وحدة قضايا المرأة والأسرة

تخوف مرتقب: المرأة الأفغانية بين المطامع السياسية والأفكار المتطرفة لطالبان

بين يوم وليلة سيطرت حركة طالبان على معظم الأراضي الأفغانية، وبدت ملامح الحياة التي أوشكت أن تتشكل على مدار العقدين الماضيين تتلاشى ومعها أحلام الكثيرات من الأفغانيات اللواتي بات يهددهن زي “البرقع الأفغاني”، وهو زي يغطي المرأة بالكامل المفروض عليهن، وتلوح أمامهن كافة مظاهر الحرمان من حقوقهن الأولية كالتعليم والعمل والسير بأمان.  وأثناء محاولة عناصر حركة طالبان تجميل صورتهم بإطلاق الوعود حول عزمهم حماية حقوق المرأة فيما “لا يخالف شرع الله”، تتبخر ثقة النساء الأفغانيات في تلك الوعود في ظل اعتياد الحركات المتطرفة، سواء “طالبان” أو “داعش” أو “جماعة الإخوان”، تطويع وتفسير تعاليم الدين الإسلامي بما يتماشى مع مطامعهم السياسية.…

هالة فودة
باحث بوحدة دراسات المرأة وقضايا الأسرة

بين يوم وليلة سيطرت حركة طالبان على معظم الأراضي الأفغانية، وبدت ملامح الحياة التي أوشكت أن تتشكل على مدار العقدين الماضيين تتلاشى ومعها أحلام الكثيرات من الأفغانيات اللواتي بات يهددهن زي “البرقع الأفغاني”، وهو زي يغطي المرأة بالكامل المفروض عليهن، وتلوح أمامهن كافة مظاهر الحرمان من حقوقهن الأولية كالتعليم والعمل والسير بأمان. 

وأثناء محاولة عناصر حركة طالبان تجميل صورتهم بإطلاق الوعود حول عزمهم حماية حقوق المرأة فيما “لا يخالف شرع الله”، تتبخر ثقة النساء الأفغانيات في تلك الوعود في ظل اعتياد الحركات المتطرفة، سواء “طالبان” أو “داعش” أو “جماعة الإخوان”، تطويع وتفسير تعاليم الدين الإسلامي بما يتماشى مع مطامعهم السياسية.

خوفٌ مرتقب

تعرضت النساء لاضطهاد وعمليات عنف ممنهجة من قِبل مقاتلي الحركة في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي (في دولة طالبان الأولى الممتدة من 1996-2001)، حينما كانت الحركة تُسيطر على أغلب مناطق البلاد، بما في ذلك العاصمة كابول. وكانت النساء حينها ممنوعات من التعليم والعمل والتجول بمفردهن بدون رجل من أقربائهن، ويُسمح بتزويجهن في سنٍ مبكرة فيما يُسمى (بالزواج القسري)، ويخضعن بشكل كامل لسلطة الأبناء والأزواج، ويشترط الحصول على موافقتهم قبل الزواج أو التعليم أو السفر، وتُفرض عليها أنواع من الأزياء الخاصة، إلى جانب ممارسات التعنيف الشديدة في حال تجاوزهن أوامر الحركة. أيضًا تحولت أفغانستان في ظل هيمنة طالبان إلى دولة تتصدر أعلى معدل الأمية في آسيا بين الرجال والنساء. وقد سمح سقوط نظام طالبان سابقًا ببعض التغييرات الهامة والتقدم في مجال حقوق المرأة والتعليم.

وبعد سقوط العاصمة كابول في يد حركة طالبان مؤخرًا يتم استرجاع جميع تلك المظاهر من جديد بشكل تدريجي، فوفقًا لوكالة “رويترز” مُنعت النساء من العودة إلى أعمالهن بعد إرسال رسائل إلكترونية لهن تخبرهن بتعليق عملهن. علاوة على إعداد قوائم الزواج القسري للنساء في بعض البلدان الريفية. أيضًا عمد بعض أصحاب صالونات التجميل إلى إزالة صور النساء من الحائط. ووفقًا لـCNN صرحت اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان، بأنه في المناطق التي تسيطر عليها حركة طالبان، صدرت أوامر للسيدات بعدم الذهاب إلى الخدمات الصحية دون ولي أمر من الذكور، وتم توجيه المعلمين والطلاب بارتداء العمائم وإطلاق اللحى. وأفادت اللجنة بأن علماء الدين والمسئولين الحكوميين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والنساء أصبحوا ضحايا لعمليات قتل مستهدفة.

وضع المرأة الأفغانية خلال العشرين عامًا الأخيرة

وفقًا لدراسة معهد “بروكنجز” بعنوان “مصير حقوق المرأة في أفغانستان“، فقد أعطى دستور ما بعد طالبان عام 2004 للمرأة الأفغانية جميع أنواع الحقوق، وحقق التمكين السياسي لما بعد طالبان نموًا اجتماعيًا واقتصاديًا أدى إلى تحسين وضعهن الاجتماعي والاقتصادي بشكل كبير، حيث شَيد نظام ما بعد طالبان 3135 مرفقًا صحيًا عاملًا بحلول عام 2018 مما أتاح لـ87% من الأفغان الوصول إلى مرفق طبي في غضون ساعتين بعد أن كان نظام الرعاية الصحية متراجعًا مع عدم وجود خدمات طبية متاحة للنساء خلال سنوات طالبان.

وبالنسبة للتعليم، ففي عام 2003 كان أقل من 10% من الفتيات مسجلات في المدارس الابتدائية. وفي عام 2017 ارتفع هذا الرقم إلى 33%، بينما ارتفع معدل التحاق الإناث بالتعليم الثانوي من 6% في عام 2003 إلى 39% في عام 2017، وبالتالي كان هناك 3.5 ملايين فتاة أفغانية في المدرسة مع 100 ألف فتاة تدرس بالجامعات. وارتفع متوسط ​​العمر المتوقع للمرأة من 56 عامًا في عام 2001 إلى 66 عامًا في عام 2017، وانخفض معدل وفياتهن أثناء الولادة من 1100 لكل 100 ألف مولود حي في عام 2000 إلى 396 لكل 100 ألف في عام 2015.

وبحلول عام 2020، كان 21% من موظفي الخدمة المدنية الأفغان من النساء (مقارنة مع عدم وجود أي موظفة تقريبًا خلال سنوات حكم طالبان)، و16% منهن في مستويات الإدارة العليا، و27% من أعضاء البرلمان الأفغان من النساء. وكان يُسمح للنساء بالعمل كطبيبات ويتدربن كجراحات ويقُدن السيارات ويصبحن ضابطات شرطة، ويمثلن في الأفلام، ويحصلن على جوائز عالمية، ويعملن صحفيات ومترجمات ويقدمن برامج تلفزيونية.

أفغانستان في المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين 2021

في تقرير الفجوة بين الجنسين (2021Global Gender Gap Report) تذيلت أفغانستان قائمة الدول في المؤشر؛ حيث تموضعت في المرتبة 156 من أصل 156 دولة، ويتكون المؤشر من 4 مؤشرات فرعية تعكس الصحة والتعليم والمشاركة الاقتصادية والتمكين السياسي، وقد تذيلت أفغانستان قائمة الدول في مؤشر المشاركة الاقتصادية؛ حيث تموضعت في المرتبة الـ156 من أصل 156 دولة، وفي مؤشر التعليم أيضًا تذيلت أفغانستان القائمة وتموضعت في المرتبة 156 من أصل 156 دولة. أما في مؤشر الصحة فجاءت في المرتبة 149، وفي المشاركة السياسية جاءت أفغانستان في المرتبة 111.

وفي تصريح للمفوضية الأوروبية بشأن الأوضاع الإنسانية في أفغانستان، أكدت رئيسة المفوضية أورزولا فون دير لاين “أنه لن يتم تقديم أي أموال إلى طالبان في حال عدم احترامها لحقوق الإنسان”، كما دعت اللجنة إلى ضرورة “ضمان حقوق الإنسان، والحريات العامة والفردية، والالتزام بحقوق المرأة الأفغانية، واحترام التنوع العرقي واللغوي والديني في المجتمع الأفغاني، وعدم تهميش أي من مكوناته، والمساواة بينهم على أساس مبدأ المواطنة”.

هالة فودة
باحث بوحدة دراسات المرأة وقضايا الأسرة