وحدة الدراسات الاقتصادية

الاكتفاء الذاتي: نهضة غير مسبوقة في الغاز الطبيعي في مصر

بدءًا من أواخر عام 2014 بدأ الاستثمار والنمو الاقتصادي في الانتعاش، حيث تم انتهاج سياسة استثمارية مستقرة والتوسع في المشاريع القومية واتّباع سياسة اقتصادية مبنية على الوضوح والشفافية على اعتبار أنها المحرك الرئيسي للنمو. وتبنت الحكومة سياسات تسهيلية لمواصلة إصلاح قطاع الطاقة تضمنت عدة ركائز، منها تعزيز وتنويع وتحسين كفاءة الطاقة، ومعالجة تراكم الديون والتخلص التدريجي من الدعم في المجتمع، وتحسين وتحديث قطاع النفط والغاز، وتشجيع استثمار القطاع الخاص. وفي عام 2016، تم إطلاق مشروع تطوير وتحديث قطاع البترول، وأدى ذلك إلى أن تصبح مصر في ترتيب متقدم بعد نيجيريا والجزائر كمنتج للغاز في قارة إفريقيا، فضلًا عن الدور الحيوي…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

بدءًا من أواخر عام 2014 بدأ الاستثمار والنمو الاقتصادي في الانتعاش، حيث تم انتهاج سياسة استثمارية مستقرة والتوسع في المشاريع القومية واتّباع سياسة اقتصادية مبنية على الوضوح والشفافية على اعتبار أنها المحرك الرئيسي للنمو. وتبنت الحكومة سياسات تسهيلية لمواصلة إصلاح قطاع الطاقة تضمنت عدة ركائز، منها تعزيز وتنويع وتحسين كفاءة الطاقة، ومعالجة تراكم الديون والتخلص التدريجي من الدعم في المجتمع، وتحسين وتحديث قطاع النفط والغاز، وتشجيع استثمار القطاع الخاص. وفي عام 2016، تم إطلاق مشروع تطوير وتحديث قطاع البترول، وأدى ذلك إلى أن تصبح مصر في ترتيب متقدم بعد نيجيريا والجزائر كمنتج للغاز في قارة إفريقيا، فضلًا عن الدور الحيوي الذي تلعبه في أسواق الطاقة الإقليمية والعالمية.

وبعد أن كانت مصر تستورد الغاز الطبيعي على إثر نمو الطلب المحلي وانخفاض مستويات الإنتاج، أثارت الاكتشافات الكبيرة للغاز الطبيعي اهتمامًا كبيرًا بين المستثمرين التجاريين، مما عزز الإنتاج وسمح لمصر بتغطية الطلب المحلي وبالتصدير، فضلًا عن زيادة إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية بسبب اكتشافات الغاز الطبيعي وبشكل خاص حقل ظهر. وستتناول الورقة عرض وتحليل تطور اكتشافات الغاز الطبيعي وانعكاساته الاقتصادية على مصر:

أولًا- أهم اكتشافات ومشاريع الغاز الطبيعي في مصر:

وفقًا لوزارة البترول والثروة المعدنية، يعد حقل الغاز البري بمنطقة أبو ماضي في دلتا النيل أول حقل تم اكتشافه عام 1967، ثم تم اكتشاف حقل أبو قير البحري في البحر المتوسط عام 1969، ومن بعدها تم اكتشاف حقل أبو الغراديق في الصحراء الغربية عام 1971، ثم تتالت الاكتشافات.

 هذا وتمثل منطقة البحر المتوسط النصيب الأكبر من إنتاج الغاز الطبيعي بمصر بنسبة %62، تليها دلتا النيل بنسبة 19%، ثم الصحراء الغربية بنسبة 18%، ومن أهم الشركات العاملة على استخراج الغاز الطبيعي شركة بتروبل، وشركة خالدة، والشركة الفرعونية، وشركة بدر الدين، وشركة البرلس، وإيني الإيطالية، وأباتشي الأمريكية، وبي بي الإنجليزية، وشل الهولندية.

ونفذت مصر عدة مشاريع كان من شأنها زيادة إنتاج الغاز الطبيعي، ومن هذه المشاريع بحسب خريطة مشروعات مصر، مشروع تنمية حقل ظهر وتبلغ مساحة الحقل 100 كم²، ويصل أقصى عمق فيه إلى 4131 مترًا، ويبلغ احتياطي الغاز المقدر في الحقل 30 تريليون قدم مكعب (تعادل حوالي 5.5 مليارات برميل من المكافئ النفطي)، وتم اكتشاف الحقل في عام 2015 ليبدأ أول إنتاج له في عام 2017، ويعتبر أكبر كشف غاز طبيعي بالبحر المتوسط ومن أكبر اكتشافات الغاز الطبيعي بالعالم.

وهناك مشروع تنمية حقل غاز نورس بمنطقة دلتا النيل، ويقدر احتياطي الحقل بحوالي 2 تريليون قدم مكعب، من خلال حفر وإنشاء 15 بئرًا، بتكلفة 290 مليون دولار، وتم الانتهاء من جاهزية الخط في شهر مارس 2019، وتم التشغيل في منتصف شهر مايو 2019، ويهدف إنشاء الخط إلى نقل حوالي 700 مليون قدم مكعب يوميًا من إنتاج حقل نورس إلى مصنع غازات الجميل لزيادة استخلاص البوتاجاز والمتكثفات.

ومشروع تنمية حقل أتول بشمال دمياط، الذي يضيف إنتاجًا يقدر بنحو 350 مليون قدم مكعب غاز يوميًا، و10 آلاف برميل متكثفات يوميًا، من خلال 3 آبار بتكلفة 855 مليون دولار.

ومشروع تنمية حقول شمال الإسكندرية وغرب دلتا النيل، ويقدر إجمالي استثمارات تنمية الحقول بحوالي 10.5 مليارات دولار، حيث تم بدء الإنتاج من حقلي ليبرا وتورس في مارس 2017 بمعدل 720 مليون قدم مكعب/يوم، وتم بدء الإنتاج من حقلي جيزة وفيوم في فبراير 2019 بمعدل 400 مليون قدم مكعب/يوم، وتبلغ معدلات الإنتاج حاليًا من حقلي جيزة/ فيوم 585 مليون قدم مكعب/يوم، وكان من المخطط البدء في الإنتاج من حقل ريفين في شهر أبريل 2020 بمعدلات إنتاج 850 مليون قدم مكعب/يوم، وذلك بحسب وزارة البترول والثروة المعدنية.

هذا بالإضافة إلى مشروع المرحلة التاسعة-ب بحقول غرب الدلتا بالمياه العميقة، ومشروع تنمية منطقة جنوب غرب بلطيم – بالبحر المتوسط، ومشروع تنمية حقول منطقة دسوق المرحلة (ب).

ثانيًا- تطور إنتاج واستهلاك مصر من الغاز الطبيعي:

حققت مصر زيادة في استهلاك الغاز الطبيعي لازمها ارتفاع في الإنتاج في السنوات الأخيرة، واستطاعت مصر على إثر ذلك تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز. وفيما يلي تطور إنتاج واستهلاك الغاز الطبيعي في مصر:

  • تطور إنتاج الغاز الطبيعي في مصر

شكل رقم (1): تطور إنتاج الغاز الطبيعي في مصر خلال الفترة 2013/2014 – 2019/2020

القيمة: بالمليون طن

المصدر: وزارة البترول والثروة المعدنية.

يبين الشكل السابق تسجيل مصر أعلى إنتاج من الغاز الطبيعي عند 49.6 مليون طن عام 2018/2019، إلا أنه تراجع قليلًا ليصل إلى 47.4 مليون طن خلال عام 2019/2020، وذلك بفعل التأثير السلبي الذي تسببت فيه الجائحة على الطلب والأسعار، وفي نفس الوقت بمقارنة تطور إنتاج الغاز خلال الفترة السابقة سنجد أنه شهد قفزة هائلة، حيث ارتفع الإنتاج من 39.2 مليون طن عام 2013/2014 ليصل إلى 47.4 مليون طن عام 2019/2020.

