تركز عديد من الأدبيات التي تناولت نصر أكتوبر على صلابة الوضع الأمني خلال مرحلة العبور وتعزيه بالأساس إلى حالة الوعي الفائقة التي سادت المجتمع المصري في تلك الفترات المجيدة حتى أن بعضها قد روج –بشكل من المبالغة ودون سند رقمي أو رسمي– بأنه “لم تسجل حالة سرقة واحدة” وقت اندلاع الحرب، ورغم أن هذا التقييم –وفقًا للأرقام والبيانات الرسمية– في مجمله صحيحًا، فإن هذا النمط من التعاطي قد قلص من تسليط الضوء الكافي والعادل حتى الآن على الدور المشهود والتاريخي الذي اضطلعت به الشرطة المصرية في الحفاظ على الأمن العام في مصر خلال سنوات الإعداد للحرب وخلال مرحلة العبور. حيث تصدت بِثبات لحالة الإحباط المُجتمعي على وقع هزيمة 1967، ونأت بنفسها عن الدخول في مُعتَرَكات وصِراعات سياسية، وتفاعلت بإيجابية مع مُطَالبات الشارِع غير المُنقَطِعة بتحرير أرض سيناء المُحتَلَة، وتعاملت بكل حزم مع انتشار الجريمة وظواهرها، حفاظًا على الأصول المملوكة للدولة والمواطنين؛ مما قَلّصَ من استنزاف ماليات الدولة المحدودة، التي كانت مصر في أمسّ الحاجة لكل قرش منها بَغية تقوية وتسليح الجيش، استعدادًا ليوم الثأر.
تكشِف تقارير وزارة الداخلية في شهر الحرب المجيدة، وفي عامها المُسَجَل رقمه في ذاكرة المصرين بمِداد من فخر وعزة، وحتى فيما قبلهما من سنوات ست، شهدت حرب استنزاف فَتَاكة لقُدرات المُعتدي على طول خط الجبهة وبعمق سيناء المصرية، صورة مُغايرة لحالة الوضع الأمني الداخلي، الذي وقع فداءً لِضَبتِه شهداء أبرار من قوى الشرطة المِصرية، رابضًا بَعضُهم في مِنطقة القناة المُلتَهِبة ليكونوا كَتِفًا بِكَتف عونًا للجيش، فيما انتشرت أغلبيتهُم بكافة مُدُن مِصر وقُرَاَها، كي يقوموا بمَهامهِم وأدوارهِم الرسَمية العديدة، التي ساهمت بِشكل يومي في تسَيير مَنظومة المُجتمع وتَيسير تفاعلاته، فأنفذوا القانون، وتأكدوا من درء الإفساد، وحيّدوا المُنحَرِفين والجانِحين، قدر ما أعانهم الله.
أرقام دالة
من المَنطِقي أن تحدث في أزمِنة التوترات والصِراعات والكوارث حالات من الانفلات الأمني؛ حيث يضعف تركيز الحكومات تجاه ملفات أمنها الداخلي، تبعًا لانشغالها بشئون أخرى أكثر حساسية وخطورة، لكن الحالة المصرية كانت مُغايرة، وربُما مُتَفَرِدة، كما هي عادتنا التاريخية في كثير من الأمور؛ حيث شَهِدَت مُعَدَلات الجرائم الجنائية تراجُعات مُستَقِرة بلغ متوسط نسبتها السنوية 4%، وذلك بين العامين 1967 وحتى 1973 -راجع الشكل التالي رقم 1-، لتُسَجِل التقارير في هذا العام الأخير وقوع 3185 جناية، تنوعت ما بين قتل وضرب وسرقة وإتلاف ممتلكات واختلاس، وغيرها من صنوف الجرائم الخَطِرة -راجع قائمة المرفقات، جدول رقم 1-.

المصدر: التقرير السنوي لسنة 1973، مصلحة الأمن العام، وزارة الداخلية المصرية، إصدار 1974.
وتجدر الإشارة إلى أن أعداد الجنايات المُرتَكَبة بمختلف أشهر العام 1973، بما فيها شهر أكتوبر، كانت متقاربة إلى حد ما –راجع الشكل التالي رقم 2-، فلم ترتفع بصورة مُبَالغ فيها على مدار هذا الشهر المذكور، ولم تختفِ من السجلات بصورة غير منطقية؛ مما دل على سلامة العمل الشُرَطي، وعلى سيره في إطاره العادي رغمًا عن بدء الحرب، وما تحمله من ظروف استثنائية، لكن ما لوحظ هو هبوط تدريجي في أعداد تلك الجنايات خلال الربع الأخير من العام، وقد يُعزى هذا الأمر إلى تشديد قوات إنفاذ القانون قبضتها الأمنية على مختلف أنحاء الدولة، تحسبًا لأي طارئ داخلي في خِضم المواجهة المُسَلَحة مع العدو.

المصدر: التقرير السنوي لسنة 1973، مصلحة الأمن العام، وزارة الداخلية المصرية، إصدار 1974.
الجنايات، على قدر خُطُورتها، ليست إلا نذرًا يسيرًا من جهود الأمن، فلقد نجح رجال البوليس بالعام ذاته في أن يتعاملوا مع أكثر من مليون جُنحَة، بمتوسط 85 ألف جنحة في الشهر الواحد، لكن هذا الرقم لم يكن هينًا إذا ما قورن بأعداد الجُنَح المُسَجَلة في العام السابق عليه 1972؛ حيث لم تكن نسبة الزيادة بين العامين سوى 0.25% بفارق 2,573 جنحة فقط –راجع الشكل التالي رقم 3-، كما كان من بين نجاحات الشُرطَة المَشهودة في عام الحرب أن تمكنت من ضبط 3800 قطعة سلاح غير مرخص، وحوالي 10 أطنان من المواد المُخدرة، والتصدي لتهريب ما مُعَادله 480 ألف جنيه من العملات الأجنبية، فضلًا عن بذل جهود مُضَاعفة لضبط جرائم التموين والتلاعب بالسلع الغذائية التي تزايدت بِشِدة، كَنَتيجة للعُسر الاقتصادي الذي نال من جموع الشعب، على إثر توجيه 13.52% من الناتج المحلي الإجمالي بين العامين 1967- 1973 للمجهود الحربي[1]، فلقد وصلت القضايا التموينية المضبوطة خلال 1973 قرابة 14 ألف قضية، بزيادة نسبتها 33% عن العام السابق عليه 1972.

المصدر: التقرير السنوي لسنة 1973، مصلحة الأمن العام، وزارة الداخلية المصرية، إصدار 1974.
صِدامات وتعبِئة
إلى جانب جهود دحر الجريمة، كان للشرطة المصرية دوران مهمان في فترة الإعداد للمعركة، أحدهما مُتَمَثل في تفريق التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات بالقوة، والثاني مُتَعَلِق بتدريب المتطوعين المدنيين للقيام بأعمال الحماية المدينة والإنقاذ بمُجتمعاتهم المَحَليّة وبالمواقع الحيوية خلف خُطوط الجبهة وبعمق البلاد. بدا الأول في نظر العامة سلبيًا وذلك لأسباب سيتم شرحها في الفقرة التالية، فيما تَجَلى الثاني بمظهر إيجابي شديد الشعبية، وهو ما سيتم توضيح أسبابه هو الآخر لاحقًا، لكن المُحَصِلة من هذا ومن ذاك كانت مُربِحة جدًا، وكان لها فَضلُها في تهيئة الأجواء الداخلية لفوز مصر في حربها المجيدة على العدو.
أولًا: تفريق مظاهر التَجَمهر والتَظَاهُرات
عاد الشعب المصري ليَتَذكر مشاهد المُظاهرات الشعبية الحاشدة، التي كانت مألوفة له من قبل في زمن الاحتلال، وذلك مع إعلان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تنحيه عن السلطة يوم 11 يونيو 1967؛ حيث نزلت مئات الألوف إلى الشوارع تطالبه بالعُدُول عن قراره، وما هي أسابيع وربما أيام، حتى بدء الحديث المدوي عن الاستعداد للمعركة، والتجهيز لاستعادة الأرض المحتلة، لتَظهَر بين الفينة والأخرى مظاهرات داعمة للدولة ولقيادتها وجيشها، لكن السمة الغالبة على تلك المظاهرات، أنها كانت تحت الرقِابة، وكان التنظيم الطليعي هو المُسَيطر على تحركاتها؛ مما أدى إلى تثبيط غالبية الانفعالات الحِراكية المُتَهورة ضد الحكومة، وخفف الضغط عن القوات المُتَصَدية لأعمال الشَغَب.
أنقلب الموقف تمامًا في عهد الرئيس السادات، فكثرة الوعود بدخول الحرب وتحرير الأرض[2]، أدت لتَمَلمُل فئات المُجتَمَع المُختَلِفة، وعلى رأسهم الطلبة، الذين اشتد حِراكهم السياسي بين العامين 1970- 1973، كما تزايدت الاحتجاجات الشعبية حِيال الأوضاع الاقتصادية والإدارية المُتَرَدية في البلاد، خاصة بين فئات العمال، ومُنتسبي قطاعات الاقتصاد غير الرسمي، وأصحاب المِهن المُهَمَشة، هذا ما أدى لاندلاع مواجهات مُتَعاقِبة من أعمال الاحتجاج، كالاعتصامات والتظاهرات التي وصِف بعضُها بالعنيف، ومنهم مثالًا أحداث شهري ديسمبر 1972 ويناير 1973، التي اشتعلت شرارتها من قلب جامعتي القاهرة وعين شمس، قبل أن تنتقل إلى الشارع، وينضم إليها ألوف المواطنين، فيما آزرهم في تلك الأحداث مجموع الباعة الجائلون بمحيط ميدان العتبة، الذين ضاقوا ذرعًا بشرطة المرافق، فنَفَسوا عن كَبتِهم بالصدام مع قوات الأمن[3].
لم تكن كل المُظاهرات والحركات الاحتجاجية عفوية أو نابعة من قلوب وعقول تريد الخير المُجَرَد لمِصر، أو تصبوا لتحسين أحوالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فهناك أيادٍ مُغرضة سعت لتوتير الوضع الداخلي، على سبيل المكايدة السياسية ضد السلطات القائمة[4]، كما كانت هناك مُمَارسات خاطئة، وإن كانت محدودة، من طرف عناصر شُرطية غير مُلتَزِمة بقواعِد عَمَلِها، تجاه مواطنين مُنَتمِين لفِئات مُجتَمَعية مُتَواضِعة؛ مما تسبب في وقوع أعمال شغب خِطرة، دُمِرَت على إثرها مُمتلكات شُرَطية، وأصول تابعة لمرافق عامة[5].
ثانيًا: تأهيل المواطنين على أعمال الدفاع المدني
أقرت الحكومة المصرية في أواخر شهر أكتوبر من العام 1968 تكوين منظمات الدفاع الشعبي المحلية بمختلف المحافظات[6]، وذلك في إطار خُطَة إعداد الدولة للحرب، لتقوم تلك المنظمات بِدعم الخطوط الخلفية للجبهة، عبر تنفيذ إجراءات وقائية لتأمين المنشآت الحيوية، ولقد انقسمت مُهِمة تلك المُنَظمَات بين الحراسة والدفاع المدني، لتتولى وزارة الحربية وفق القانون تدريب جماعات الحراسة المُسَلَحة، فيما قامت وزارة الداخلية وفقًا لاختصاصها بتدريب المتطوعين وطلاب الجامعات على أعمال الحماية المدنية، بهدف مُقابلة تأثير ضربات العدو الجوية، والتخفيف من آثار النكبات والكوارث العامة[7]، لترصد تقارير الجرائد في تلك الفترة فاعلية تلك الجهود، فدائمًا ما سبق المواطنون قوات الحماية المدنية في إنقاذ الضحايا وإخماد النيران بداخل المدن والتجمعات الحضرية، حتى أصبح التضافر المجتمعي سمة الجبهة الداخلية وقت حربي الاستنزاف وأكتوبر.
الشُرطة تُقَاتِل
شاءت الأقدار أن تنال الشُرطَة المصرية، شأنها شأن القُوّات المُسَلحَة، شرف تقديم دماء أبناءها لأجل وطننا المُفَدى، بالعمق المصري وعلى خط الجبهة، أثناء حربي الاستنزاف وأكتوبر؛ حيث تذكر لنا السِجلات الرسمية أخبار استشهاد جنود حراسة بصعيد مصر إثر غارات جوية إجرامية على أهداف مَدَنيّة لا تمت للقتال وأعمالهُ بصِلة، كما تعددت حوادث استشهاد رجال المطافي، إثر تعاملهم مع آثار الاعتداءات بالقذف المدفعي على مدن القناة الثلاث، ومنطقة الزيتيات، ومنها مثالًا حادثة يوم 10 مارس 1969، حينما ارتقى 51 شهيدًا من قوات الإطفاء بسبب انفجار صهريج مازوت كانت قد أصابته القذائف، وفَشِلت محاولات إخماد نيرانه[8].
على الجانب الآخر، شاركت قوات الشرطة بمجهود حربي فعلي أثناء معارك حرب أكتوبر؛ حيث يذكر شهود عيان من القوات المسلحة في تلك الفترة كيف عاونت الشرطة المدنية نظيرتها العسكرية في تحريك الكتائب والأولية على مختلف الطرق البرية حتى وصولهم لمِنطقة القناة، والإبقاء على وجود العناصر الشُرطيّة بمُختَلف أقسام ومراكز محافظات القناة الثلاث أثناء حرب الاستنزاف رغم تهجير السكان، بهدف تثبيت الأمن وحماية مُمتَلكات المُهجّرين لحين عودتهم؛ مما خفف الحمل عن القوات المسلحة وحمى ظهرها بتلك المنطقة الحساسة[9]، كما استُخدِمت خطوط الاتصالات الشُرَطَية للتواصل مع القيادات في القاهرة، وقت أن حاولت قوات العدو قطع منظومة الاتصالات العسكرية عن القوات المصرية في غرب القناة أثناء الثغرة.
وعلى ذكر تلك الأخيرة، تمتلئ صفحات المراجع بتفاصيل مُبِهرة عن دور ومشاركة قوات الاحتياطي المركزي (المسماة لاحقًا الأمن المركزي) في حصار القوات الإسرائيلية، التي حاولت التسلسل لما وراء خط وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 1973، كي تحتل مدينتي السويس والإسماعيلية[10]؛ حيث تحركت قوة من 1000 ضابط وجندي شُرطَة لحماية الإسماعيلية، مُسَلحَين ببنادق أتوماتيك، وهاونات عيار 60 مم، وقنابل يدوية، وزجاجات ملوتوف، وقنابل مضادة للدبابات[11]، وما أهل تلك القوات لمِثل هكذا مُهِمة هو ما حصلت عليه قبل الحرب من تدريبات عسكرية راقية على أعمال الإغارة، ونصب الكمائن، وتمييز طائرات العدو، ومقاومة الهابطين بالمِظلات، وتنفيذ الدوريات الجبلية والصحراوية؛ مما عكس صِحة ورجاحة الرؤية المستقبلية لقيادات الدولة وقت تدشين أعمال تلك القوات في عام 1971؛ حيث استشرفت إمكانية الاستفادة من تلك القوات شبه العسكرية في أعمال حربية نوعية.
فقدت الشرطة المصرية في العام 1973 ثلاثة وثمانين شهيدًا، ارتقى اثنان وأربعون منهم بمُحافظات القناة الثلاث على إثر العمليات الحربية -راجع الشكل التالي رقم4-، ولقد استشهد غالبية الضحايا بمحافظة بورسعيد بواقع سبع وعشرين حالة؛ حيث نال القصف الجوي والقذف المدفعي من مناطق عِدة بمدينتي بورفؤاد وبورسعيد، تلتها محافظة السويس التي لم تكن الأحوال الحربية فيها بأفضل من سابقتها؛ مما أدى لاستشهاد أحد عشر حالة، فيما سجلت محافظة الإسماعيلية ارتقاء أربع حالات.

المصدر: التقرير السنوي لسنة 1973، مصلحة الأمن العام، وزارة الداخلية المصرية، إصدار 1974.
رُسوخ مؤسسي
من المفارقات أن نجاحات الشرطة المذكورة أعلاه، والمُحَقَقة في زمن الحرب، وغيرها الكثير والكثير مِمن لم تسع صَفَحات التقرير بأن يتم تناولها، تمّت في وقت كانت أعداد القوات الشُرَطية قد تقلصت فيه بنسبة 15%، وذلك بين العامين 1972 و1973 فقط؛ حيث بلغ عددهم في هذا العام الأخير أقل من 102 ألف فرد حراسة، وذلك بعد أن كان عددهم في العام السابق عليه 1972 أكثر من 118 ألف فرد[12]*، ليعود الفضل في تلك النجاحات إلى التطوير المؤسسي الذي تبنته نظارة/ وزارة الداخلية بشكل دائم، وعلى مدار عُقُود من تاريخها، قبل ثورة يوليو 1952 وبعدها، حتى كونت جهازًا شُرَطيًا مُحتَرِفًا، قادرًا على تَحَمّل أعباء أمن المُجتَمَع في أحلك الظروف وأصعبها.
رسّخت الشُرطة المِصرية مكانتها كمؤسسة حيوية في كيان الدولة المصرية عبر عديد من عمليات التطوير التشريعية، والتنظيمية، والعملياتية، التي قد لا تكفي موسوعات علمية كاملة لرصدها وتوثيقها، لذلك سيكون من الملائم إلقاء إضاءات على أبرز ملامح هذا التطوير، لرسم صور إطارية عن جهود الارتقاء بمنظومة الشُرطة المِصرية، التي أوصلتها لحالة النجاح المُحَقَقة أثناء حربي الاستنزاف وأكتوبر، وهي كالتالي:
ا- التطوير التشريعي
صدر منذ ثورة يوليو 1952، وحتى اندلاع حرب أكتوبر أربعة قوانين مُتَتَابِعة لتنظيم هيئة الشرطة وشئونها، أولها كان القانون رقم 385 للعام 1953[13]، تبعها القانون رقم 234 لعام [14]1955، ثم القانون 61 لعام 1964[15]، وأخيرًا القانون رقم 109 للعام 1971[16]، ولقد ركزت تلك القوانين، بالإضافة إلى عشرات القرارات الوزارية المُكَمِلة لها، على تطوير مناخ العمل الشرطي، وفي مقدمته تطوير العنصر البشري، وهو العامل الحاسم في أي مُعادلة أمنية فاعلة.
ب- التطوير التنظيمي
كان التحديث الدائم في هيكل المنظومة الإدارية للشرطة المصرية إحدى سمات تطويرها على مر العقود، والهدف من ذلك رفع كفاء الاعمال الشُرَطية بما يُنَاسِب تَنامي وتغيير حاجة العمل الأمني، ويمكن في هذا الصدد إلقاء نظرة على مجموعة من التطويرات المُنَفَذة عام 1971، وهو العام المرتبط بتولي اللواء ممدوح سالم لمنصبه كوزير للداخلية، ذلك السياسي ورجل الدولة المُتميّز، الذي اضطلع بدور محوري في إعداد الجبهة الداخلية للحرب[17]؛ حيث جرى تقسيم الإشراف على أعمال الوزارة في عهده بين أربعة وكلاء بدلًا من ثلاثة لتحقيق مزيد من الحوكمة الإدارية، وبالتوازي جرى تدشين قطاع لأفرع الشرطة المُتَخَصِصة[18]*، كما أنُشِئ جهاز الاحتياطي المركزي (الأمن المركزي)، وجهاز العلاقات الإنسانية، فيما عُدِلت مُسَمَيات مَجموعة أخرى من الأجهزة[19]، كي تتلاقى مع طبيعة التطويرات الإدارية التي نص عليها القانون 109.
ج- التطوير العملياتي
لم تعرف المنظومات الأمنية في مصر ولا في دول العالم، النامية منها والمتقدمة، حتى منتصف السبعينات، استخدام تكنولوجيات المراقبة الرقمية، وأدوات الاتصالات فائقة السرعة وعالية الموثوقية، لذلك جرى الاعتماد على الإنسان كمرتكز وقلب للعمل الأمني، لكن أي إنسان مطلوب لمثل تلك المهمة الحيوية في بيئة محلية ودولية بدأت تواجه مفهوم العولمة، وما يَنُتج عنها من تحديات أمنية غير تقليدية، هل هو الإنسان غير المُتَعَلِم الذي يؤتى به ليحرس نقطة محددة، مثالًا بوابة أو طريق، دون أن يدري ويعي ما يحيطه ويحيط مجتمعه من أخطار جِسام، سَتَطالُه هو شخصيًا وتطال موقع حِراسته ومُجتَمَعه، ولن يكن بالضرورة فَطِن في لحظة الحسم لكيفية التعامل معها، أم الإنسان المُدَرَب على أعلى مستوى كي يستشعر بعِلمِه وعَقلِه ومَهاراتِه مَوَاطِن الخَطَر، ويتصدى لها بالطرق السليمة.
جاءت ثورة يوليو لتبعث تطوير غير مسبوق في هذا الصدد على الجهاز الشُرَطي؛ حيث أقر القانون 234 لسنة 1955 أن يكون المتطوعون للعمل بالشُرَطِة مُلمِون بالقراءة والكتابة، وأن يكون ضباط الصف من خريجي مدرسة ضباط الصف، كما أنُشِئت مصلحة تدريب الشرطة بالقرار رقم 287 لسنة 1967، تبعِها تدشين معهد أمناء الشرطة بالقرار الوزاري 1925 لسنة 1969، كي يقوم بتخريج كوادر أمنية عالية المستوى، ثم إنشاء معهد التدريب الراقي بالقرار الوزاري 1447 لسنة 1971، كي يوفر تدريبات عامة وتخصصية لضُبَاط وأفراد الشرطة، وفقًا لاحتياجات أعمالهم[20].
د- النأي عن الصراعات السياسية
أشارت مُذكرات بعض رِجَالات الدولة والبوليس في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، إلى حالة التصارع -غير الخفية- بين عدد من الأجنحة السياسية المُتَضَادة، التي أراد كل فريق من صقورها الاستحواذ على نصيب أوسع من السُلطة، لتجري مُحَاولات عديدة لتوريط وزارة الداخلية بوجه عام، وإدارة المباحث العامة (جهاز مباحث أمن الدولة لاحقًا) على وجه الخصوص في تلك المُهَاترات[21]، التي كان لها دور في إيقاع الهزيمة بالبلاد عام 1967، فضلًا عن محاولات أخرى لاجتذاب الشرطة في صفوف مراكز القوى، التي استعرت مَعارِكُها بعد العام 1970، لكن قيادات الشرطة كانت قد فَطِنت لكثير من تِلك المصائد، التي كان من شأنها أن تودي بمؤسستهم لمصير مجهول، ليس على وزارة الداخلية ومنتسبيها فقط، لكن على كل الدولة المصرية، التي كانت تتطلع في حينها لدحر الهزيمة واستعادة أرضها السليبة، لذلك بَقيت الشُرطة المِصرية مُلتَزمة بحيادها السياسي، وهو مبدأ أُثبِتَت صِحَتُهُ بالتَجارُب التاريخية، والعكس صحيح.
