يشكل اتساق السياسات الاقتصادية ضمن منظومة الاقتصاد الوطني في الاقتصاديات الناشئة عاملًا حاسمًا في أن تنعكس مؤشرات النمو الإيجابية بتوازن على محاور التنمية بصورة مستدامة.
وبدايةً، فتتفق تعريفات السياسات الاقتصادية في كونها مجموعة القرارات والإجراءات والأدوات التي تتخذها وتستخدمها الدولة في إدارة اقتصادها الوطني وضبط توجهاته لتحقيق أهداف تتفق مع احتياجاته وإمكانياته الحالية والكامنة. وبغض النظر عن أهداف السياسة الاقتصادية الخاصة بكل دولة إلا أن ذلك لا ينفي وجود أهداف مشتركة ترتبط بمكونات الاقتصاد الكلي مثل الوصول إلى معدلات نمو تحقق التنمية الاقتصادية اللازمة لتوفير الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين جودة الحياة للمواطنين بما يضمن أكبر قدر ممكن من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتشمل السياسات الاقتصادية جوانب من أهمها السياسات المالية (المرتبطة بالإيرادات والنفقات الحكومية) والسياسات النقدية (المرتبطة بأسعار الفائدة وعرض النقود وسعر الصرف وكبح التضخم)، والسياسات التجارية (المرتبطة بإدارة التجارة الخارجية للدولة) ولكل منها دوره في تحقيق الأهداف الكلية للاقتصاد الوطني، وذلك بالإضافة إلى السياسات على مستوى القطاعات ومن أهمها السياسات الصناعية والزراعية والخدمية.
وهنا يبرز التساؤل عن الأسباب التي تجعل سياسات اقتصادية تحقق أهدافها فتنجح دول في مواجهة التحديات وتحقيق مستهدفات التنمية الخاصة بها بينما تفشل دول أخرى.
وفي هذا الصدد يمكن القول إنّ الأسباب تتعدد وفقًا لمكونات وتحديات كل اقتصاد على حدة ، ولكننا سنتطرق إلى جانبين مهمين أولهما الاختيار الملائم للسياسات الاقتصادية وفقًا لمتطلبات الحالة الاقتصادية، وثانيهما مدى اتساق السياسات الاقتصادية ، وسيتم التعرض للجانب الأول اختصارًا بينما يتم التعرض للجانب الثاني بقدر من التفصيل:
الجانب الأول (الاختيار الملائم): يتعلق هذا الجانب بتحديد ما إذا كان يتم اختيار السياسات الاقتصادية الملائمة والصحيحة والمثمرة من عدمه، والتي تأخذ في الاعتبار المعرفة والإدراك والتقدير السليم للإمكانات الفعلية الحالية والكامنة لاقتصادها الوطني جيو اقتصاديًا وديموجرافيًا بل وجيوسياسيًا، وكذا أيضًا المعرفة والإدراك والتقدير السليم للتحديات والمنافسين والتوجهات الاقتصادية على المستوى الإقليمي والعالمي ومن ثمّ تحديد الأهداف والفرص المعززة لتحقيق ذلك.
ولا يكفي اختيار واتباع سياسات اقتصادية ملائمة لضمان النجاح في تحقيق الأهداف التنموية ، حيث أثبتت التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال (مثل كوريا الجنوبية والصين) أنّ هناك أمرين تتعثر دونهما أية سياسات اقتصادية ملائمة في تحقيق أهدافها والأمر الأول هو أهمية الحفاظ على استدامة لهذه السياسات على المدى المتوسط والطويل، فلا تُغيَّر هذه السياسات بتغير الجهة المسئولة عنها مما يعيد الأمور إلى نقطة الصفر ويسبب إرباكًا في محاور الاقتصاد الوطني والأمر الآخر هو التمتع بالمرونة التي تستجيب للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية بما تتيح تعديل وتطوير هذه السياسات ولكن في ذات الاتجاه المحقق للأهداف الكلية.
الجانب الثاني (اتساق السياسات الاقتصادية): يقصد بمفهوم اتساق السياسات الاقتصادية أن يكون هناك تنسيقٌ في القوانين والقرارات والإجراءات التي يتبعها واضعو السياسات الاقتصادية داخل الاقتصاد الواحد دون تعارض أو تضارب يؤثر على المستهدفات الكلية المؤثرة على تحقيق أهداف التنمية.
فإذا تم الاستقرار على السياسات الاقتصادية الملائمة لتحقيق أهداف الاقتصاد الوطني فلا يمكن لهذه السياسات أن يكتب لها النجاح إذا سارت كل منها بمعزل عن الأخرى بدعوى تحقيق الأهداف الضيقة لكل قطاع وهو ما لن يتحقق في هذا السيناريو.
فعلى مستوى السياسات المالية والنقدية فلا يستقيم اتباعُ سياسات مالية توسعية تقابلها سياسات تشديد نقدي بل إنّ الأمر يستدعي حسابات تتجنب هذا التضارب لضبط الأثر على كافة جوانب الاقتصاد ككل. وفي ذات السياق يتعين أن تتسق السياسات النقدية لتوازن بين أهداف كبح التضخم وأهداف التوسع في السياسات الإنتاجية (الصناعية والزراعية) بتكلفة تمويل ملائمة.
أما على مستوى السياسات القطاعية، فلا يمكن للسياسات الصناعية على سبيل المثال أن يتم تحديدها دون الاتساق مع تحركات السياسات الزراعية التي توفر جانبًا مهمًا من المواد الخام للصناعة محليًا أو مع السياسات الجمركية التي تتيح النفاذ السلس والمستدام لمستلزمات الإنتاج للصناعة الوطنية. كما لا يمكن للسياسات التجارية القائمة على فتح الأسواق للصادرات الوطنية أن يتم صياغتها وتنفيذها بمعزل عن السياسات الإنتاجية (الصناعية والزراعية) وبالتالي لا يمكن أيضًا لسياسات جذب الاستثمار الأجنبي أن تقوم بتحديد أولوياتها القطاعية وصياغة أهدافها وحوافزها دون أن تتسق مع السياسات القطاعية (صناعيًا وزراعيًا وخدميًا).
واتساقًا مع ما سبق وفي ضوء المتغيرات المتلاحقة والسريعة على مستوى التطور التكنولوجي وثورة المعلومات فلا يمكن فصل التعليم والتدريب والطلب على نوعيات مستحدثة من الكفاءات والعمالة داخليًا وخارجيًا عن منظومة السياسات الاقتصادية، وهو ما يستلزم دمج سياسات التعليم والتعلم والتدريب المستمر في منظومة السياسات المتسقة في الاقتصاد الوطني، كما لا يمكن إغفال التنسيق مع السياسة الخارجية في تقييمها للتوترات والأزمات والتغيرات السياسية الدولية والتي قد تستلزم مرونة في السياسات الاقتصادية تتيح التعامل مع الفرص والتحديات الناتجة عن ذلك.
أهمية السياسات الاقتصادية المتسقة: يوفر اتساق السياسات الاقتصادية بجوانبها المختلفة مزايا عديدة حيث يتحرك الاقتصاد الوطني ككتلة واحدة متكاملة ومترابطة المحاور نحو تحقيق الأهداف الكلية ، كما يساعد على التعامل بمرونة وكفاءة تجاه المتغيرات الإقليمية والدولية دون أن يحيد عن الأهداف ، فضلًا عن اتخاذ مواقف تفاوضية منسقة ومتسقة مع الشركاء التجاريين فلا تتجه سياسات الإنتاج الزراعي مثلًا في اتجاه يتعارض مع السياسات التجارية الهادفة لتعزيز الصادرات الزراعية، وهذا المثل ينطبق على كافة السياسات المرتبطة بقطاعات الاقتصاد المختلفة.
وعلى النقيض مما تقدم فإن عدم اتساق السياسات الاقتصادية بين محاور الاقتصاد الوطني ينتج عنه ارتدادات سلبية على مسار التنمية في الاقتصاديات الناشئة إذ لا يتحقق النمو المتوازن بين القطاعات الاقتصادية بما يخدم معدلات التنمية، وقد ينخدع واضعو السياسات بمعدلات نمو ترتفع استنادًا إلى قطاع اقتصادي دون الباقي مما قد يوحي بعدم الحاجة بصورة ملحة إلى أي نوع من اتساق السياسات الاقتصادية بالنظر إلى نسب النمو الخادعة ، التي سرعان ما تنعكس آثارها على معدلات التنمية ، ويمكن ملاحظة ذلك في تجارب الاقتصاديات التي تسير في طريق التنمية منذ عقود دون تحقيق نتائج مأمولة.
ولا تنحصر المثالب فقط على ما سبق بل تمتد إلى مناخ الاستثمار والإنتاج، حيث إنّ عدم التنسيق في السياسات الاقتصادية بين الوزارات والهيئات المختلفة سعيًا نحو تحقيق أهدافها الضيقة (كأن تطغى المستهدفات المالية على المستهدفات الاقتصادية، أو أن يتم اتخاذ إجراءات مؤثرة على استقرار الإجراءات المنظمة لنشاط اقتصادي معين)، يتسبب في عدم القدرة على التنبؤ بمسار السياسات الاقتصادية وحالة من الإرباك للمستثمر المحتمل ويؤثر على مستوى الثقة والمصداقية ويسفر عن تردده في اتخاذ قراره الاستثماري.
وأخيرًا، فإن اتساق السياسات الاقتصادية الملائمة بمحاورها المختلفة والحفاظ على استدامتها على المدى المتوسط والبعيد بمرونة تستجيب للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية والمحافظة على الاتجاه المحقق للأهداف الكلية للاقتصاد الوطني لا بدّ أن ينعكس بتوازن على محاور التنمية المأمولة للاقتصاديات الناشئة لتخرج من دائرة الفرص الضائعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[MA1]يُرجَّح أن الكلمة غير دقيقة أو سقط منها حرف؛ والمقترح: تحديد الأهداف، أو تحييد.
مدير برنامج الدراسات الاقتصادية






























