بتاريخ 30 يونيو 2026 حلت الذكرى الـ 56 لعيد قوات الدفاع الجوي المصري، حيث تحقق النجاح في تأسيس حائط الصواريخ المصري عام 1970، الذي تمكن من إسقاط طائرات العدو فيما يعرف تاريخيًا بـ «أسبوع تساقط الفانتوم». وكانت من أكثر الطائرات المقاتلة تطورًا التي امتلكتها إسرائيل في ذلك الوقت، والتي كانت تعد الأقوى في العالم خلال تلك الحقبة، واستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي في مهاجمة العمق المصري.
رفع هذا النجاح خلال ذلك الأسبوع الروح المعنوية، واستُغل للوصول إلى حالة من النضج والخبرة القتالية الكافية، التي توجت بإنجاز منقطع النظير في حرب أكتوبر عام 1973. إنجاز غيّر تاريخ الحروب الجوية واعترفت به وكالة الاستخبارات الأمريكية في الوثيقة رقم 249 التي أفرج عنها مؤخرًا، والصادرة في أكتوبر 1974 لتقييم الأسلحة والتكتيكات في حرب أكتوبر المجيدة، حيث جاء فيها نصًا:
«لقد شكلت حرب أكتوبر 1973 علامة فارقة في تطور أنظمة الدفاع الجوي الأرضية. فلأول مرة، تمكن خصم من حرمان قوة جوية عالية المهارة ومزودة بطائرات حديثة من تقديم الدعم القريب الفعال لقواتها البرية».
تطوير قواعد الاشتباك للدفاع الجوي قبل حرب أكتوبر 1973:
يعود تكوين قوات الدفاع الجوي إلى الفريق “محمد علي فهمي” الذي عمل على إعادة تقييم جميع المنظومات وخطط الانتشار من خلال إعداد دراسات دقيقة، والهدف كان الحصول على قوة صاروخية مرنة قادرة على المناورة وفعالة للتعامل مع التقنيات الحديثة، وعرقلة أي مجهودات جوية للعدو مع درجة وعي كبيرة بالخصم وقدراته. وذلك ظهر من خلال تصريحه أثناء أحد الاجتماعات بقادة الفرق والألوية بتاريخ 9 أغسطس 1970: “إن التفوق الجوي الإسرائيلي حقيقة يجب أن نعترف بها، ولكن ينبغي أيضا ألا ننسى أننا استطعنا تحدي هذا التفوق مرات عديدة خلال حرب الاستنزاف بل واستطعنا تحقيق بعض الانتصارات عليه، وفي معركتنا المقبلة لن يقتصر دورنا على مجرد تحدي هذا التفوق، بل سيكون علينا أن نهزم هذا التفوق ونحطم الأسطورة”.[1]
ومع بدء الاستعدادات لحرب أكتوبر وقلة عدد الطائرات المقاتلة المصرية ومحدودية قدراتها من حيث المدى والمستوى التقني والتسليحي بالمقارنة مع المقاتلات الإسرائيلية فكان يقع على قوات الدفاع الجوي القيام بالمهمة الأصعب وهي حرمان العدو من أقوى ميزة يتسم بها وهي “التفوق الجوي”، التي هي واحدة من أهم ركائز القوة الإسرائيلية، ويجب استغلال تحييد قوة الردع هذه لإحراز مفاجأة، وذلك من خلال إفقاده الوعي الكافي بالمستجدات في أرض المعركة من خلال تمديد المظلة الخاصة بالدفاع الجوي من غرب القناة إلى شرقها والتحرك هجوميًا بوحدات الدفاع الجوي في عمق العدو، وتنفيذ كمائن مركبة للدفاع الجوي نجحت في إسقاط طائرة استطلاع إلكتروني إسرائيلية يوم 17 سبتمبر 1971 من طراز EC-97G ستراتو كروزر، والتي كانت تعتبر الأكثر تكلفة حينئذ، وكانت هذه الحادثة هي أحد أهم العوامل التي شكلت قواعد الاشتباك للدفاع الجوي المصري حينئذ لتمديد المظلة الدفاعية شرقًا[2].
لذلك استمر العمل في بناء مواقع لإطلاق الصواريخ المصرية على مسافة تتراوح ما بين 6- 12 كم من القناة وذلك بالنسبة لكتائب الدفاع الجوي الثابتة، وبُنيت مواقع مؤمنة متقدمة أكثر قربًا من قناة السويس تبعد فقط عدة مئات من الأمتار حتى 3 كم في مناطق، مثل: الشلوفة والدفرسوار والفردان والقنطرة والتي كانت تقدم الوقاية التامة للقوات حتى الطريق العرضي الذي يمتد محاذيًا لشرق القناة وعلى بعد 30 كم من منطقة بالوظة على الساحل إلى الطاسة على طريق الإسماعيلية إلى رأس سدر على الساحل الشرقي لخليج السويس أمام العين السخنة. وبالرغم من ذلك كانت المعضلة الأساسية هي كيفية تمديد مظلة الدفاع الجوي شرق القناة لتشمل القوات البرية المتقدمة، وكان الحل في الحصول على بطاريات متحركة من الدفاع الجوي بعدد ثلاثة ألوية والتي بدأت في الوصول في ديسمبر 1972.
في يوليو 1973 أصبحت تشكيلات الدفاع الجوي تنتشر بالقرب من القناة بمسافة 6-8 كم وفي بعض القطاعات الأخرى 12-18 كم مع الالتزام بثلاث قواعد ثابتة، هي[3]:
- التكامل بين الألوية لإمكانية تقديم التعاون والدعم في حالة الهجوم المباشر على إحداها، بالإضافة إلى الاستعانة بتشكيلات القوات الجوية من المقاتلات الاعتراضية.
- منع التحرك لمواقع الدفاع الجوي التي يعرفها العدو أو هاجمها بالقنابل من قبل سواء أثناء مرحلة الإنشاء أو بعدها بالإضافة إلى العمل على تأسيس كتائب هيكلية مخادعة لتشتيت العدو بقدر الإمكان.
- منع تجاوز الوحدات لدرجة انكشافها وقصفها[MA1] .
وفي صباح الخامس من أكتوبر 1973 أصبحت تشكيلات الدفاع الجوي في مواقعها من خلال خطة دقيقة، حيث حرصت قيادة الدفاع الجوي على حرمان العدو من طلعات الاستطلاع لإدراك المتغيرات في تحركات هذه الكتائب، وغُطّيت الاتجاهات التي من الممكن أن تنطلق منها طائرات الاستطلاع الإسرائيلية بالتوازي مع الحد من استخدام الرادارات (صمت راداري) للكتائب إلا في حالة الاشتباك فقط. وخلال الفترة ما بين 2 أكتوبر و4 أكتوبر زاد نشاط الطيران الاستطلاعي الإسرائيلي تدريجيًا من مسافة 20 كم من القناة وبارتفاع 15-20 كم بالتوازي مع قيام القوات الجوية الإسرائيلية باستدعاء طياري الاحتياط وتوقف حركة الطيران المدني في إسرائيل، ولكن بالرغم من ذلك فلم يتمكن الإسرائيليون من تحديد النية من حركة الكتائب؛ حيث إنّها لم تنتقل جميعها دفعة واحدة وإنما نُقلت على مرحلتين بالإضافة إلى المناورة ببعض الكتائب في مواقع ثانوية ومن ثم حُرّكت لمواقعها الرئيسية بناء على حركة الاستطلاع الإسرائيلية.

خريطة تقريبية توضح مواقع كتائب حائط الصواريخ المصري يوم 5 أكتوبر 1973 [4]
قبل بدء العمليات العسكرية ارتكز الدفاع الجوي المصري على أربعة طرازات من الصواريخ التي تعمل على ارتفاعات مختلفة بمجمل 150 وحدة إطلاق[MA2] تمتلك 840 قاذفًا للصواريخ تنقسم إلى (800 قاذف سام-2 وسام-3) و40 قاذفًا من طراز سام-6. بالإضافة إلى 366 قاذفًا من طراز سام-7[5]. تعمل هذه الكتائب ضمن شبكة مترابطة بأسلوب تطور منه المفهوم الحالي لشبكات الدفاع الجوي متعددة الطبقات IADS[6]، حيث تُنشر الكتائب بناء على قدرات الأنظمة نفسها كالآتي[7]:
أولًا: نظام الدفاع الجوي (سام-2) وهو نظام للدفاع الجوي ثابت تُطلق صواريخه من منصات ثابتة ويعمل على الارتفاعات العالية، ويستطيع إسقاط الطائرات على ارتفاع ما بين 3 – 22 كم وبمدى 7-30 كم وبسرعة تتراوح بين 3-3.5 ماخ (3700-4300 كم/ساعة). وتُوجَّه الصواريخ بواسطة موجات الراديو من خلال رادار بمدى يتراوح ما بين 60 كم و75 كم، بالإضافة إلى إمكانية إعادة تذخير كل قاذف في 12 دقيقة فقط بواسطة الطواقم الأرضية.
ثانيًا: نظام الدفاع الجوي (سام-3) وهو نظام دفاع جوي ثابت تُطلق صواريخه من منصات ثابتة (في نسخته الأولى) يعمل على الارتفاع المتوسط – المنخفض. بالإضافة إلى قدرة أكبر على المناورة من (سام-2) ما يجعله يستطيع إصابة الأهداف ما بين 18.3 كم و20 مترًا ومدى ما بين 3.5-4 حتى 25 كم تقريبًا وتتراوح سرعة الصاروخ بين 3-3.5 ماخ (3700-4300 كم/ساعة)، ويُوجَّه بواسطة رادار بمدى يتراوح ما بين 40-85 كم، بينما ذكرت بعض المصادر أن المدى في حدود 32 كم تقريبًا.
ثالثًا: نظام الدفاع الجوي (سام-6) وهو نظام دفاع جوي متحرك يستطيع إطلاق الصواريخ بمدى 4-23 كم وبارتفاع يتراوح بين 80 مترًا و8 كم مع رد فعل سريع يصل إلى 24 ثانية فقط لإطلاق الصواريخ ما يجعله مناسبًا جدًا لعمل الكمائن الجوية وكان الهدف من امتلاكه هو إيجاد قوة مرنة للدفاع الجوي تستطيع مرافقة التشكيلات البرية والمدرعات لحمايتها أثناء التقدم شرقًا.
رابعًا: قاذف صواريخ (سام-7) هو نظام صواريخ تحمل على الكتف تُوجَّه من خلال التقاط حرارة محركات الطائرات بمدى 3.4 كم وارتفاع 1.5 كم.
خامسًا: أنظمة الرشاشات والمدفعية وكان أبرزها وأكثرها تطورًا “ZSU-23-4 Shilka” ذات المدافع الأربعة من عيار 23 ملم، والتي كانت مزودة برادار للتحكم في النيران/تتبع الأهداف مدمج في النظام، والتي تستطيع الإطلاق من وضع الحركة بمدى أقصى 2.5 كم في دائرة 360 درجة، وتُلتقط الأهداف بواسطة رادار محمول على العربة نفسها.
وبالرغم من قدرات هذه الأنظمة، فإن نقطة الضعف لهذه الأنظمة الثلاثة[MA3] كانت عدم القدرة على الاشتباك مع أكثر من هدف في وقت واحد؛ لذا كانت استراتيجية الجمع بين الأنظمة في شبكات متكاملة للاشتباك لتعويض هذا الضعف التقني[8]. وذلك كان مؤشرًا على مستوى الواقعية والإدراك الكامل لقدرات الخصم التسليحية ومحاولة إيجاد التوازن معه، من خلال القدرات المتاحة مع استغلال النجاحات والخبرات المتراكمة منذ حرب الاستنزاف.
وضع القوات الجوية الإسرائيلية قبل حرب 1973:
لفهم العقيدة القتالية الحديثة لسلاح الجو الإسرائيلي يجب العودة إلى الفترة ما بين 1958 -1966؛ وهي فترة وجود “عزرا وايزمان” كقائد لسلاح الجو الذي أعاد صياغة الاستراتيجية العامة بالعمل في اتجاهين: الاتجاه الأول، هو تدريب الطيارين على تنفيذ الهجمات الاستباقية لإجهاض أي عمليات عسكرية وتمكين باقي الأفرع ومعاونتها وهو ما نُفّذ في عملية ” البؤرة ” في نكسة عام 1967 التي نفذها القائد التالي وهو “موردخاي هود”. والاتجاه الثاني، كان بتجنب الاعتماد على الطائرات أحادية الدور والقاذفات الثقيلة لصالح مقاتلات تستطيع القيام بعدة أدوار وعدة طلعات يوميًا بالمقارنة مع القاذفات صعبة الصيانة التي لا تستطيع الطيران سوى مرة واحدة يوميًا ويمكن تعويض الحمولة الكبيرة بواسطة الطيران بتشكيلات بعدد 4 طائرات وتستطيع حمل قدر كبير من الذخائر تلقيه بدقة على الأهداف، وهو ما قد يكون أكثر فاعلية من عدد كبير من الذخائر تستهلكه القاذفات الكبيرة بدقة أقل[9].
اعتمدت قيادة سلاح الجو الإسرائيلي على نظرية “الاقتراب غير المباشر”[10]، والتي ذكرت في مذكرات اللواء أركان حرب “محمد سعيد علي”[11]؛ حيث كان دائمًا سلاح الجو الإسرائيلي يحاول تنفيذ تكتيكات هدفها تحقيق التأثير المطلوب مع تقليل فرص المواجهة المباشرة مع الخصم. وقد نُفّذ ذلك ضد الدفاع الجوي المصري من خلال العمل على مناوشة كتائب الصواريخ فيما تُستهدف الكتائب الفنية وهي المكلفة بإمداد كتائب الصواريخ بالذخائر أو مهاجمة مخازن قطع الغيار والدعم اللوجستي، وانقطاع هذا الدعم سينعكس سلبًا على أداء الكتائب واستدامة العمليات القتالية وإطلاق الصواريخ بالإضافة إلى مهاجمة مواقع بناء كتائب الصواريخ أثناء الإنشاء بالإضافة إلى محاولة تعقب تحركات الكتائب والعمل على مهاجمتها أثناء تحركها حيث إنّ المنظومات المصرية لا تستطيع الاشتباك أثناء التحرك. وعلى الناحية الأخرى استُغلت محدودية مدة التحويم والاشتباك للطائرات المقاتلة المصرية من طراز ميج- 21 بالمقارنة مع المقاتلات الإسرائيلية لتُستنزف طاقتها في مناوشات من مسافة آمنة أو جذبها لمناورات مستمرة، حتى لا يمتلك أي من الطيارين المصريين خيارات كافية سوى الانسحاب لتُهاجم في هذه اللحظة. وهو تكتيك متبع بناء على توصيات بعد دراسة طائرة الميج-21 التي هرب بها الطيار العراقي “منير روفا” ليدرسها سلاحا الجو الإسرائيلي والأمريكي ضمن مشروع Have Doughnut.
على مستوى المنصات القتالية فقد حرصت القيادة الإسرائيلية على امتلاك التفوق النوعي والتقني من خلال عدة طرازات من المقاتلات بمجموع 332 طائرة بالإضافة إلى 76 طائرة أمريكية أُرسلت كتعويض عن الخسائر التي مُنيت بها إسرائيل، وطائرات للدعم[12] ذات قدرات قتالية مختلفة من الطرازات الآتية[13]:
أولًا: طائرات متعددة المهام F-4 فانتوم: بعدد 99 مقاتلة ثقيلة الوزن من الطراز E بسرعة قصوى حتى 2334 كم/ساعة (2.2 ماخ) وبمدى أقصى 2963 كم وبحمولة تصل إلى 8.4 طن مع مستشعرات دفاعية ضد صواريخ الدفاع الجوي وتوليفة كاملة من الذخائر المناسبة لتحييد كافة الأهداف.
ثانيًا: طائرات متعددة المهام ميراج-5 /نشر/ ميراج-3: بعدد 61 مقاتلة خفيفة الوزن بسرعة قصوى حتى 2350 كم/ساعة (2.2 ماخ) بمدى أقصى حتى 4 آلاف كم ومستشعرات دفاعية ضد صواريخ الدفاع الجوي وتستطيع حمل حتى عشر قنابل بوزن 440 كجم حرة الإسقاط غير الموجهة أو حواضن الصواريخ التناظرية وقنابل “ماترا دراندل” المضادة للمدارج.
ثالثًا: قاذفات تكتيكية ايه-4 سكاي هوك: بعدد 172 من الطرازات E وH وN وهي قاذفة تكتيكية خفيفة بمدى أقصى حتى 4 آلاف كم وسرعة قصوى حتى 1000 كم/ساعة وحمولة قصوى حتى 3.9 طن وتمتلك تعديلات تقنية تجعلها قادرة على العمل في بيئات خطرة من خلال مستشعرات دفاعية ضد صواريخ الدفاع الجوي كما عُدّلت بمدافع رشاشة فرنسية من عيار 30 ملم (ديفا) وتستطيع حمل مختلف أنواع الذخائر التي تحملها الفانتوم.
رابعًا: طائرات الدعم الإلكتروني إي سي-97: بعدد طائرة واحدة من السرب 120 وهي نسخة معدلة من طائرة النقل العسكري C-97 وكانت تستخدمها الاستخبارات الأمريكية CIA بالإضافة إلى سلاح الجو الإسرائيلي لعمليات التجسس والاستطلاع الاستخباراتي بالإضافة إلى التشويش الإلكتروني على رادارات الدفاع الجوي لحماية التشكيلات الجوية بالتعاون مع بعض مروحيات CH-53 من السرب 555 التي جهزت خصيصًا لهذه المهمة أيضًا.
أما عن تجهيزات هذه الطائرات وتسليحها فقد امتلك سلاح الجو الإسرائيلي الكثير من الخيارات المناسبة للتعامل مع كافة الأهداف كالآتي:
- القنابل: متعددة الاستخدامات من طراز MK بمختلف الأوزان تتراوح ما بين 500 رطل وألفي رطل ومن طراز M-118 بوزن ثلاثة آلاف رطل. بالإضافة إلى القنابل الموجهة تلفزيونيًا والتي كانت تعد ثورية في هذه الحقبة من طراز MK-84 HOBO بوزن 2200 رطل وقنابل Walleye بوزن 1100 رطل.
- صواريخ جو/أرض: صواريخ غير موجهة مضادة للدبابات من طرازي Zuni وFFAR، صواريخ موجهة مضادة للرادارات من طراز Shrike وصواريخ Maverick موجهة بالحرارة.
- صواريخ الاشتباك الجوي: حرارية من طراز AIM-9 D ومحلية الصنع Shafrir-2 وموجهة بالرادار شبه النشط من طراز AIM-7.
أما على مستوى التجهيزات الإلكترونية المضادة للدفاع الجوي فكانت كالآتي:
- مقاتلات F-4 والقاذفات A-4: كانت تستخدم حواضن للتشويش على منظومات الدفاع الجوي من طراز ALQ-71 أو ALQ-87 أو ALQ-101-6 وأُرسل الأحدث في الترسانة الأمريكية أثناء العمليات العسكرية من طراز ALQ-119-7.
- مروحيات CH-53: زُوّدت بحواضن من طرازي ALT-27 وALT-6B المخصصة لمهمات حماية التشكيلات الجوية عبر التشويش خارج مدى الدفاعات الجوية-SOJ[14] والتي كانت تعمل بالتوازي مع المنظومات الأرضية المخصصة أيضًا لهذه المهمة لتأمين مسارات للطيران-Corridor دون الاكتشاف من الرادارات المصرية.

إنفوجراف من إعداد الباحث
وضع القوات الجوية الإسرائيلية قبل حرب 1973:
ولرفع الفاعلية القتالية لسلاح الجو الإسرائيلي قبل عام 1973 فبالتوازي مع استمرار تدعيم الأسراب بمقاتلات متطورة فقد حظيت العملية التدريبية أيضًا بالاهتمام؛ حيث تذكر الوثائق الأمريكية مقارنة [15]بين البرنامج التدريبي للطيارين الإسرائيليين والأمريكيين حيث يحصل الطيار الإسرائيلي على 200 ساعة طيران ينفذ بها 240 مهمة بالمقارنة مع 220 ساعة طيران للطيارين الأمريكيين ينفذون بها 115 مهمة.
وبينما يركز البرنامج الأمريكي على مهمات القصف الجوي يُقسّم البرنامج الإسرائيلي لطياري الفانتوم (متعددة المهام) إلى 150 مهمة للاشتباك الجوي بنسبة (62%) و18 مهمة للاشتباك بالرشاشات (8%) و72 مهمة للهجوم الأرضي (30%) بمجموع 240 مهمة، فيما يزيد عدد مهمات الهجوم الأرضي لصالح (القاذفات التكتيكية) من طراز “سكاي هوك” إلى 144 مهمة (60%) ومهمات الاشتباك الجوي بواقع 84 مهمة (35%) ومهمات الاشتباك بالرشاشات 12 مهمة (5%) بمجموع 240 مهمة.
ولدعم عمليات الاشتباك الجوي وإضافة مزيد من الزخم القتالي لتشكيلات الفانتوم الإسرائيلية فكان الاعتماد على مقاتلات الميراج-3 والنسخة الإسرائيلية من الميراج 5 (نشر) لذلك كان الاهتمام بمهمات الاشتباك الجوي بواقع 168 مهمة بنسبة (70%) ومهمات التدرب على الاشتباك بالرشاشات بعدد 24 مهمة (10%) و48 مهمة للهجوم الأرضي بواقع (20%) بمجموع كلي 240 مهمة تدريبية.
أما بالنسبة لانتشار القوات الجوية الإسرائيلية في سيناء قبل الحرب فكان الاعتماد على قواعد جوية متقدمة مثل مطار العريش والمليز وتمادا ورأس النقب ورأس نصراني، حيث تُنشر ما بين 8-12 طائرة مقاتلة فيما مُهّدت مدارج لاستقبال المروحيات في بالوظة والطاسة وأم خشيب والفريشات ورأس سدر[16]. وكانت المفارز القتالية لسلاح الجو الإسرائيلي تحتوي على مزيج من مقاتلات الفانتوم من الأسراب 107 و119 وطائرات الميراج/النشر من الأسراب 101 و111 و117 و113 وقاذفات تكتيكية من طراز “سكاي هوك” من الأسراب 109 و110 وكانت الطائرات تنشر بواقع طائرتين من السرب الواحد.[17]
مرحلة الاشتباك بين القوتين[18]:
بتاريخ 6 أكتوبر 1973 وتحديدًا في الساعة 14:00 بدأت العمليات العسكرية للتمهيد المدفعي وبدأ عبور المشاة لقناة السويس. فكانت تتركز خطة الدفاع الجوي المصري على تواجد الكتائب مسافة 6-8 كم من القناة، وبمجرد تثبيت رؤوس الكباري يتم الانتقال مباشرة إلى مسافة 0.5 -3 كم فقط من القناة بالتوازي مع تقدم القوات البرية المصرية ومع تثبيت المدافع والرشاشات لتأمين المعابر وذلك سيمنح القوات البرية العابرة مسافة 30 كم من التغطية بواسطة كتائب الصواريخ. وكرد فعل متوقع من سلاح الجو الإسرائيلي فقد اندفعت التشكيلات الهجومية بهدف عرقلة عمليات العبور وتدمير الكباري وتقديم الدعم الأرضي للقوات البرية الإسرائيلية الرابضة هناك كجزء من خطة تم التدرب عليها لإجهاض أي عمليات عسكرية مصرية هجومية ومهاجمة التشكيلات الرئيسية الموجودة على الضفة الغربية. وكانت هذه الأهداف يرجى تحقيقها خلال أول يومين غير أن هذه الهجمات فشلت وأسفرت عن خسارة 36 طائرة ليقل معدل الطلعات تدريجيًا وبالأخص في العمليات الهجومية وتبدأ عمليات الاستطلاع بعد أن تحققت الصدمة الأولى لعدم قدرة الطيران الإسرائيلي على الاقتراب، بنسبة نجاح للدفاع الجوي المصري بلغت 85% في الاشتباكات.

خريطة توضح وضع كتائب الدفاع الجوي بعد العبور [19]
أجبر ذلك قيادة سلاح الجو الإسرائيلي على محاولة تغيير التكتيكات من خلال تشكيلات مركبة من الطائرات التي تطير على ارتفاع 3-4 كم لتحفيز كتائب الدفاع الجوي على الاشتباك من خلال فتح الرادارات لتقوم بالتقاطها تشكيلات تطير منخفضة وتطلق صواريخ مضادة للإشعاع AGM-45 ولكن بدون نجاح يذكر، بالتوازي مع الإصرار على معاونة القوات البرية من خلال الدفع بتشكيلات كبيرة على مسافة 20 كم من القناة ومن ثم يتسلل من بينها عدد قليل من الطائرات التي تنفذ مناورة غطس-Dive سريعة وتهاجم القوات البرية المصرية.
