وحدة التسلح

الانعكاس العسكري على دول الجوار الأفغاني بعد الانسحاب الأمريكي

أثار إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخرًا عن إتمام انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول 31 أغسطس الجاري 2021، ارتباكًا عسكريًا لجميع الأطراف بما فيهم القوات الأمريكية، بالإضافة إلى القوات الحكومية الأفغانية. وبالطبع كان الأمر في صالح حركة طالبان التي أسرعت الخطى لملء الفراغ الأمريكي حتى قبل القوات الحكومية الأفغانية. كما كان لذلك الموقف صدى في بعض دول الجوار المباشر، وخاصة باكستان وإيران وبعض دول الخليج العربي وخاصة قطر، حيث القيادة الأمريكية المركزية العسكرية، وحيث جرى العديد من الوساطات بين الولايات المتحدة وطالبان، وكذلك الكويت التي استقبلت الاحتياطي العسكري الأمريكي ليكون على مقربة من مسرح الأحداث المتسارعة في أفغانستان. وهنا…

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

أثار إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخرًا عن إتمام انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول 31 أغسطس الجاري 2021، ارتباكًا عسكريًا لجميع الأطراف بما فيهم القوات الأمريكية، بالإضافة إلى القوات الحكومية الأفغانية. وبالطبع كان الأمر في صالح حركة طالبان التي أسرعت الخطى لملء الفراغ الأمريكي حتى قبل القوات الحكومية الأفغانية. كما كان لذلك الموقف صدى في بعض دول الجوار المباشر، وخاصة باكستان وإيران وبعض دول الخليج العربي وخاصة قطر، حيث القيادة الأمريكية المركزية العسكرية، وحيث جرى العديد من الوساطات بين الولايات المتحدة وطالبان، وكذلك الكويت التي استقبلت الاحتياطي العسكري الأمريكي ليكون على مقربة من مسرح الأحداث المتسارعة في أفغانستان.

وهنا يبرز سؤال محوري سوف تُحدد الإجابة عنه العديد من التوجهات للدول المعنية، وهو: هل الانسحاب الأمريكي مخطط بالتنسيق مع كلٍ من الحكومة الأفغانية وطالبان في الوقت نفسه، وما استتبعه من إعلان أمريكي مسبق لتوقيتات الانسحاب، وترك عتاد تسليحي ضخم ومتطور تكلف مليارات الدولارات؟ أم أن الانسحاب تم قسرًا نتيجة تمدد طالبان المفاجئ وما استتبعه من تعجّل المغادرة وإخلاء بعض المواقع دون إعلان، وتدمير الوثائق الخاصة في السفارات والإخلاء المفاجئ للرعايا؟.

وقد نُرجّح السؤال الأول امتدادًا لتفاهمات ممتدة بين الولايات المتحدة وطالبان كان أهمها في قطر، كما أن طالبان تقدم نفسها بشكل مختلف عن عصر الملا عمر، أقل تشددًا مع منح مساحة أكبر لحرية وعمل المرأة.. إلخ، وهو ما قد تستخدمه طالبان كتكتيك مرحلي، وهو ما سيبرهن عليه المستقبل.

وقبل التطرق إلى الانعكاس العسكري لهذا الموقف على دول الجوار المباشر ثم بعض القوى الإقليمية والدولية المتداخلة وذات العلاقة، سنلقي نظرة على الموقف الجيواستراتيجي لدولة أفغانستان ومحيطها. فهي دولة حبيسة غير ذات شواطئ، ولكي تصل إلى المحيط الهندي سيكون من خلال باكستان أو إيران، وتحيطها الدول الآتية طبقًا لعقارب الساعة وهي: باكستان (من الجنوب والجنوب الشرقي كأطول حدود). إقليم كشمير من أقصى الجنوب الشرقي. الصين من الشرق عبر ممر خيبر. طاجيكستان (من الشمال الشرقي). تركمانستان (من الشمال الغربي). والأخيرتان من إقليم آسيا الوسطى الذي يفصل أفغانستان عن جنوب روسيا وبحر قزوين المغلق. وأخيرًا إيران من الغرب.

1- باكستان: هي أكثر الدول تأثرًا بالموقف في أفغانستان، فالحكومتان مواليتان للولايات المتحدة، وتتبعان المدرسة العسكرية والتسليحية الأمريكية، كما أن باكستان كانت الحاضنة لتنظيم القاعدة الذي تشكل في قاعدة المجاهدين بها، ثم انطلق إلى داخل أفغانستان لمحاربة الاحتلال السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، كأول الحروب بالوكالة للولايات المتحدة بعد درس فيتنام القاسي الذي خاضته بالأصالة عن نفسها.

وبانسحاب الاتحاد السوفيتي وانتهاء دور القاعدة من وجهة نظر الولايات المتحدة، انقلبت القاعدة ضدها وتشكلت فروع تابعة على غرار (القاعدة في بلاد…) انتهت بتنظيم داعش الذي تناصبه القاعدة العداء لأسباب قيادية أكثر منها مذهبية أو تكتيكية، وتتفق القاعدة في ذلك مع طالبان التي تشكلت وتوسعت لملء فراغ انسحاب السوفيت وانتهاء دور القاعدة في أفغانستان، كما وصل تعاون طالبان والقاعدة مداه في 11 سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة التي ردت باحتلال أفغانستان ثم العراق تاليًا.

ومع فرضية التنسيق الأمريكي-الطالباني المسبق، سوف يستمر التعاون الباكستاني الأفغاني، أما في حالة العكس فسيكون الموقف العسكري على حدود البلدين متوترًا، خاصة مناطق المعابر الحدودية.

2- إيران: سوف تتحسب لاحتمال التقارب الطالباني الجديد مع الولايات المتحدة بالتنسيق مع باكستان، مما سوف تعتبره استمرارًا للتهديد العسكري لفنائها الخلفي، ولكنها ستحاول إيجاد أساس للتفاهم مع طالبان، مستغلة الأقليات السنية الإيرانية والشيعية الأفغانية عبر الحدود المشتركة.

3- روسيا: ينتظر أن تحاول العمل المزدوج الإيجابي والوقائي؛ الإيجابي لمحاولة ملء جزء من الفراغ الذي تركه الانسحاب الأمريكي بمبيعات سلاح متقدمة رخيصة الثمن مقارنة بالأسلحة الأمريكية والغربية، أما الوقائي فسوف يتركز على استخدام حزام وقائي جنوبي يتمثل في دولتي طاجيكستان وتركمانستان، حيث كانتا جزءًا من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ومعبر قواته إلى أفغانستان إبان الاحتلال السوفيتي.

4- الصين: سوف تعمل أيضًا على ملء جزء من الفراغ الأمريكي في أفغانستان، وخاصة مبيعات السلاح الأرخص من الغرب وحتى من روسيا، مع طمأنة على المكاسب المنتظرة من مشروع “الحزام والطريق” بمحيط أفغانستان، كما ينتظر أن يزيد حجم التعاون الاستراتيجي الصيني الروسي وخاصة في المجال العسكري تحسبًا لتحالفات أمريكية جديدة في المحيط الهندي قد يشمل: الهند، إسرائيل، الإمارات، أستراليا، بشكل مبدئي.

5- الخليج العربي: أصبح موقعه القريب نسبيًا من أفغانستان هو الأنسب لتموضع القوات الأمريكية أو حلف الأطلنطي، حيث القيادة المركزية لا يزال معظمها في قطر، والكويت تشكل أكبر قاعدة عسكرية بشرية أمريكية، واستقبلت هذا الأسبوع كتيبة مظلات مدعمة من فورت براج كاحتياطي خاص قريب، كما أن البحرين مقر لقيادة الأسطول الخامس الأمريكي وباقي وحدات الإسناد الحليفة خاصة الفرنسية والبريطانية. أما الإمارات والسعودية فقد تزيدان من دعمهما لباكستان حال مناوأة الحكم الجديد في أفغانستان، كما أن الإمارات لا تمانع من حيث المبدأ في الانضمام إلى التحالف المزمع بقيادة الولايات المتحدة في المحيط الهندي.

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية