تشهد النيجر تحولات متسارعة منذ وصول المجلس الوطني لحماية الوطن للسلطة في يوليو 2023 برئاسة الجنرال عبد الرحمن تشياني بعد الإطاحة بالرئيس محمد بازوم، في ظل إعادة تشكيل البيئة الأمنية الداخلية ومنظومة التحالفات الإقليمية والدولية التي اعتمدت عليها نيامي خلال العقد الماضي. وقد كشفت الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد خلال النصف الأول من عام 2026 عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات الأمنية، سواء من حيث الانتشار الجغرافي، وطبيعة الأهداف، وأساليب التنفيذ، إذ امتد نشاط الجماعات المسلحة من المناطق الحدودية إلى استهداف منشآت عسكرية وبنى تحتية استراتيجية داخل العاصمة، مع استمرار نشاطها في معاقلها التقليدية. وتزامن ذلك مع تراجع فاعلية ترتيبات الأمن الجماعي في منطقة الساحل، وتصاعد التحديات المرتبطة بحماية الموارد الاستراتيجية، وتأمين مشروعات الطاقة، وإدارة الحدود، الأمر الذي فرض على الدولة إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والعسكرية، وإعادة صياغة مقاربتها لمواجهة التهديدات الداخلية والإقليمية.
أولاً: تغير طبيعة التهديدات الأمنية
خلال السنوات السابقة، تركز نشاط الجماعات الإرهابية بصورة رئيسية في الأقاليم الحدودية الغربية والجنوبية، ولا سيما تيلابيري وتاهوا ومنطقة ليبتاكو- غورما؛ حيث اعتمدت هذه الجماعات على الكمائن، واستهداف القرى، ونقاط الارتكاز العسكرية، بهدف استنزاف القوات الحكومية وفرض السيطرة التدريجية على المناطق الريفية. غير أن التطورات التي شهدها النصف الأول من عام 2026 أظهرت انتقالاً واضحًا نحو استهداف مراكز الثقل العسكري والاقتصادي للدولة.
وفي هذا السياق، تعرض مطار ديوري هاماني الدولي في نيامي لهجومين خلال أقل من ستة أشهر؛ الأول في 29 يناير 2026 نفذه تنظيم داعش – ولاية الساحل، والثاني في 18 يونيو 2026 نفذته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ولا تعود أهمية هذين الهجومين إلى وقوعهما داخل العاصمة فقط، وإنما إلى طبيعة الأهداف. فمجمع مطار نيامي لا يضم منشأة مدنية فحسب، بل يشكل أحد أهم مراكز القيادة الجوية في البلاد؛ إذ يضم القاعدة الجوية (101)، ومقر قيادة القوة المشتركة لتحالف دول الساحل (FU-AES)، وعناصر من الفيلق الأفريقي (فاجنر الروسية سابقًا)، وبعثة الدعم الإيطالية في النيجر (MISIN)، إلى جانب عدد من أهم الأصول الجوية للجيش النيجري.
وبالإضافة إلى ذلك ، جاء هجوم تنظيم داعش – ولاية الساحل على القاعدة الجوية (401) في تاهوا خلال مارس 2026 ليؤكد أن المطارات والقواعد الجوية أصبحت ضمن قائمة الأهداف ذات الأولوية للجماعات الإرهابية. وفي الوقت نفسه، ارتبط هذا التحول بتغير في النشاط العملياتي للتنظيم، فقد أظهرت تقارير مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة (ACLED)، أن نشاط التنظيم في منطقة تيلابيري جنوب غرب النيجر، انخفض تدريجيًا نسبة استهدافه للمدنيين؛ إذ شكل المدنيون أكثر من 80% من أهدافه في السنوات السابقة، ثم انخفضت النسبة إلى نحو ثلثي الهجمات في عام 2025، قبل أن تصل إلى نحو نصف الهجمات خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل تصاعد ملحوظ في استهداف قوات الأمن.
ولا يعكس هذا التحول تراجعًا في مستوى العنف، وإنما تغيرًا في أولويات التنظيم؛ حيث يسعى بعد تعزيز نفوذه في أجزاء من أقاليم تيلابيري وتاهوا وربطها بمناطق دعمه في ميناكا شمال شرق مالي، إلى إخراج قوات الأمن من مناطق نفوذه وتأمين حرية الحركة والإمداد. وفي الوقت نفسه، امتد التنافس بين تنظيم داعش – ولاية الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، من منطقة ليبتاكو- غورما إلى غرب النيجر وشمال غرب نيجيريا، مع تزايد الاحتكاك بين التنظيمين في المنطقة الحدودية الممتدة بين بنين وبوركينا فاسو.
ومن ناحية أخرى، فبعد أن كانت الأولوية الأمنية تتركز في الجبهة الغربية، أصبحت الدولة تواجه ضغوطًا متزامنة على عدة جبهات؛ إذ يستمر نشاط داعش – ولاية الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الغرب والجنوب الغربي، بينما يواصل تنظيم داعش – ولاية غرب أفريقيا وجماعة بوكو حرام نشاطهما في منطقة ديفا وحوض بحيرة تشاد في الجنوب الشرقي.
وفي الوقت الذي تمثل فيه الحدود الشمالية مع ليبيا والجزائر ممرًا للحركات المتمردة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وارتباطها بمناطق إنتاج اليورانيوم والطاقة؛ حيث أدى قرار المجلس الوطني لحماية الوطن بإلغاء القانون رقم (2015-36) الخاص بتجريم تهريب المهاجرين في نوفمبر 2023 إلى إعادة تنشيط مسارات الهجرة عبر أغاديز باتجاه ليبيا والجزائر، مع عودة شبكات النقل والإيواء للعمل بصورة علنية بعد سنوات من النشاط السري. غير أن هذه المسارات ظلت مرتبطة بشبكات إجرامية عابرة للحدود، تستفيد منها الجماعات المسلحة في تأمين الإمدادات وتحريك العناصر والأسلحة. بذلك أصبحت النيجر تقع عند نقطة تقاطع ثلاث دوائر أمنية رئيسية؛ الساحل الأوسط، وحوض بحيرة تشاد، والصحراء الكبرى، الأمر الذي جعل إدارة الحدود لا تقل أهمية عن العمليات العسكرية داخل البلاد.
ثانيًا: إعادة تشكيل منظومة مكافحة الإرهاب
مثلّت النيجر إحدى أهم ركائز الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل. فمنذ انضمام واشنطن إلى مبادرة الساحل (Pan-Sahel Initiative) عام 2002، ثم الشراكة عبر الصحراء لمكافحة الإرهاب (TSCTP) عام 2005، تطور التعاون العسكري بين الجانبين تدريجيًا حتى توقيع اتفاقية وضع القوات الأمريكية عام 2013، التي سمحت بإنشاء منظومة من القواعد الجوية والبرية، في مقدمتها القاعدة الجوية (101) في نيامي، ثم القاعدة الجوية (201) في أغاديز، إلى جانب مواقع عسكرية في ديركو وماداما وأولام وأرليت.
ولم تقتصر أهمية هذه القواعد على استضافة القوات الأمريكية، بل مثلت مراكز متقدمة لإدارة منظومة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وربط المعلومات الواردة من الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية بالقوات المنتشرة في الميدان، بما أتاح مراقبة شبه مستمرة لتحركات الجماعات المسلحة داخل النيجر وامتداداتها في مالي وبوركينا فاسو وشمال نيجيريا. غير أن إنهاء اتفاق التعاون العسكري مع الولايات المتحدة في سبتمبر 2024 أدى إلى تفكيك جانب مهم من هذه المنظومة، وأوجد فجوة في القدرات الاستخباراتية والعملياتية للجيش النيجري.
ولتعويض هذه الفجوة، اتجهت النيجر إلى تعزيز التعاون العسكري الإقليمي مع مالي وبوركينافاسو من خلال تأسيس القوة المشتركة لتحالف دول الساحل (FU-AES)، التي دخلت حيز التنفيذ العملياتي في 20 ديسمبر 2025، بهدف مواجهة الجماعات المسلحة في منطقة الحدود الثلاثية (ليبتاكو – غورما). كما نفذت الدول الثلاث عمليات مشتركة تحت مسمى “يريكو 1″، و”يريكو 2” خلال عامي 2024 و2025. بالتزامن مع إعادة تنظيم الانتشار العسكري داخل النيجر بما يتناسب مع خريطة التهديدات الجديدة. وفي هذا الإطار، أُعيد هيكلة عملية غاركوا في مايو 2026، عبر تقسيمها إلى قيادتين؛ الأولى “أكاراس” لتأمين محور أرليت – إيفروان على الحدود الجزائرية، والثانية “كلافوكي” لتأمين منطقة بيلما على الحدود مع تشاد وليبيا.
وفي الوقت نفسه، عملت نيامي على تنويع شراكاتها الأمنية بدلاً من الاعتماد على شريك خارجي واحد، فبرزت روسيا وتركيا باعتبارهما الشريكين الرئيسيين في مرحلة ما بعد الانسحاب الغربي. فقد قدمت موسكو دعمًا عسكريًا شمل إرسال نحو 100 مدرب ومستشار عسكري من الفيلق الأفريقي، إلى جانب توريد معدات عسكرية، فضلاً عن تقديم الدعم الفني والتدريب على تشغيلها. وفي المقابل، ركزت تركيا على تزويد الجيش النيجري بطائرات Bayraktar TB2 وAksungur ومنصة التدريب والهجوم الخفيف Hürkuş، إلى جانب توفير برامج التدريب والدعم الفني ونقل الخبرات التشغيلية.
ورغم أن هذه الشراكات أسهمت في تعزيز بعض القدرات العملياتية للجيش النيجري، فإنها لم تعوض بصورة كاملة منظومة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والدعم اللوجستي التي كانت توفرها الشراكات الغربية. كما لا تزال القوة المشتركة لتحالف دول الساحل (FU-AES) تواجه تحديات تتعلق بمحدودية الموارد، واتساع مسرح العمليات، واستمرار قدرة الجماعات المسلحة على المناورة عبر الحدود، وهو ما قد يحد من فاعليتها على المدى الطويل. وفي المقابل، أبدت نيامي انفتاحًا حذرًا على إعادة بناء قنوات التواصل مع واشنطن؛ إذ وقعت الدولتان في فبراير 2026 مذكرة تفاهم للتعاون الصحي بقيمة تقارب 178 مليون دولار لمدة خمس سنوات، قبل أن تقدم الولايات المتحدة في مايو من العام نفسه معدات عسكرية بقيمة 2.3 مليون دولار، في خطوة عكست حرصها على الحفاظ على حد أدنى من الحضور في النيجر والحد من تنامي النفوذ الروسي.
ثالثًا: تعزيز القدرات الوطنية
أدت التحولات التي أعقبت وصول المجلس الوطني لحماية الوطن في يوليو 2023 إلى إعادة تشكيل أولويات الأمن الوطني في النيجر، فلم تعد مواجهة التنظيمات الإرهابية تمثل التحدي الأمني الوحيد، بل برزت حماية الموارد الاستراتيجية، وتأمين مشروعات الطاقة، وإدارة العلاقات مع دول الجوار باعتبارها عناصر رئيسية في المعادلة الأمنية. وفي هذا السياق، أدى قرار الحكومة النيجرية تأميم منجم سومير في يونيو 2025 إلى انتقال ملف اليورانيوم من كونه موردًا اقتصاديًا إلى أحد أبرز ملفات الأمن الوطني. فقد دخلت نيامي في مواجهة قانونية مع شركة أورانو الفرنسية، المالكة لنحو 63.4% من المشروع، عقب لجوء الشركة إلى التحكيم الدولي للمطالبة بحقوقها في مخزون اليورانيوم.
وفي الوقت نفسه، واجهت الحكومة تحديًا أمنيًا تمثل في وجود نحو ألف طن من اليورانيوم المركز، تُقدر قيمته بنحو 300 مليون يورو، مخزنة داخل مطار نيامي، في ظل تعذر تصديره أو نقله؛ إذ يتطلب نقل الشحنة إلى مناجم أرليت، الواقعة على بعد نحو ألف كيلومتر شمال العاصمة، المرور عبر مناطق تنشط فيها الجماعات المسلحة، بما يرفع احتمالات استهدافها أو الاستيلاء عليها. كما حالت الخلافات السياسية مع بنين دون استخدام ميناء كوتونو منفذًا للتصدير، في حين فرضت إجراءات التحكيم أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID)، منذ سبتمبر 2025، قيودًا قانونية على التصرف في المخزون، مع تحذير أي جهة تتولى نقله من التعرض للمساءلة القانونية. وبذلك، لم يعد تأمين اليورانيوم يقتصر على حماية مواقع الإنتاج، وإنما امتد ليشمل حماية المخزون، وتأمين مسارات نقله، وإدارة التداعيات القانونية والسياسية المرتبطة به.
وفي موازاة ذلك، أعاد انسحاب النيجر ومالي وبوركينا فاسو من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS)، وتأسيس تحالف دول الساحل (AES)، رسم خريطة التعاون الأمني في المنطقة. ورغم أن التحالف الجديد وفر إطارًا للتنسيق بين الدول الثلاث، فإنه لم يتمكن حتى الآن من تعويض ترتيبات الأمن الجماعي التي كانت توفرها الأطر الإقليمية السابقة، وفي مقدمتها مجموعة دول الساحل الخمس (G5 Sahel)، ومبادرة أكرا، وعملية نواكشوط، التي شكلت منصات رئيسية لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق العمليات العسكرية المشتركة، ومراقبة الحدود. وقد أتاح هذا الفراغ هامشًا أوسع لتحرك الجماعات المسلحة عبر الحدود، بالتزامن مع تمدد نشاطها نحو الدول الساحلية المطلة على خليج غينيا.
وفي ظل هذا الواقع، اتجهت النيجر إلى تعزيز التعاون الثنائي مع دول الجوار انطلاقًا من اعتبارات المصالح المباشرة، بدلاً من الاعتماد على الأطر متعددة الأطراف. فقد حافظت على مستوى من التنسيق الأمني مع الجزائر، رغم التباينات بينها وبين مالي، إدراكًا لأهمية تأمين الحدود المشتركة وحماية المشروعات الاقتصادية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء (TSGP). وفي المقابل، اتسمت العلاقات مع بنين بمزيد من التعقيد نتيجة الخلافات السياسية وإغلاق الحدود، وهو ما انعكس سلبًا على حركة التجارة، وأثر في مشروع خط أنابيب النفط أجاديم – كوتونو الذي تنفذه شركة بتروتشاينا الصينية. كما أدى تعثر التعاون بين البلدين إلى زيادة هشاشة المشروع من الناحية الأمنية، بعدما تحول إلى هدف للجماعات المتمردة، ولا سيما الجبهة الوطنية للتحرير (FPL) والحركة الوطنية من أجل الحرية والعدالة (MPLJ)، اللتين سعتا إلى استهداف البنية التحتية للطاقة واستخدامها كورقة ضغط على الحكومة، بما يعرقل خططها الاقتصادية، ويقوض قدرتها على استثمار الموارد الاستراتيجية.
حاصل ما تقدم، فإن التحولات التي شهدتها النيجر منذ يوليو 2023 لم تقتصر على إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية أو تغيير شركاء الأمن، وإنما أعادت تشكيل عمليات مكافحة الإرهاب بصورة أشمل. فقد انتقلت التهديدات الإرهابية من التركيز على المناطق الحدودية إلى استهداف المنشآت العسكرية والبنية التحتية الاستراتيجية، وتغيرت منظومة مكافحة الإرهاب من الاعتماد على الشراكات الغربية إلى نموذج يقوم على تنويع الشركاء وتعزيز التعاون الإقليمي، في حين تم التركيز على تعزيز القدرات الوطنية عبر حماية الموارد الاستراتيجية، وتأمين مشروعات الطاقة، وإدارة البيئة الإقليمية والحدودية. ورغم أن هذه التحولات أسهمت في إعادة بناء المقاربة الأمنية للدولة، فإنها لم تنجح حتى الآن في إحداث تحول حاسم في ميزان المواجهة مع الجماعات المسلحة، التي لا تزال تحتفظ بقدرتها على المناورة عبر الحدود واستغلال هشاشة الأمن الإقليمي.
باحث أول بوحدة الدراسات الأفريقية