وبالرغم من أن هذه المناورة فعالة لخداع الرادارات إلا أن الدفاعات الجوية العاملة على ارتفاع قليل كانت فعالة وأُعلن عن إسقاط 11 طائرة ما أجبر قيادة سلاح الجو الإسرائيلي على إعطاء أمر مباشر بعدم الاقتراب من مسافة 25 كم من القناة ونقل مسئولية مهاجمة كتائب الدفاع الجوي إلى سلاح المدفعية الإسرائيلي. وفي هذه الأيام الأولى من الحرب استطاعت الكتائب المناورة لتفادي القصف ولتفادي الرصد عبر الاستطلاع؛ ولذلك بدلت المدفعية الإسرائيلية أهدافها لتكون محاولة ضرب المعابر لينتهي يوم 8 أكتوبر بإسقاط 60 طائرة مؤكدة.

انفوجراف من إعداد الباحث
خلال الفترة من 9 أكتوبر إلى 11 أكتوبر حددت القيادة الإسرائيلية أولويتها وهي ضرورة تدمير حائط الصواريخ المصري، وبدأت حملة جديدة للاستطلاع بواسطة طائرات بدون طيار من طراز BQM-34A (فايربي) بالتوازي مع طلعات لطائرات RF-4 مع تركيز على القطاع الشمالي بالتوازي مع تأسيس محطات أرضية جديدة للتشويش لتكون منتشرة في عدة مواقع مثل بالوظة والطاسة وأم سمارا والجدي مع الاستمرار في المناوشة لمحاولة مهاجمة الكتائب وارتفاع الخسائر في الطائرات الإسرائيلية ولكن بدأ يقابلها استنزاف للذخائر المصرية المستخدمة وهو ما جعل قيادة الدفاع الجوي تعمل على تدوير المخزونات بين القطاعات.
بداية من يوم 12 أكتوبر تغيرت الخطط الإسرائيلية لتحييد قدرة الدفاع الجوي المصري من خلال عدة خطوات تدريجية:
- مهاجمة أجناب حائط الصواريخ شمالًا وجنوبًا
- الاستمرار في عملية استنزاف مخزونات الصواريخ
- العمل على فتح ثغرات رادارية في الشبكة الدفاعية المصرية
- العمل على مهاجمة القواعد الجوية المصرية القريبة من جبهة القطاع لتحييد دعم القوات الجوية لكتائب الصواريخ
- كمهمة أخيرة محاولة تقديم الدعم الجوي للقوات البرية
أما على المستوى التكتيكي فقد تغيّرت أساليب الطيران لتتضمن الدفع بطيارين أكثر قدرة على عمل مناورات أكثر حدة- High G والتي من شأنها أن تصعّب عملية استهداف الطائرات نفسها بواسطة أكثر من صاروخ ما يخدم عملية الاستنزاف، ولكن لم تنجح هذه الأساليب في أغلب الأحيان. بالإضافة إلى الدمج بين عمليات الاستطلاع وتحييد الدفاعات الجوية من خلال استغلال تشكيلات الطيران الاستطلاعي على ارتفاع 12-16[MA5] لتكون محفزًا لكتائب الصواريخ لتفتح راداراتها وتقوم تشكيلات صغيرة على ارتفاع منخفض بإطلاق صواريخ Shrike لإصابتها. واستطاعت كتائب الدفاع الجوي المصري التكيف وطرد طائرات الاستطلاع بالإضافة إلى إفشال تكتيكات صواريخ الShrike بواسطة تكتيكات مركبة تعتمد على الإطلاق الهيكلي[20] والمناورة بالكتائب مرة أخرى لتغيير المواقع بشكل مستمر لإفشال عملية إدراك حدود التغطية الصاروخية للكتائب نفسها.
بتاريخ 13 أكتوبر وكجزء من دعم عمليات الاستطلاع وإدراك المتغيرات، تطلّب الأمر أن يرسل سلاح الجو الأمريكي أحدث طائرات الاستطلاع في ذلك الوقت من طراز SR-71 (بلاك بيرد) التي اتجهت للأجواء المصرية على ارتفاع 20 كم. وبمجرد الاقتراب من حائط الصواريخ المصري ارتفعت إلى 26 كم لتطير فوق مدينة السويس وتتجه إلى مصر الوسطى ثم إلى سيناء وتتجه شرقًا إلى إسرائيل وتنسحب دون أن تُعترض بسبب تجاوز سرعتها وارتفاع مسار طيرانها قدرات المنظومات الدفاعية المصرية.

صورة توضح مسار طائرات الاستطلاع الأمريكية SR-71 أثناء الحرب[21]
بتاريخ 14 أكتوبر تُكثَّف أيضًا طلعات الاستطلاع بواسطة طائرات RF-4 وتُجرى محاولة للاختراق بالقوة لتفشل المحاولة الإسرائيلية، ومن ثم تتخذ القيادة الإسرائيلية قرارًا جريئًا بمحاولة مهاجمة مركز قيادة الدفاع الجوي في القطاع الشمالي وتمكنت الطائرات من الاختراق، ولكن لم تستطع تحديد الموقع بدقة وتنسحب سريعًا بعد إلقاء القنابل على موقع خاطئ بالتوازي مع مهاجمة القواعد الجوية المصرية الشمالية في منطقة الدلتا ولتفشل هذه المهمة بعد الدفاع المستميت من التشكيلات الجوية في معركة المنصورة الجوية (عيد القوات الجوية المصرية) ليُؤكَّد إسقاط 18 طائرة إسرائيلية لينتقل تركيز المجهود الجوي الإسرائيلي إلى منطقة الدفرسوار-الإسماعيلية لمحاولة صنع ثغرة في الدفاعات الجوية المصرية ومحاولة دعم القوات البرية التي تحاول عبور الثغرة، ولكن الدفاعات الجوية المصرية ظلت في المعركة واستمرت حركة المناورة بالكتائب ما جعل عدد الطلعات الإسرائيلية ينخفض تدريجيًا لخفض الخسائر حتى يوم 17 أكتوبر لعدم وجود حلول جديدة فعالة مع تكثيف دور المدفعية الميدانية لدعم القوات البرية كبديل ولإتمام الاستعدادات واستقبال معدات تقنية أكثر تطورًا من الولايات المتحدة وطائرات جديدة.
بداية من يوم 22 أكتوبر تغيرت الخطط الإسرائيلية لسلاح الجو في التعامل مع حائط الصواريخ المصري من خلال الآتي:
- تجنب الدخول لمدى الكتائب بقدر الإمكان
- استخدام الطائرات بدون طيار في عمليات الاستطلاع
- تكثيف إشراك المدفعية بالتوازي مع مهاجمة قواعد الصواريخ بواسطة التشكيلات المدرعة وبالأخص في منطقة الشالوفة.
- عند الهجوم يُستخدم عدد كبير من الطائرات بما يفوق قدرة الكتائب على التعامل معها في وقت واحد بالتوازي مع التشويش الإيجابي الكثيف للحماية الذاتية من خلال منظومات التشويش الجديدة الأمريكية ودعم كامل من مراكز التشويش الأرضية مع قدرات التشويش السلبي لإلقاء الشرك الخداعي CHAFF[22] وتكثيف إطلاق صواريخ Shrike لتحييد الرادارات.
بالرغم من الخطط الجديدة استطاعت الدفاعات الجوية المصرية التكيف والاستمرار في إسقاط الطائرات وأسفر ذلك عن خسارة إسرائيل 40 طائرة بحسب تقديرات المصادر الأمريكية في الفترة ما بين 22 و24 أكتوبر فيما يصل العدد الكلي إلى حوالي 102 طائرة. بينما ذكرت التقديرات المصرية المتاحة بالإضافة إلى مذكرات اللواء محمد سعيد علي أن خسائر الطائرات الإسرائيلية وصلت على الجبهة المصرية إلى أكثر من 279 طائرة مؤكدة و57 طائرة غير مؤكدة.
كما أشارت العديد من المصادر إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ 5442 مهمة هجومية ضد أهداف أرضية على الجبهة المصرية، بالمقارنة مع الجبهة السورية بواقع 1830 مهمة هجومية، بالإضافة إلى 105 مهمة استطلاعية، مقسمة إلى 57 مهمة نفذتها طائرات RF‑4 بعدد 6 مقاتلات، و37 مهمة بواسطة طائرات الميراج‑3 بعدد مقاتلتين، و9 مهمات بواسطة الطائرات بدون طيار من طراز فايربي (Firebee) بعدد 10 طائرات، ومهمتين فقط لصالح طائرات EC‑97. وقُسِّمت الطلعات لتكون هناك مهمة استطلاع واحدة لكل 40 مهمة هجومية.
ومن استعراض معارك الدفاع الجوي في حرب أكتوبر 1973، يمكن استخلاص بعض النتائج الهامة فيما يلي:
- لا يمكن قراءة المواجهة بين الدفاع الجوي المصري وسلاح الجو الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر 1973 باعتبارها سلسلة متتابعة من الهجمات والاشتباكات فحسب، وإنما ينبغي النظر إليها بوصفها عملية عسكرية معقدة على المستوى العملياتي، تطورت بصورة تدريجية مع تغير إدراك كل طرف لقدرات الآخر. فقد كشفت الأيام الأولى من الحرب، ولا سيما خلال الفترة من 6 إلى 8 أكتوبر، عن فجوة بين التوقعات الإسرائيلية المسبقة وبين الواقع العملياتي الذي فرضته كثافة شبكة الدفاع الجوي المصري وقدرتها على المناورة والتكامل، الأمر الذي دفع سلاح الجو الإسرائيلي إلى الانتقال من محاولة تحقيق اختراق مباشر إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على الاستطلاع والتشخيص خلال الفترة من 9 إلى 13 أكتوبر، باستخدام طائرات الاستطلاع والمسيّرات ووسائل الحرب الإلكترونية بهدف تحديد نقاط الضعف في الشبكة المصرية.
ومع استمرار صعوبة تحقيق اختراق حاسم، اتجهت العمليات خلال الفترة من 12 إلى 17 أكتوبر بصورة متزايدة نحو محاولة تحييد عناصر الدفاع الجوي من خلال التشويش واستهداف الرادارات واستخدام الصواريخ المضادة للإشعاع، من خلال الضغط على أجنابها والاستعانة بالمدفعية والقوات المدرعة خلال الفترة التالية. ومن ثم، يكشف هذا التسلسل أن المواجهة لم تكن ثابتة، وإنما مرت بعدة مراحل: صدمة أولية فرضها نجاح الدفاع الجوي المصري، ثم استطلاع وتشخيص للتهديد، ثم محاولة لتحييده بالحرب الإلكترونية وعمليات القمع الجوي للدفاعات (SEAD). ومن ثم، فإن هذه المراحل تعكس محاولات سلاح الجو الإسرائيلي لتغيير البيئة العملياتية، وفي المقابل قدرة الدفاع الجوي المصري على التعلم والتكيف وإعادة الانتشار بما حال دون تحقيق أهداف المحاولات الإسرائيلية.
- أظهرت العمليات العسكرية بين الطرفين نضوج الجانب المصري ونجاحه في إجراء دراسة كافية وواقعية لقدرات الخصم وطائراته، مع إعداد العديد من السيناريوهات القتالية التي تدرّب عليها الجانب المصري كنتيجة للاشتباكات التي حدثت أثناء حرب الاستنزاف، والمراقبة الدائمة لأداء التشكيلات الجوية الإسرائيلية ودراسة نمط الطلعات واتجاهاتها. ومن ثم رُسمت الخطط لتحقيق مفاجأة مضادة للخطط الإسرائيلية الاستباقية، وبمجرد نجاح الخطة المصرية فشلت قيادة سلاح الجو الإسرائيلي في التكيف في أول يومين.
- اتسمت بعض مراحل العمليات الإسرائيلية بارتفاع درجة الارتجال وصعوبة تحويل المعلومات الاستطلاعية إلى حلول عملياتية فعالة في مواجهة شبكة الدفاع الجوي المصرية، وذلك دليل إضافي على أن القوات الجوية الإسرائيلية، بالرغم من ساعات التدريب المكثفة، لم تكن متهيئة للتعامل مع هذا السيناريو، ولم يمتلك قادة العمليات أي أفكار مبتكرة مجهزة لاختراق هذا الجدار الصاروخي. وما زاد الوضع سوءًا هو فقدان الإدراك لمستجدات المعركة كنتيجة للضربة الجوية الأولى في الحرب من سلاح الجو المصري.
وفي محاولة للتكيف، كان من الملاحظ استمرار قيادة سلاح الجو الإسرائيلي في توسيع عمليات الاستطلاع عند ملاحظة فشل المهمات وزيادة الخسائر، وقد تكرر الأمر أكثر من مرة يصاحبه تقليل لعدد الطلعات لمحاولة تعديل الخطط. وكان السبب الرئيسي لإفشال جميع الخطط الهجومية المكثفة التي تلي المجهود الاستطلاعي الإسرائيلي والأمريكي المكثف هو قدرة كتائب الدفاع الجوي المصري على المناورة وتغيير مواقعها باستمرار، وتدوير الذخائر بالقدر الكافي لاستدامة التأثير حتى مع مهاجمة الكتائب وتعرضها لخسائر مادية وبشرية.
لكن كان التكامل بينها هو نقطة القوة، بالإضافة إلى الخبرة القتالية للطواقم العاملة في التعامل مع مختلف المواقف والتكتيكات الإسرائيلية، والنجاح في إفقاد العدو القدرة على تحديد أقصى حدود إطلاق الصواريخ من الدفاعات الجوية المصرية، وبالأخص بعد فشل استخدام الصواريخ المضادة للرادارات من طراز Shrike، حيث أُطلق 197 صاروخًا، ولم يصب أهدافه منها سوى 10–14 صاروخًا.

- حاول سلاح الجو الإسرائيلي الاعتماد التام على ما يمتلكه من تقنيات الحرب الإلكترونية، بالإضافة إلى ما تم دعمه به من الولايات المتحدة، لمحاولة التشويش على رادارات المنظومات الدفاعية. ولكن كانت الطواقم المصرية على قدر كبير من المعرفة العلمية بهذه التقنيات وكيفية التعامل معها، وهو ما ساهم أيضًا في استمرار سقوط الطائرات الإسرائيلية بالرغم من امتلاكها هذه المنظومات، وفشلها في تأمين ممرات آمنة للطائرات للنفاذ منها.
أظهرت الوثائق الأمريكية أن منظومات التشويش الإلكترونية التي امتلكتها إسرائيل قبل العمليات العسكرية لم تكن قادرة على تغطية جميع الترددات العاملة على منظومات الدفاع الجوي المصري، حتى أُرسلت منظومات ALQ‑119‑7 التي كانت فعالة ضد منظومات سام‑2 وسام‑3 فقط، ولم تُختبر ضد منظومات سام‑6 المتحركة التي كانت تنفذ الكمائن الجوية بسهولة بفضل قدرتها العالية على الحركة. أما المستشعرات الدفاعية مثل APR‑36/37 الموجودة على الطائرات الإسرائيلية، فبسبب البيئة الكثيفة من الرادارات المصرية لم تكن كافية لتحديد المخاطر بشكل دقيق لدعم قرارات الطيارين بالهروب. وما كان له قدر من الفاعلية كانت منظومات[MA6] التشويش الإلكترونية الهجومية المحمولة على المروحيات، غير أن قوة الإرسال الخاصة بها كانت تتطلب العمل بأكثر من مروحية في وقت واحد لمحاولة استدامة التشويش على الرادارات المصرية الخاصة بالمنظومات القتالية ومحاولة اكتشاف مواقعها بدقة لمهاجمتها، وهو ما كان يعرضها للخطر.
دعم الجيش الإسرائيلي عملياته بطائرات بدون طيار من نوع BQM‑74 Chukar التي كانت تلقي العواكس الرادارية المخادعة (Chaff)، إلا أن القيادة المصرية والطواقم كانت على علم بجميع هذه القدرات التقنية، وامتلكت حلولًا فعالة للتعامل معها.

- امتدت المحاولات الإسرائيلية لتحييد القدرات الدفاعية المصرية بالاعتماد على تشكيل من سلاح المدفعية بعيدة المدى مع التقدم بواسطة القوات المدرعة، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية ومناوشة الدفاع الجوي، مع الاستمرار في الضغط على جوانب الحائط الصاروخي، وبالأخص في القطاع الشمالي باتجاه بورسعيد. وقد أسفر ذلك عن استنزاف المخزونات الصاروخية المصرية، وهو ما تداركته الطواقم المصرية بمحاولة الاقتصاد في الإطلاق، والاستمرار في تدوير الصواريخ بين القطاعات المختلفة، مع الحفاظ على حرمان سلاح الجو الإسرائيلي من القدرة على دعم تشكيلاته البرية المدرعة. مما اضطر إسرائيل إلى استخدام ذخائر موجهة أتت كجزء من الدعم الأمريكي بداية من يوم 15 أكتوبر، من طراز مافريك (Maverick)، واستخدام القنابل الموجهة من طراز HOBO وWalleye، من مدى آمن دون إحداث أي تأثير على المستوى الاستراتيجي لقلة عدد هذه القنابل والصواريخ.
ختامًا،
تفوقت الكتائب المصرية للدفاع الجوي في حرب أكتوبر 1973 في تغيير العديد من المفاهيم الخاصة بالدفاع الجوي الثابت، وتدريب الطواقم على المناورة بشكل مستمر، وهو ما كان أحد مفاتيح النصر، بالإضافة إلى التكامل بين الكتائب المختلفة من عدة طرازات في كل قطاع، مما ساعدها على استيعاب الهجمات المكثفة الواحدة تلو الأخرى، والقتال ضد عدو يتفوق تقنيًا وعدديًا. والوصول إلى هذا المستوى من الاحترافية كان نتيجة لمجهود ضخم على مستوى قيادات الدفاع الجوي، التي ساهمت في وضع خطط تدريبية بني عليها الوصول إلى خطط عمليات ناضجة وقابلة للتطبيق.
وهذه المجهودات لم تمر دون إشادة الرئيس الراحل أنور السادات، فقد أُعلن في جلسة مجلس الشعب في 19 فبراير 1974 منح وسام الجمهورية العسكري لأعلام التشكيلات والوحدات التي تميّزت في الحرب، ومن بينها وحدات الدفاع الجوي على الجبهة، مع إشادته ببسالة قوات الدفاع الجوي وما قدمه مقاتلوها من صمود وتضحيات خلال العمليات، وهو ما أكدته مقولته التاريخية: “إن شعبنا سيظل مدينًا لهؤلاء الرجال الذين صمدوا وضحوا في سبيل عزة الوطن وكرامته”.
[1]) محمد علي فهمي. القوة الرابعة: تاريخ الدفاع الجوي المصري. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، تاريخ غير محدد. متاح عبر مكتبة الإنترنت المفتوحة (Internet Archive). تاريخ الوصول 20 أغسطس 2026.
https://archive.org/details/qua-rabea/page/n3/mode/2up
[2]) محمد علي فهمي. القوة الرابعة: تاريخ الدفاع الجوي المصري. القاهرة: غير محدد الناشر، متاح عبر مكتبة الإنترنت المفتوحة (Internet Archive). تاريخ الوصول 19 أغسطس 2026. https://archive.org/details/alqowwa_al-rabea.
[3]) محمد سعيد علي، حائط الصواريخ في حرب أكتوبر. القاهرة: غير محدد الناشر، متاح عبر مكتبة الإنترنت المفتوحة (Internet Archive)، تاريخ الوصول 19 أغسطس 2026. https://archive.org/details/20211115_20211115_1716.
[4]) محمد سعيد علي، حائط الصواريخ في حرب أكتوبر. القاهرة: غير محدد الناشر، متاح عبر مكتبة الإنترنت المفتوحة (Internet Archive)، تاريخ الوصول 19 أغسطس 2026. https://archive.org/details/20211115_20211115_1716.
[5](Central Intelligence Agency. Assessment of the Weapons and Tactics Used in the October 1973 Middle East War. LOC‑HAK‑480‑3‑1‑4. Washington, D.C.: CIA FOIA Reading Room, October 1974. Accessed August 19, 2026. https://www.cia.gov/readingroom/document/loc-hak-480-3-1-4.
[6](IADS: Integrated Air defense system.
وهو نمط من التكامل بين المستشعرات ووسائط الاشتباك والقيادة والسيطرة يمكن النظر إليه باعتباره إحدى المقدمات العملياتية المبكرة للمفهوم الحديث للدفاع الجوي المتكامل (IADS)، مع اختلاف البيئة التقنية والعقائدية بصورة جوهرية.
[7](U.S. Army Training and Doctrine Command. OE Data Integration Network (ODIN) – Weapon Equipment Guide List. Accessed August 19, 2026. https://odin.t2com.army.mil/WEG/List.
[8]( Kopp, Carlo. “Engagement and Fire Control Radars (S-Band, X-Band).” AusAirPower.net. Accessed August 19, 2026. https://www.ausairpower.net/APA-Engagement-Fire-Control.html.
[9]( Eric Hammel ,Warfare History Network. “The Sinai Air Strike: June 5, 1967.” Warfare History Network. Accessed September 3, 2026. https://warfarehistorynetwork.com/article/the-sinai-air-strike-june-5-1967/
[10](B. H. Liddell Hart, The Strategy of Indirect Approach (London: Faber and Faber, 1941), accessed September 3, 2026, https://archive.org/details/strategyofindire035126mbp.
[12](Central Intelligence Agency. “Assessment of the Weapons and Tactics Used in the October 1973 Middle East War. IAF MATMON Report, MATMON Information File, Israel Defense Forces.” Undated, TOP SECRET. CIA FOIA Reading Room. Accessed August 19, 2026. https://www.cia.gov/readingroom/document/loc-hak-480-3-1-4.
[13]( U.S. Army Training and Doctrine Command. “OE Data Integration Network (ODIN) – Weapons and Equipment Guide List.” Accessed August 19, 2026. https://odin.t2com.army.mil/WEG/List. 354
[14]( SOJ – Stand Off Jamming
[15]( Central Intelligence Agency. “Assessment of the Weapons and Tactics Used in the October 1973 Middle East War. IAF MATMON Report, MATMON Information File, Hq Israel Defense Forces.” Undated, TOP SECRET. CIA FOIA Reading Room. Accessed August 19, 2026. https://www.cia.gov/readingroom/document/loc-hak-480-3-1-4.
[16]) محمد سعيد علي. حائط الصواريخ في حرب أكتوبر. القاهرة: غير محدد الناشر، تاريخ غير محدد. متاح عبر مكتبة الإنترنت المفتوحة (Internet Archive). تاريخ الوصول 19 أغسطس 2026. https://archive.org/details/20211115_20211115_1716.
[17] Israeli Air Force. “IAF Official Website.” Israeli Air Force, undated. Accessed August 19, 2026. https://www.iaf.org.il/2557-30096-en/IAF.aspx.
[18] Central Intelligence Agency. “Freedom of Information Act Electronic Reading Room.” CIA FOIA, accessed August 20, 2026. https://www.cia.gov/readingroom.
فهمي، محمد علي. القوة الرابعة: تاريخ الدفاع الجوي المصري. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، تاريخ غير محدد. Accessed August 20, 2026. https://archive.org/details/qua-rabea/page/n3/mode/2up.
[18] سعيد علي، محمد. حائط الصواريخ في حرب أكتوبر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، تاريخ غير محدد. Accessed August 20, 2026. https://archive.org/details/20211115_20211115_1716.
[19]( Mohamed Ali Fahmy, al-Quwwa al-Rābiʿa: Tārīkh al-Difāʿ al-Jawwī al-Miṣrī [The Fourth Force: History of Egyptian Air Defense] (Cairo: books4all.net, 1969), accessed September 3, 2026, https://archive.org/details/alqowwa_al-rabea.
[20]) الإطلاق الهيكلي: هو محاكاة لإطلاق الصواريخ دون إطلاق فعلي للصاروخ نفسه، مما يُظهر للطيار عبر المستشعرات الدفاعية أنه إطلاق فعلي.
[21]( Mohamed Ali Fahmy, al-Quwwa al-Rābiʿa: Tārīkh al-Difāʿ al-Jawwī al-Miṣrī [The Fourth Force: History of Egyptian Air Defense] (Cairo: books4all.net, 1969), accessed September 3, 2026, https://archive.org/details/alqowwa_al-rabea.
[22]) رقائق معدنية تعمل كعواكس لأشعة الرادار






























