صدر الكتاب عن مؤسسة إيكونوميك للنشر، فرنسا، ونُشر عام 1999، في سلسلة حملات واستراتيجيات، وعدد صفحاته 392 صفحة.
ومؤلف الكتاب هو بيير رازو Pierre Razouk، مؤرخ متخصص في الصراعات المعاصرة، وله خبرة في العلاقات الدولية وقضايا الدفاع، حاصل على الدكتوراه من جامعة مونبلييه عام 1997 عن حرب أكتوبر، عضو في اللجنة الفرنسية للتاريخ العسكري، مثل فرنسا في الندوة الدولية التي عقدت في واشنطن في أكتوبر 1998 بمناسبة مرور 25 عامًا على حرب أكتوبر. كما شغل هيئة بحثية[1] متعلقة بالشرق الأوسط في مركز الدفاع التابع لحلف شمال الأطلسي (NATO Defense College) في روما.
يتضح من مقدمة الكتاب أن رازو اعتمد في إعداد دراسته على قاعدة من المعلومات محورها الأساسي هو الاتصالات والمقابلات مع عدد من الشخصيات التي عاصرت الحرب أو شاركت في أحداثها، فضلًا عن زيارته لبعض المواقع المرتبطة بالعمليات العسكرية. وكانت منهجيته تعتمد على التحليل العسكري والاستراتيجي، مدعومًا بمنهج تاريخي.
لعل أهم الأهداف التي سعى المؤلف لتحقيقها: دراسة أسباب اندلاع الحرب، وتحليل الأزمة التي واجهتها إسرائيل، وتفسير أسباب المفاجأة الاستراتيجية والإخفاق الاستخباراتي الإسرائيلي، ثم دراسة تطور العمليات العسكرية على الجبهتين المصرية والسورية، وتحليل العمليات الجوية والبحرية والبرية، إلى جانب دراسة تأثير الحرب الباردة والصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في مسار الحرب ونتائجها. كما اهتم المؤلف بالدروس العسكرية والاستراتيجية التي يمكن استخلاصها من تجربة أكتوبر.
وبذلك فإن الكتاب لا يكتفي بالإجابة عن سؤال: «ماذا حدث في حرب أكتوبر؟»، وإنما يهتم بصورة أكبر بأسئلة من نوع: لماذا اندلعت الحرب؟ ولماذا تمكنت الجيوش العربية من تحقيق عنصر المفاجأة؟ ولماذا أخفقت إسرائيل في استثمار تفوقها العسكري؟ وكيف حاولت استيعاب الهزيمة؟ وما الدور الذي لعبته القوتان العظمتان في تطور الحرب ونهايتها؟
يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلًا، وتكشف هذه البنية عن رغبة المؤلف في الانتقال من تحليل الأسباب والظروف السابقة للحرب إلى دراسة العمليات العسكرية، ثم الانتقال في النهاية إلى المستوى السياسي والدولي، ويبدأ بقضايا تتعلق بإمكانية التنبؤ بالحرب والاستعداد لها، فضلًا عن دراسة التوازن النوعي بين القوات المتحاربة. وهذه النقطة ذات أهمية خاصة، لأنها تكشف أن المؤلف لم يعتمد على مقارنة عددية بسيطة بين الجيوش، وإنما اهتم بعناصر القوة النوعية، مثل التسليح، والتدريب، والقدرات العملياتية، ونظم الدفاع الجوي، واستخدام الصواريخ، وقدرة كل طرف على توظيف إمكاناته ضمن خطة عسكرية متكاملة.
ثم ينتقل الكتاب إلى دراسة الخطط العربية للحرب، وهو جانب مهم لأنه يعيد النظر في التصور الذي ساد في بعض الكتابات الإسرائيلية والغربية حول محدودية التخطيط العربي، ويولي رازو اهتمامًا واضحًا بالإخفاق الاستخباراتي الإسرائيلي، وهو من أهم محاور الدراسة، خاصة في ضوء وجود مؤشرات وتحذيرات لإسرائيل لم تُترجم إلى تقدير صحيح للنوايا مصر وسوريا، بعد ذلك يعرض المؤلف تطور العمليات في سيناء والجولان والانتصارات المصرية السورية، ثم يناقش استعادة إسرائيل للعمل العسكري تدريجيًا بعد الدعم العسكري الأمريكي اللامحدود، وخصص مساحة واضحة لتحليل العمليات الجوية والبحرية والبرية، وهو ما يمنح الكتاب قيمة عسكرية، لأنه لا يكتفي بالحديث عن نتائج المعارك، وإنما يحاول تفسير القرارات والقدرات التي شكلت مسارها.
في الفصول الأخيرة ينتقل المؤلف من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي والدولي، ليتناول تحول الحرب إلى أزمة دولية ارتبطت بصورة مباشرة بالتنافس الأمريكي السوفيتي. وهذه النقلة في بنية الكتاب تكشف عن رؤية رازو للحرب باعتبارها حدثًا تجاوز حدود ساحات القتال إلى النظام الدولي نفسه.
تتمثل إحدى أهم نقاط قوة الكتاب في الجمع بين المستوى العسكري والمستوى السياسي، في الكتاب لا يتعامل مع الحرب باعتبارها سلسلة من المعارك المنفصلة، وإنما يربط بين نتائج العمليات العسكرية وبين المواقف السياسية للقوى الكبرى، وهو ما يسمح بفهم أفضل للمرحلة الأخيرة من الحرب، كما يتميز الكتاب باهتمامه بالتفاصيل والخطط العسكرية، فقد منح المؤلف مساحة كبيرة من صفحات الكتاب لتحليل الجبهتين المصرية والسورية، وتناول التحركات العسكرية وردود الأفعال والقرارات التي اتخذها قادة الجيوش. وهذا الجانب يجعله ذا أهمية خاصة للباحثين في التاريخ العسكري والاستراتيجي.
من نقاط القوة أيضًا استخدام الخرائط والجداول والرسوم الإحصائية والوثائق في الجزء المخصص الملاحق والمواد التوضيحية. وهذه الأدوات لا تمثل مجرد إضافة شكلية، وإنما تساعد القارئ على فهم اتجاهات العمليات وتوزيع القوات وطبيعة التحركات العسكرية.
يُضاف إلى ذلك تنوع قاعدة البحث؛ في المؤلف يصف منهجه بأنه متعدد التخصصات، وهو وصف مناسب لطبيعة العمل بالفعل. فالحرب لا يمكن فهمها من خلال التاريخ العسكري وحده، وإنما تحتاج إلى توظيف أدوات من العلاقات الدولية والاستراتيجية والجغرافيا والتاريخ السياسي والدراسات العسكرية.
كما أن استخدام مصطلح “حرب أكتوبر” في عنوان الكتاب يمثل نقطة جديرة بالملاحظة، لكنه لا يكفي وحده للحكم على حياد المؤلف، الذي جانبه في نقاط مهمة من الكتاب وبخاصة ثغرة الدفرسوار، في اختيار المصطلح يمكن أن يعكس رغبة في تجاوز التسمية الإسرائيلية الشائعة «حرب يوم كيبور»، إلا أن الحياد العلمي ينبغي أن يُقاس بصورة أساسية من خلال طبيعة التحليل وتوزيع الاهتمام بين أطراف الصراع، وليس من خلال عنوان الكتاب وحده.
رغم القيمة العلمية للكتاب، فإن هناك بعض الملاحظات التي ينبغي أخذها في الاعتبار. وأهمها ما يتعلق بما يمكن وصفه بـ حدود قاعدة المصادر، ومن الأدق علميًا عدم القول إن الكتاب يعاني «قلة المصادر» بصورة مطلقة، لأن المؤلف اعتمد على مصادر وشهادات وزيارات ومعلومات متعددة، وإنما يمكن القول إن بعض جوانب الدراسة كانت ستزداد قوة لو قورنت بصورة أوسع بالوثائق الرسمية ومحاضر الاجتماعات والوثائق الاستخباراتية التي أصبحت متاحة لاحقًا. كما أن شهادات المشاركين، مهما كانت أهميتها، تظل بحاجة إلى المقارنة بمصادر مستقلة بسبب احتمال الذاكرة الانتقائية أو محاولة تبرير القرارات التي اتخذها أصحابها.
أما أكثر النقاط الجدلية في الكتاب فهي الحكم على نتائج الحرب، حيث أعطى ما قامت به إسرائيل في ثغرة الدفرسوار أكثر من حجمه وضخمه بشكل واضح ووضعه في شكل انتصار عسكري وهو غير متفق مع النتائج التي انتهت إليها الحرب؛ فقد أُجبرت إسرائيل على الانسحاب ليس من الدفرسوار وحدها بل من سيناء كلها؛ وخسرت خسائر فادحة في الأرواح قياسًا بتعداد سكان إسرائيل وأيضًا فادحة في المعدات باهظة الثمن التي لم تكن تملكها مصر أو سوريا. سُجّل ذلك كله في وثائق رسمية.
لقد حققت مصر وسوريا نجاحًا استراتيجيًا مهمًا في الحرب وحققت عنصر المفاجأة، وعبر الجيش المصري قناة السويس، وحطم التصورات الإسرائيلية حول استحالة اختراق التحصينات الإسرائيلية، لذلك فإن التقييم الأكثر دقة يميز بين النتائج التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية والسياسية، وكان عبور قناة السويس مرحلة أساسية من خطة الحرب، وارتبط بهدف استراتيجي أوسع يتمثل في إجبار إسرائيل على الخروج من سيناء، لقد كانت نتائج الحرب العسكرية سببًا رئيسًا في إنتاج مسار سياسي جديد، ظهر بصورة أوضح في المفاوضات التي تلت الحرب، ثم عقد اتفاقية كامب ديفيد وبعدها معاهدة السلام 1979.
لقد نظر رازو إلى حرب أكتوبر باعتبارها نقطة تحول في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وفي التوازنات الاستراتيجية للشرق الأوسط، وأظهرت الحرب أن التفوق العسكري الإسرائيلي قبل الحرب لم يكن كافيًا لمنع المفاجأة الاستراتيجية أو منع الجيوش العربية من تحقيق نجاح عسكري مؤثر، كما كشفت قدرة مصر وسورية على تطوير قدراتها العسكرية ووضع خطط عملياتية أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا في بعض التقديرات العسكرية السابقة على الحرب، وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب أن القوة العسكرية وحدها لم تحسم نتائج الصراع، وتداخلت معها الضغوط السياسية والدبلوماسية والقوى الكبرى والتحولات الإقليمية، ومن هنا تأتي أهمية انتقال الكتاب في نهايته من دراسة المعارك إلى دراسة البيئة الدولية التي أحاطت بالحرب.
خلاصة الأمر أن كتاب بيير رازو دراسة مهمة في التاريخ العسكري والاستراتيجي لحرب أكتوبر، تتميز بتعدد مستويات التحليل، والاهتمام بالتخطيط والعمليات، وتحليل الإخفاق الاستخباراتي الإسرائيلي، وربط مسار الحرب و الصراع الأمريكي السوفيتي، رغم محاولته تضخيم ما قامت به إسرائيل في ثغرة الدفرسوار، مثلما فعل كثير من الكتاب الغربيين. وكان الكتاب يحتاج إلى الاستعانة بالمصادر العربية والحذر من شهادات المشاركين باعتبارها حقائق نهائية دون اختبارها بمصادر أخرى. وعليه، فإن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في كونه يقدم «الحكم النهائي» على حرب أكتوبر، وإنما في كونه يقدم تفسيرًا أوروبيًا عسكريًا واستراتيجيًا للحرب، يمكن الاستفادة منه ومقارنته بمدارس تفسيرية أخرى. ومن ثم فإن أفضل طريقة هي التعامل معه بوصفه مصدرًا تحليليًا مهمًا ضمن منظومة أوسع من المصادر، وليس باعتباره مصدرًا وحيدًا لتحديد طبيعة الانتصار أو الهزيمة أو النتائج النهائية للحرب.
مدير وحدة دراسات حضارة مصر































