وحدة الدراسات الاقتصادية

أوضاع الاستثمار في مصر خلال جائحة كورونا

مع تفشي وباء كورونا وتداعياته السلبية على الاقتصاد العالمي والمصري، والذي نتج عنه إجراءات إغلاق كلي أو جزئي في مختلف أنحاء العالم، توقفت العديد من الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية وأصبحت مخاطر الاستثمار أكبر، مما ساهم في تباطؤ المشروعات الاستثمارية القائمة بالفعل، وتراجع تدفق الاستثمارات الجديدة نتيجة إعادة تقييم حجم مخاطر الاستثمار، وعزوف أصحاب رؤوس الأموال عن المخاطرة بأموالهم. ومع تراجع الاستثمارات المحلية، جاء تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدرجة أكبر نتيجة تأثير الجائحة على القطاعات المرتبطة بالمعاملات الخارجية، كالسياحة والتجارة الدولية والاستثمار الأجنبي. وقد عملت الحكومة المصرية على تبني العديد من السياسات المالية والنقدية والاجتماعية للتخفيف من آثار الأزمة ومواجهة انعكاسات الوباء…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

مع تفشي وباء كورونا وتداعياته السلبية على الاقتصاد العالمي والمصري، والذي نتج عنه إجراءات إغلاق كلي أو جزئي في مختلف أنحاء العالم، توقفت العديد من الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية وأصبحت مخاطر الاستثمار أكبر، مما ساهم في تباطؤ المشروعات الاستثمارية القائمة بالفعل، وتراجع تدفق الاستثمارات الجديدة نتيجة إعادة تقييم حجم مخاطر الاستثمار، وعزوف أصحاب رؤوس الأموال عن المخاطرة بأموالهم. ومع تراجع الاستثمارات المحلية، جاء تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدرجة أكبر نتيجة تأثير الجائحة على القطاعات المرتبطة بالمعاملات الخارجية، كالسياحة والتجارة الدولية والاستثمار الأجنبي. وقد عملت الحكومة المصرية على تبني العديد من السياسات المالية والنقدية والاجتماعية للتخفيف من آثار الأزمة ومواجهة انعكاسات الوباء على الاقتصاد، وتحفيز تدفق الاستثمارات المحلية والأجنبية لرفع معدلات النمو الاقتصادي، فاستطاع الاقتصاد المصري أن يحافظ على معدل نمو اقتصادي موجب بلغ 3.57% عام 2019/2020 وسط معدلات نمو سلبية في العديد من الاقتصادات.

الاستثمارات المحلية والفجوة الادخارية

تسعى الدولة المصرية إلى زيادة معدل الاستثمارات المحلية لتصل إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لخطة مصر 2030، وتمّول تلك الاستثمارات من خلال الادخار المحلي، إلا أن الاقتصاد المصري يتسم باتساع الفجوة الادخارية، أي انخفاض معدل الادخار المحلي عن الاستثمار المحلي، وترجع تلك الفجوة إلى زيادة الميل الحدي للاستهلاك ووجود ادخار حكومي سالب نتيجة ارتفاع عجز الموازنة. ويوضح الشكل التالي معدلي الادخار والاستثمار والذي يوضح أنه على الرغم من وجود فجوة ادخارية، إلا أنها تراجعت من 10.5% عام 2017/2018، إلى 7.6% عام 2019/2020.

شكل (1): معدل الادخار ومعدل الاستثمار

يلاحظ أنه خلال عام 2019/2020 تم تخفيض أسعار الفائدة لتحفيز وجذب الاستثمار، إلا أنه أدى إلى تراجع كل من معدل الادخار ومعدل الاستثمار. فأما بالنسبة لمعدل الادخار، فهو يقاس بنسبة ما لم يتم إنفاقه من الدخل المتاح للأنفاق، فقد لوحظ توجيه مدخرات الأفراد إلى الودائع البنكية على الرغم من تراجع أسعار الفائدة نتيجة عدم وضوح الأوضاع الاقتصادية العامة، وارتفاع درجة المخاطر في أوجه الاستثمار الأخرى في ظل تراجع النشاط الاقتصادي العام، وهو ما يوضحه الشكل 2؛ إذ يلاحظ نمو الودائع البنكية مع انخفاض أسعار الفائدة. إلا أنه من جهة أخرى أدت السياسات المالية وحزم التيسير المالية والمبالغ المخصصة للعمالة غير المنتظمة، بجانب مبادرات البنك المركزي التي من شأنها تأجيل سداد المستحقات الائتمانية للعملاء الذين تأثر نشاطهم بالجائحة وكذلك أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى زيادة الدخل المتاح للإنفاق مع توجيه النسبة الأكبر من الدخول إلى الإنفاق الاستهلاكي، أي إن ارتفاع الدخل المتاح للإنفاق جاء بنسبة أكبر من ارتفاع المدخرات نتيجة ارتفاع الميل الحدي للاستهلاك بما أدى إلى تراجع معدل الادخار. 

شكل (2): متوسط أسعار الفائدة البنكية وإجمالي الودائع لدى البنوك

أما بالنسبة لمعدل الاستثمار، فقد شهد عام 2019/2020 تراجع حجم الاستثمارات المنفذة وتراجع نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي، إذ وصلت الاستثمارات الكلية المنفذة إلى 13.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2019/2020، مقارنه بنحو 17.3% عام 2018/2019، على الرغم من ارتفاع الاستثمارات الحكومية في مشروعات البنية الأساسية والمشروعات القومية الكبرى.

شكل (3): الاستثمارات الكلية المنفذة ونسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي

وبصفة عامة فإن وجود الفجوة الادخارية يتطلب بذل المزيد من الجهود لجذب الاستثمارات الأجنبية لرفع قدرة الاقتصاد على تمويل استثماراته.

الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر

شهد عام 2019/2020 انخفاض إجمالي التدفقات الداخلة للاستثمار الأجنبي المباشر بمعدل 3.4% ليسجل نحو 15.8 مليار دولار، مقابل نحو 16.4 مليار دولار عام 2018/2019، في حين ارتفع إجمالي التدفق للخارج بمعدل 2.8% ليسـجل نحو 8.4 مليارات دولار، مقابل نحو 8.2 مليارات دولار العام السابق. وقد أسـفر ذلك عن تراجع صافي التدفق للداخل للاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بمعدل 9.5% ليسجل نحو 7.5 مليارات دولار مقابل نحو 8.2 مليارات دولار في العام السابق. وكذلك الأمر خلال النصف الأول من عام 2020/2021، إذ انخفض صافي التدفق للداخل للاستثمار الأجنبي المباشر بمعدل 32.3% ليسجل نحو 3.4 مليارات دولار مقابل 5 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام السابق.

شكل (4): صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بالمليار دولار

وعلى الرغم من تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال عام 2019/2020، والنصف الأول من عام 2020/2021، إلا أن ذلك كان انعكاسًا طبيعيًا لانخفاض تدفقات الاستثمار عبر الدول خلال فترة الجائحة، فقد كانت مصر دومًا هي الوجهة الأولى للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).

وتُشير بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة إلى تراجع طفيف في تأسيس الشركات الجديدة والذي بلغ 22033 شركة برأس مال مصدر 83.8 مليار جنيه عام 2019/2020، مقابل 22359 شركة جديدة برأس مال مصدر 57.3 مليار جنيه. وخلال الفترة (يناير – إبريل) عام 2021، بلغ عدد الشركات التي تم تأسيسها نحو 9434 شركة مقارنة بحوالي 6778 شركة خلال الفترة نفسها من عام 2020 بنسبة زيادة تقدر بنحو 39.2%، وبلغت رؤوس الأموال المُصدرة لتلك الشركات نحو 31.3 مليار جنيه مقارنة بنحو 22.7 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2020 بنسبة زيادة تقدر بنحو 38%.

ومع تبني الدولة المصرية برنامج الإصلاح الاقتصادي (2016-2022) تم اتخاذ العديد من الإجراءات التي من شأنها تشجيع وجذب الاستثمار، والتي تنوعت بين الإصلاحات التشريعية وسن التشريعات الخاصة بالاستثمار، مثل قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017، وميكنة خدمات الهيئة العامة للاستثمار وتفعيل بعض الخدمات إلكترونيا، وإطلاق الخريطة الاستثمارية، والعمل على تذليل العقبات التي تواجه المستثمرين، وحل المنازعات الخاصة بالمستثمرين من خلال اللجنة الوزارية لفض منازعات الاستثمار، بالإضافة إلى افتتاح عدد من مراكز خدمات المستثمرين في المحافظات ليبلغ إجمالي عدد مراكز خدمة المستثمرين في مصر 12 مركزًا في القاهرة (المركز الرئيسي)، والعاشر من رمضان، والسادس من أكتوبر، والإسكندرية، وجمصة، وبورسعيد، وشرم الشيخ، وقنا، وسوهاج، وأسيوط، والمنيا، والإسماعيلية. فضلًا عن تطوير المناطق الحرة التي وصل عددها إلى 9 مناطق حرة عامة بدأت النشاط في الإسكندرية، ومدينة نصر، وبورسعيد، والإسماعيلية، ودمياط، والسويس، وشبين الكوم بالمنوفية، وقفط بقنا، والمنطقة الإعلامية بـالسادس من أكتوبر. وذلك بالإضافة إلى تبني خطة متكاملة لإصلاح البنية التحتية وإقامة الطرق والمرافق اللازمة لجذب وتيسير الاستثمارات، واستمرار العمل في تلك المشروعات خلال عام الجائحة. وتبني البنك المركزي المصري خلال عام الجائحة سياسة نقدية توسعية بتخفيض أسعار الفائدة لتخفيض تكلفة الاستثمار، فضلًا عن تأجيل المستحقات الائتمانية للعملاء من المؤسسات والأفراد بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة لمدة 6 أشهر مع عدم تطبيق غرامات تأخير السداد لتوفير السيولة للمشروعات وضمان استمرارية التشغيل، وتقليل فرص تعثر الاستثمارات، بالإضافة إلى مبادرات البنك المركزي الخاصة بدعم القطاعات الأكثر تضررًا كقطاع السياحة والصناعة والزراعة والمقاولات، علاوة على المميزات والحوافز الضريبية التي يتضمنها قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.

خلاصة القول، إن تراجع الاستثمارات في مصر جاء نتيجة ما فرضته أزمة جائحة كورونا من تراجع النشاط الاقتصادي وتوقف عدد من الأنشطة الاقتصادية، وارتفاع درجة المخاطرة، إلا أن ما تبنته الدولة المصرية من إصلاح البنية التشريعية والمؤسسية وتحسين بيئة الاستثمار جاء بثماره خلال فترة الجائحة ليحد من تراجع الاستثمارات، ويبشر بتدفق المزيد من الاستثمارات خلال الأعوام القادمة، في ظل استمرار العمل على تحسين بيئة الاستثمار.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة