مثلت اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير 2026 لحظة مكاشفة تطوي صفحة النظام الاقتصادي العالمي القائم على القواعد وتتجاهل الآليات المؤسسية المتعددة الأطراف مع صعود نظام تحكمه موازين القوى والنفوذ الاقتصادي، وقد أدت هذه التغيرات إلى قيام القوى الاقتصادية الكبرى بإعادة حساباتها ببراجماتية تحافظ فيها على مصالحها بمنظور يأخذ في الاعتبار وضع إطار للاندماج في الاقتصاد العالمي بطريقة مغايرة لا تسمح بالخضوع لأي من آليات الإكراه الاقتصادي أو الانتقاص من سيادتها واستقلالها الاقتصادي.
وقد أتاحت القدرات الاقتصادية للقوى الكبرى مساحات للتحرك وتنويع خياراتها وتحالفاتها، ومثال ذلك ما نشهده من تحركات للاتحاد الأوروبي على المحور الآسيوي مع الهند أو على محور أمريكا اللاتينية مع تجمع الميركسور وتحركات كندا مع الصين، وكذا الهند مع الولايات المتحدة الأمريكية، لتعكس انتقال النظام العالمي إلى تحالفات ديناميكية قائمة على تعظيم المصالح وتقليل المخاطر.
وبالرغم من تركيز المحللين على تحركات القوى الكبرى فإنه نادر ما يتم التطرق إلى آثار ذلك على الاقتصاديات الناشئة في ضوء التغيرات في مسارات التجارة العالمية وإعادة توطين الاستثمارات ومراكز التصنيع، فعلى سبيل المثال بالنسبة للاتحاد الأوروبي لا يمكن إغفال التأثير على مسارات التجارة والاستثمار لقطاع المنسوجات بعد اتفاقه مع الهند أو قطاع الحاصلات الزراعية بعد اتفاقه مع الميركسور. ومن هنا يقفز التساؤل عما يتعين على الاقتصاديات الناشئة القيام به في مرحلة تتأرجح بين البراجماتية والحمائية وهل هي أزمة تستلزم المسايرة لتجنب الصدام وهو ما لا يحقق الأمان الاقتصادي (كما ذكر رئيس وزراء كندا في كلمته أمام منتدى دافوس 2026) أم فرصة للتحرك الإيجابي وإعادة تقييم نهجها الاقتصادي؟
ونعرض في هذا المجال لعدد من المحاور -على سبيل المثال وليس الحصر- التي قد تشكل أهمية للاقتصاديات الناشئة في هذه المرحلة:
- مراجعة النماذج التنموية: فرضت التحولات في الاقتصاد العالمي حالة من الانكشاف لعديد من النماذج التنموية للاقتصاديات الناشئة، فمنها -على سبيل المثال- من يعتمد على إنتاج وتصدير سلع تقليدية منخفضة القيمة المضافة إلى أسواق محدودة لتصبح تابعًا هشًا لأسواقها التصديرية، أو من يرتكن على توطين صناعات بتكنولوجيا لا تملكها ولا تتحكم بها لتصبح رهينة لتحركات الشريك الأجنبي. وبالنظر إلى التجارب التنموية الناجحة التي اعتمدت على دراسة قدراتها الحالية والكامنة، فنجد أن نموذج تايوان تخطى صغر حجم السوق بالبحث عن القيمة خارج الطلب المحلى بالتميز في تحقيق اختراقات تكنولوجية (تكنولوجيا أشباه الموصلات)، والنموذج الصيني تميز باستخدام آليات السوق الحر بتخطيط مركزي وتلبية الطلب العالمي مستندًا على قوة الطلب المحلي، مع تأمين مصادر التوريد ومسارات التجارة، أما النموذج الكوري الجنوبي فقد استند إلى تطوير الابتكار والمعرفة من الداخل بعلامات تجارية كورية لينافس في محيطه الآسيوي والعالمي، ومن ثم فيتعين أن تراجع عديد من الاقتصاديات الناشئة نماذجها التنموية في ضوء ما كشفت عنه تحولات الاقتصاد العالمي من بعض العوار في هذه النماذج بما يخفف من تداعياتها ويحقق لها مسارًا تنمويًا يحقق الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي لشعوبها.
- معالجة مواطن الضعف الهيكلية المزمنة: التي تجعل هذه الاقتصاديات في وضعية الهشاشة أمام الصدمات الداخلية والخارجية، وقد تختلف مواطن الضعف من دولة إلى أخرى وإن كان هناك اتفاق على مشكلات من أهمها: عبء الديون، انخفاض معدلات الادخار، عجز الموازنة العامة وتقلص الحيز المالي، ارتفاع مستويات البطالة، ارتفاع الأمية، ضعف الطلب المحلي الفاعل، عدم توازن مكونات الناتج المحلي الإجمالي.. إلخ. وكلها مواطن تعرقل جهود التنمية في بيئة تحوي سباقًا محمومًا لإعادة التموضع في النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
- بناء القوة الذاتية من الداخل: التي تقوم على اقتصاد حقيقي من خلال استثمار قدرات الاقتصاد المحلي الحالية والكامنة وخاصة ما يتعلق بالموارد البشرة القادرة على الابتكار وإنتاج المعرفة اللازمة للتوسع الأفقي في صناعات جديدة قابلة للإنتاج والتصدير بعلامات تجارية وطنية وفقًا لما يتيحه مؤشر التعقيد الاقتصادي والمنهجيات العلمية (مثل منهجية فضاء المنتجات) من فرص بناء على تحليل دقيق للقدرات التنافسية واحتياجات الأسواق، ولعل امتلاك بعض الأسواق الناشئة قاعدة من الطلب المحلى الفاعل يوفر قوة استهلاكية تمثل نقطة انطلاق وخط دفاع أول أمام اضطرابات الأسواق الدولية.
- سياسات استثمارية ذكية: في ضوء الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على شركائها الرئيسيين لنقل مراكز التصنيع إلى داخل الولايات المتحدة (استنكر وزير التجارة الأمريكي أثناء مشاركته في منتدى دافوس 2026 تحرك الاستثمارات الدولية وراء مناطق العمالة الرخيصة التي تسببت في هجرة الصناعات من الولايات المتحدة)، فلم تعد تدفقات الاستثمار الأجنبي تبحث فقط عن العمالة الرخيصة المعرضة لتهديدات الأتمتة والاعتماد على تكنولوجيا الروبوتات فضلًا عن تعرضها لتداعيات الحرب الاقتصادية الحالية، بل تركز أيضًا على النفاذ للأسواق، أمن سلاسل القيمة، وتجنب مناطق الصدام الجيواقتصادي، لذا فيمكن للاقتصاديات الناشئة تبني سياسات استثمارية انتقائية للانخراط في تحركات إعادة تموضع مراكز التصنيع، كما أن عليها أيضًا تجنب العشوائية في جذب استثمارات تركز على تراكم رأس المال بكيانات مجزأة بدلًا من استثمارات تلبي احتياجاتها وخططها في إطار مشروع وطني للتنمية؛ مما يتيح لها التوسع على المستوى الإقليمي والدولي بقدرات تنافسية.
- الاستثمار في الابتكار والمعرفة والبنية التحتية الرقمية: والذي يعد العامل المشترك الرئيسي للتطور الاقتصادي في جميع مكونات الناتج المحلي الإجمالي، بل أصبح ضرورة حتمية إذا أرادت الاقتصاديات الناشئة أن يكون لها موطئ قدم في النظام الاقتصادي العالمي وإلا أصبحت خارج الجغرافيا الاقتصادية والتاريخ الإنتاجي بلا مبالغة، وقد صرح رئيس وزراء بلجيكا في دافوس 2026 أن الفرق بين بلاده والولايات المتحدة في قطاع التكنولوجيا يؤدي إلى الاعتماد على تكنولوجيا لا نملكها ولا نتحكم بها مشيرًا إلى أن الصين قد تجاوزت ذلك بتركيزها على التقدم التكنولوجي، وهذا ما يفرضه عصر الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة الكمية، لذا فإن الاستثمار في التعليم ورأس المال البشري والتكنولوجيا والابتكار يقود إلى تراكم معرفي يساعد الاقتصاديات الناشئة على الانتقال من مرحلة استضافة المعرفة والتكنولوجيا إلى مرحلة الابتكار الاستراتيجي وترسيخ إنتاجها -بل وأمنها- محليًا وعالميًا.
- ديناميكية السياسة التجارية: والتي أصبحت أدواتها مجالًا للضغط الاستراتيجي؛ مما يستلزم من الاقتصاديات الناشئة السعي نحو التنويع وعدم الارتهان إلى قاعدة محدودة من الشركاء التجاريين أو الأسواق التقليدية، والعمل على معالجة التركز السلعي في قطاعات تصديرية محدودة تكون عرضة لاهتزازات السوق ودخول منافسين جدد، فضلًا عن أهمية ربط التجارة الخارجية بالاستثمار بما يساهم في تنويع الأسواق بقدرات تنافسية. كما أنه من المهم إدارة الواردات كمكون أساسي في السياسة التجارية وعنصر تفاوضي مع الشركاء التجاريين، وتجنب الوقوع رهينة لتقلبات الأسواق في سلع استراتيجية تؤثر على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي أو على سلاسل الإمداد من المواد الخام ومستلزمات الإنتاج اللازمة لدوران عجلة الإنتاج المحلي، وقد أثبتت الحرب التجارية عام 2025 وحتى الآن استخدام القوى الكبرى واردات خصومها التجاريين كأدوات ضغط (واردات المعادن النادرة من الصين وفول الصويا من الولايات المتحدة مثالًا).
ولا شك أن التطورات في الاقتصاد العالمي وإعادة هندسة منظومة التجارة الدولية تستلزم أن تتعامل معها الاقتصاديات الناشئة بسياسة تجارية تتسم بالديناميكية واليقظة والاستباقية مستعينة بالمؤشرات العلمية في هذا المجال.
- وضوح الاستراتيجيات وتعزيز الحوكمة: حيث يتعين على الاقتصاديات الناشئة وضع استراتيجيات واقعية واضحة من حيث الأهداف الرئيسية والسياسات والبرامج ضمن إطار زمني مع منظومة محكمة لمؤشرات قياس الأداء، حيث يتم أحيانًا في بعض الاقتصاديات الناشئة الخلط بين هذه العناصر دون خطوط فاصلة تربك تطبيقها على أرض الواقع ومن ثم الاضطرار إلى تعديلها (أو ما يطلق عليه تحديثها) كل فترة قد تمتد لعقود لتستمر في (فخ الإصلاح الذي لا ينتهي) دون الأثر المأمول، ولا شك أن هذه الوضعية تدفع بهذه الاقتصاديات للتركيز على سد الاحتياجات المالية على حساب الأهداف الاقتصادية ويحول الإصلاح الاقتصادي إلى إدارة أزمات متلاحقة بدلًا من مسار تنموي مستدام وتتعثر التنمية كمنظومة لصالح سياسات جزئية؛ مما يؤثر على قدرة وصلابة الاقتصاد تجاه التحديات الاقتصادية الداخلية والخارجية.
- الزمن أصل اقتصادي: والذي أصبح أحد محددات القوة الاقتصادية حيث تفرض التطورات المتسارعة على مستوى التنويع الاقتصادي وبناء التحالفات والتسارع الملحوظ في المجال التكنولوجي وضعًا غير مسبوق يؤثر في خطط التنمية بالدول الناشئة لتسابق الزمن حتى لا تظل أسيرة لتكنولوجيا لا تتحكم بها، وهو ما يستلزم إدراك أهمية عنصر الزمن وتوجيه الاستثمارات بصورة عاجلة إلى قطاعات مثل (الابتكار والتكنولوجيا والعنصر البشرى). ولا شك أن التأخر في اتخاذ القرار والتنفيذ يمثل تكلفة اقتصادية وسيادية مباشرة، لتستمر الاقتصاديات الناشئة في مواقع التبعية والهشاشة في ضوء التسارع غير المسبوق في التطور التكنولوجي بجميع القطاعات.
وأخيرًا، فإن التحولات الاقتصادية العالمية الحالية في نظام متسارع وبراجماتي بلا قواعد مستقرة ولا مؤسسات توفر الحماية يضع الاقتصاديات الناشئة في مفترق طرق؛ فإما أن تمثل لها أزمة إذا تقاعست عن تعديل منهجياتها أو تكون فرصة لبناء الصلابة وتوفر لها درعًا سياديًا اقتصاديًا يوفر الأمن الاقتصادي ويحفظ لها أمنها القومي.
مدير برنامج الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