وختامًا يمكن الإيجاز بالقول، إن الشرطة المصرية كانت بمثابة صمام أمان وطني، ساعد على تقوية ودعم الجبهة الداخلية في لحظات حَرِجة بتاريخ مصر الحديث، لكن هذا الدور على قدر أهميته التاريخية، لا يزال مجهولًا للأجيال الجديدة؛ مما يستدعي من المُتَخَصِصِين أن ينظروا إليه بعين نقدية مُغَايرة، حتى نستخلص منه دروسًا وعِبرًا كثيرة، تُعلي لدينا ولدى أبنائنا قيم الانتماء والتضحية والفداء.
قائمة المرفقات
جدول رقم 1: عدد الجنايات المُرَتكَبة في بحر عام 1973، وتصنيفها وفقًا لنوعها.
| إجمالي عدد الجنايات المُرتَكَبة في عام 1973 | 3185 جناية | ||
| قتل | 1,241 | ضرب أحدث عاهة | 436 |
| ضرب أفضى للموت | 340 | اختلاس | 244 |
| سرقة | 203 | تهديد | 154 |
| رشوة | 138 | هتك عرض | 122 |
| حريق عمد | 66 | تزوير أوراق رسمية | 63 |
| عود للجريمة | 54 | التجمهر | 44 |
| إتلاف مزروعات | 17 | تزييف أموال ومسكوكات | 16 |
| خطف | 15 | تعطيل مرافق الاتصالات | 8 |
| تعطيل وسائل النقل | 4 | تسميم ماشية | 1 |
| جنايات أخرى | 19 | – | – |
المصدر: التقرير السنوي لسنة 1973، مصلحة الأمن العام، وزارة الداخلية المصرية، إصدار 1974.
ملاحظة: غير وارد في هذا الجدول عدد حالات قتل الأطفال مجهولة النسب، والوارد عددها 24 جناية في هذا العام.
[1] بسنت جمال، تقرير بعنوان “اقتصاد العبور: كيف أدارت مصر مواردها الاقتصادية حتى حرب 1973؟”، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 6 أكتوبر 2024.
* ملاحظة تكميلية: بلغ مجموع ما انفقته مصر على التسلح بين العامين 1967- 1973م أكثر من 6.7 مليار دولار أمريكي.
[2] مثال لتلك الوعود ما أطلقه الرئيس السادات في خطابه بختام الدورة الأولى للمؤتمر القومي الثاني للاتحاد الأشتراكي العربي في 26 يوليو 1971، حيث قال أن عام 1971 هو عام الحسم العسكري، لكنه عاد في 12 يناير 1972، واثناء كلمته في مجلس الأمة، ليبرر تأجيل فكرة الحرب، بكون الظروف الدولية غير مواتية، تبعًا لانشغال الأمريكيين والسوفييت بحل مشكلة الحرب الهندية الباكستانية المندلعة الثالث من ديسمبر 1971م.
[3] منال رزق حمودة، كتاب “حركات الاحتجاج الأجتماعي في مصر 1970- 1981″، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2019.
[4] راجع خطاب الرئيس السادات في مجلس الشعب يوم 31 يناير 1973، حينما علق على اعتقالات ديسمبر 1972، التي تسببت في الأحداث السابق ذكرها، حيث كشف عن محاولة مُحَرِضين مرتبطين ببقايا التنظيم الطليعي لأن يتواجدوا في الاعتصامات والتظاهرات.
[5] راجع مثالًا احداث يوم 27 يوليو 1973، حينما قامت مجموعات من المجهولين بالاعتداء على بعض افراد الشرطة، وإحراق عدد من السيارات أمام قِسمي عابدين والدرب الأحمر.
– منال رزق حمودة، كتاب “حركات الاحتجاج الأجتماعي في مصر 1970- 1981″، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2019.
[6] القانون رقم 55 لسنة 1968 بشأن منظمات الدفاع الشعبي ، العدد 44، الجريدة الرسمية، 31 أكتوبر 1968.
[7] تقرير صحفي بعنوان “هدايا العدو الماكرة والقنابل الزمنية”.. ماذا سجل أرشيف “الداخلية” في حرب 73؟”، موقع مصراوي الإخباري، 11 أكتوبر 2018.
https://www.masrawy.com/news/news_cases/details/2018/10/11/1442909
[8] المجلد الرابع من موسوعة بعنوان “الشرطة المصرية عبر التاريخ الوطني”، وزارة الداخلية، القاهرة، 2009.
[9] لواء أ.ح دكتور/ محمد قشقوش، مقال “ذكرى نصر أكتوبر 1973: ودور الشرطة في هذا النصر”، العدد 247، السنة الثانية والستون، مجلة الامن، أكتوبر 2019.
[10] فخامة الرئيس الشهيد/ محمد أنور السادات، كتاب بعنوان “البحث عن الذات”، الطبعة الأولى، المكتب المصري الحديث، القاهرة، إبريل 1978.
[11] عميد دكتور/ تامر عبد القادر، مقال “بطولات الشرطة المصرية في حرب أكتوبر المجيدة، العدد 250، السنة الثالثة والستون، مجلة الامن العام، أكتوبر 2020.
[12]* يقُصد بأفراد الحراسة جميع عناصر الامن العاملين على الأرض، من جنود ومُخبرين وخّيالة وخُفراء، ولا يدخل في عداداهم ضباط الشرطة المُدِيرين لهم.
[13] قانون رقم 385 لسنة 1953، بتعديل قانون رقم 140 لسنة 1944 الخاص بنظام هيئات البوليس واختصاصاتها.
[14] قانون بنظام هيئة البوليس رقم 234 لسنة 1955، الوقائع المصرية، 30 إبريل 1955.
[15] قانون هيئة الشرطة رقم 61 لسنة 1964، الجريدة الرسمية، 22 مارس 1964.
[16] قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971، الجريدة الرسمية، 11 نوفمبر 1971.
[17] محمد الجوادي، كتاب بعنوان “قادة الشرطة في السياسة المصرية 1952- 2000، دراسة تحليلية وموسوعة شخصيات”، الهيئة المصرية العام للكتاب، القاهرة، 2008.
[18] هذا القطاع مسؤول عن أجهزة الشرطة ذات التخصص النوعي كالمرور، والسجون، والكهرباء، والسياحة، والدفاع المدني.
[19] محمد الجوادي، كتاب “مذكرات قادة المخابرات والمباحث”، الباب الخامس، مذكرات اللواء حسن طلعت، دار الخيال، القاهرة، 1999
[20] المجلد الرابع من موسوعة بعنوان “الشرطة المصرية عبر التاريخ الوطني”، وزارة الداخلية، القاهرة، 2009.
[21] محمد الجوادي، كتاب “مذكرات قادة المخابرات والمباحث”، الباب الخامس، مذكرات اللواء حسن طلعت، دار الخيال، القاهرة، 1999.
باحث أول ببرنامج السياسات العامة





























