقرارات تُصنع في غرف العمليات العسكرية، بمعزل عن المنفعة العامة التي بشر بها فلاسفة الاقتصاد الكلاسيكي.
لقد اعتاد صناع القرار في واشنطن النظر إلى الحروب الخارجية بوصفها أداة لتحفيز الطلب المحلي عبر بوابة الإنفاق العسكري؛ وهو الوهم “الكينزي” القديم الذي يرى في “صناعة الحروب” محركًا للنشاط الاقتصادي، غير أن المواجهة الأخيرة مع إيران جاءت لتغير تلك الأطروحة في العصر الحديث؛ إذ لم تأتِ الصدمة هذه المرة من جبهات القتال التقليدية، بل تسللت عبر شرايين الاقتصاد العالمي عبر شبكات الإمداد، وأنابيب النفط، وممرات الملاحة الحيوية في مضيق هرمز، ليدفع المواطن الأمريكي كلفة هذه الحرب مباشرة عبر ارتفاع أسعار الوقود والسلع الاستهلاكية.
ويظل الجدل حول الأثر الاقتصادي للحروب على الولايات المتحدة محورًا مركزيًا في أدبيات الاقتصاد السياسي. فبينما يرى مؤيدو التسلح أن الحروب تمثل رافعة قصيرة الأجل للنمو والتشغيل عبر ضخ سيولة ضخمة في قطاع التصنيع الدفاعي، تكشف الشواهد التاريخية وتقارير مراكز الفكر والمنظمات الدولية أن التكاليف الهيكلية طويلة الأجل تفوق بكثير أي مكاسب مؤقتة، يقدم هذا المقال التحليلي محاولة للإجابة عن السؤال الجوهري: لماذا تندفع واشنطن نحو خيار الحرب رغم كلفته الباهظة؟
أولًا: حرب إيران (2026): الصدمة الاقتصادية غير التقليدية
مثلت العمليات العسكرية ضد إيران تحولًا جوهريًا في طبيعة الصدمات الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي، فلم تكن الحرب عبارة عن استنزاف تدريجي طويل المدى (مقارنة بحروب مثل أفغانستان، أو العراق أو فيتنام)، بل كانت صدمة مالية حادة شلت العصب الرئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.
في 22 يونيو 2025، شنت القوات الأمريكية “عملية مطرقة منتصف الليل” (Operation Midnight Hammer) عبر قاذفات “B-2 Spirit” واستهدفت منشآت نووية إيرانية رئيسية (فوردو، نطنز، وأصفهان) باستخدام القنابل الخارقة للتحصينات “GBU-57”. ووفقًا لمشروع “تكاليف الحرب”، بلغت التكلفة العسكرية المباشرة لهذه العملية وحدها ما بين 2.04 و2.26 مليار دولار، ومع تطور الصراع إلى حرب مباشرة بدأت في 28 فبراير 2026، تضاعفت الأرقام سريعًا.
ففي حين بلغت تقديرات البنتاجون الأولية للإنفاق العسكري المباشر حوالي 29 مليار دولار، أشارت تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن كلفة الحرب الفعلية تقع بين 34 و42 مليار دولار. بينما كشف تحليل شامل نشرته منصة “Popular Information” أن التكلفة الحقيقية للعمليات العسكرية خلال أول 60 يومًا فقط بلغت 71.8 مليار دولار؛ مما يكشف عن تسارع الإنفاق بمعدل يقارب (1.12 مليار دولار يوميًا).
تضاف إلى هذه التكاليف مخصصات الدعم الإقليمية المستمرة من أكتوبر 2023 حتى سبتمبر 2025، والتي تراوحت بين 9.65 مليار دولار و12.07 مليار دولار لتغطية العمليات في اليمن، وتأمين الممرات المائية، وتوسيع الوجود العسكري الإقليمي. وبالتوازي، بلغت قيمة المساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة لإسرائيل خلال عامين منذ أكتوبر 2023 حوالي 21.7 مليار دولار، مع تكلفة إضافية للتحشيد البحري العسكري في شهري يناير وفبراير 2026 تراوحت بين 450 مليون دولار و650 مليون دولار. وبذلك، تجاوز إجمالي الإنفاق العسكري الأمريكي المخصص للعمليات المرتبطة بالشرق الأوسط بعد أكتوبر 2023 عتبة 31.35 مليار دولار وصولًا إلى 33.77 مليار دولار.
خلافًا لحرب العراق التي استهدفت السيطرة على حقول النفط، تمثلت استراتيجية إيران في خوض “حرب اقتصادية ضد الاقتصاد العالمي”. حيث أدت العمليات إلى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، وهو الممر المائي الأكثر أهمية عالميًا والذي يتدفق عبره عادة ما بين 20% إلى 30% من استهلاك النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال. وانخفضت أحجام النفط المارة عبر المضيق بشكل حاد من 20 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 2 مليون برميل.
وقد تسبب هذا الإغلاق وتضرر البنية التحتية للطاقة في الخليج في شلل صادرات كبار المنتجين. وفي ليلة 18 مارس 2026، قصفت القوات الإيرانية مدينة رأس لفان الصناعية في قطر؛ مما أدى إلى تلف خطوط إنتاج الغاز المسال رقم 4 ورقم 6 بمشروع “رأس غاز”، وهو مشروع مشترك مع شركة “ExxonMobil” الأمريكية. هذا الهجوم وحده أدى إلى خسارة قطر لـ 17% من قدرتها التصديرية (ما يعادل 12.8 مليون طن سنويًا)، وخسائر إيرادات سنوية تناهز 20 مليار دولار.
واضطرت دول المنطقة لخفض إنتاجها النفطي نتيجة امتلاء القدرات التخزينية المحلية؛ حيث تراجع إنتاج السعودية من 10.11 مليون برميل يوميًا إلى 6.87 مليون برميل يوميًا. وتراجع إنتاج العراق من 4.14 مليون إلى 1.49 مليون برميل، والإمارات من 3.39 مليون إلى 2.02 مليون برميل، والكويت من 2.58 مليون إلى 560 ألف برميل يوميًا. وبلغ إجمالي المعروض النفطي المفقود من الدول الأربع قرابة 9.28 مليون برميل يوميًا.
وقد تسبب هذا الانخفاض الحاد للمعروض العالمي في قفزة سريعة لأسعار النفط. حيث ارتفع خام غرب تكساس الوسيط (WTI) من أقل من 60 دولارًا للبرميل في مطلع عام 2026 إلى حوالي 90 دولارًا، بينما قفز خام برنت متجاوزًا عتبة 100 دولار للبرميل ليصل في أوقات الذروة إلى 119 دولارًا.
تُرجم هذا الارتفاع القياسي في أسعار النفط إلى صدمة تضخمية مباشرة للمستهلك الأمريكي. وطبقًا للتقرير الصادر عن “مختبر المناخ بجامعة براون”، بلغت تكاليف الوقود الإضافية غير المباشرة التي تحملها المستهلكون الأمريكيون حتى منتصف مايو 2026 أكثر من 40 مليار دولار، وهو ما يعادل ضريبة إضافية تزيد على 300 دولار لكل أسرة أمريكية.
ثانيًا: ماذا لو لم تندلع الحرب: مقارنة الآثار بين سيناريو “الحرب” مقابل سيناريو “اللاحرب”
لتقييم مدى استفادة أو خسارة الاقتصاد الأمريكي من هذا النزاع، تبرز أهمية دراسة “السيناريو المقابل -ماذا لو” (what if?)- الذي يفترض استمرار حالة السلم دون اندلاع حرب إيران.
قبل اندلاع الصراع في مطلع عام 2026، كان الاقتصاد العالمي يظهر مؤشرات قوية على الاستقرار والنمو مع تراجع معدلات التضخم؛ ويشير صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أبريل 2026 إلى أن توقعات النمو العالمي لعام 2026 كانت ستُعدل صعودًا بمقدار 0.1% لتصل إلى 3.4% لولا نشوب الحرب.
وبدلًا من ذلك، تسببت الصدمة في خفض صندوق النقد الدولي لتوقعات النمو العالمي إلى 3.1% لعام 2026، بينما ذهب البنك الدولي إلى خطوة أكثر تشاؤمًا؛ حيث خفض توقعاته للنمو العالمي لعام 2026 بمقدار 0.4% لتستقر عند 2.5% فقط، مع تحذير شديد من إمكانية انهيار النمو إلى 1.3% فقط في حال استمرار شلل الأسواق المالية وصدمات الطاقة.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، وعلى الرغم من الحفاظ على معدل نمو ناتج محلي إجمالي يترواح بين 2.2% و2.4% بدعم من الاستهلاك المدفوع بذكاء الاصطناعي والاستثمار الرأسمالي، فإن هذا النمو واجه موجة تضخم حادة؛ حيث أدى ارتفاع أسعار المحروقات والديزل (الذي تعتمد عليه 70% من شاحنات نقل البضائع في أمريكا) إلى رفع مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) إلى 3.8% ومؤشر أسعار المنتجين (PPI) إلى 6%. وقد التهم هذا الارتفاع التضخمي كافة مكاسب الأجور الحقيقية التي حققها العمال الأمريكيون خلال العام السابق.
2. 1 أبرز تأثيرات الحرب على أسواق المال وتآكل القدرة الشرائية:
طبقًا لتحليل “مختبر موازنة ييل” (Yale Budget Lab)، تسببت الحرب وضغوط التعرفة الجمركية الطارئة المرتبطة بها في فرض أعباء مالية سنوية غير مباشرة على الأسرة الأمريكية متوسطة الدخل (التي تجني 85,000 دولار سنويًا) تتراوح بين 2,565 و3,471 دولارًا، بينما تحملت الأسر منخفضة الدخل (التي تجني 30,000 دولار سنويًا) أعباءً تتراوح بين 2,143 و2,548 دولارًا؛ مما يوضح الأثر التراجعي الحاد لهذه الصدمة على الفئات الأكثر ضعفًا.
أما على الصعيد الحكومي الفيدرالي، فقد ارتفعت فاتورة استهلاك الوقود البترولي للأجهزة الفيدرالية (والتي يمثل الاستهلاك العسكري 87% منها) بمقدار 1.19 مليار دولار إضافية خلال 78 يومًا الأولى من الحرب فقط، هذا بالإضافة إلى أعباء الديون الإضافية؛ فاستنادًا لسيناريوهات مكتب الموازنة بالكونغرس (CBO)، سيواجه دافعو الضرائب الأمريكيون أعباء فوائد ديون جديدة تتراوح بين 10.9 مليار دولار و26.9 مليار دولار على مدى العقد القادم لتمويل تكاليف العمليات العسكرية فقط.
ولو لم تندلع الحرب، لكان بإمكان الاقتصاد الفيدرالي توجيه المبالغ الطائلة المهدورة نحو الاستثمارات الهيكلية. وتكشف بيانات معهد واتسون أن مبلغ الـ 40 مليار دولار الذي دفعه الأمريكيون كفارق أسعار وقود كان كافيًا لـ:
- تمويل “برنامج الاستثمار في الجسور الفيدرالي” بالكامل لإعادة ترميم وتحديث أكثر من 10,200 جسر متهالك في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
- تجاوز التكلفة التقديرية لإعادة هيكلة وتطوير نظام المراقبة الجوية الأمريكية بأكمله والبالغة 31.5 مليار دولار.
- تمويل ضعف قيمة البرامج الفيدرالية المقترحة للبنية التحتية للشحن الكهربائي والسيارات الكهربائية البالغة 18.9 مليار دولار.
2. 2. تأثيرات أسواق العمل والتشغيل:
تحتوي سردية “التشغيل والتوظيف” المصاحبة للإنفاق العسكري على مفارقة هيكلية؛ فالحروب قد تخلق وظائف مؤقتة في مصانع السلاح والخدمات اللوجستية المرتبطة بالجيش، لكنها تفشل على المدى البعيد في دمج القوى البشرية العائدة من القتال في الاقتصاد الإنتاجي.
وطبقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) الصادرة في أغسطس 2024، تبرز فجوة واضحة في معدلات التوظيف بين قدامى المحاربين في حروب ما بعد 11 سبتمبر (المصنفين كقدامى محاربي حرب الخليج الثانية والذين يمثل المشاركون في حربي العراق وأفغانستان 40% منهم). إذ سجل قدامى المحاربين الذين خدموا في أفغانستان معدل بطالة حاد قفز من 2.6% في أغسطس 2023 إلى 7.3% في أغسطس 2024، مقارنة بمعدل بطالة بلغ 3.4% للذين خدموا في العراق، و5.1% للذين خدموا في كلا البلدين.
وتعكس هذه الأرقام صعوبة اندماج العائدين من جبهات القتال، والذين يعاني 26% منهم من إعاقات مرتبطة بالخدمة العسكرية مقارنة بـ 14% فقط لعموم المحاربين القدامى. وبالمقارنة التاريخية، يظهر مسار البطالة نمطًا ثابتًا من الخسائر؛ ففي عام 2011 سجلت معدلات البطالة لعموم قدامى محاربي الخليج الثانية 12.1%، بينما بلغت نسبة البطالة بين الفئات الشابة من المحاربين القدامى (الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا) مستوى قياسيًا ناهز 29.1%. وتؤكد هذه الأرقام أن الحروب لا تخلق وظائف مستدامة بل تورث أزمات تشغيل مزمنة تعوق القوى البشرية الشابة عن الاندماج في الدورة الاقتصادية المدنية.
2. 3 تأثيرات استطلاعات الرأي العام:
على عكس الحروب السابقة التي حظيت بتأييد شعبي أولي مدفوع بما يُعرف بـ “تأثير الالتفاف حول العلم” (Rally ’round the flag effect)، جاءت حرب إيران كاستثناء تاريخي حاد؛ إذ واجهت معارضة شعبية واسعة النطاق حتى قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
وتكشف استطلاعات الرأي التي أجراها “مجلس شيكاغو للشئون العالمية” في مايو 2026 عن عمق الاستياء الشعبي وتأثير الحرب السلبي المباشر على معيشة المواطنين وسلوكهم الاستهلاكي، وجاءت النتائج كالتالي:
- تأثير الحرب على تكلفة المعيشة: عبر 86% من الأمريكيين عن قناعتهم بأن الحرب أثرت سلبًا وبشكل مباشر على تكاليف معيشتهم اليومية وقدرتهم الشرائية.
- تقييم العلاقات الدولية والسمعة الخارجية: رأى 72% من المستطلعين أن الحرب تسببت في إلحاق أضرار بالغة بعلاقات أمريكا الدولية وسمعتها الخارجية.
- تقييم الأمن القومي الإجمالي: اعتقد 65% من الأمريكيين أن الأمن القومي للولايات المتحدة تراجع ولم يتحسن نتيجة هذه الحرب.
وفي سياق متصل، كشف استطلاع الرأي العام الذي أجراه “معهد critical Issues بجامعة ميريلاند” بالتعاون مع مؤسسة “Ipsos” في الفترة من 15 إلى 21 مايو 2026، عن انقسام سياسي وشعبي غير مسبوق. حيث أظهر الاستطلاع أن نسبة المعارضة العامة للحرب ارتفعت لتصل إلى 58% مقارنة بـ 38% فقط من المؤيدين.
وعلى الصعيد الحزبي، سجل الاستطلاع رفضًا شبه إجماعي من الديمقراطيين بنسبة 84%، تلاهم المستقلون بنسبة 63%. وحتى داخل القواعد الشعبية للحزب الجمهوري المؤيد تقليديًا لخيارات القوة، رأى 33% من الجمهوريين أن الحرب تركت أثرًا سلبيًا عامًا على المصالح الأمريكية مقابل 25% فقط ممن اعتبروا الأثر إيجابيًا. وتعكس هذه المؤشرات تآكل الإجماع الداخلي حول كفاءة الخيارات العسكرية وإدراك الجماهير المتزايد للأثمان الاقتصادية الباهظة التي يدفعونها عند محطات الوقود والأسواق.
2. 4. تحركات التضخم وأسعار الفائدة الامريكية والعالمية:
في هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش خلال يوليو لتؤكد أن البنك المركزي الأمريكي لن يتسرع في تخفيف السياسة النقدية، وأن أي قرار يتعلق بأسعار الفائدة سيظل مرهونًا بتطورات بيانات التضخم وسوق العمل، وليس بالضغوط السياسية أو توقعات الأسواق.
وقد شدد وارش على أن الحرب في الشرق الأوسط تمثل مصدرًا جديدًا لعدم اليقين، ليس فقط بسبب تأثيرها على أسعار الطاقة، وإنما أيضًا لأنها قد تعيد تغذية الضغوط التضخمية عبر ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والمواد الخام. كما أشار إلى أن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية قد تضيف ضغوطًا سعرية قصيرة الأجل، رغم آثارها الإيجابية طويلة المدى على الإنتاجية، وتعكس هذه التصريحات تحولًا واضحًا في نهج الاحتياطي الفيدرالي؛ إذ أصبح التركيز منصبًا على منع ترسخ التضخم، حتى لو استلزم ذلك الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
في أعقاب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في يونيو 2026 وتصريحات رئيسه كيفن وارش خلال يوليو، أعادت معظم بنوك الاستثمار العالمية مراجعة توقعاتها لمسار أسعار الفائدة الأمريكية. ويعكس الإجماع الحالي تحولًا ملحوظًا مقارنة ببداية العام؛ إذ انتقلت المؤسسات المالية من توقع خفض تدريجي للفائدة خلال 2026 إلى ترجيح استمرار سياسة “الفائدة المرتفعة لفترة أطول” نتيجة استمرار الضغوط التضخمية، وقوة سوق العمل، وعودة المخاطر الجيوسياسية مع تجدد التوترات في الشرق الأوسط. وفيما يلي أبرز تلك التوقعات:
- أولًا: Goldman Sachs.. لا خفض للفائدة قبل 2027؛ تعد توقعات Goldman Sachs Research من أكثر التوقعات تشددًا بين المؤسسات المالية العالمية. فقد عدّل البنك توقعاته في يونيو 2026، وأصبح يرى أن الاحتياطي الفيدرالي لن يبدأ دورة خفض أسعار الفائدة قبل يونيو 2027، مع توقع خفض ثانٍ في ديسمبر 2027، بعد أن كان يتوقع سابقًا بدء الخفض في نهاية عام 2026. ويرجع البنك هذا التعديل إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف.
- قوة سوق العمل الأمريكي.
- ارتفاع احتمالات استمرار صدمات العرض المرتبطة بأسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية.
كما يشير اقتصادي البنك، ديفيد ميريكل، إلى أن التضخم لن يقترب من مستوى 2% بصورة مستدامة إلا خلال عام 2027 إذا لم تحدث صدمات جديدة في أسعار الطاقة أو التجارة العالمية.
- ثانيًا : J.P. Morgan.. تثبيت طوال 2026؛ تتوقع أن يحتفظ الاحتياطي الفيدرالي بأسعار الفائدة الحالية طوال عام 2026، بل وترى أن السيناريو الأساسي لا يتضمن أي خفض خلال العام، مع احتمال رفع محدود للفائدة في عام 2027 إذا عادت الضغوط التضخمية للارتفاع. ويرى البنك أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بقدر كبير من المرونة، وأن الإنفاق الاستهلاكي وسوق العمل لا يوفران حتى الآن مبررًا كافيًا لتخفيف السياسة النقدية. كما يحذر من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في الشرق الأوسط قد يؤجل أي تحول نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
- ثالثًا: Morgan Stanley.. الفائدة المرتفعة حتى نهاية 2026 تبنت رؤية مشابهة؛ إذ تتوقع بقاء أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية عام 2026، مع إمكانية تنفيذ خفضين فقط خلال النصف الأول من عام 2027 إذا شهد التضخم تراجعًا واضحًا ومستدامًا. ويؤكد البنك أن ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الاستثمار القوي في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية يزيدان من احتمالات بقاء الضغوط التضخمية مرتفعة، وهو ما يدعم استمرار السياسة النقدية المتشددة.
جدير بالإشارة لاستطلاع أجرته وكالة رويترز شمل عددًا من أكبر المؤسسات المالية العالمية، ومنها Goldman Sachs وJPMorgan وMorgan Stanley و Citigroup وBarclays وHSBC وUBS وDeutsche Bank، فإن الغالبية أصبحت تتوقع عدم إجراء أي خفض لأسعار الفائدة خلال عام 2026، بعدما كانت هذه المؤسسات تتوقع في بداية العام بدء دورة التيسير النقدي خلال النصف الثاني من العام. ويعكس هذا التحول إعادة تقييم شاملة للمشهد الاقتصادي الأمريكي، خاصة بعد استمرار التضخم الأساسي عند مستويات مرتفعة، وظهور ضغوط جديدة ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية.
ثالثًا: لماذا تذهب أمريكا إلى الحرب؟
يطرح هذا التدهور المتواصل في المؤشرات الاقتصادية الكلية تساؤلًا جوهريًا: لماذا تتجه الحكومات الأمريكية المتعاقبة نحو خوض صراعات عسكرية جديدة إذا كانت المحصلة الاقتصادية العامة سلبية ومكلفة لدافعي الضرائب؟ تكمن الإجابة في بنية “المجمع الصناعي العسكري” وآليات توزيع المنافع الاقتصادية الخاصة مقابل الكلفة العامة.
حيث يعمل الإنفاق العسكري كآلية ضخمة لتحويل الأموال العامة (أموال دافعي الضرائب والديون السيادية) إلى أرباح صافية لشركات الدفاع الخاصة الكبرى، فبين عامي 2020 و2024، تلقت الشركات الخاصة عقودًا من البنتاغون بقيمة إجمالية بلغت 2.4 تريليون دولار، وهو ما يمثل 54% من إجمالي الميزانية التقديرية لوزارة الدفاع البالغة 4.4 تريليون دولار خلال تلك الفترة.
وتتركز هذه التدفقات النقدية في مصفوفة ضيقة من خمس شركات دفاعية عملاقة (Lockheed Martin, RTX, Boeing, General Dynamics, Northrop Grumman) والتي التهمت وحدها 771 مليار دولار بين عامي 2020 و2024، وهو مبلغ يفوق ضعف ميزانيات الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية والتنمية الدولية مجتمعة للفترة نفسها والبالغة 356 مليار دولار. وتوضح أرقام الضغط السياسي لعام 2024 حجم النفوذ البنيوي لهذه الشركات؛ إذ وظفت الصناعات العسكرية 950 كبيرًا من جماعات الضغط (لوبي) المسجلين في واشنطن، بمعدل يقارب جماعات ضغط تمثل مصالح شركات السلاح لكل عضو في الكونغرس الأمريكي.
كما خصصت الشركات العسكرية الكبرى 34.7 مليون دولار لتمويل أكبر 50 مركز فكر وبحث أمريكي (مثل معهد بروكينغز، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، ومعهد الأمن الأمريكي الجديد CNAS) لتوجيه التحليلات الاستراتيجية وتبرير الإنفاق الدفاعي وربطه بـ “التهديدات الوجودية الوشيكة”.
وتبرز الشركات مثل Lockheed Martin وRTX كقوى ضغط عظمى تنفق قرابة 13 مليون دولار سنويًا لكل منها بشكل منفرد لعرقلة أي محاولات لتقليص الميزانيات الدفاعية أو فرض رقابة على الأسعار والأرباح. وتسهم هذه المصفوفة من النفوذ في خلق بيئة سياسية تفضل الخيارات العسكرية على حساب الحلول الدبلوماسية؛ مما يحقق مصالح تجارية ضيقة ومباشرة للمساهمين والمديرين التنفيذيين في هذه الشركات على حساب دافعي الضرائب والمستهلكين.
رابعًا: ماذا تعني هذه التطورات بالنسبة للاقتصاد المصري؟
تتجاوز آثار هذه التطورات مجرد تقلبات الأسواق العالمية؛ إذ تمتد مباشرة إلى الاقتصاد المصري عبر عدة قنوات رئيسية:
- أولى هذه القنوات تتمثل في ارتفاع تكلفة الواردات، خاصة مع صعود أسعار النفط والشحن، وهو ما يزيد فاتورة استيراد الوقود والسلع الوسيطة والحبوب، ويخلق ضغوطًا إضافية على معدلات التضخم المحلية.
- أما القناة الثانية فتتعلق بتكلفة التمويل الخارجي. فاستمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة يرفع تكلفة الاقتراض الدولي، سواء بالنسبة للحكومة أو الشركات، كما يزيد من تكلفة إعادة تمويل الديون الخارجية.
- وتتمثل القناة الثالثة في تدفقات رءوس الأموال؛ حيث تصبح السندات الأمريكية أكثر جاذبية للمستثمرين العالميين مع ارتفاع عوائدها، وهو ما قد يؤدي إلى تباطؤ تدفقات الاستثمار نحو الأسواق الناشئة، ويزيد الضغوط على العملات المحلية.
- وتبرز قناة رابعة ذات أهمية خاصة لمصر، وهي استمرار الضغوط على إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر وارتفاع تكاليف التأمين البحري، وهو ما يقلص أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، يصبح من الضروري التركيز على مجموعة من الأولويات الاقتصادية؛ وتشمل تنويع مصادر النقد الأجنبي، وتسريع جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعزيز الصادرات الصناعية والزراعية، مع الاستمرار في إدارة الدين الخارجي بكفاءة، والحد من الاعتماد على التمويل قصير الأجل. كما تزداد أهمية التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي لتخفيف أثر تقلبات أسعار الطاقة العالمية على الموازنة العامة.
خاتمة
إن التأمل في تأثيرات حرب إيران على الاقتصاد الأمريكي يعيدنا إلى الفكرة الجوهرية التي طالما دافع عنها شرفاء علم الاقتصاد أن الحروب، في نهاية المطاف، هي صفقة خاسرة لجميع أطرافها، بما في ذلك القوى العظمى التي تظن أنها بعيدة عن النيران؛ لقد ظنت الإدارة الأمريكية أن بإمكانها إدارة صراع عسكري في منطقة حساسة كالشرق الأوسط دون أن تدفع الثمن في أسواقها الداخلية، لكن العولمة الاقتصادية، التي صنعتها أمريكا بنفسها، أصبحت هي القيد الذي ينقل إليها آثار الصدمة.
فالحرب أعادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة، بينما أكد الاحتياطي الفيدرالي بقيادة كيفن وارش أن استعادة استقرار الأسعار ستظل أولوية تتقدم على اعتبارات النمو، عبر الحفاظ على معدلات الفائدة مرتفعة، ونتيجة لذلك، يبدو أن مرحلة “الفائدة المرتفعة لفترة أطول” لم تنته بعد، وهو ما يفرض على الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر، التعامل مع بيئة مالية أكثر تشددًا، تتسم بارتفاع تكلفة التمويل، وتقلبات أسعار الصرف، واستمرار الضغوط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وفي المقابل، فإن الإسراع بالإصلاحات الهيكلية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري سيظل العامل الحاسم في تحويل هذه التحديات إلى فرص للنمو وجذب الاستثمار.