  • تطور الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي في مصر

شكل رقم (2): تطور استهلاك الغاز الطبيعي في مصر خلال الفترة 2013/2014 – 2019/2020

القيمة: بالمليون طن

المصدر: وزارة البترول والثروة المعدنية.

بحسب وزارة البترول والثروة المعدنية، فقد تراجع الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي خلال عام 2019/2020 ليصل إلى 44.8 مليون طن مقارنة بنحو 46.5 مليون طن عام 2018/2019، وبذلك غطى إنتاج مصر من الغاز الطبيعي الاستهلاك المحلي لتحقق فائض إنتاج بلغ 2.6 مليون طن عام 2019/2020، ونجد أن الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي توزع بين قطاع الكهرباء بحوالي 60.4% وقطاع الصناعة 23% من إجمالي الاستهلاك.

ثالثًا- أبرز استخدامات الغاز الطبيعي:

بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي توجهت الدولة نحو الاستغلال الأمثل لموردها الطبيعي الفائض، وهو الأمر الذي توافق مع التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة لتقليل أثر التقلبات المناخية ولمواجهة أزمة الاحتباس الحراري الذي يعاني منه العالم، فتبنت الدولة سياسة تحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعي، وتوسعت في عدد من محطات الوقود لتموين السيارات بالغاز. أيضًا كان من أهم استخدامات الغاز الطبيعي التوجه نحو توصيل الغاز الطبيعي للوحدات السكنية. ويبين الجدول التالي التطور في أبرز استخدامات الغاز الطبيعي:

جدول رقم (1): تطور أبرز استخدامات الغاز الطبيعي خلال الفترة 2013/2014 – 2019/2020

المصدر: وزارة البترول والثروة المعدنية.

منذ منتصف التسعينيات وتعمل مصر على تنفيذ مشروع تحويل السيارات لتعمل بالغاز الطبيعي، لإدراك الدولة أهمية كون الغاز الطبيعي هو أنظف الهيدروكربونات ومن أقل تلوثات الهواء الناتج عند احتراقه، ومع ما حققته الدولة من اكتشافات تم التوسع في مشاريع استخدام الغاز الطبيعي في السيارات والمركبات، ليبلغ عدد المركبات التي تعمل بالغاز الطبيعي 318.3 ألف مركبة عام 2019/2020 لتمثل أعلى عدد من المركبات التي تعمل بالغاز الطبيعي خلال الفترة المذكورة.

أيضًا وفقًا لخريطة مشروعات مصر التي حددتها الدولة، فقد استهدفت الدولة متابعة وتنفيذ مشروع توصيل الغاز الطبيعي للمنازل حيث سعت الحكومة لرفع معاناة المواطنين الذين يعانون فى الحصول على أسطوانة البوتاجاز، وبدأت الحكومة بتنفيذ المشروع في 11 محافظة هي: الجيزة – الإسكندرية – الإسماعيلية – القليوبية – المنوفية – الدقهلية – قنا – الغربية – أسوان – سوهاج – مرسى مطروح، ليستفيد منها 1.7 مليون وحدة سكنية عام 2019/2020 مقارنة بما كانت عليه 666 ألف وحدة خلال عام 2013/2014.

مما سبق يمكن القول إنه مع اتّباع مصر استراتيجية التوسع في مشاريع واستثمارات الغاز الطبيعي والاكتشافات الكبرى الحديثة التي زادت من احتياطياتها مع إمكانات قوية لمزيد من الاكتشافات مستقبليًا، فإنه من المتوقع أن يصبح الغاز الطبيعي أكثر أهمية لمستقبل الطاقة في مصر، خاصة مع تحول مصر نحو مصادر الطاقة الأقل تلوثًا، كما أصبحت مصر الآن في وضع يمكنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتلبية احتياجات النمو في الطلب المحلي، فضلًا عن تصدير كميات من الغاز الطبيعي المسال بلغت 1.6 مليار متر مكعب في الربع الأخير من عام 2020 بحسب مجلس الوزراء.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية