تمثّل الهوية الوطنية المصرية نموذجًا فريدًا في التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر؛ نظرًا لتعدد روافدها الحضارية وتداخل أبعادها الجغرافية والدينية والثقافية، وفي ستينيات القرن العشرين واجهت الدولة الوطنية الحديثة -التي تبلورت ملامحها عقب ثورة 23 يوليو 1952م- تحديات جسيمة ارتبطت بصياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد يجمع بين التحديث الثوري والحفاظ على الثوابت الثقافية والدينية للمجتمع.
يهدف هذا المقال إلى رصد وتحليل السلوك السياسي والثقافي للدولة المصرية خلال هذه الحقبة، وتحديدًا من خلال حدثين مفصليين، أولهما: إعلامي ذو أبعاد دينية ومعرفية تمثّل في افتتاح إذاعة القرآن الكريم عام 1964م، وثانيهما: مادي ومعماري ذو أبعاد دينية تمثّل في افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 1968م.
كما يسعى هذا المقال إلى تقديم رؤية تفسيرية تنظر إلى الحدثين بوصفهما وحدتين تحليليتين متكاملتين تعكسان فلسفة سياسية موحدة للدولة المصرية، هدفت إلى إدارة التنوع الديني وتحقيق الضبط الاجتماعي وترسيخ هوية وطنية جامعة تتجاوز الاصطفاف الديني والطائفي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
إذاعة القرآن الكريم (1964م)
في 25 مارس 1964م انطلق من القاهرة بث إذاعة القرآن الكريم كأول إذاعة متخصصة في هذا المجال، ولم يكن هذا الحدث وليد الصدفة، بل جاء استجابة لضرورات دينية وسياسية وحضارية بالغة التعقيد.
تعود القصة المباشرة للتأسيس إلى مطلع الستينيات، عندما رصدت وزارة الإرشاد القومي والأزهر الشريف قيام بعض الجهات الأجنبية بطباعة نسخ محرفة من المصحف الشريف وتوزيعها في أفريقيا وآسيا، في تلك الفترة كانت مصر تخوض معركة قيادة القارة الأفريقية ودعم حركات التحرر الوطني، وكان البُعد الإسلامي أحد الدوائر الأساسية في الفلسفة السياسية المصرية كما حددها عبد الناصر في كتابه فلسفة الثورة.
تمثلت الفكرة العبقرية التي صاغها الدكتور عبد القادر حاتم -وزير الإرشاد القومي آنذاك- في الاستفادة من التسجيل الصوتي كأداة لا يُمكن تحريفها؛ فتم تسجيل المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بصوت الشيخ محمود خليل الحصري، ليتم بثه عبر شبكة إذاعية عابرة للحدود .
إلى جانب هذا الدافع الخارجي كان هناك دافع داخلي حاسم ارتبط بالصراع مع الجماعات المتطرفة، فمع تمدد الخلايا الفكرية لتلك الجماعات أولت الدولة اهتمامًا زائدًا لمنصات الوعظ، والدعوة الإسلامية، وكانت الإذاعة بمثابة رشادة إعلامية، لهذا الاتجاه، حيث تُقدّم للمواطن جرعة دينية نقية ومضبوطة مؤسسيًا، تقطع الطريق على استغلال الدين من قبل الجماعات المتطرفة.
وأصبحت إذاعة القرآن الكريم الذراع الإعلامية الضاربة للدولة المصرية ساهم فيها علماء الأزهر ووزارة الأوقاف، ومن خلال خريطة برامجية مدروسة وتم إرساء دعائم الوسطية والفقه المذهبي المنضبط، والابتعاد التام عن الآراء الشاذة والتفسيرات التكفيرية.
استقطبت الإذاعة قامات فكرية ودينية كبرى أسهمت في تشكيل وعي الأمة، ولم يكن الخطاب الإذاعي منغلقًا بل قدّم الفقه الإسلامي في صورة تتلاءم مع متطلبات الدولة الحديثة، مؤكدًا على قيم العمل والعدالة الاجتماعية ومفهوم أولو الأمر في إطار المصالح المرسلة، وهي مفاهيم كانت تدعم بشكل مباشر التوجهات التنموية للدولة.
علاوة على ذلك تحولت الإذاعة إلى أداة جبارة من أدوات القوة الناعمة المصرية؛ إذ التقطت الشعوب الإسلامية إشارات البث عبر الموجات القصيرة، مما رسخ صورة مصر كــــــ حامية للإسلام، وعزز مكانتها الروحية في قلوب الملايين، وهو ما توازى مع دور الأزهر الشريف في استقبال آلاف الوافدين من شتى بقاع الأرض.
الكاتدرائية المرقسية بالعباسية (1968م)
في 25 يونيو 1968م احتفلت مصر بافتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديدة في حي العباسية بالقاهرة، في حدث وُصف بأنه من أعظم التظاهرات الوطنية في تاريخ مصر المعاصر.
فعندما عندما عرض البابا كيرلس السادس (بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رقم 116) على الرئيس عبد الناصر حاجة الكنيسة إلى مقر جديد يليق بمكانتها التاريخية نظرًا لضيق المقر القديم بالأزبكية، قرر الرئيس أن تُسهم الدولة في هذا المشروع بشكل فعال، وخصصت الدولة أرضًا واسعة في منطقة الأنبا رويس بالعباسية، وأرسلت شركات المقاولات العامة التابعة للدولة لتنفيذ المشروع في وقت قياسي .
لم يكن بناء الكاتدرائية مجرد مشروع إنشائي، بل كان تجسيدًا لمفهوم الدولة المصرية لحقوق أبنائها الدينية على اختلاف عقيدتهم، كما أبرزت طبيعة العلاقية الفريدة التي جمعت بين الرئيس جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس ، حيث تميزت هذه العلاقة بالثقة المتبادلة والتقدير العميق؛ إذ وجد الرئيس عبد الناصر في البابا كيرلس نموذجًا للوطنية والزهد والبعد عن التسييس الحزبي الضيق، بينما وجد البابا في الرئيس حاميًا للدولة الوطنية وضامنًا لحقوق المسيحيين ضد أي نزعات تعصبية.
جاء افتتاح الكاتدرائية في لحظة تاريخية بالغة الحساسية؛ بعد عام واحد فقط من نكسة يونيو 1967م، وكان المشهد مهيبًا وحاشدًا بدلالات رمزية عالية القيمة، حيث أصر الرئيس عبد الناصر على حضور حفل الافتتاح، رغم انشغاله بإعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف؛ ليرسل رسالة للعالم بأن الجبهة الداخلية المصرية موحدة ومتماسكة، وشارك إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي في الافتتاح، وهو حدث ذو دلالة سياسية بالغة الأهمية؛ فالكنيسة الإثيوبية كانت تابعة تاريخيًا للكرسي المرقسي السكندري، واستغلت الدولة المصرية هذه الروابط الروحية لتوطيد العلاقات السياسية وحماية الأمن المائي المصري في حوض النيل .
كما تضمن الاحتفال استقبال رفات القديس مرقس الرسول (مؤسس الكنيسة المصرية) بعد عودته من مدينة البندقية (فينيسيا) الإيطالية، بناءً على مفاوضات ناجحة قادها البابا كيرلس مع بابا الفاتيكان بولس السادس، واعتُبرت عودة الرفات انتصارًا معنويًا وحضاريًا كبيرًا لمصر، وأضافت مسحة من الفرح الروحي بددت كآبة الهزيمة العسكرية.
عكس الخطاب المتبادل في هذا الحدث فلسفة الثورة تجاه أبناء الوطن الواحد، ففي كلمته التاريخية خلال الافتتاح؛ أكد الرئيس جمال عبد الناصر على مبدأ المساواة والمواطنة الكاملة، مستخدمًا عبارات واضحة تقطع الطريق على أي تفسير طائفي للدولة، حيث قال: إن الثورة قامت من أجل الجميع، وإننا في هذا الوطن إخوة لا فرق بين مسلم ومسيحي، فالمسيحيون والمسلمون عاشوا على هذه الأرض لآلاف السنين وتوحدت دماؤهم في معارك الدفاع عن الوطن، وفي نفس الوقت رسخ البابا كيرلس السادس خطابًا كنسيًا يربط الإيمان بالوطنية الحقة، مؤكدًا على أن الكنيسة القبطية هي كنيسة وطنية حتى النخاع، تدعم القيادة السياسية بلا تحفظ في معركة التحرير واستعادة الأرض المحتلة.
الفلسفة الوطنية بين الحدثين:
إن النظر إلى إذاعة القرآن الكريم والكاتدرائية المرقسية كحدثين معزولين يحرم الناظر من إدراك الصورة الكلية لرؤية الدولة المصرية، فالحدثان يمثلان معمارًا هندسيًا واحدًا لهوية وطنية جامعة؛ ففي كلا الحدثين تظهر الدولة المصرية في ثوب (الأب الراعي)، فالدولة تعي وتدرك الابعاد الدينية للشخصية المصرية وتدعيم وتقوية مؤسساتها الدينية مسار مستمر وقوي للحفاظ على القوي الروحية للشعب المصري تحت سيادة الدولة وأهدافه الوطنية.
وإذا كانت الإذاعة قد أُطلقت لمواجهة التهديد الفكري للجماعات المتطرفة، والنسخ المحرفة للمصحف، فإن الكاتدرائية قد بُنيت لمواجهة المؤامرات الخارجية واللعب على تفتيت الجبهة الداخلية؛ ما يعنى أن كلا الحدثين كانا بمثابة أحزمة أمان للمجتمع، وفى الحالتين حرص الخطاب الإعلامي الرسمي على إبراز الحدثين كدليل على أن شخصية مصر شخصية عميقة الجذور، وعربية اللسان والمصير.
وفى الوقت الذى ركزت فيه إذاعة القرآن الكريم على هندسة الفضاء الصوتي، مستغلة التطور التكنولوجي لثورة الاتصالات في الستينيات لترسيخ الوعي اليومي، ركزت الكاتدرائية على هندسة الفضاء المكاني والمادي عبر صرح معماري ضخم يثبت وجود الجماعة الوطنية المسيحية في أبهى صورها.
لقد اتجهت الإذاعة برسالتها نحو الدائرة العربية والإسلامية الكبرى لتأكيد ريادة القاهرة الفكرية، واتجهت الكاتدرائية نحو الدائرة الأفريقية (إثيوبيا) ودائرة العلاقات المسيحية العالمية لتأكيد استقلالية ووطنية الكنيسة القبطية وقطع الطريق على أي محاولات غربية لاستغلال لبذر الخلافات والانقسامات في الجسد المصري الواحد.
لذلك يمكننا وصف النموذج المصري في تلك الفترة بأنه نموذج الدولة الوطنية الراعية للدين، فلم يسعَ الرئيس عبد الناصر إلى إقصاء الدين من الحياة العامة، بل كان يرى في الدين عنصرًا حيويًا لتعبئة الجماهير وتحقيق التماسك الاجتماعي وإضفاء الشرعية على القرارات السياسية، وضمنت هذه السياسة للدولة ألا يتحول التدين إلى قوة سياسية معارضة أو أداة في يد قوى رجعية أو مدعومة من الخارج، بل تظل الطاقة الروحية للدين موجهة لاشباع رغبات الشعب المصري الدينية وخدمة أهداف الدولة في بناء مجتمع قوي ومتماسك.
إن هذا التمازج المدروس بين المكونين الإسلامي والمسيحي تحت مظلة الدولة ترك أثرًا مستمرًا في الوجدان الشعبي المصري حتى وقتنا الحاضر، فقد أصبحت إذاعة القرآن الكريم جزءًا من الهوية السمعية للشارع المصري، يتأثر بها المسلم والمسيحي على حد سواء كرمز للاستقرار والسكينة اليومية، وفي المقابل غدت الكاتدرائية المرقسية بالعباسية رمزًا جغرافيًا ودينيا ثابتًا يذكر الجميع بوجود ومكانة الديانة المسيحية في العقل الجمعي المصري ووحدة المصير.
وكما أسست لقاءات الرئيس عبد الناصر والبابا كيرلس وزيارات شيوخ الأزهر للكاتدرائية والعكس، لـ بروتوكول وطني صارم استمر في العقود التالية بكل رؤسائه؛ حيث يُعد مشهد تلاحم شيخ الأزهر والبابا بجوار رئيس الدولة في المناسبات الكبرى التعبير الأسمى والأكثر طمأنينة للشعب عن استقرار الدولة وتماسكها الوجودي.
وفى النهاية نستطيع أن نؤكد إن إطلاق إذاعة القرآن الكريم عام 1964م، وافتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 1968م، كانا حدثين مترابطين وظيفيًا وبنيويًا، ولم يكونا مجرد استجابات عشوائية أو منفصلة لمطالب دينية؛ بل شكلا ترجمة عملية لفلسفة الدولة المصرية في صياغة هوية وطنية جامعة قادرة على مواجهة التحديات مهما كان نوعها أو مكانها.
وقد تحولت هذه السياسة إلى شبكة أمان مجتمعية منعت إضعاف الدولة في أوقات الازمات ووفر إطارًا نظريًا جديدًا لفهم سوسيولوجيا الدين والسياسة في مصر الحديثة، وعلينا الاستفادة من دروس تجربة الستينيات في صياغة استراتيجيات معاصرة لتجديد الخطاب الديني وتحصين الهوية الوطنية الجامعة، قائمة على مأسسة المواطنة الفعالة وتكامل الأدوار بين المؤسسات الإعلامية والتعليمية والدينية .
رئيس وحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر