وحدة الدراسات الأفريقية

دوافع مُتداخلة: تقارب العصابات الإجرامية وجماعة “بوكو حرام” النيجيرية

تُواجه نيجيريا حالة خطيرة من انعدام الأمن نتيجة تركز نشاط الإرهاب في الشمال الشرقي وانتشار العصابات الإجرامية بالشمال الغربي وعمليات الاختطاف الجماعي في الجنوب الغربي. وقد شهدت الفترة الأخيرة تناميًا للروابط التي تجمع التنظيمات الإرهابية بالعصابات الإجرامية في نيجيريا، فبعد أن كانت الأعمال الإجرامية تُمارس لتمويل الإرهاب، أصبح الإرهاب آلية يتم بموجبها تنفيذ العمليات الإجرامية كمصدر لجني الأموال. العصابات الإجرامية.. الماهية والروابط ببوكو حرام عملت العصابات الإجرامية من جماعة الفولاني – Fulani Bandit Gangs تقليديًا كرعاة للماشية، وتنازعوا لعقود مع مجتمعات الهوسا الزراعية بشأن الحصول على المياه والمراعي في ولايات زامفارا وكاتسينا وكادونا والنيجر وسوكوتو، حيث أقاموا عشرات المعسكرات في…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

تُواجه نيجيريا حالة خطيرة من انعدام الأمن نتيجة تركز نشاط الإرهاب في الشمال الشرقي وانتشار العصابات الإجرامية بالشمال الغربي وعمليات الاختطاف الجماعي في الجنوب الغربي. وقد شهدت الفترة الأخيرة تناميًا للروابط التي تجمع التنظيمات الإرهابية بالعصابات الإجرامية في نيجيريا، فبعد أن كانت الأعمال الإجرامية تُمارس لتمويل الإرهاب، أصبح الإرهاب آلية يتم بموجبها تنفيذ العمليات الإجرامية كمصدر لجني الأموال.

العصابات الإجرامية.. الماهية والروابط ببوكو حرام

عملت العصابات الإجرامية من جماعة الفولاني – Fulani Bandit Gangs تقليديًا كرعاة للماشية، وتنازعوا لعقود مع مجتمعات الهوسا الزراعية بشأن الحصول على المياه والمراعي في ولايات زامفارا وكاتسينا وكادونا والنيجر وسوكوتو، حيث أقاموا عشرات المعسكرات في مناطق الغابات النائية في الشمال الغربي بنيجيريا، حيث تشترك هذه الولايات في الحدود وإمكانية التنقل بسهولة عبر المساحات الشاسعة. وتعمل هذه العصابات الإجرامية في المجتمعات الريفية، ولها قواعد في أعماق الغابات مما يوفر فرصًا كبيرة للاختباء، حيث يضم كل منها مئات المقاتلين، ويحصلون على دعم لوجيستي من السكان المحليين، ويستخدمون الأموال من مدفوعات الفدية لشراء الأسلحة والذخيرة.

وبينما كانت الحكومة النيجيرية تصف هجمات الفولاني على المجتمعات في شمال ووسط البلاد بأنها مجرد اشتباكات بين الرعاة والمزارعين؛ صنف مؤشر الإرهاب العالمي (GTI) منذ عام 2015 العصابات المسلحة من جماعة الفولاني بأنها من بين خطر الجماعات الإرهابية في العالم، حيث أصبحت ممارساتهم أكثر عنفًا بعد أن توسعت لتشمل الهجمات على القرى وعمليات الاختطاف الجماعي، وتصاعدت حدة الاشتباكات بين الرعاة والمزارعين، حيث يُقتل أكثر من ألف شخص كل عام، وتحديدًا في وسط وشمال غرب نيجيريا.

ومع تصاعد أعمال العنف، طلبت مجموعات من قطاع الطرق مساعدة جماعة “بوكو حرام”، حيث سافرت من ولاية زامفارا في الشمال الغربي إلى ولاية بورنو إلى شمال شرق نيجيريا الخاضعة لسيطرتها لشراء الأسلحة، وتلقي تدريبات مُكثفة كمؤشر على تعزيز التعاون بينهما، واندمجت فصائل بوكو حرام مع العصابات الإجرامية للتأثير على تكتيكاتهم وأهدافهم، حيث أعلن بعضهم ولاءه للجماعة الإرهابية، ووافقوا على الانخراط في علاقة عمل وثيقة تقوم على مشاركة المعلومات والدعم فيما بينهم. وفي هذا السياق، تُشير إحصاءات مرصد الأزهر لمُكافحة التطرف إلى أن جماعة “بوكو حرام” قامت حتى الآن بحوالي 58 عملية اختطاف جماعي، على مدى الأعوام الخمسة الماضية، معتمدة على العصابات الإجرامية، حيث جندت ثلاث عصابات لاختطاف التلاميذ في شمال غرب نيجيريا، بعيدًا عن معقل الجماعة الإرهابية الناشطة بالأساس في شمال شرق البلاد. 

دوافع مُتداخلة

تقليديًا، تتحرك جماعة “بوكو حرام” من منطلق أيديولوجي، في حين تسعى العصابات الإجرامية وراء المال فقط. ومع ذلك، تنامت المصلحة المُشتركة والاستفادة المُتبادلة بين الجانبين، فلدى بوكو حرام قوة بشرية يمكنها التوسع في الجزء الشمالي الغربي من البلاد، حيث تستخدم أموال الفدية وأنشطة أخرى، مثل السرقة وأعمال التعدين غير القانونية، لاستقطاب وتجنيد أعضاء جدد، وتمويل صيانة معسكرات التدريب، وشراء الأسلحة وأدوات الاتصال وتنفيذ العمليات الإرهابية. بينما تحصل العصابات الإجرامية على المال والسلاح كطريقة جديدة لتبرير هجماتهم من خلال تأطير أفعالهم كجزء من الجهاد العالمي على أنها غنيمة حرب، وقد نتج عن ذلك ظاهرة “الإرهاب الهجين” التي تتشابك فيها الأبعاد الدينية والعرقية وأعمال الجريمة، وهناك مجموعة من الدوافع المُتداخلة لتقارب بوكو حرام من العصابات الإجرامية، يمكن توضحيها على النحو التالي: 

استراتيجية تعزيز النفوذ والسيطرة: في ظل رغبة بوكو حرام توسيع قاعدتها والتمدد إلى مناطق بعد شمال شرق نيجيريا، بدأت في تشكيل تحالفات مع مجموعات العصابات الإجرامية في الشمال الغربي من البلاد، لإقامة دولة إسلامية تتجاوز الشمال الشرقي، وبناء تحالفات مع رجال العصابات كجزء من أجندتها التوسعية، وسمح مقتل زعيم بوكو حرام “أبو بكر شيكاو” للمتمردين بإعادة تجميع صفوفهم وتطوير استراتيجية جديدة لتجنيد قطاع الطرق للمساعدة في قتالهم.

تأجيج التهديدات في مناطق أخرى، وذلك لتقليل ضغط قوات الأمن على بوكو حرام في الشمال الشرقي مع استمرار العمليات العسكرية في غابة سامبيسا، وصعوبة تحريك أسلحة بوكو حرام دون إثارة انتباه قوات الأمن، ومخاوف قطع سلاسل التوريد الخاصة بها، حيث يقع مسرح عمليات بوكو حرام الرئيسي في منطقة انتشار جماعة كانوري بشمال شرق نيجيريا، ولا سيما ولايتي بورنو ويوبي. 

صناعة الاختطاف المُربحة: تقوم العصابات الإجرامية بعمليات الاختطاف بدافع الفدية بالتنسيق مع بوكو حرام، في ظل جاذبية النموذج الذي حققته جماعة بوكو حرام لهذه العصابات، ويعتبر الاختطاف الصناعة الأكثر ربحًا في شمال نيجيريا. ووفقًا لتقرير صادر عن مجموعة تقييم المخاطر (SB Morgen) خلال الفترة من يونيو 2011 – مارس 2020، تم دفع أكثر من 18.34 مليون دولار فدية للخاطفين. ومنذ صدور هذا التقرير زادت وتيرة عمليات الاختطاف بشكل كبير، حيث تم اختطاف أكثر من 2000 شخص في النصف الأول من عام 2021، وهذا الرقم أكثر من الإجمالي بين يونيو 2011 ومارس 2020. 

سُبل المواجهة 

في أعقاب الهجمات المستمرة من قِبل العصابات الإجرامية في جميع أنحاء البلاد، أعرب حزب مؤتمر كل التقدميين الحاكم (APC) عن تصميم إدارة الرئيس “محمد بخاري” على التعامل بحزم مع هذه العناصر الإجرامية، حيث أطلقت الحكومة النيجيرية العمليات العسكرية المتعددة في شمال غرب البلاد للحد من هذه المخاطر، وبدأت حكومة ولاية زامفارا التفاوض والحوار مع هذه العصابات لإحلال السلام في المنطقة، وبرزت مجموعة من الجهود والإجراءات على النحو التالي: 

فرض القيود: فرضت أربع ولايات في شمال غرب نيجيريا، قيودًا للحد من أنشطة العصابات الإجرامية، بما في ذلك الحد من حركة مرور الدراجات النارية، وتقييد بعض مبيعات الوقود، وكذلك تعليق أسواق الماشية. حيث أكد المتحدث باسم إحدى الحكومات المحلية “أحمد ماتاني”، في بيان أنه “يجب ألا تبيع جميع محطات الوقود البنزين الذي يزيد سعره على 10000 نيرة (حوالي 20 دولارًا) لكل مركبة في وقت واحد، ويجب أن تكون حذرة من المركبات والدراجات النارية القادمة من أجل الشراء المتكرر”.

جهود مُشتركة: من خلال التعاون بين السلطات المحلية وقوات الأمن الفيدرالية لمحاولة تهدئة أعمال العنف ووقف نشاط الجريمة، والقيام بدوريات في الغابات النائية، وإنشاء وحدة عسكرية مُشتركة خاصة معنية بمُكافحة سرقة الماشية، وضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد لمنع العصابات الإجرامية من استقطاب الأفراد، وتعزيز وجود الدولة في جميع المناطق، وضمان التوزيع العادل للموارد بين الجماعات العرقية والدينية المتنوعة. 

أنشطة عملية “هادارين دجي”: بدأت هذه العملية منذ عام 2019 حتى الوقت الحاضر، وتُعرف باسم عملية البر الآمن، حيث تضم عناصر من القوات الجوية النيجيرية وقوات الشرطة الخاصة، ومن ضمن أهدافها العودة الآمنة لجميع الطلاب المخطوفين من خلال تنفيذ الضربات الجوية وتقديم دعم جوي وثيق للعمليات البرية من أجل القضاء على جميع العصابات الإجرامية، والقيام بسلسلة من مهام المراقبة الجوية لكشف الهياكل والعناصر اللوجستية التي تستخدمها هذه العصابات كملاذ آمن لتنفيذ هجماتهم. ومؤخرًا، أعلنت قيادة الدفاع في نيجيريا في الثاني من سبتمبر ٢٠٢١، أن قوات العملية ألقت القبض على 81 من أفراد العصابات الإجرامية في شمال غرب البلاد.

وأخيرًا، يُثير التقارب بين الجماعات المتطرفة العنيفة والعصابات الإجرامية تصعيد المشاكل الأمنية، وتوسيع قدرات الجهات الفاعلة غير الحكومية في جميع أنحاء نيجيريا، ومخاوف نقل بوكو حرام مهاراتها في صنع الأسلحة مثل العبوات الناسفة إلى العصابات الإجرامية المرتبطة بها، وتعزيز إمداداتها من الأسلحة في ظل عدم وجود آليات فعالة للشرطة المجتمعية لمُعالجة التحديات الأمنية العالقة في المناطق النائية، ومُعضلة حوكمة الأمن في نيجيريا. ومن المتوقع تزايد أنشطة التقارب بين هذه العناصر الإجرامية والجماعات الإرهابية، وصعوبة السيطرة على تداعياتها، واتساع رقعتها للبدان المجاورة في منطقة غرب إفريقيا.

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية