لا تستمد بعض كتب التاريخ العسكري أهميتها من كونها تسجل أحداث الحروب فحسب، وإنما من قدرتها على إعادة طرح الأسئلة التي صاحبت تلك الحروب، وكيف اتخذت القرارات، ولماذا نجحت بعض الخطط في لحظات معينة، ولماذا تعثرت في لحظات أخرى. وفي هذا السياق يأتي كتاب من الجولان إلى سيناء للمؤرخ العسكري جمال حماد، بوصفه محاولة لقراءة مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، تبدأ من آثار حرب يونيو 1967 وتمتد عبر حرب الاستنزاف إلى حرب أكتوبر 1973، مع ربط التطورات الميدانية بالسياقات السياسية والإقليمية والدولية التي أحاطت بها. وتزداد أهمية الكتاب بالنظر إلى خلفية مؤلفه العسكرية، التي جعلته ينظر إلى الحرب من زاوية تجمع بين الخبرة المهنية والرواية التاريخية والتحليل العملياتي. غير أن إعادة قراءة هذا العمل اليوم لا ينبغي أن تقتصر على استعادة ما قدمه من رواية لأحداث أكتوبر، وإنما تستدعي أيضًا مساءلة هذه الرواية ومقارنتها بطبيعة المعرفة التاريخية التي تراكمت منذ صدور الكتاب، والتمييز بين الوقائع التي يسندها المؤلف إلى مصادر محددة، والاستنتاجات التي يعرضها بوصفها تفسيرًا لمسار الحرب. ومن هنا تبرز قيمة الكتاب بوصفه وثيقة من وثائق الذاكرة العسكرية المصرية، وفي الوقت نفسه نصًا تاريخيًا يمكن إخضاعه للنقد والمراجعة، لا سيما في القضايا المتعلقة بالخداع الاستراتيجي، وخط بارليف، والدور الأمريكي والسوفييتي، وحدود التنسيق العربي في أثناء الحرب.
التعريف بالكاتب:
جمال الدين إبراهيم محمد حماد، ولد في العاشر من مايو 1921 بالقاهرة، وتوفي في السابع والعشرين من مايو 2016. تنحدر عائلته من قرية “شبرا ريس” بمركز شبراخيت محافظة البحيرة، حيث كان والده من خريجي الأزهر الشريف، وعمل مدرسًا للغة العربية. بعد حصول حماد على شهادة البكالوريا، التحق بالكلية الحربية وتخرج منها في منتصف إبريل 1939.
بعد تخرجه من الكلية الحربية، خدم في الوحدات العسكرية المصرية في السودان، ثم في منطقة القناة، ولاحقًا في الإسكندرية، وقد شغل مناصب عدة منها (رئاسة أركان حرب سلاح المشاة – كبير معلمي الكلية الحربية — قائد اللواء ۱۸ مشاة – قائد منطقة العريش العسكرية – رئيس هيئة الاتصال بقوات الأمم المتحدة في سيناء وقطاع غزة – قائد معهد المشاة – رئيس هيئة الخبراء العسكريين في اليمن). كما عمل مدرسا لمادة التكتيك العسكري والأسلحة في مدرسة المشاة والكلية الحربية المصرية، بين عامي 1942 و1946، وشارك في حرب فلسطين عام 1948، كرئيس أركان حرب الكتيبة السابعة مشاة، وفي التصدي للعدوان الثلاثي عام 1956، مديرًا للقيادة المصرية السورية المشتركة بدمشق، وفي حرب اليمن، رئيسًا لهيئة الخبراء.
قبيل قيام ثورة يوليو 1952، تولى حماد منصب رئيس أركان حرب سلاح المشاة برتبة صاغ “رائد”، حيث عمل مباشرة تحت قيادة اللواء محمد نجيب، بعد نجاح الثورة، تولى جمال حماد موقع مدير مكتب القائد العام للجيش المصري، اللواء محمد نجيب، وظل في موقعه هذا إلى أن تمت أحداث فبراير ومارس 1954، التي قدم نجيب على إثرها استقالته، ومن ثم انتُدب جمال حماد للعمل ملحقًا عسكريًا لمصر بين عامي 1952 و1957 في كل من سوريا ولبنان والأردن والعراق، حيث كان من الضباط القلائل في مجلس قيادة الثورة، الذين فضلوا الاستمرار في الخدمة العسكرية بعد الثورة، إلى أن عُيّن عام 1965، محافظًا لكفر الشيخ، ثم تولى بين عامي 1966 و1968 منصب محافظ المنوفية.
على المستوى الأكاديمي، حصل حماد على دورة قادة الألوية من كلية الحرب بالاتحاد السوفيتي عام 1959، وعلى ماجستير في العلوم العسكرية من كلية أركان الحرب بالقاهرة (كلية القادة والأركان حاليا)، كما حصل على عدة أوسمة وأنواط، منها نوط الجدارة الذهبي، ووسام الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة، ووسام الاستحقاق السوري، ووسام الإخلاص السوري، ووسام الأرز اللبناني، ووسام الاستقلال الأردني، ووسام الرافدين العراقي، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، بجانب جائزة الدولة التشجيعية عن كتاب “المعارك الحربية على الجبهة المصرية”. وقد دون اسم جمال حماد ضمن “الموسوعة القومية للشخصيات المصرية البارزة” التي أصدرتها الهيئة العامة للاستعلامات عام 1989، كما دون اسمه ضمن “موسوعة أعلام مصر في القرن العشرين” التي أصدرتها وكالة أنباء الشرق الأوسط عام 1999.
على مستوى الإنتاج الثقافي والأدبي، أصدر جمال حماد نحو 16 كتابًا تناولت أحداث ثورة يوليو وما قبلها، والتفاعلات العسكرية التي حدثت خلال فترتي حكم الرئيس عبد الناصر والرئيس السادات، بجانب كتب أخرى مرتبطة بالتاريخ العسكري، منها: (الحرب في شمال إفريقيا.. روميل ومونتجومرى الصدام الدامي – 22 يوليو .. أطول يوم في تاريخ مصر – اسرار ثورة يوليو – الحكومة الخفية في عهد عبدالناصر وأسرار مصرع المشير عامر – من سيناء إلى الجولان – غزوة بدر الكبرى – معارك الإسلام الكبرى – أعلام الصحابة – المعارك الحربية على الجبهة المصرية).
كذلك أثرى جمال حماد المكتبة الأدبية المصرية بعدد من الإنتاجات، حيث أصدر ثلاث روايات هي “غروب وشروق” و”ثالثهما الشيطان” و”الرجل والطريق”، لاحقًا حُوّلت الروايتان الأولى والثانية إلى فيلمين، في حين حُوّلت الرواية الثالثة إلى مسلسل إذاعي. كما ألّف ديوانًا شعريًا تحت اسم “بين قلبي وحسامي”، بجانب عدة أناشيد وطنية، لحّنها كبار الملحنين ومنهم محمد عبد الوهاب، مثل أغنية “صرخة الأحرار”، التي غنتها المطربة نجاة الصغيرة.
التعريف بالكتاب:
صدر الكتاب لأول مرة عام-1988 عن دار الزهراء للإعلام العربي بالقاهرة، وفي نفس الفترة كانت الدولة المصرية تخوض معركة سياسية ضد إسرائيل على تبعية طابا، وقد حسمت في نفس العام بالتوازي مع تعزيز الجيش السوري التواجد في لبنان في نفس العام؛ ولذلك يحاول الكتاب دائمًا أن يشير إلى أن الجيش المصري كان يخوض معركته في الميدان بشكل مستقل ومتفانٍ ومن ثم أكمل معركته السياسية دون التأثر بالمواقف العربية الأخرى، والإشارة إلى أنه من الصعب التنسيق العسكري بين الجيوش العربية في تلك الفترة لمواجهة إسرائيل، وهو أحد الدروس المستفادة من أداء الجيوش العربية في الصراع العربي -الإسرائيلي ما بين 1948-1973.
أهمية الكتاب:
يسلط الكاتب الضوء على إحدى أهم الفترات الحرجة في التاريخ المصري الحديث، المرتبطة بشكل مباشر بالصراع العربي-الإسرائيلي، وذلك من خلال تقديم صورة مبسطة متعددة الزوايا لأبرز القرارات التي اتُخذت خلال هذه المرحلة، بدءًا من معارك عام 1967، مرورًا بحرب الاستنزاف، وصولًا إلى معركة التحرير في أكتوبر 1973. كما يتضمن مراجعة سريعة لبعض الخبرات والدروس المستفادة من الحروب السابقة، بما في ذلك أحداث عامي 1948 و1956، وحتى الحرب العالمية الثانية.
كما تناول الكاتب شرح المواقف المختلفة لحلفاء طرفي الصراع، وعلى رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، موضحًا تأثيرهم الكبير على سير العمليات، ليس فقط من خلال الإمداد اللوجستي والأسلحة، بل أيضًا عبر القرارات السياسية التي سعى كل طرف من خلالها إلى الحفاظ على معادلة التوازن في المنطقة. وقد استعرض أداء كل منهم خلال العمليات العسكرية في أكتوبر 1973، إلى جانب الموقف العربي في تلك الفترة، والمحاولات المتعددة لتحقيق التفاهم بين الأشقاء، وهي محاولات لم تُنفذ بشكل فعال يضمن استدامة الدعم، بل أثرت سلبًا على اتخاذ عدة قرارات ميدانية واستراتيجية، كانت لها تكلفة عالية على مستوى الأفراد والعتاد، نتيجة سوء التنسيق بين القيادات العربية.
استعان الكاتب بعدد كبير من المصادر العربية والأجنبية، بما في ذلك الإسرائيلية، في محاولة لفهم بعض القضايا المعقدة التي كانت غير واضحة آنذاك للجمهور العربي. وقد عرض هذه القضايا بأمانة شديدة، وأبدى قدرًا كبيرًا من الحيادية والاحترام أثناء مراجعتها، حتى وإن كانت تتعارض مع وجهة نظره، التي عبّر عنها في نهاية المطاف. ويتيح الكتاب مساحة للتفكير ومقارنة الأحداث التي يرصدها خلال تلك الفترة بما يحدث اليوم من متغيرات في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بالعقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي.
الأفكار الرئيسية التي تناولها الكتاب:
أولًا: من حالة “اللا سلم واللا حرب” إلى خداع العدو الإسرائيلي:
تجسد الفكرة الأولى التي يرتكز عليها الكتاب تحولًا فكريًا واستراتيجيًا شاملًا في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، حيث انتقلت القيادة العسكرية والسياسية المصرية من حالة الذهول والجمود التي أعقبت حرب يونيو 1967 إلى مرحلة التخطيط العلمي الصارم القائم على الحسابات الدقيقة والتنفيذ المحكم. لم تكن حرب أكتوبر مجرد اندلاع مفاجئ للنيران أو رد فعل عاطفي للثأر، بل كانت نتاج دراسة عميقة سعت إلى كسر حالة اللا سلم واللا حرب وفرض واقع ميداني جديد يربك الحسابات الدولية والإقليمية. يتناول الكاتب بالتفصيل كيف تبنت مصر وسوريا استراتيجية الهجوم المتزامن تحت قيادة موحدة، وهي الخطوة التي حرمت إسرائيل من ميزتها التاريخية المتمثلة في الاستفراد بكل جبهة على حدة، وأجبرتها على توزيع جهودها العسكرية واللوجستية بين الجبهتين المصرية والسورية، مما شل قدرتها على حشد قوات الاحتياط بالسرعة المطلوبة.
وفي هذا السياق، خضعت التفاصيل الدقيقة للمعارك لعمليات تحليل جغرافية ومناخية وفلكية متقدمة لاختيار الموعد الأمثل لبدء العمليات الهجومية. إن اختيار يوم السادس من أكتوبر لم يكن محض مصادفة، بل جاء بناءً على دراسات تناولت حركة المد والجزر في قناة السويس لتسهيل عمليات العبور وإقامة الكباري. كما استغلت الخطة مصادفة توافق هذا التاريخ مع عيد الغفران الإسرائيلي، وهو اليوم الذي تتوقف فيه وسائل الإعلام والحياة العامة في إسرائيل، مما أبطأ وسائل الاتصال وشل قدرة القيادة على استدعاء القوات الاحتياطية سراعًا. يُضاف إلى ذلك العبقرية التكتيكية المتمثلة في تحديد الساعة الثانية ظهرًا لانطلاق الضربة الجوية والتمهيد المدفعي، وهو توقيت غير مألوف على الإطلاق في أدبيات العقائد العسكرية الحديثة التي تعتمد عادة على الفجر أو الغروب، مما أربك القيادات الإسرائيلية.
ولم تكن هذه الحسابات الدقيقة لتنجح لولا اقترانها بخطة خداع استراتيجي شاملة شلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء. أدارت القيادة المصرية شبكة من التكتيكات الإعلامية والسياسية والميدانية لترسيخ انطباع ثابت لدى العدو بأن التحركات العسكرية المصرية لا تعدو كونها مناورات روتينية لا نية لترجمتها إلى حرب حقيقية. تجسد ذلك في صدور القرارات الروتينية بإعلان تسريح بعض دفعات المجندين، وفتح باب العمرة لضباط القوات المسلحة، وإجراء عمليات صيانة معلنة للأسلحة والشبكات، فضلًا عن تكرار إعلان التعبئة العامة وإلغائها عدة مرات إرهاقًا للاقتصاد الإسرائيلي الذي يتطلب كل استدعاء فيه شلل المؤسسات المدنية. أدى هذا الاسترخاء الذهني في إسرائيل والولايات المتحدة إلى تجاهل المؤشرات الميدانية الواضحة حتى اللحظات الأخيرة، لتكتمل المفاجأة الاستراتيجية ويتحقق الذهول الكامل للقيادة الإسرائيلية مع انطلاق أولى القذائف في الظهيرة.
يؤكد الكاتب على محورية الواقعية العسكرية في اتخاذ القرار السياسي، مستشهدًا بالمفاضلة الصارمة بين الخطط الورقية الخيالية والخطط الميدانية القابلة للتطبيق. فقد رفضت القيادة خوض معارك بناءً على افتراضات حسابية غير مطابقة للواقع، كانت تفترض وجود أسلحة متطورة وتفوق جوي لم تكن مصر تملكه في ذلك الوقت. اعتمد القرار بدلًا من ذلك على الجاهزية الحقيقية المتاحة للقوات المسلحة، وتحديد أهداف مرحلية واضحة تبدأ بعبور المانع المائي وتثبيت رؤوس الكباري وتحطيم الدفاعات المباشرة للعدو. إن هذا الامتزاج بين الحسابات العلمية والدراسات الطبوغرافية وخطة الخداع المحكمة هو الذي أحال التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي إلى حالة من الشلل الفكري، وسمح للجيش المصري بكسر حاجز الخوف وتحقيق أحد أكبر الانتصارات التكتيكية في التاريخ العسكري المعاصر.
ثانيًا: سقوط أسطورة الدفاع الثابت:
تركز الفكرة الثانية في الكتاب على البعد الميداني والنفسي للحروب، من خلال تفكيك مفهوم المنشآت الدفاعية الثابتة وإسقاط الهالة الأسطورية التي أحاطت بـ “خط بارليف”. بعد حرب عام 1967 واستيلاء إسرائيل على شبه جزيرة سيناء، أدركت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن طبوغرافية المنطقة المنبسطة شرق قناة السويس تجعل قواتها مكشوفة تمامًا أمام نيران المدفعية المصرية غرب القناة. ونظرًا للخسائر البشرية المتزايدة التي تكبدتها القوات الإسرائيلية خلال حرب الاستنزاف، اتجهت تل أبيب إلى بناء شبكة تحصينات هندسية معقدة ومكلفة اعتبرت مكافئة لخط ماجينو الفرنسي أو الجدار الأطلسي الألماني. أُقيم هذا الخط على طول الضفة الشرقية للقناة، مدعومًا بساتر ترابي ضخم بارتفاعات شاهقة، وأبراج مراقبة حصينة، ونقاط قوية مجهزة بأسلحة ثقيلة، فضلًا عن تزويده بفتحات لضخ المادة الحارقة (النابالم) لتحويل مياه القناة إلى شعلة لهب تحرق أي قوات تحاول العبور.
أثبتت الممارسات الميدانية لحرب أكتوبر 1973 الفشل الذريع لنظرية “الدفاع الثابت” أمام الإرادة والتكتيكات الهجومية المرنة. يوضح الكاتب كيف اعتمد العبور المصري على استغلال الثغرات والمساحات الفاصلة بين الحصون والأبراج الدفاعية دون التورط في صدام مباشر مع كل نقطة حصينة في اللحظات الأولى. نجحت القوات المصرية في عبور المانع المائي بسرعة فائقة، والالتفاف حول هذه التحصينات وحصارها من الخلف، مما حول خط بارليف من جدار واقٍ يحمي الجنود الإسرائيليين إلى عبء استنزافي كابوسي على القيادة العسكرية في تل أبيب. وبدلًا من أن توقف التحصينات زحف القوات العربية، أصبحت الحاميات الإسرائيلية المحاصرة في الحصون بحاجة ماسة للإنقاذ، مما اضطر قوات الدعم والمدرعات الإسرائيلية إلى الاندفاع في كمائن القوات المصرية المستحكمة، لتتوالى خسائر إسرائيل في الأفراد والمعدات عند محاولاتها الفاشلة لفك الحصار عن تلك النقاط الحصينة.
ولم تكن عملية تحطيم هذا الجدار الدفاعي وليدة المصادفة يوم السادس من أكتوبر، بل جاءت تتويجًا لعمليات استطلاع هجومية ودقيقة نفذتها قوات الصاعقة والاستخبارات العسكرية المصرية على مدار سنوات حرب الاستنزاف. نجحت هذه القوات في اختراق خطوط العدو، ورسم خرائط تفصيلية للمواقع الإسرائيلية، وتحديد الخطوط اللوجستية ومخازن الذخيرة. والأهم من ذلك، كشفت عمليات الاستطلاع حقيقة سلاح الردع النفسي المتمثل في فتحات النابالم؛ حيث تبين للمخابرات العسكرية أن العديد من هذه الفتحات كان معطلًا أو غير عملي في مواقع عدة، وأن تضخيم خطورتها كان جزءًا من الحرب النفسية التي يمارسها العدو لإحباط الروح المعنوية للجيش المصري. سمح هذا الاكتشاف للقيادة المصرية بتطوير حلول هندسية مبتكرة، كان أبرزها استخدام مضخات المياه عالية الضغط لجرف الساتر الترابي، وإغلاق فتحات النابالم بالأسمنت السريع قبل وأثناء عملية العبور.
أدى هذا الانهيار السريع والكامل لخط بارليف، الذي تم في غضون ثماني عشرة ساعة فقط وبأقل خسائر ممكنة، إلى إحداث صدمة عنيفة في صلب العقيدة القتالية الإسرائيلية. كانت هذه العقيدة الموروثة منذ عهد دايفيد بن جوريون تستند بالأساس إلى المبادأة، ونقل المعركة فورًا إلى أرض العدو، والاعتماد على الحروب السريعة الخاطفة لتفادي خسائر العنصر البشري. إلا أن سرعة الاقتحام المصري وعنصر المفاجأة شلا حركة القوات الميدانية، ومنعا القيادة من توجيه ضربة وقائية خوفًا من العزلة الدولية، مما تسبب في إرباك القيادة السياسية والعسكرية وسقوط مفهوم “الحصن المنيع”. كشف هذا السقوط الميداني أن التكنولوجيا والتحصينات الخرسانية لا يمكنها حسم المعارك إذا ما واجهت عقيدة قتالية صلبة وتكتيكات شجاعة نجحت في تحويل نقاط قوة العدو إلى ثغرات قاتلة أدّت لدماره.
ثالثًا: لعبة التوازنات السياسية وسباق الجسور الجوية:
تتطرق الفكرة الثالثة في الكتاب إلى البعد الدولي للحرب، مؤكدةً أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يكن معزولًا عن سياق الحرب الباردة، بل كان ساحة اشتباك وتوازنات معقدة بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. يحلل الكاتب مواقف الجانبين خلال الفترة الممتدة من هزيمة 1967 وحتى اندلاع حرب 1973؛ حيث تمحورت الأهداف السوفيتية حول تجنب أي مواجهة مباشرة مع واشنطن، مما دفع موسكو للتعامل بريبة ومماطلة مع الطلبات المصرية للأسلحة الهجومية الحاسمة. في المقابل، اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية على تجميد الوضع السياسي في الشرق الأوسط لدفع الدول العربية إلى حالة من اليأس، وإرغامها على القبول بالشروط الإسرائيلية، مع العمل الدؤوب على تقليص النفوذ السوفيتي وعزل مصر عن دورها القيادي في المنطقة.
دفعت هذه المماطلة السوفيتية والمعاملة السيئة للقيادة المصرية الرئيس أنور السادات إلى اتباع استراتيجية مزدوجة؛ تمثلت في فتح قنوات اتصال سرية ومباشرة مع الإدارة الأمريكية عبر مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، بالتوازي مع تقديم مبادرات سلام علنية بهدف تحريك المياه الراكدة وإثبات حسن النية أمام الرأي العام الدولي. إلا أن تصلب الموقف الأمريكي والرضوخ للشروط الإسرائيلية التي رفضت أي وجود عسكري مصري شرق القناة، أثبتا للقاهرة أن واشنطن لن تحرك ساكنًا أو تضغط على تل أبيب ما لم تتغير المعادلة العسكرية على الأرض. أدى هذا الانسداد السياسي المحكم إلى اتخاذ قرار الحرب لكسر هذا الجمود الإقليمي والدولي، وإجبار القوتين العظميين على إعادة تقييم مواقفهما تجاه الصراع.
مع اندلاع الحرب وتلقي إسرائيل ضربات قاسية أسفرت عن فقدان ثلث سلاح مدرعاتها وطيرانها في الأيام الأولى، تحول الموقف الأمريكي من المراقبة إلى التدخل المباشر والشامل لإنقاذ تل أبيب. أمر كيسنجر بتزويد القيادة الإسرائيلية بالمعلومات الاستخباراتية اللحظية عبر الأقمار الصناعية فائقة الدقة، ثم دشن الجانب الأمريكي جسرًا جويًا وبحريًا كاسحًا باستخدام طائرات النقل العملاقة لنقل مئات الدبابات والذخائر المتطورة والصواريخ الموجهة بالتكنولوجيا الحديثة. ولتجاوز حظر الدول الأوروبية استخدام قواعدها في تزويد الطائرات بالوقود، أنشأت واشنطن محطات إمداد وسط المحيط الأطلسي، وحركت الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط لفرض التفوق وإرهاب أي تدخل خارجي، وهو ما عوّض النزيف الميداني الإسرائيلي وشكل نقطة تحول لوجستية فارقة في مسار المعارك.
وفي المقابل، دشّن الاتحاد السوفيتي جسرًا جويًا وبحريًا لدعم الجبهتين المصرية والسورية بالأسلحة والذخائر، مع توجيه الثقل الأكبر منه نحو الجبهة السورية لتعويض الخسائر الفادحة التي تلقتها في معارك الجولان. شمل هذا الدعم تزويد العرب بكتائب دفاع جوي متطورة ودبابات حديثة وصواريخ تكتيكية، بالتوازي مع رفع درجة الاستعداد في الأسطول السوفيتي بالبحر المتوسط وتجهيز قوات المظليين للتدخل إذا تطلب الأمر. يخلص الكاتب من هذا الاستعراض للدور الدولي إلى أن الحرب كشفت التبعية الشديدة لإسرائيل للترسانة الأمريكية، كما أثبتت أن القوى العظمى لا تحترم إلا الطرف القادر على فرض إرادته الميدانية، حيث تحول الجسران الجويان إلى سباق تسلح مباشر بين واشنطن وموسكو فوق أراضي الشرق الأوسط.
رابعًا: مسألة التنسيق العربي الموحد:
تناقش الفكرة الرابعة والأخيرة تطور التنسيق العسكري العربي عبر تاريخ الصراع، وصولًا إلى ذروته في حرب أكتوبر 1973، مع إبراز الفارق الشاسع بين نجاح ضربة البداية الموحدة والثغرات التي ظهرت لاحقًا في إدارة العمليات الميدانية. يستعرض الكاتب محطات هذا التعاون منذ حرب 1948 التي شهدت قيادة مركزية صورية وغير فعالة سمحت لإسرائيل بالاستفراد بالجيوش العربية واحدًا تلو الآخر، مرورا بحرب 1956 وحرب 1967 اللتين كشفتا غياب آليات التنسيق الميداني الفعلي وفشل اتفاقيات الدفاع المشترك. إلا أن الفترة التي سبقت حرب 1973 شهدت تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، عبر إنشاء القيادة العامة للقوات المسلحة الاتحادية وتنسيق خطة العبور وساعة الصفر بين القاهرة ودمشق في جلسات سرية أثمرت عن ربط غرف العمليات بشفرات وكوابل اتصالات موحدة.
حققت هذه القيادة العربية المشتركة نجاحًا تكتيكيًا باهرًا في اللحظات الأولى للحرب؛ إذ أدى الهجوم المتزامن على جبهتي سيناء والجولان إلى شل التفكير العسكري الإسرائيلي وتشتيت قواته الجوية والمدفعية بين جبهتين متباعدتين. منع هذا التنسيق القيادة الإسرائيلية من الاستفادة من خطوطها الداخلية لنقل القوات بسهولة، وأوجد حالة من الضغط الرهيب على الجبهة الشمالية لقربها المباشر من المستوطنات الإسرائيلية، مما أجبر تل أبيب على توجيه ثقلها الجوي والمدرعات المتاحة فورًا نحو سوريا لمنع خرق خطوطها، وهو ما أتاح للقوات المصرية على الجبهة الجنوبية تثبيت أقدامها شرق القناة وتشييد رؤوس الكباري بنجاح ودون تدخل جوي إسرائيلي كثيف.
ورغم هذا النجاح الباهر في ضربة البداية، كشفت إدارة المعارك اللاحقة عن ثغرات هيكلية نتيجة انفصال إدارة العمليات واعتماد كل جيش على خططه المنفصلة لأن القرار المصري بإجراء “الوقفة التعبوية” عقب العبور لتثبيت رءوس الكباري ورفض تطوير الهجوم فورًا نحو المضايق لاستدامة التغطية من الدفاعات الجوية، أعطى بشكل غير مباشر مهلة للجانب الإسرائيلي لتثبيت الجبهة المصرية وتوجيه ثقله العسكري الكامل ضد الجبهة السورية التي كادت تنهار تحت وطأة القصف والاندفاع المدرعي الإسرائيلي. هذا استدعى التدخل العاجل للقوات العراقية والأردنية التي اندفعت إلى الميدان لترميم الجبهة الشمالية وخوض معارك طاحنة لردع الضغط الإسرائيلي، حتى استعادت الجبهة توازنها قبل أن يعود العدو ويكثف ثقله مجددًا نحو الجبهة المصرية.
ينتهي الكاتب في هذا المحور إلى تقديم رؤية نقدية متكاملة للعمل العربي المشترك؛ حيث يرى أن التنسيق العسكري العربي كان العامل الحاسم في تحقيق المباغتة في البداية، إلا أنه عانى من غياب النظرة الشاملة لمسرح المعركة ككل أثناء سير القتال. أتاح هذا التباين في الأهداف والمراحل للعدو الإسرائيلي الفرصة للمناورة بين الجبهتين وفقًا للظروف. إن الدرس الاستراتيجي الأهم من هذه الفكرة يتلخص في أن تحقيق الانتصارات العسكرية في الحروب المشتركة لا يتوقف عند التخطيط الموحد لضربة البداية، بل يتطلب مرونة عالية وقيادة وسيطرة مستمرة قادرة على تعديل الخطط ميدانيًا بما يضمن استمرار الضغط المتبادل على العدو ومنعه من الاستفراد بأي طرف حتى تحقيق كافة الأهداف الاستراتيجية للحرب.
مكانة الكتاب في المكتبة العسكرية المصرية:
إن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في الرواية التي يقدمها لحرب أكتوبر، وإنما في الطريقة التي ينظر بها جمال حماد إلى الحرب باعتبارها نتيجة تفاعل بين التخطيط العسكري والقرار السياسي والخداع والبيئة الدولية. وتتعدد عناصر القوة والتميز في هذا الكتاب، وأهمها:
- الكتاب يتميز بجودة عالية في التحليل العسكري سواء على المستوى التكتيكي أو الاستراتيجي، وهو ما يعكس خبرة الكاتب العسكرية العميقة. يظهر ذلك في أمانة السرد وحيادية التحليل حتى عند تناول الخصوم، إضافةً إلى اعتماده على مجموعة واسعة من المصادر لتفسير الأحداث. كما أن الكاتب يمتلك دراية كبيرة بقدرات الأسلحة وفوائدها التكتيكية في الميدان، رغم حداثة هذه المنظومات مقارنة بالحقبة التسليحية التي عاصرها، وهي فترة كان الحديث عن القدرات العسكرية فيها نادرًا مقارنة بما نشهده اليوم. هذه العناصر تجعل الكتاب مصدرًا معلوماتيًا غنيًا وموثوقًا، يضيف قيمة للقارئ المهتم بالشئون العسكرية.
- الكتاب لا يعزل حرب أكتوبر عن السياق الذي سبقها، فهو يبدأ من آثار حرب 1967، ويمر بحرب الاستنزاف، ثم يصل إلى أكتوبر 1973. وهذه نقطة مهمة؛ لأن تفسير الحرب باعتبارها حدثًا منفصلًا عن السنوات الست السابقة لها يؤدي إلى اختزالها في لحظة العبور والهجوم الأول، بينما تسمح القراءة الممتدة بفهم تطور القدرات المصرية، وتغير التصورات العملياتية، وتراكم الخبرة خلال حرب الاستنزاف. ويبدو أن حماد، بحكم تكوينه العسكري، يدرك أن الحرب عملية إعداد طويل وليست مجرد مبادرة سياسية مفاجئة.
- المحور الخاص بالخداع الاستراتيجي من أكثر محاور الكتاب جاذبية، بما رسمه من صورة لخطة خداع شديدة الإحكام، وتحليل المشكلة بأنها لم تكن غياب المعلومات بالضرورة، وإنما كيفية تفسير إسرائيل للمعلومات الموجودة ضمن تصورات واستخلاصات سابقة.
- في عرض الكتاب لـ “خط بارليف”، قدم فكرة مركزية قابلة لأن تكون واحدة من أهم نقاطه، وهي أن التحصين لا يساوي العقيدة الدفاعية، والمنشأة الهندسية لا تستطيع وحدها أن تعوض قصور الاستخدام العملياتي. وهذه فكرة تعزز قيمة وأهمية المقاتل المصري وتبرز قدرته وجاهزيته اللتين كانتا عاملًا فارقًا في حرب أكتوبر 1973.
- تناول الكتاب تحليلًا لموقف القوتين العظميين أثناء الحرب (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي)، وبهذا وسع الكتاب نطاقه من تاريخ العمليات العسكرية إلى تاريخ الحرب الدولية. وهذه إضافة مهمة؛ لأن حرب أكتوبر لم تكن مواجهة مصرية سورية ضد إسرائيل فقط، بل كانت جزءًا من نظام دولي شديد الحساسية في ظل الحرب الباردة.
وفي المجمل يمتلك الكتاب ثلاث نقاط قوة رئيسية، الأولى: خبرة مؤلفه العسكرية المباشرة، وهي تمنح روايته زاوية مختلفة عن المؤلفات التاريخية التي تكتب حرب أكتوبر من خارج المؤسسة العسكرية. والثانية: اتساع مجال الكتاب، إذ لا يحصر الحرب في المعركة البرية وإنما يربطها بالخداع والاستطلاع والتحصينات والدعم الدولي والتنسيق العربي. والثالثة: أنه يحاول تفسير الحرب من خلال العلاقة بين القرار السياسي والإمكان العسكري، وهي مسألة أساسية لفهم حرب أكتوبر.
إن أهمية كتاب ” من سيناء إلى الجولان” لا تنحصر في كونه كتابًا عن حرب أكتوبر، وإنما في كونه شهادة عسكرية تاريخية على الطريقة التي فُهمت بها الحرب في مصر بعد وقوعها بسنوات قليلة. ومن هنا فإن إعادة قراءته اليوم ينبغي أن تجمع بين احترام قيمة الشهادة العسكرية التي يقدمها وبين إخضاع تفسيراته واستنتاجاته للمقارنة والنقد، خصوصًا أن الكتاب يقع عند تقاطع ثلاثة مستويات: ذاكرة الحرب، والتاريخ العسكري، والتفسير السياسي للصراع العربي الإسرائيلي.






























