المؤلف ومكانته الفكرية:
يُعد كتاب “نسور مصريون فوق الجولان” للواء طيار محمد فكري الجندي من الكتب التي تنتمي إلى ما يمكن تسميته بشهادات المقاتلين، وقد صدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1992، وأُدرج ضمن سلسلة (أدب الحرب)، وهو ما يعكس اهتمام المؤسسة الثقافية المصرية آنذاك بتوثيق التجارب الشخصية للمشاركين في حرب أكتوبر 1973.
تنبع أهمية المؤلف من كونه مقاتلًا وطيارًا وقائدًا عسكريًا شارك بصورة مباشرة في الأحداث التي يرويها؛ حيث كان “قائد السرب 15 المقاتل القاذف في سوريا” أثناء حرب اكتوبر، وليس مجرد باحث ينقل روايات الآخرين، وتذكر البيانات التعريفية عنه أنه التحق بكلية الطيران عام 1957 وتخرج عام 1960، وتخصص في الطيران على الميج-17، وشارك في حرب اليمن، ثم تولى قيادة سرب مقاتلات، ثم كان قائدًا للسرب المصري الموجود على الجبهة السورية خلال حرب أكتوبر.
الكتاب وماذا يحمل
بدأ المؤلف الكتاب بالتأكيد على أن التعاون العسكري بين مصر والدول العربية يرجع لتاريخ طويل من التضامن القومي، ويستعرض مسيرته الشخصية كطيار مقاتل قاذف؛ حيث شارك في دعم الثورة اليمنية عام 1962، وتأمين الحدود الشمالية الشرقية لليبيا بعد ثورة الفاتح من سبتمبر 1970، فالأراضي الليبية آنذاك توفر عمقًا استراتيجيًا آمنًا لتدريب الطيارين الجدد بعيدًا عن التدخل الجوي الإسرائيلي، ثم ينتقل بعدها للحديث عن حرب الاستنزاف في مصر، واصفًا إياها بأنها “المدرسة القتالية الحقيقية” التي جهزت القوات المسلحة لمعركة العبور والثأر.
وعن وجود سرب طيران مصري في سوريا يؤكد المؤلف علن أنه لم يكن وليد صدفة أكتوبر، بل تم التخطيط له منذ مطلع السبعينات تحت مسمى “المأمورية صقر”؛ حيث قضت الخطة بتبادل الأسراب المصرية الخدمة في سوريا لفترات محددة، وذكر أن السرب الجوي المصري وصل إلى قاعدة “المزة الجوية السورية” قبل صيف 1973 بعدة أشهر وأطلق عليه السوريون اسم “سرب البعث الخامس عشر” ولقي حفاوة من السوريين وتم نقل الأفراد بشكل سري لوجود الطائرات والمعدات الفنية في سوريا منذ بداية السبعينات، أتاح هذا الوصول المبكر للطيارين المصريين التأقلم مع مسرح العمليات الجبلية الوعرة في الجولان.
بدأ التدريب الفعلي بعد يومين فقط من الوصول، شمل التعرف على المنطقة وميادين الرماية الجوية وتطبيق البرامج التدريبية المصرية، وقد خلق الوجود مع الأسراب السورية روح منافسة شريفة في الرماية الجوية بالصواريخ وتشكيلات القتال، أما اجتماعيًا فقد اندمج الطيارون المصريون مع أشقائهم السوريين، وتجولوا في أحياء دمشق ومعالمها السياحية والأثرية مثل مصيف بلودان، الزبداني، ودير صيدنايا (أقدم دير في العالم).
مع مطلع أكتوبر 1973، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على قرب اندلاع الحرب، تمثلت في تحركات حاشدة لإعادة تمركز القوات البرية والجوية، وتكديس استثنائي للذخيرة والمعدات فوق طريق (المزة – القنيطرة)، كما صدرت تعليمات خطيرة بإيواء طائرتين في دشم عسكرية مخصصة لطائرة واحدة؛ مما جعل أجزاء منها تبرز للخارج ويعرضها للخطر، كما قابل المؤلف رئيس أركان القوت الجوية السورية، فأدرك أن الحرب وشيكة الوقوع فزاد من حالة استعداد السرب المصري للمعركة، خاصة بعد أن زار وزير الحربية المصري الفريق أول أحمد إسماعيل سوريا في زيارة سرية مستخدمًا طائرة غير مصرية، وذكر المؤلف أن التدريبات الأخيرة يومي 3 و4 أكتوبر كانت على تمارين قتال عنيفة وطيران منخفض جدًا فوق مناطق جبلية وعرة متجاوزًا حدود الأمان ومخترقًا الأجواء اللبنانية لتهيئة الطيارين لواقع المعركة.
يقول المؤلف أنه في 5 أكتوبر، رُفعت حالة الاستعداد للحد الأقصى تحت الكود “قاهر 40”، واستدعى العميد صبحي حداد قادة الأسراب وسلمهم أمر القتال الفعلي، وتحول المطار إلى خلية نحل لتجهيز الذخائر وتوزيع كمامات الحرب الكيماوية، ثم التقى طيارو السرب في المساء، وتعهدوا على القتال حتى الموت لاسترداد الكرامة، وقام المؤلف بكتابة وصيته الأخيرة لزوجته وأمه.
في ظهر السبت 6 أكتوبر، أعلن قائد اللواء ساعة الصفر، وتقرر الإقلاع في تمام الساعة 14:45 (الثالثة إلا ربع)، كان هدف السرب المصري تدمير رادار “النبي يوشع” في الجليل الأعلى داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، تحرك الطيارون إلى الدشم وسط صيحات “الله أكبر” التي زلزلت القاعدة، وانطلق التشكيل المكون من 8 طائرات ميج 17 بقيادة المؤلف على ارتفاع منخفض جدًا عبر الأجواء اللبنانية (سهل البقاع، راشيا، مرجعيون) للهروب من الرادارات الإسرائيلية، وقبيل الوصول للهدف بثوانٍ، صدرت أوامر جوية بتغيير الهدف لضرب تجمعات لدبابات إسرائيلية عند “بحيرة مسعدة”، ونجح السرب في قصفها وتدميرها بالكامل وعاد التشكيل سالمًا دون أي خسائر، وسط بهجة عارمة واحتفالات في القاعدة.
ويتحدث المؤلف في كتابه عن اليوم الثاني من الحرب وأنه شهد حادثا محزنًا، عندما انطلق السرب لمعاونة الجبهة واشتبك مع طائرات ميراج اسرائيلية فوق مطار المزة، واشتعلت سماء المطار بمعارك جوية وانفجارات لصواريخ الدفاع الجوي الصديق، أثناء عودة التشكيل المصري للهبوط، فواجه جحيمًا من صواريخ الدفاع الجوي السوري التي لم تميز الطائرات الصديقة، أسفر ذلك عن إسقاط طائرة الملازم شريف (الذي قفز بالمظلة وأصيب)، واستشهاد النقيب بدوي داخل طائرته التي انفجرت أثناء الهبوط، وذكر المؤلف أن احتج بغضب لدى قائد اللواء على هذا الخطأ التنسيقي البشع بين الطيران والدفاع الجوي.
وثق المؤلف أعمال السرب المصري في الفترة من 8 – 10 أكتوبر؛ حيث أصر على قيام السرب المصري بواجباته بعد حادثة 7 أكتوبر وأنجز السرب مجموعة من الأهداف المهمة كان منها تدمير أهداف في “تل أبو الندى؛ حيث دمروا 6 دبابات ورادارًا معاديًا وعادوا سالمين، وفي “تل الفرس” دمروا 4 دبابات، وموقع صواريخ “هوك” إسرائيلية، رغم أن التعليمات لم تقضِ بضربها أهداف على محور (خسفين – فيق)، وواجهوا خلالة نيران مدفعية مضادة للطائرات وصواريخ معادية، لكنهم دمروا ما لا يقل عن 3 دبابات ومراكز قيادة دون خسائر.
ويوم 11 أكتوبر تعرض “مطار المزة” لغارات وحشية ومستمرة بطائرات الفانتوم تسببت في شل الممرات وتدمير بعض الدشم ومواقع الدفاع الجوي بقنابل “البلي” المتطورة، وفي الثالثة ظهرًا، قاد قائد السرب المصري “رف مصري” لعمل مظلة حماية جوية فوق المطار، ثم تلقى قائد السرب أمرًا كوديًا من مركز القيادة “مارد” بالتوجه للمنطقة 17 فوق دير صيدنايا؛ حيث توجد طائرتين فانتوم معاديتين متوجهتين لقصف دمشق، يتبعهما قسم آخر، ورغم الفارق التكنولوجي الشاسع لصالح الفانتوم الأمريكية ضد الميج 17، فإن التشكيل المصري خاض معركة شرسة تداخلت فيها الأدوار، نفذت خلالها ذخيرة قائد السرب بعد اصطياد طائرتين فانتوم ونجح هذا التشكيل الصغير في كسر أسطورة “الشبح” وحماية دمشق، وهبط الطيارون اضطراريًا بعد نفاذ الوقود وسط ذهول الجميع وثنائهم.
وثق المؤلف العمليات الجوية ليومي 12، و13 أكتوبر التي رأى فيها تراجع للقوات السورية؛ حيث زاد الهجوم البري والجوي الإسرائيلي، وحاول السرب المصري القيام بدوره ودمر 8 دبابات إسرائيلية واشترك في اشتباك غير متكافئ مع طائرات الفانتوم والميراج الإسرائيلية وأصيب طيار مصري وتحطمت طائرته أثناء الهبوط واستشهد طيار آخر، وأصيبت طائرة قائد السرب وقفز بالمظلة ووقع في أيدي السوريين الذين لم يتعرفوا عليه وظنوه من العدو بسبب اختلاف الزي العسكري وسرعان ما تعرفوا عليه فنقل إلى المستشفى؛ حيث تم علاجه وتراجع عدد الطيارين القادرين على الطيران إلى 5 فقط وسط إرهاق جسدي ونفسي.
وفي فترة العلاج يحكي المؤلف مواقف انسانية عديدة في سوريا، ثم يستمر في سرد الأحداث بعد عودته للقاهرة؛ حيث استقبله قائد القوات الجوية اللواء طيار حسني مبارك بحفاوة بالغة، ومنحت الحكومة السورية المؤلف “وسام الشرف العسكري من رتبة فارس” (وهو الوسام نفسه الذي منحه الرئيس حافظ الأسد لقائد القوات الجوية المصرية اللواء حسني مبارك)، بالإضافة للوسام الحربي من الطبقة الممتازة، ووسام الاستحقاق لباقي الطيارين.
في نهاية الكتاب، يروي المؤلف كيف علم بالصدفة أثناء زيارته لفرع الأمن الجوي بمصر أن اسم الملازم “سيف” (الذي كان يظن أنه استشهد في معركة الميراج وسُجل في لوحة الشرف بسوريا) موجود في كشوف الأسرى العائدين عبر الصليب الأحمر بمستشفى كوبري القبة، وزاره المؤلف وتأكد من نجاته الإعجازية بعد أن قفز من طائرته، وأسره العدو، وعزله عن السوريين لعلمه بأنه مصري، واختتم المؤلف كتابه بالتأكيد على أن السرب المصري الصغير نفذ أكثر من ربع طلعات المقاتلات القاذفة على الجبهة السورية، بفضل التدريب الشاق، وتطوير الطائرات، وعظمة المقاتل المصري.
الخلاصة: إن الكتاب من المؤلفات المهمة في التوثيق التاريخي المهم لدور الطيران المصري في الجبهة السورية، والمعارك المهمة التي قل الحديث عنها في المؤلفات التي تناولت حرب أكتوبر، فلم يتم تسليط الضوء عليها مقارنة بجبهة سيناء، كما وضحت في الكتاب مصداقية المؤلف، فلم يتوانَ عن ذكر الأخطاء الكارثية، مثل إصابة الدفاع الجوي السوري للطائرات المصرية وتراجع خط الجبهة.
والمؤلف لم يغفل البعد الإنساني والاجتماعي في كتابه فأورد عديدًا من القصص الإنسانية المهمة التي صاحبت وجود السرب المصري في سوريا، والمؤلف استعان في إعداد كتابه بمذكراته اليومية المسجلة أثناء الحرب وأفلام كاميرات الطائرات؛ مما منح التواريخ والأرقام دقة بالغة.
الكتاب في مجمله مهم في رسم صورة أقرب للواقع لما حدث في انتصار 6 أكتوبر 1973 وجدير بالقراءة من كل الأجيال التي يجب عليها أن تستمر في إبقاء ذاكرتها حية بما حدث لتحقيق هذا النصر العظيم.

باحث مشارك بوحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر































