لم تكن نكسة يونيو 1967 بالنسبة إلى مصر مجرد هزيمة عسكرية، وإنما كانت صدمة شاملة أصابت في الوقت نفسه قدرة الدولة الإنتاجية والمالية والخارجية، وفرضت إعادة ترتيب جذرية لأولويات السياسة الاقتصادية. فقد جاءت الحرب بعد مرحلة من النمو الاقتصادي المرتفع نسبيًا؛ إذ بلغ متوسط نمو الاقتصاد نحو 6.5% سنويًا خلال الفترة 1961–1965، قبل أن يتراجع إلى نحو 3.3% خلال 1966–1970. ويربط تقرير البنك الدولي هذا التراجع بأزمة ميزان المدفوعات التي سبقت الحرب وبحرب يونيو 1967، وما ترتب عليهما من إجراءات استقرار وإعادة تخصيص للموارد.[1]
وفي الوقت نفسه، فقد الاقتصاد المصري جزءًا مهمًا من قدرته على توليد النقد الأجنبي. فقد أغلقت قناة السويس، وتعرضت مدن منطقة القناة لأضرار جسيمة، كما تضررت منشآت صناعية، بما فيها مصافي النفط. وكانت قناة السويس والسياحة والقطن تمثل ركائز أساسية لموارد مصر الخارجية؛ ولذلك أدى فقدان القناة إلى تحول كبير في الحساب الخارجي، وأصبح الاقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على صادرات السلع، وعلى المساعدات العربية، والمساعدات طويلة الأجل من دول الكتلة الشرقية، وائتمانات الموردين من دول منظمة التعاون والتنمية.[2]
لكن الصدمة الاقتصادية تزامنت مع ارتفاع حاد في المتطلبات الدفاعية، فمنذ عام 1967 أصبحت الأهداف العسكرية واستعادة الأراضي المحتلة أولوية أولى للحكومة، وبدأت حصة الدفاع من موارد الاقتصاد في الارتفاع بصورة كبيرة، وتوضح وثيقة البنك الدولي لعام 1970 أن اعتمادات الدفاع ارتفعت من نحو 480 مليون دولار، أي ما يعادل 8% من الناتج المحلي في 1967، إلى 1.16 مليار دولار في 1970، بما يعادل 18% من الناتج، مع مشروع موازنة لعام 1971 بلغ 1.265 مليار دولار، أو نحو 19% من الناتج المحلي. [4]
ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته اقتصاد الحرب المصري: اقتصاد لم يكن هدفه تعظيم النمو في الأجل القصير، وإنما الحفاظ على القدرة الاقتصادية للدولة، وتعبئة الموارد المتاحة، وتوجيه الجزء الأكبر الممكن منها نحو إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد لمعركة التحرير، مع محاولة إبقاء الاقتصاد المدني قادرًا على العمل وتوفير السلع الأساسية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
ومن هنا تطرح تجربة الاقتصاد المصري بين النكسة والنصر مجموعة من الأسئلة المركزية: كيف أعادت الدولة ترتيب أولوياتها المالية في ظل حرب طويلة؟ وكيف استطاعت تعبئة الموارد المحلية رغم تراجع مصادر النقد الأجنبي؟ وما حجم تكلفة توجيه الموارد نحو الدفاع على الاستثمار والتنمية المدنية؟ وكيف أسهم الدعم العربي في سد الفجوات التمويلية؟ والأهم، كيف انتقل الاقتصاد المصري بعد انتصار أكتوبر من منطق «اقتصاد الحرب» إلى منطق إعادة البناء والانفتاح الاقتصادي؟
لذا يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال قراءة الفترة 1967–1973 باعتبارها تجربة متكاملة في إدارة اقتصاد الحرب، لا باعتبارها مجرد مرحلة تاريخية من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، فالهدف هو فهم الكيفية التي أدارت بها الدولة المصرية مواردها المحدودة، وكيف وازنت بين تمويل المجهود الحربي والحفاظ على الإنتاج والاستقرار الاجتماعي، وصولًا إلى اللحظة التي أتاح فيها انتصار أكتوبر إعادة تعريف الأولويات الاقتصادية وفتح الطريق أمام التحول نحو سياسة الانفتاح وإعادة هيكلة الاقتصاد المصري.
أولًا: الاقتصاد المصري بعد نكسة 1967
شكلت حرب يونيو 1967 صدمة هيكلية حادة للاقتصاد المصري، حيث أنهت عقدًا من النمو السريع والمستدام الذي شهدته البلاد خلال فترة الخطة الخمسية الأولى (1960-1965) والتي بلغ فيها متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 6.5% سنويًا، وتوضح التقديرات الصادرة عن تقارير البنك الدولي أن الأداء الاقتصادي شهد تراجعًا حادًا فور اندلاع الحرب، وفيما يلي أبرز تلك التداعيات[3]:
تراجع النمو وتغير أولويات الدولة؛ فقد انخفض متوسط النمو من 6.5% خلال 1961–1965 إلى نحو 3.3% في 1966–1970، بالتزامن مع انخفاض معدلات الادخار والاستثمار المحلي، ويشير البنك الدولي إلى أن هذا التراجع لم يكن ناتجًا عن الحرب وحدها، وإنما جاء نتيجة تفاعل أزمة ميزان المدفوعات عام 1966 مع حرب يونيو 1967، وهو ما استدعى إجراءات استقرار وإعادة تخصيص للموارد.[4]
فقدان قناة السويس ومصادر النقد الأجنبي؛ كان إغلاق قناة السويس بعد حرب يونيو 1967 من أكثر الصدمات الاقتصادية تأثيرًا في مصر، وكانت مصادر النقد الأجنبي الأساسية لمصر قبل الحرب تتمثل بصورة رئيسية في صادرات القطن، وإيرادات قناة السويس، وعوائد السياحة؛ ولذلك أدى إغلاق القناة إلى تغيير جوهري في هيكل الحساب الخارجي للاقتصاد المصري.[5]
وتوضح بيانات البنك الدولي حجم هذا التحول بصورة لافتة؛ ففي الفترة 1966- 1959 حقق حساب الخدمات فائضًا تراكميًا بلغ نحو 865 مليون دولار، بمتوسط 108 ملايين دولار سنويًا، وكان نصيب قناة السويس وحدها نحو 1.314 مليار دولار خلال الفترة، بمتوسط 164 مليون دولار سنويًا. أما بعد الحرب، وخلال الفترة 1967–1972، فقد تحول حساب الخدمات إلى عجز تراكمي قدره 243 مليون دولار، بمتوسط عجز سنوي بلغ نحو 40 مليون دولار.[6]
والأهم أن إيرادات قناة السويس المسجلة ضمن حساب الخدمات هبطت إلى نحو 108 ملايين دولار فقط خلال السنوات الست كلها، أي بمتوسط لا يتجاوز 15 مليون دولار سنويًا، مقارنة بـ164 مليون دولار سنويًا في الفترة السابقة.[7]
ولم تكن خسارة القناة هي المشكلة الوحيدة؛ فقد تراجعت أيضًا عوائد السياحة في أعقاب الحرب. فقبل 1967 كانت السياحة والسفر توفران لمصر نحو 140 مليون دولار سنويًا من النقد الأجنبي، بما يزيد على 13% من إجمالي المتحصلات الجارية، بينما انخفض عدد الليالي السياحية في 1969 إلى نحو 40% فقط من مستواه قبل الحرب.[8]
وفي مواجهة هذه الخسارة، اضطرت الدولة إلى زيادة الاعتماد على صادرات السلع، وخاصة القطن. فقد بلغت صادرات السلع خلال 1967–1972 نحو 4.475 مليار دولار، بمتوسط 745 مليون دولار سنويًا، وكان القطن والغزل والمنسوجات تمثل نحو 2.786 مليار دولار منها، أي بمتوسط يقارب 464 مليون دولار سنويًا. وبذلك أصبح القطن بصورة أكبر «مورد النقد الأجنبي التقليدي» الذي يعوض جزءًا من الانخفاض الحاد في إيرادات الخدمات. إلا أن قدرة الصادرات السلعية على التعويض ظلت محدودة، إذ ارتفعت صادرات السلع في المتوسط، لكن الواردات بلغت نحو 6.48 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بمتوسط 1.08 مليار دولار سنويًا.[9]
والنتيجة كانت اتساع الفجوة الخارجية. فقد بلغ العجز التراكمي في تجارة السلع والخدمات نحو 2.25 مليار دولار خلال 1967–1972، بمتوسط سنوي قدره 375 مليون دولار، مقارنة بعجز قدره 1.61 مليار دولار فقط خلال 1959–1966. وعند إضافة أقساط سداد الديون متوسطة وطويلة الأجل، ارتفع العجز في النقد الأجنبي إلى نحو 3.746 مليار دولار خلال 1967–1972، أي ما يعادل في المتوسط 624 مليون دولار سنويًا.[10]
وهنا تكمن أهمية قناة السويس بالنسبة إلى اقتصاد الحرب؛ فإغلاقها لم يكن يعني فقط خسارة إيراد سنوي، وإنما خلق فجوة مستمرة في القدرة على تمويل الواردات؛ فمصر كانت في الوقت نفسه بحاجة إلى استيراد الغذاء والمواد الخام والآلات والمعدات، بينما كانت مواردها من النقد الأجنبي تتراجع، ولذلك لم يكن ممكنًا تمويل الاحتياجات الاقتصادية والعسكرية من الصادرات وحدها.[11] وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن مصر استطاعت خلال 1967–1972 تلبية احتياجاتها من السلع والخدمات من خلال مزيج من الدعم العربي، والمساعدات متوسطة وطويلة الأجل من دول الكتلة الشرقية، وائتمانات الموردين من دول منظمة التعاون والتنمية.[12]
ثانيًا: بيانات الإنفاق العسكري المصري للفترة (1962- 2025):
تكشف بيانات الإنفاق العسكري لمصر للفترة (1962 – 2025) عن علاقة واضحة بين شدة الصراع العسكري وإعادة تخصيص الموارد الاقتصادية في مصر؛ فقد ارتفعت حصة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي من 6.68% عام 1962 إلى 8.91% عام 1967، ثم تسارعت الزيادة خلال حرب الاستنزاف لتصل إلى 15.99% عام 1970 و17.19% عام 1971، قبل أن تبلغ ذروتها عند 17.27% عام 1974 في أعقاب حرب أكتوبر.
ويشير هذا المسار إلى أن التكلفة الاقتصادية للحرب لا تقتصر على سنة اندلاعها، وإنما تمتد إلى السنوات اللاحقة نتيجة إعادة بناء القدرات العسكرية وتعويض الخسائر والاستمرار في الاستثمار الدفاعي. وفي المقابل، أعقب استقرار البيئة الأمنية انخفاض تدريجي وطويل الأجل في حصة الإنفاق العسكري، لتتراجع إلى 3.47% عام 1990، ثم إلى 1.95% عام 2010، وصولًا إلى 0.61% عام 2025.[13]

The SIPRI Military Expenditure Database[14]
ثالثًا: آليات إدارة اقتصاد الحرب وتعبئة الموارد المالية المحلية
أدت التحولات الجيوسياسية والعسكرية عقب عام 1967 إلى إعادة هيكلة جذرية لنظام الإدارة المالية العامة في مصر، حيث تحولت الإدارة من نموذج “الخطط التنموية الشاملة” إلى نموذج “الموازنات الاستراتيجية السنوية” أو ما عرف بتطبيق “اقتصاد الحرب” تحت قيادة وزارة الخزانة. وكان الهدف الرئيسي لهذه الإدارة هو حشد أقصى قدر ممكن من الموارد المحلية لتغطية متطلبات الجيش وإعادة بناء القوات المسلحة، دون التسبب في انهيار الخدمات الأساسية للقطاع المدني[15].
ارتفعت المخصصات العسكرية بشكل غير مسبوق في تاريخ الموازنة المصرية، إذ قفزت الاعتمادات الموجهة للدفاع من 480 مليون دولار (ما يعادل 8% من الناتج المحلي الإجمالي) في عام 1967 إلى 1,160 مليون دولار (18% من الناتج المحلي) في عام 1970، لتصل إلى 1,265 مليون دولار (19% من الناتج المحلي) في مشروع موازنة عام 1971. ولتغطية هذا الفارق المالي الضخم في ظل تراجع النمو الاقتصادي، لجأت الحكومة إلى تشديد أدوات السياسة الضريبية[16].
تضمنت السياسة الضريبية لإدارة أزمة الحرب فرض أدوات تشريعية استثنائية، كان أبرزها فرض “ضريبة الدفاع” عقب النكسة مباشرة لتشمل تذاكر الترفيه والمحلات العامة، يتلوها صدور التشريعات الخاصة بـ”ضريبة الجهاد” عام 1973، والتي فرضت اقتطاعًا بنسبة 2.5% على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة، والأرباح التجارية والصناعية، وكسب العمل، فضلًا عن زيادة رسوم الدمغة بنسبة 25% لمواجهة متطلبات معركة التحرير[17].
على جانب الاستثمار العام، ضغطت الاستحقاقات العسكرية على الموازنة الاستثمارية للقطاعات المدنية، مما أدى إلى تراجع معدل الاستثمار العام من 16% من الناتج المحلي في 1967 إلى 12% في 1970. وتفاديًا لتوقف القاعدة الصناعية القائمة، استحدثت الدولة نظام “التمويل الذاتي” لمصانع القطاع العام، بحيث يُلزَم كل مشروع أو مؤسسة باستغلال احتياطياته الذاتية في إجراء التوسعات وعمليات الصيانة وإحلال قطع الغيار. ونتيجة لهذه الاستراتيجية، غطى التمويل الذاتي نحو 55% من إجمالي الاستثمارات المنفذة في القطاع الصناعي خلال العام المالي 1971/1972، مما مكّن القطاع الصناعي من تحقيق معدلات نمو إيجابية بلغت 7% في عام 1968 و10.7% في عام 1971. كما ساهم تشغيل الآبار البحرية في حقل مرجان بخليج السويس في تعويض جانب مهم من النفط المفقود من حقول سيناء، حيث ارتفع إنتاج الحقل إلى 16.4 مليون طن عام 1970.[18]
| نوع الضريبة / الأداة المالية | سنة الإقرار | نطاق التغطية والاستهداف | الأثر المالي والاقتصادي |
| ضريبة الدفاع | 1967 | تذاكر الملاهي والمسارح والمحال العامة | تمويل فوري للمجهود الحربي وعمليات التعبئة |
| تخفيض النفقات غير العسكرية | 1967 – 1970 | الموازنة الاستثمارية للمشروعات المدنية | هبوط معدل الاستثمار إلى 12% من الناتج المحلي |
| نظام التمويل الذاتي للشركات | 1971 | الاحتياطيات المادية لمصانع القطاع العام | تغطية 55% من استثمارات الصناعة ذاتيًا |
| ضريبة الجهاد ورسوم الدمغة | 1973 | 2.5% على الأرباح والمرتبات وزيادة الدمغة 25% | توفير السيولة العاجلة لمشاريع حرب أكتوبر |
رابعًا: التمويل الخارجي والدعم الإقليمي: من قمة الخرطوم إلى معركة 1973
لم تكن أدوات التعبئة المالية المحلية وحدها كافية لسد الفجوة الهيكلية في الحساب الجاري وميزان المدفوعات، وهو ما جعل الدعم المالي الخارجي ركنًا هامًا في استدامة اقتصاد الحرب المصري نظرًا لتراجع الصادرات وتزايد متطلبات الواردات الغذائية والعسكرية.[19]
شكلت قمة الخرطوم المنعقدة في أغسطس 1967 عاملًا مساندًا في توفير شبكة أمان مالية لمصر. إذ أقر المؤتمر تقديم معونات مالية منتظمة من الدول العربية المنتجة للنصيب الأكبر من النفط (السعودية، الكويت، وليبيا) بقيمة 250 مليون دولار سنويًا (تحت مسمى التزامات اتفاقية الخرطوم)، وذلك لتعويض مصر عن العوائد الضائعة جراء إغلاق قناة السويس أمام الملاحة الدولية[20].
مع اندلاع حرب أكتوبر 1973، تدفقت مساعدات مالية استثنائية إضافية من الدول العربية بلغت نحو 400 مليون دولار، وقد مكّنت هذه التدفقات المالية الاقتصاد المصري من تحمل العجز التجاري الواسع لعام 1973 والذي بلغ نحو 579 مليون دولار[21].
وعلى الرغم من ارتفاع حصيلة الصادرات المصرية بنسبة 25% خلال عام 1973 بفضل تحسن الأسعار العالمية للقطن الخام، إلا أن هذا النمو واجهه ارتفاع أشد في أسعار المواد الغذائية المستوردة (وعلى رأسها القمح)، والتي شكلت قرابة 40% من إجمالي الفاتورة الاستيرادية للبلاد، وفيما يلي جدول يوضح حركة الميزان التجاري والتدفقات المالية الخارجية لمصر خلال حرب 1973 وفقًا لتقديرات البنك الدولي:[22]
| البند المالي / التجاري | القيمة بالمليون دولار (عام 1973) | النسبة / الملاحظات الهيكلية |
| العجز التجاري الإجمالي | 579 مليون دولار | اتساع العجز بسبب طفرة أسعار الغذاء العالمية |
| نمو حصيلة الصادرات | +25% | مدفوعًا بزيادة أسعار القطن عالميًا |
| نسبة الواردات الغذائية | ~40% من إجمالي السلع | ارتفاع كبير في تكلفة استيراد القمح والسلع الأساسية |
| دعم اتفاقية الخرطوم السنوي | 250 مليون دولار | مخصص لتعويض خسائر إغلاق قناة السويس |
| المساعدات العربية الاستثنائية | 400 مليون دولار | تدفقات إضافية استُلمت خلال وقائع حرب 1973 |
خامسًا: الكلفة الاجتماعية والديموغرافية وإدارة الجبهة الداخلية
لم تتوقف ضغوط إدارة اقتصاد الحرب عند حدود الموازنة المالية العامة، بل امتدت لتشمل تعقيدات اجتماعية وديموغرافية هائلة هددت الاستقرار الداخلي، وتطلبت حلولًا إدارية وأمنية واسعة النطاق من جهاز الدولة.
تجلت أكبر التكاليف الاجتماعية للنكسة في التهجير القسري والداخلي لسكان مدن قناة السويس الثلاث (السويس، الإسماعيلية، وبورسعيد) عقب تعرضها للقصف والتدمير خلال حرب الاستنزاف، وأُجلي ونُقل ما يقارب مليون مواطن من الشريط الحدودي للقناة ووُزّعوا على محافظات العمق المصري، فرضت حركة التهجير هذه أعباء مالية وضغوطًا على الخدمات العامة، والصحة، والتعليم، والإسكان في المحافظات المستقبلة، بالإضافة إلى صرف إعانات ومساعدات اجتماعية للأسر المهجرة لمواجهة أزمة البطالة القسرية[23].
تزامنت هذه الأزمة مع استمرار ارتفاع معدل النمو السكاني بنسبة بلغت نحو 2.5% سنويًا، حيث تركز السكان البالغ عددهم آنذاك أكثر من 34 مليون نسمة في مساحة لا تتجاوز 4% من إجمالي مساحة مصر، وأدت موجات الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن إلى زيادة الكثافة السكانية في المراكز الحضرية الرئيسية كالقاهرة والإسكندرية[24].
سادسًا: التحول الهيكلي بعد حرب أكتوبر 1973 وتدشين سياسة الانفتاح
أحدث انتصار أكتوبر 1973 تحولًا جوهريًا في توجهات السياسة الاقتصادية المصرية، حيث انتهت مرحلة التخطيط الممركز واقتصاد الحرب الانكماشي لتفتح الباب أمام إصلاحات هيكلية استهدفت الانفتاح على السوق العالمي والحد من هيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي. وقد صيغ هذا التوجه الجديد رسميًا في “ورقة أكتوبر” التي قدمها الرئيس أنور السادات في أبريل 1974، والتي حددت إطار التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وانفتاحًا[25].
قام النموذج الجديد على أربعة أركان أساسية: إعادة هيكلة وتطوير شركات القطاع العام، تشجيع وتحرير القطاع الخاص المحلي، جذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، وتعميق التعاون الاقتصادي والمالي مع الدول العربية المنتجة للنفط. وتزامن ذلك مع صدور القانون رقم 43 لسنة 1974 بشأن استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة، والذي منح امتيازات وإعفاءات ضريبية واسعة للاستثمارات الخارجية[26].
كشفت تقارير البنك الدولي الصادرة في تلك الفترة أن نظام الضرائب القائم قبل عام 1974 كان يشكل عائقًا أمام مبادرات القطاع الخاص، حيث كانت الأرباح الفردية التي تتجاوز 1,000 جنيه مصري تخضع لضرائب تصاعدية تبدأ من 9% وتصل إلى 95% للدخول التي تبلغ 10,000 جنيه أو أكثر، بالإضافة إلى ضريبة أرباح التجارة والصناعة البالغة 40%. ودعت التوصيات إلى تخفيض هذه المعدلات لتشجيع إعادة استثمار الأرباح وتعبئة المدخرات المحلية[27].
وعلى صعيد المعاملات المالية والنقدية، وُفّر شريان تمويلي للقطاع الخاص عبر قيادة بنك الإسكندرية لتوزيع ائتمانات المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) التابعة للبنك الدولي، بواقع 15 مليون دولار عام 1973 و25 مليون دولار عام 1975 لتغطية احتياجات استيراد السلع الرأسمالية. كما أجرت السلطات تعديلات على هيكل الموازنة وسعر الصرف. بداية من أول يناير 1973، أُقرّ توحيد السنة المالية للدولة لتصبح متطابقة مع السنة الميلادية (يناير – ديسمبر) بدلًا من النظام السابق (يوليو – يونيو). وفي إطار إعادة تقييم العملة عام 1973، عُدّل سعر الصرف الرسمي للجنيه المصري ليعادل 2.56 دولار (أو 2.118 من حقوق السحب الخاصة SDR)، مع استحداث “السوق الموازية” بسعر صرف بلغ 1.70 دولار للجنيه لامتصاص تحويلات المصريين العاملين بالخارج وتغذية عمليات التجارة.[28]
الاستنتاجات الختامية
تظهر مراجعة وثائق البنك الدولي والدراسات الاقتصادية المتخصصة للفترة بين 1967 و1973 أن الإدارة الاقتصادية المصرية نجحت في تحقيق هدف كلي حرج؛ وهو استدامة القدرة المالية للدولة على تمويل المجهود الحربي المتصاعد دون السقوط في حالة التخلف عن سداد التزاماتها الدولية أو انهيار المنظومة التموينية المدنية. ويمكن تلخيص نتائج هذا التحليل في الاستنتاجات الآتية:[29]
تجلت مرونة السياسة المالية العامة في قدرة الدولة على رفع التعبئة الضريبية من قاعدة مرتفعة في الأساس، وتوجيه نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي سنويًا للإنفاق العسكري. غير أن هذا النجاح الكلي جاء على حساب معدلات التنمية طويلة الأجل، حيث أدى انخفاض معدل الاستثمار العام وتأجيل خطط التنمية الشاملة إلى تقادُم الأصول الإنتاجية في القطاعات الصناعية والخدمية.
لعبت التحويلات التدفقية والتدعيمات الإقليمية المشتركة، المعززة بقرارات قمة الخرطوم لعام 1967 وما تلاها من مساعدات إبان حرب 1973، دورًا في توفير الغطاء اللازم لاستيراد الاحتياجات الغذائية الاستراتيجية، مما يعكس أهمية البعد الإقليمي في دعم القدرة الصمودية للاقتصادات الوطنية أثناء الأزمات.
أثبتت تجربة “التمويل الذاتي” لشركات القطاع العام فائدتها في حماية القاعدة الصناعية القائمة وتوفير قطع الغيار والأصول التشغيلية، غير أن القيود على النقد الأجنبي فرضت حدودًا على قدرتها التنافسية والتكنولوجية، مما أدى فور انتهاء الحرب إلى تسريع الانتقال نحو سياسات تحرير التجارة والانفتاح الاقتصادي لجذب الاستثمارات وتحديث أدوات الإنتاج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع المستخدمة
- World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
- World Bank. Arab Republic of Egypt: Economic Management in a Period of Transition. Vol. I: The Main Report. Report No. 1818-EGT. Washington, D.C.: World Bank, May 8, 1978. https://documents1.worldbank.org/curated/en/798001468234876265/pdf/multi-page.pdf
- World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 1624-EGT. Washington, D.C.: World Bank, March 31, 1977. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/260081468248085882
- World Bank. United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892
- مجلة السياسة الدولية. “اقتصاديات الحرب وتعبئة الموارد في مصر (1967–1973)”. مجلة السياسة الدولية. القاهرة: مؤسسة الأهرام. https://www.siyassa.org.eg/News/19693.aspx
- [5] Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). *SIPRI Military Expenditure Database*. Stockholm: SIPRI. https://milex.sipri.org/.
[1] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[2] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[3] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[4] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[5] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[6] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[7] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[8] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[9] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[10] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[11] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[12] World Bank. Egypt: Economic Report. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf
[13] Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). *SIPRI Military Expenditure Database*. Stockholm: SIPRI. https://milex.sipri.org/ .
[14] Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). *SIPRI Military Expenditure Database*. Stockholm: SIPRI. https://milex.sipri.org/ .
[15] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892 .
[16] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892 .
[17] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892 .
[18] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892 .
[19] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892 .
[20] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892 .
[21] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892 .
[22] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892 .
[23] World Bank. *Egypt: Economic Report*. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf .
[24] World Bank. *Egypt: Economic Report*. Report No. 870a-EGT. Washington, D.C.: World Bank, January 5, 1976. https://documents1.worldbank.org/curated/en/593761468037491611/pdf/multi0page.pdf .
[25] World Bank. *Egypt: Economic Report*. Report No. 1624-EGT. Washington, D.C.: World Bank, March 31, 1977. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/260081468248085882.
[26] World Bank. *Egypt: Economic Report*. Report No. 1624-EGT. Washington, D.C.: World Bank, March 31, 1977. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/260081468248085882.
[27] World Bank. *Egypt: Economic Report*. Report No. 1624-EGT. Washington, D.C.: World Bank, March 31, 1977. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/260081468248085882.
[28] World Bank. *Egypt: Economic Report*. Report No. 1624-EGT. Washington, D.C.: World Bank, March 31, 1977. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/260081468248085882.
[29] World Bank. *United Arab Republic: Current Economic Position and Prospects*. Washington, D.C.: World Bank, June 30, 1971. https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/167311468025735892.






























