د. جمال محمود صالح حمدان (1928–1993) يُعَد واحدًا من أعمق العقول الجغرافية والاستراتيجية التي أنجبتها مصر في القرن العشرين، وصاحب مدرسة فكرية متفردة في الجغرافيا السياسية والاستراتيجية، حصل على درجة الدكتوراه في فلسفة الجغرافيا من جامعة ريدنج في بريطانيا عام 1953، وأنجز خلال مسيرته العلمية نحو 29 كتابًا، و79 بحثًا ومقالة، يتصدرها عمله الموسوعي الأشهر (شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان)، الذي يُعَدّ من أهم ما كُتب في الجغرافيا التفسيرية والحضارية لمصر.
ينتمي كتاب د. حمدان ذو الأحد عشر فصلًا إلى صميم منهج (حمدان) الجغرافي-الاستراتيجي الذي طبع أعماله كلها وهي قراءة الحدث السياسي أو العسكري بوصفه محصلة لعوامل جغرافية وبشرية وتاريخية متشابكة، لا كحدث عابر منقطع الصلة عن المكان والزمان الأوسع؛ وهذا ما يفسر انطلاق الكتاب من فصل جغرافي مطوّل عن سيناء قبل الدخول في تفاصيل المعركة العسكرية والسياسية.
يوضح (حمدان) أن هدفه من الكتاب هو تقديم عرض علمي منهجي لمعركة أكتوبر، لا يكتفي بتناولها بمعزل عن سياقها، بل يضعها في إطار الصراع المصيري كله، ويرفض (حمدان) بشدة تسطيح دلالة حرب أكتوبر بردّها إلى مجرد نقيض موضوعي لنكسة يونيو 1967، مشيرًا إلى أنها حرب تحريرية عظمى، ومؤكدًا على ضرورة النظر إليها من خلال منظورها العالمي الأشمل من الإطار المحلي والإقليمي، بوصفها -في تعبيره- ليست حدثًا عسكريًا محليًا فحسب، بل لكونها واحدة من أخطر منعطفات الاستراتيجية العالمية.
في المقدمة يفتتح حمدان كتابه بتأكيد الأهمية التاريخية الفارقة لحرب أكتوبر، مؤكدًا على أن المعركة لا يُمكن فصلها عن شبكة الصراع العربي-الإسرائيلي كله، ولا عن معادلة القوة الدولية الأوسع.
“قدس أقداس مصر” يفتتح حمدان كتابه بدراسة جغرافية-استراتيجية مطولة عن شبه جزيرة سيناء، بوصفها قدس أقداس مصر، ومسرح المعركة الرئيس، ويكمل الفصل برسم الخطوط العريضة لجغرافية سيناء البشرية والعسكرية ومواردها وسكانها واستراتيجيتها وتاريخها، منتهيًا بمعنى الوجود المصري في سيناء ومستقبل هذا الوجود، في تأكيد على أن الجغرافيا عند (حمدان) ليست خلفية وصفية للحدث العسكري بل مفتاحًا تفسيريًا له.
وتحت عنوان “معركة التحرير الكبرى” يوضح حمدان كيف صاغ العدو حربًا نفسية ضارية خطط لها بعناية، وحاول من خلالها زعزعة الثقة العربية بالنفس عبر أسطورة جيش الدفاع الذي لا يُقهر، والتفوق التكنولوجي والجوي المطلق، ثم ينتقل الفصل إلى تفاصيل التخطيط لمعركة العبور بمراحلها: مقدماتها وخططها، ثم مراحلها العسكرية البارزة ابتداءً من العبور التاريخي واقتحام خط بارليف، فتحرير القاعدة الأرضية العريضة في غرب سيناء، وأخيرًا عملية التسلل الإسرائيلية المعروفة بـالثغرة في منطقة الدفرسوار وتداعياتها.
ويتحدث حمدان عن “استراتيجية المعركة” من خلال التفاصيل التكتيكية والاستراتيجية الدقيقة للمعركة، بأسلوب تحليلي عسكري رصين، فيصف ساعة الصفر وانطلاق الضربة الجوية المصرية الكبرى، كما يوثق الفصل الإطلاق المتزامن لأكثر من ألفي مدفع في قصف نيراني شامل على مواقع خط بارليف والتجمعات المدفعية والاحتياطية، تمهيدًا لعملية العبور الكبرى وتأمين رءوس الجسور، ويتناول الفصل أيضًا عنصري (المبادأة والمفاجأة) في العقيدة الاستراتيجية المصرية، تجميع القوات قبل أربعة أشهر من المعركة، ثم دفع القوات الرئيسية خلال ثلاثة أسابيع قبل الحرب، واختيار توقيت الحرب بعناية بالغة بحيث يراعي الظرف السياسي الأنسب، ويوم العطلة الأنسب، والساعة الأنسب للعبور، ويطرح المؤلف أيضًا مفهوم (الحرب الشاملة)، موضحًا أنها الحرب التي تُسخّر كل موارد وطاقات الدولة -السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب جميع صنوف الأسلحة البرية والبحرية والجوية- لخدمة العملية العسكرية وإنجاحها.
ويفرد فصلًا كاملًا عن “المعركة السورية الكبرى”؛ حيث قام بتحليل الجبهة السورية، مؤكدًا الوضع الاستراتيجي والسياسي الخاص والبارز لسوريا بين الدول العربية، بوصفها منذ العصور الإسلامية من رواد القومية العربية، وبوصف جبهتها في الصراع العربي-الإسرائيلي جغرافيًا، وقوة ضاربة عسكريًا، حافظت دومًا على التوازن مع العدو وفرضت عليه ضغوطًا استراتيجية مضادة شتتت تركيزه، ومؤكدًا على أن التنسيق الكامل بين الجبهتين السورية والمصرية في التوقيت والتخطيط والتصعيد قد شكّلا معًا كماشة استراتيجية وضعت العدو للمرة الأولى فعليًا أمام معضلة الحرب على جبهتين في وقت واحد.
وتحت عنوان “النصر لمن؟”، وجه حمدان سؤالًا ظل مسار جدل لفترة، مفاده هل كانت أكتوبر حربًا تحريرية حقًا، أم مجرد حرب تحريك لا ترقى إلى مستوى الانتصار الكامل؟ ويفتتح الفصل بدراسة موقف العدو، مؤكدًا الحقيقة الثابتة بأن العدو خسر المعركة العسكرية قبل أن تبدأ المعركة السياسية، لكنه أدار في المقابل معركة دعائية ماهرة وصاخبة على المستوى العالمي حاول من خلالها طمس معالم الحقيقة وقلب صورة الموقف.
ولما تمثله حرب أكتوبر من أهمية فقد وضع حمدان عنوانا مهما ” 6 أكتوبر والاستراتيجية العسكرية والإقليمية” أكد حمدان فيما جاء تحته على أن حرب أكتوبر تمثل ثورة استراتيجية جذرية قلبت معظم مفاهيم الحرب التقليدية وغير التقليدية، وأثرَت كثيرًا في قواعد الجغرافيا العسكرية، لدرجة أن دوائر الجيوش والأكاديميات العسكرية منكبّة على دراسة نتائجها ومغازيها، ثم انتقل إلى عقد مقارنات إقليمية بين حرب أكتوبر وأقرب الحروب المحلية شبهًا بها من النواحي العسكرية والسياسية.
لقد كان حمدان مدركًا دور العرب في الحرب لذا كان عنوان الفصل السابع: “العرب والسادس من أكتوبر” وأوضح موقع العرب من المعركة، أين كانوا قبلها، وكيف كانت تأثيرات هزيمة يونيو عليهم، ثم الانقلاب الذي أحدثه أكتوبر في دنيا العرب، ويربط الفصل بين معركة الميدان ومعركة البترول التي كانت الوجه الآخر لمعركة أكتوبر ووسيلتها المكملة، بوصف حرب البترول معركة عالمية الأبعاد بالدرجة الأولى.
يتوسع حمدان في الفصل الثامن “6 أكتوبر والعدو الاسرائيلي” في تحليل موقف العدو المتغطرس والمفتون قبل أكتوبر، وخططه ومشاريعه ونواياه وتصريحاته وعربدته واعتداءاته قبل الانتقال إلى تحليل الصورة المنعكسة في المرآة الإسرائيلية بعد الحرب، الانهيار النفسي، اختلال التوازن الاستراتيجي، سقوط الاستراتيجية الإقليمية، وأخيرًا تصدع نظرية الأمن الإسرائيلي.
وعندما وضع حمدان عنوان ” العالم والمعركة” كان حريصًا على إظهار المكانة العالمية لحرب أكتوبر؛ إذ يستهله المؤلف بمناقشة رأي يذهب إلى أن معركة أكتوبر نقطة التحول الحاسم في تاريخ العرب الحديث، أو خط التقسيم التاريخي الفاصل في الصراع العربي-الإسرائيلي، ثم يذهب أبعد من ذلك إلى أنها أيضًا -في تقديره- نقطة تحول في تاريخ العالم المعاصر وسياسته العالمية، ويحلل أثر المعركة تباعًا وعلى الترتيب على الوفاق بين القوتين الأعظم، وعلى أوروبا الغربية، وعلى أفريقيا، وأخيرًا على الولايات المتحدة نفسها مع العدو الإسرائيلي.
لم تغب احتمالات المستقبل عن حمدان فقد خصص فصلًا تحت هذا العنوان في هذا الكتاب المتميز ويميز فيه بدقة منهجية بين هدفين أساسيين للصراع بعد أكتوبر: الهدف القريب المدى، وهو إزالة آثار العدوان، أي العودة إلى ما قبل يونيو 1967 بشكل مباشر لا يقبل التأجيل أو المساومة أو حلول الأنصاف؛ والهدف البعيد المدى، وهو قضية فلسطين الأساسية بكل أبعادها التاريخية (الحق التاريخي، الوطن السليب، الشعب الطريد، والعودة)، وهو ما يعني بالضرورة أيضًا قضية الوجود الإسرائيلي والاغتصاب الصهيوني لأرض فلسطين المحتلة، كما زاد بتناول “مستقبل الصراع” في فصل أخير ناقش فيه طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي ومستقبله، واصفًا هذا الصراع بأنه مركّب ومعقد، ومتعدد الأبعاد والمستويات والأهداف، فهو صراع بقاء ومصير في وقت واحد، أي صراع وجود لا صراع حدود، صراع بين الحق والحقد لا بين حق وحق كما يزعم الصهاينة زيفًا، ثم هو صراع حضارات، وصراع قوميات، وصراع أديان أيضًا، وميدانه جغرافيًا يبدأ من المجال المحلي ليمتد إلى أطراف الأرض تقريبًا، أما تاريخيًا فامتداده يشمل الماضي والحاضر والمستقبل البعيد، كما يشير إلى تعدد أطراف الصراع، الفلسطينيين والعرب من جانب، والجبهة الصهيونية والإمبريالية العالمية -وبخاصة محور إسرائيل والولايات المتحدة- من جانب آخر.
وفي النهاية فإن الكتاب يمتاز بعمق الخلفية العلمية لمؤلفه بوصفه جغرافيًا استراتيجيًا، وهو ما يمنح تحليلاته دقة ورصانة علمية نادرًا ما تتوفر في الكتابات الصحفية أو الدعائية السريعة التي أعقبت حرب أكتوبر مباشرة، ولا يكتفي بالسرد العسكري الميداني بل يمتد إلى تحليل الأبعاد السياسية والاقتصادية والنفسية والاستراتيجية العالمية للحدث، في محاولة جادة لوضع حرب أكتوبر في سياقها العالمي.
كما يمثل الكتاب نموذجًا للجرأة الفكرية النقدية؛ إذ لا يتردد المؤلف في مواجهة الأسئلة الإشكالية والتشكيكية بشأن حجم الإنجاز العربي، بدلًا من الاكتفاء بخطاب احتفالي أحادي الجانب، ويحسب له سبقه الزمني وقربه الشديد من الحدث (إذ كُتب في الأشهر التالية مباشرة لوقوعه)، وهو ما يمنحه قيمة توثيقية كبيرة بوصفه شهادة تحليلية معاصرة من عقل استراتيجي مرموق عاصر تفاصيل الحدث ولم يكتب عنه بعد عقود من التذكر الانتقائي.
وخلاصة الأمر يُعد هذا الكتاب أحد أهم المراجع العربية التأسيسية في تحليل حرب أكتوبر 1973 من منظور جغرافي-استراتيجي شامل، وأحد أبرز الشواهد على تطبيق قراءة حدث عسكري-سياسي كبير في حينه مباشرة، قبل أن تتراكم عليها طبقات التأويل والتوظيف السياسي اللاحقة، ومرجعًا علميًا قيّمًا لدارسي الجغرافيا العسكرية وتاريخ حرب أكتوبر، لدقته التحليلية ورصانته المنهجية، وقيمة فكرية متجددة في التمييز المنهجي بين المستويين القريب والبعيد لقضية الصراع العربي-الإسرائيلي، وهو تمييز لا يزال -رغم مرور عقود على كتابته- ذا صلة وثيقة بفهم تعقيدات القضية الفلسطينية حتى اليوم.
رئيس وحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر






























