وحدة الدراسات الاقتصادية

دخول “أمازون” السوق المصرية.. الأسباب والمآلات

أعلنت “أمازون” رسميًا أوائل سبتمبر الجاري إطلاق موقعها الإلكتروني الجديد “أمازون مصر” بدلًا من موقع “سوق دوت كوم” المملوك للشركة الأمريكية منذ عام 2017، وذلك عقب افتتاح مستودع “أمازون” في مدينة العاشر من رمضان مدعومًا بنحو 15 محطة توصيل في كلٍّ من القاهرة والإسكندرية وطنطا والإسماعيلية وأسيوط، إلى جانب عدد من المكاتب القائمة الخاصة بالإدارة والأخرى المعنية بخدمة العملاء. وبذلك تُصبح مصر السوق العشرين عالميًا، والثالثة عربيًا التي تتواجد فيها “أمازون” بعدما اتخذت شركة التجارة الإلكترونية نفس القرار في المملكة العربية السعودية في يونيو 2020، والإمارات العربية المتحدة قبل ذلك في مايو 2019. واقع التجارة الإلكترونية في مصر تحتل مصر…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أعلنت “أمازون” رسميًا أوائل سبتمبر الجاري إطلاق موقعها الإلكتروني الجديد “أمازون مصر” بدلًا من موقع “سوق دوت كوم” المملوك للشركة الأمريكية منذ عام 2017، وذلك عقب افتتاح مستودع “أمازون” في مدينة العاشر من رمضان مدعومًا بنحو 15 محطة توصيل في كلٍّ من القاهرة والإسكندرية وطنطا والإسماعيلية وأسيوط، إلى جانب عدد من المكاتب القائمة الخاصة بالإدارة والأخرى المعنية بخدمة العملاء.

وبذلك تُصبح مصر السوق العشرين عالميًا، والثالثة عربيًا التي تتواجد فيها “أمازون” بعدما اتخذت شركة التجارة الإلكترونية نفس القرار في المملكة العربية السعودية في يونيو 2020، والإمارات العربية المتحدة قبل ذلك في مايو 2019.

واقع التجارة الإلكترونية في مصر

تحتل مصر المرتبة الثامنة والأربعين في قائمة أكبر أسواق التجارة الإلكترونية حول العالم، حيث بلغت عائدات تلك التجارة نحو 4 مليارات دولار في عام 2020، وتستحوذ الإلكترونيات على نحو 28% من إجمالي عائدات التجارة الإلكترونية، يليها الملابس بنسبة 21%، ليأتي الأثاث والأجهزة المنزلية في المركز الأخير بنحو 12%، وهو ما يوضحه الشكل الآتي:

الشكل (1): توزيع عائدات التجارة الإلكترونية

في حين أظهر مؤشر التجارة الإلكترونية العالمي (الذي يقيس جاهزية التجارة عبر الإنترنت بين الشركات والمستهلكين) احتلال مصر المرتبة الـ13 عربيًا والـ109 عالميًا خلال 2020 ضمن 152 دولة يضمها المؤشر الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”. وفيما يلي تطور المرتبة المصرية في المؤشر خلال 5 سنوات:

الشكل (2): مكانة مصر في مؤشر التجارة الإلكترونية

يتبين من الشكل أن مكانة مصر في المؤشر تراجعت من المرتبة الـ82 خلال 2016 إلى المرتبة الـ109 خلال 2020، وهو ما يُدلل على نمو التجارة الإلكترونية في الدول الأخرى بوتيرة أسرع من التجربة المصرية، خاصة في ظل انتشار فيروس كورونا رغم ارتفاع إيرادات هذا القطاع في البلاد.

ورغم تراجع مرتبة مصر في المؤشر، إلا أنه من المتوقع أن يرتفع عدد مستخدمي التجارة الإلكترونية إلى 73 مليون شخص بحلول عام 2025، وذلك بالاستناد إلى دراسة أجرتها شركة “ماستر كارد”، أوضحت أن ثلاثة من كل أربعة مستهلكين مصريين اتجهوا للتسوق عبر الإنترنت بصورة أكبر منذ بدء تفشي الجائحة.

وعن أكبر اللاعبين في سوق التجارة الإلكترونية المصري، نجد أن “سوق دوت كوم” تحتل المركز الأول بإيرادات بلغت 116 مليون دولار خلال عام 2020، يليه موقع “بي تك” مسجلًا إيرادات بلغت 21 مليون دولار، بفارق يبلغ 95 مليون دولار بين الشركتين، وهو ما يؤكد ثقة واعتماد المستهلكين على موقع “سوق” ويسهل انطلاق “أمازون” كبديل لها في مصر.

لماذا دخلت “أمازون” السوق المصرية؟

لم يأتِ قرار “أمازون” بدخول السوق المصرية بمحض الصدفة؛ إذ تخطط الشركة منذ عام تقريبًا لبدء تصنيع منتجاتها في مصر باعتبارها محورًا صناعيًا استراتيجيًا بمنطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية، وكذلك لتعزيز تواجدها في مختلف محافظات مصر من خلال توفير مناطق لوجيستية تُسهم في تحقيق التواصل المباشر مع المنتجين في كافة القطاعات. وأخيرًا، كانت الشركة تسعى إلى جذب المزيد من الشركات المصرية لتسويق منتجاتها عبر منصات الشركة الإلكترونية، وبصفة خاصة في قطاعات الملابس الجاهزة والأدوات المنزلية.

وتستثمر شركة أمازون أكثر من مليار جنيه في مصر، وتوفر ما يزيد على ثلاثة آلاف وظيفة، وتمتلك أكثر من 15 محطة توصيل على مستوى الجمهورية، وتحتل السوق المصرية المرتبة الأولى من حيث استثمارات أمازون في القارة الإفريقية.

ولهذا تعتبر خطوة افتتاح المركز اللوجسيتي في مصر نقطة انطلاق لشركة “أمازون” في القارة الإفريقية، حيث يُمكن الاعتماد على موقعها لنقل المنتجات في المستقبل لباقي دول القارة، وذلك استغلالًا لانفتاحها على التجارة الإلكترونية منذ الجائحة التي قلصت من حركة الأفراد ورغباتهم في الشراء من المتاجر بشكل مباشر. وما يدلل على هذا خطة الشركة لتدشين موقع آخر تحت اسم “أمازون جو” مخصص للقارة السمراء، ليكون مقره الرئيسي العاصمة الإدارية الجديدة.

وتأتي خطوة “أمازون” في توقيت تسعى فيه مصر لتدشين طريق “القاهرة – كيب تاون” الذي يمتد بطول 10.2 آلاف كم في تسع دول إفريقية (هي: السودان، وإثيوبيا، وكينيا، وتنزانيا، وزامبيا، وزيمبابوي، والغابون، وينتهي في جنوب إفريقيا)، مما يجعل مصر في المستقبل محورًا لنقل البضائع إلى القارة التي يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة.

كيف سيؤثر دخول “أمازون” على الاقتصاد المصري؟

من المرجح أن تتأثر السوق المصرية بدخول شركة “أمازون” في سباق المنافسة مع شركات التجارة الإلكترونية الأخرى، ولكن من الممكن أن يبدأ هذا التأثير في الظهور على المدى المتوسط، ويُمكن حصر تلك التداعيات في النقاط الآتية:

1- تعزيز التجارة الإلكترونية: سيساهم وجود الشركة بالسوق المصرية في تعزيز مبيعات التجارة الإلكترونية في مصر، مع السماح لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بالترويج لمنتجاتهم عبر منصة الشركة، بما يساعد في ضم تلك الشركات إلى الاقتصاد الرسمي.

2-زيادة الحصيلة الضريبية: سيؤدي دخول الشركة في السوق المصرية إلى زيادة الحصيلة الضريبية مع فرض الحكومة المصرية الضرائب على المبيعات الإلكترونية، والتأكيد على ضرورة التسجيل في مصلحة الضرائب قبل بيع المنتجات والسلع وتقديم الخدمات عبر الإنترنت والمواقع الإلكترونية.

3- زيادة الثقة في الاقتصاد المصري: تعزز خطوة “أمازون” من ثقة الشركات الأجنبية الكبرى في الاقتصاد المصري الذي يمتلك مقومات التوسع والانتشار من خلاله، في ضوء سعي الحكومة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لإقامة مختلف المشروعات في جميع القطاعات.

4- خلق فرص عمل: أعلنت “أمازون” عن 85 وظيفة شاغرة في 15 تخصصًا مطلوبًا لفرعها في مصر، وبهذا يساعد دخول الشركة السوق المصرية على خلق وظائف جديدة بما يتماشى مع خطة الدولة لخفض معدل البطالة إلى حوالي 7.3%.

5- الارتقاء بجودة المنتجات: تعتبر “أمازون” من الشركات التي تحترم قوانين حماية المستهلك، حيث أبلغت البائعين أن عيوب المنتج يجب ألا تتجاوز 1% وإلا سيتم حذف حساب البائع من المنصة، وهو ما يؤكد أن غالبية المنتجات التي ستُعرض على موقعها في مصر ستكون مطابقة للشروط والمواصفات.

6- تكرار التجربة الإماراتية والسعودية: لم يقتصر نشاط “أمازون” في السعودية والإمارات على استبدال موقع “سوق” باسم الشركة فحسب؛ إذ أعلنت عملاقة التجارة الإلكترونية أنها ستضيف 11 مركزًا جديدًا في السعودية خلال العام الجاري لتخلق أكثر من 1500 فرصة عمل، مما سيوسع من تواجد مراكزها اللوجيستية، إلى جانب خطتها لإقامة شراكة مع رواد الأعمال والشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا لتعزيز موقع البيع بالتجزئة السعودي المخصص الذي أطلقته قبل عام. فيما تعتزم الشركة إطلاق 3 مراكز بيانات في الإمارات بحلول النصف الأول من عام 2022، من أجل تسريع وتيرة تبني الخدمات السحابية، ودعم الاقتصاد الرقمي.

وفي الختام، ينبغي تأكيد أن دخول “أمازون” السوق المصرية يُعتبر نقطة انطلاق للشركة في القارة الإفريقية، كما أنه يُعد نقطة جذب للشركات الأجنبية الأخرى لضخ الاستثمارات بالسوق المصرية، وهو ما تجلى في إعلان شركة خدمات مشاركة الركوب الصينية “ديدي” بدء أعمالها في مصر بحلول الثالث عشر من سبتمبر الجاري، مما يحد من سيطرة “أوبر” على السوق بعد استحواذها على “كريم”.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة