في ذكرى انتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973، لا تبدو العودة إلى ذكريات تلك الحرب مجرد استعادة لحدث عسكري مضى عليه أكثر من نصف قرن، وإنما تبدو فرصة لإعادة قراءة المشروع الإسرائيلي نفسه، وكيف تشكلت عقيدته تجاه الأرض والسكان والقوة، ولماذا ظل الأمن في الوعي الإسرائيلي متداخلًا، على نحو وثيق، مع التوسع والاستيطان واستخدام القوة.
فبعد مرور أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر، وبعد ما شهده قطاع غزة من تدمير واسع، وما تشهده الضفة الغربية من تمدد استيطاني متسارع، وما استقر عليه الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري من وقائع، يصبح من الصعب فهم المشهد الراهن إذا جرى التعامل معه باعتباره سلسلة أزمات منفصلة، فغزة ليست وحدها، والضفة ليست ملفًا مستقلًا، والجولان ليس مجرد أرض محتلة منذ 1967، وإنما نحن أمام حلقات مختلفة في مسار طويل تتداخل فيه العقيدة الصهيونية مع القوة العسكرية والاستيطان وإعادة تشكيل الجغرافيا.
وربما يكون أكثر ما يستحق التوقف عنده أن جذور هذا المسار لا تبدأ في 7 أكتوبر 2023، ولا حتى في حرب يونيو 1967، وإنما تعود إلى مرحلة أسبق من إعلان إسرائيل نفسها؛ عندما كان المشروع الصهيوني لا يزال في طور بناء وجوده في فلسطين، وحين سبقت المنظمات العسكرية السرية قيام الدولة، بل إن تنظيم القوة المسلحة كان جزءًا من عملية إنشاء الوجود الصهيوني ذاته.
ومن هنا تأتي أهمية عبارة تبدو قاسية، لكنها تختصر جانبًا من التاريخ الذي لا يجوز تجاهله: “عقيدة الدم والنار”؛ ليس المقصود بها عقيدة دينية، ولا وصفًا لليهود باعتبارهم جماعة، وإنما توصيف لمسار سياسي وعسكري نشأ داخل الحركة الصهيونية المسلحة، جعل القوة وسيلة للاستيطان، والاستيطان وسيلة لتثبيت الوجود، ثم جعل حماية الوجود ذريعة لتوسيع نطاق القوة والسيطرة.
وإذا كانت حرب أكتوبر قد أثبتت أن هذا المشروع ليس قدرًا لا يمكن كسره، فإن ما يجري اليوم في فلسطين وسوريا وسائر دول المنطقة يطرح سؤالًا آخر: ماذا بقي من ذلك الفكر بعد أكثر من خمسين عامًا؟ وهل تغيرت العقيدة، أم تغيرت فقط اللغة التي تقدم بها نفسها للعالم؟ لذا سيكون استعراض الفكر أولوية تسبق الالتزام بالتسلسل الزمنى لتظل المراوحة بين التواريخ والأحداث مطابقة للفكر والسردية التي يراد لنا أن نعيش في ظلالها.
عندما سبقت البندقية الدولة:
ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة تاريخ إسرائيل هو البدء من لحظة إعلان الدولة عام 1948، وكأن المؤسسة العسكرية ظهرت بعد قيامها لتدافع عن دولة قائمة بالفعل، لكن الوقائع التي يرصدها التراث البحثي الذي يستند إليه الملف تشير إلى صورة مختلفة، فقد سبقت المنظمات العسكرية السرية قيام الدولة، وكانت القوة المسلحة جزءًا من عملية بناء الوجود الصهيوني في فلسطين.
وهنا تبرز منظمة «هاشومير» ثم «الهاجاناه»، قبل أن تتحول الأخيرة بعد إعلان الدولة إلى الجيش الإسرائيلي. ويكشف هذا التسلسل شيئًا مهمًا: لم يكن الجيش مجرد مؤسسة أنشأتها الدولة، بل كانت المؤسسة العسكرية إحدى الأدوات التي ساهمت في صناعة الدولة وفرض وجودها على الأرض.
وهذه ليست ملاحظة شكلية؛ فعندما يقول ديفيد بن جوريون إن الاعتماد على الآخرين لحماية المستوطنات والمستوطنين لا يمكن أن يحقق الأمن والحرية، فإنه يقدم تفسيرًا مبكرًا للعلاقة بين الاستيطان والقوة المسلحة، وعندما يرتبط إنشاء منظمة «هاشومير» بالحراسة المسلحة للمستوطنات، ثم تصبح هذه التجربة أحد روافد «الهاجاناه»، فإننا أمام نموذج لا يفصل بين المستوطن والمقاتل، وبين إنشاء المستوطنة وبناء القوة القادرة على حمايتها.
الأكثر دلالة هو الشعار الذي أورده الملف عن بن جوريون: “بالدم والنار سقطت اليهودية، وبالدم والنار سوف تعود من جديد”، وبغض النظر عن السياق التاريخي الكامل للعبارة، فإن أهميتها في هذه القراءة تكمن في أنها تعكس مركزية القوة والعنف في تصور ذلك الجيل من قادة المشروع الصهيوني لبناء الوجود على الأرض.
وهنا ينبغي الانتباه إلى نقطة شديدة الأهمية: اللغة تغيرت، لكن الوظيفة السياسية للمصطلحات ظلت حاضرة.
ففي مرحلة مبكرة كان الحديث عن «الحراسة» و«الدفاع» وحماية الأرواح، ثم أصبح الحديث عن «الأمن»، وبعد قيام إسرائيل تحول الأمر إلى «الحدود الآمنة»، وفي العقود الأخيرة أصبح مصطلح «حق الدفاع عن النفس» حاضرًا بصورة واسعة في الخطاب الإسرائيلي والدولي.
لا يعني ذلك أن كل استخدام لمفهوم الأمن الإسرائيلي هو بالضرورة غطاء للتوسع، ولا أن المخاوف الأمنية الإسرائيلية وهمية أو مختلقة بالكامل، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمن مفهومًا مفتوحًا بلا حدود جغرافية واضحة، فيتحول من حماية الدولة إلى تبرير الاحتفاظ بالأرض، والحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية أو مجرد الاعتراف بها، وتوسيع المستوطنات، والسيطرة على الموارد والحركة والسكان.
وهنا تتضح أحد أهم أفكار هذا التحليل الأصلية: أن الاستيطان لم يكن في التجربة الصهيونية مجرد مشروع إسكان مدني منفصل عن الأمن، وإنما ارتبط منذ بداياته ببناء القوة المسلحة وتوفير البيئة الجغرافية والبشرية التي تخدم المشروع الصهيوني.
أما عام 1948، فلم يكن مجرد لحظة إعلان دولة، بل ارتبط بالحرب التي شهدت احتلال مساحات واسعة من فلسطين وتهجير أعداد ضخمة من الفلسطينيين ووقوع مجازر ارتكبتها العصابات الصهيونية المسلحة، ومن ثم فإن قراءة تلك المرحلة باعتبارها مجرد «حرب استقلال إسرائيل» تحذف من المشهد الطرف الآخر الذي دفع ثمنًا بشريًا وجغرافيًا هائلًا، وتحوّل النتيجة العسكرية إلى رواية مكتملة بذاتها.
الأساطير المؤسسة للسردية الصهيونية: من «الدفاع» إلى «الدم والنار»:
ولمزيد من الإبحار والعمق نجد أن عديدًا من الدراسات العربية الجادة تناولت هذا الفكر العسكرى الصهيوني ولعل أبرزها كتاب “العسكرية الصهيونية” الذي كان باكورة أعمال مركز الدراسات السياسة والاستراتيجية بالاهرام سنة 1972؛ حيث كشفت الدراسة دون أن تسعى إلى ذلك عن انحراف تام في مساحات التعامل السياسي والإعلامي والصحفي في كل الصراعات والأزمات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي مع هذا الإرث وهو ما أدى إلى سيادة وقوة وربما طغيان السردية والرواية والمصطلحات والتفسيرات والمبررات الإٍسرائيلية، وربما يكون الإرث والدرس الأهم هو التركيز على خدعة أن المستعمرات “المستوطنات” لها حصانة وأن المستوطنيين مدنيون لهم حصانة والتي تمنح دولة الاحتلال حقًا ليس من حقها بالدفاع عن النفس، وكيف أن المستعمرات “المستوطنات” كيانات أمنية وعسكرية تتسق مع الفكر الصهيوني؟ وكيف أن المقاومة المسلحة لتلك الكيانات تفرضها التحديات والضرورة والمصلحة رغم ما يدفعه الشعب المقاوم من تضحيات وما تتسبب فيه لدول الجوار من أزمات هي بالمعايير الاستراتيجية أقل ثمن يمكن دفعه من وجود تلك المستعمرات “المستوطنات” على حدوده المباشرة.
قام الفكر العسكري بالدور الأول والمهم في رسم السياسة الصهيونية الهادفة إلى صنع وتطوير الوجود الصهيوني بفلسطين، فترك بصماته واضحة منذ البداية على كافة المخططات والمناهج التي وضعت لإنشاء “الدولة اليهودية”، واستتبع ذلك أن تبوأت القوة المسلحة مركز الصدارة في تحقيق هذا المخطط، وصار للمنظمات العسكرية الكلمة المسموعة منذ بداية الأمر، ولعل في ذلك ما يفسر إلى حد كبير، تلك الظاهرة التي صاحبت إقامة الدولة؛ وهو ما سبق إنشاء وتنظيم المؤسسة العسكرية على إقامة الدولة ذاتها، فعندما أعلن عن قيام الدولة وأصبح لزامًا تكوين الجيش النظامي لم يتطلب الأمر سوى تغيير اسم المنظمة العسكرية السرية “هاجاناه” من “منظمة الدفاع” إلى “جيش الدفاع”… “تسهال” التي هي اختصار للكلمات العبرية “تسفا هاجانا ليسرائيل” أي: “جيش الدفاع الإسرائيلي”… وكانت عبارة “الدفاع والحراسة” التي استخدمت في العام الذي قررت فيه المنظمة الصهيونية “1907” البدء في ممارسة الاستعمار الصهيوني لفلسطين على أوسع نطاق لم تكن تعني في حقيقتها سوى “العنف والاغتصاب”…
وقد كانت أفكار ديفيد بن جوريون المعروف لديهم بـ “النبي المسلح” كفيلة بشرح أسباب إنشاء القوة العسكرية المرتبطة ببناء وتوسيع المستوطنات بفلسطين في الوقت المبكر للصراع الذي سبق عام 1948 وغلفها حينذاك بكلمات ومصطلحات خادعة مثل: “الدفاع” و”الأمن والحراسة” و”حماية الأرواح” وصولًا إلى المشهد الحالي بمصطلح “حق الدفاع عن النفس”… وكلها ألفاظ ومصطلحات لا تمثل الحقيقة ولا تشكل سندًا أو حقًا للوجود الصهيوني من أساسه؛ لأنه وجود قائم على الاغتصاب والقهر، ويقول بن جوريون في إنشاء منظمة هاشومير: ” كان من السخف أن يعتمد المستوطنون اليهود على الآخرين في حراسة محاصيلهم وحماية أرواحهم، فإذا استمر الحال على هذا المنوال فلن يتمتعوا بحريتهم قط ولن يشعروا بأنهم في أمان على الإطلاق، وإذا كان عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ولا بد من استئجار الحراس لهذا الغرض، فينبغي أن يكون هؤلاء الحراس من اليهود، وعلى ذلك أنشئت منظمة هاشومير من رجال الحراسة، كانت في الواقع طليعة الهاجاناه قوة الدفاع اليهودية السرية التي شُكلت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي لعبت دورًا عنيفًا في الدفاع عن اليهود بصفة مستمرة حتى إعلان الاستقلال في سنة 1948″.
Ben-Gurion Looks Back; In Talks with Moshe Pearlman; New York, Simon & Schuster, 1965, P.24.
وقد كانت مستوطنة “الشجرة” أول مستعمرة صهيونية تكون قوة مسلحة كنواة لمنظمة “هاشومير”، واستمر بن جوريون وبن تزفي في سعيهما نحو تحقيق “المجتمع الصهيونى المسلح”، وتعميم نظام القوة المسلحة بين المستوطنات. وبذلك تكونت منظمة هاشومير من أعضاء حزب “عمال صهيون وبعض الأعضاء القدامى من وحدات الحراسة بالخارج “دياسبورا” على نمط جماعات الدفاع الذاتي في روسيا.. ولم يكن شعارها “الحراسة والدفاع”.. بل كان شعارها الذي نادى به “النبي المسلح” بن جوريون هو: “بالدم والنار سقطت اليهودية، وبالدم والنار سوف تعود من جديد”..
المشروع القومي اليهودي الذي واكب بداية التسلل إلى فلسطين ومن بعدها مرحلة اغتصاب الأرض وتقنين الوجود اليهودي وما تلاها من مراحل التوسع كان يواجه مقاومة من مشروع مقابل وتحدٍ من حركة التحرر العربي النامية التي تمثلت قمتها في الثورة المصرية عام 1952 وهو ما تجسد في الدخول في صراع مسلح مع كل ما كانت تمثله تلك الفكرة القومية العربية وامتدادها في أفكار التحرر في المنطقة والعالم النامي وبدأت الجولات مع عداون 1956 وما تلاه من تطوير لفكرة التوسع استعدادًا لاندفاع عدواني جديد تحت ستار الحصول على “حدود آمنة”” وتمكينًا للقوات الإسرائيلية المسلحة من تحقيق مهام طموحه في أكثر من جبهة عربية وفوق أنواع عديدة من مسارح العمليات. وكانت الجولة العربية الإسرائيلية الثالثة في صيف عام 1967 ختامًا مثيرًا لهذه الحقبة التي انتهت بابتلاع أرض فلسطين كاملة؛ بل واحتلال مزيد من الأراضي العربية المجاورة.. حتى واجهت عقبة كبيرة في 6 أكتوبر 1973 التي أصابت مشروع التوسع والحدود الآمنة في مقتل أجبرت تل أبيب على القبول ببعض اتفاقيات السلام مع الدولة الأكبر في المنطقة وعدد من دول الجوار بهدف تحييدها وإخراجها من دائرة الصراع العسكرى المباشر وفقًا للمفهوم والفكر الصهيوني القديم والحديث والمعاصر، واعتمدت فكر أن الحروب تخاض بعدة وسائل وأسلحة ليست كلها عسكرية وأن هناك أوجهًا عديدة للصراع والمواجهة والتسلل والتمكين والتوسع WAR BY OTHER MEANS وتعدد الأوجه والأسلحة يشمل: السياسي والاقتصادي والإعلامي والثقافي والأمني والمعلوماتي.. وذلك ارتباطًا بالتحالف وتضافر الجهود مع القوى الاستعمارية الفاعلة وفق كل حقبة زمنية ومعطياتها وموازين القوة التي تحكمها..
وهو ما يعني في تأصيل الفكر وربط حاضره بماضية السحيق أن الصراع مع إسرائيل وجودي ويمثل تحديًا حضاريًا وتفوقًا نوعيًا مصحوبًا بمصالح وخطط واستراتيجيات لتفتيت الجبهات المضادة على مستوى الدول والمؤسسات والجماعات البشرية المحيطة.
من النكبة إلى أكتوبر.. عندما أوقف الجيش المصري مشروع «الحدود الآمنة»:
كما أشرنا لم يتوقف المشروع عند حدود الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل عام 1948؛ فقد جاء عام 1956 ليكشف مبكرًا أن القوة العسكرية ليست فقط أداة للدفاع، ثم جاءت حرب يونيو 1967 لتفتح المجال أمام احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة والجولان وسيناء.
وفي تلك اللحظة بدا أن إسرائيل حققت ما هو أبعد من الانتصار العسكري: لقد أصبحت القوة وسيلة لإعادة رسم الجغرافيا، وهنا تحديدًا تظهر أهمية حرب أكتوبر 1973 في سياق هذا التحليل، فقد كانت الحرب نقطة فاصلة لأنها كسرت، ولو بصورة مؤقتة، الصورة التي حاولت إسرائيل تكريسها بعد 1967 باعتبار أن التفوق العسكري الإسرائيلي يجعل استعادة الأرض العربية أمرًا شبه مستحيل، وعندما عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف، لم تكن المسألة مجرد عبور مائي أو اختراق تحصينات، وإنما كانت ضربة مباشرة لفكرة الردع الإسرائيلي ولصورة الجيش الذي لا يُقهر.
والأهم أن نتائج حرب أكتوبر أجبرت إسرائيل على التعامل مع حقيقة استراتيجية كانت تحاول تجاوزها: “أن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها أن تمنح الاحتلال شرعية، ولا تستطيع أن تحول السيطرة المؤقتة إلى حقيقة سياسية أبدية”، ومن ثم يمكن فهم أحد التحولات المهمة التي أعقبت الحرب؛ فقد أصبحت إسرائيل أكثر إدراكًا لأهمية إخراج مصر، الدولة العربية الأكبر والأثقل عسكريًا، من دائرة الحرب المباشرة، وتداخل ذلك مع مسار التسوية المصرية ـ الإسرائيلية الذي انتهى باتفاقية السلام.
لكن إسرائيل لم تتخلَّ عن منطق القوة. بل أعادت توزيع أدواته، فإذا تعذر تحقيق كل الأهداف من خلال الحرب النظامية، أمكن تحقيق بعضها عبر السياسة والاقتصاد والإعلام والأمن والمعلومات والاستيطان والتحالفات؛ أي أن الحرب لم تعد بالضرورة مواجهة عسكرية مباشرة بين جيشين، وإنما أصبحت صراعًا متعدد الأدوات، وهو ما يجعل قراءة العقيدة الإسرائيلية اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد النظر إلى حجم الجيش الإسرائيلي أو نوعية أسلحته.
وهنا تصبح ذكرى أكتوبر ذات معنى يتجاوز الاحتفال العسكري: لقد أثبتت الحرب أن المشروع القائم على القوة يمكن ردعه، وأن التفوق التكنولوجي والعسكري ليس نهاية التاريخ.
الاستيطان: حين يصبح المدني جزءًا من مشروع السيطرة:
ربما يكون أخطر ما حدث خلال العقود التالية هو نجاح إسرائيل في نقل الاستيطان من كونه ظاهرة مرتبطة بمرحلة تأسيس الدولة إلى منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الأرض، وفي الضفة الغربية تظهر هذه المنظومة بصورة شديدة الوضوح، فالمستوطنة لا توجد في فراغ، فهي تحتاج إلى طرق، وحماية عسكرية، وبنية تحتية، ومصادرة أراضٍ، ومناطق أمنية، وإدارة مدنية، وترتيبات قانونية، وفي كثير من الحالات إلى حماية مباشرة أو غير مباشرة من الجيش.
وبالتالي فإن القول إن المستوطنين «مدنيون» لا يجيب وحده عن طبيعة المستوطنة داخل النظام الاستراتيجي الذي نشأت فيه؛ فهناك فرق بين مدني يعيش في مدينة داخل حدود دولته المعترف بها، وبين مستوطن يعيش في تجمع أقيم على أرض محتلة، ضمن مشروع استيطاني يرتبط بشبكة من الحماية والسيطرة وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي.
وهذا لا يعني أن كل مستوطن يحمل السلاح، أو أن كل مستوطن مشارك في العمليات العسكرية، أو أن المدنيين يفقدون الحماية لمجرد هويتهم أو مكان إقامتهم، التمييز هنا ضروري للغاية، خصوصًا في أي تحليل جاد للقانون الدولي، لكن التمييز بين الوضع المدني للفرد وبين الوظيفة الاستراتيجية للمستوطنة مسألة أخرى.
فالاستيطان الإسرائيلي في الضفة لم يعد مجرد مجموعة من التجمعات السكانية المتناثرة، إنه شبكة تمتد عبر الأرض، وتعيد توزيع السكان، وتقطع أو تضيق مساحات التواصل الفلسطيني، وتنتج مصالح سياسية واقتصادية وأمنية تجعل التراجع عنها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ولذلك فإن أخطر ما في الاستيطان ليس عدد المنازل التي تُبنى كل عام، وإنما الزمن الذي يحتاجه حتى يتحول الأمر الواقع إلى واقع يبدو طبيعيًا وغير قابل للعكس، وهذه هي النقطة التي تجعل ما يحدث في الضفة الغربية اليوم امتدادًا مهمًا لفكرة قديمة في المشروع الصهيوني: السيطرة على الأرض لا تتحقق دائمًا من خلال احتلال عسكري شامل، وإنما يمكن أن تتحقق تدريجيًا عبر الاستيطان والبنية التحتية والقانون والأمن وتغيير السكان؛ أما غزة، فقد كشفت الوجه الآخر للمنظومة.
فإذا كانت الضفة تقدم نموذجًا للسيطرة التدريجية وإعادة هندسة الأرض، فإن غزة تقدم نموذجًا للاستخدام المكثف للقوة والحصار والتدمير والنزوح، وقد أظهر الملف أيضًا أهمية «غلاف غزة» داخل التفكير الأمني الإسرائيلي، ليس فقط باعتباره تجمعًا سكانيًا، وإنما باعتباره منطقة ترتبط باعتبارات جغرافية وأمنية واقتصادية وعسكرية؛ وهي قراءة تحتاج، بطبيعة الحال، إلى التمييز بين الوظيفة الاستراتيجية للمنطقة والوضع القانوني لكل فرد من سكانها.
والأكثر أهمية أن حرب غزة أعادت طرح السؤال القديم بصورة أكثر قسوة: هل تستخدم القوة العسكرية لحماية واقع قائم، أم أن القوة أصبحت وسيلة لإعادة تشكيل الواقع نفسه؟؛ إن حجم التدمير والنزوح وانهيار قطاعات واسعة من البنية المدنية في القطاع يجعل الإجابة عن هذا السؤال مسألة لا تخص العسكريين وحدهم، وإنما تتعلق بمستقبل المجتمع الفلسطيني نفسه.
خدعة “الغلاف” وحصانة المستعمرة والمستعمر:
فكر أن المستوطنة والمستوطن والبنية الأساسية للمستوطنة هو عسكري وأمني ربما يفسر أن المعارك والمواجهات التي دارت بين قوات الاحتلال والمقاومة الفلسطينية تركزت في غرب غزة وليس شرقها؛ حيث الهجوم التقليدي بدفع المدرعات والمفارز في شكل أنساق هجومية من قواعد موجود في شرق غزة وشمالها الشرقى ولكن تحليل العمليات على أرض الواقع يعكس ويقول إنها تنطلق دائمًا من تمركزات في الغرب كانت بالأساس مستعمرات “مستوطنات” لقوات الاحتلال قبل الانسحاب من القطاع في 2005 وهي نتسريم Netzarim وايلى سيناى Elei Sinai ودوجيت Dugit؛ حيث توجد أكبر نسبة من الدبابات وناقلات الجنود والآليات بالقرب من ساحل غزة لوجود بنية أساسية وطرق تعرفها جيدًا تسمح لها بقليل من المناورة وذلك غير متاح من ناحية الشرق وهو ما ينطبق على مستوطنة نيسانيت Nissanit في الشمال الشرقي؛ وهو ما يؤكد لنا أن تلك المستوطنات كانت قد شيدت من قبل قوة الاحتلال للقطاع كبنية عسكرية تتحول معها إلى نقاط ارتكاز في خطط العمليات عند إعادة اقتحام واحتلال القطاع مجددًا بدعم من المدفعية البحرية؛ مما يسمح لقوات الاحتلال بالمناورة ودفع بعض القوات في شوارع ومحاور مثل صلاح الدين ثم العودة وهو ما يسفر عدم السيطرة الكاملة على القطاع ويفسر أيضًا استمرار الهجمات والضربات الجوية التي تمنح بديلًا ومعنى أنه لم يسيطر على الأرض.
ثم نأتي إذًا إلى خدعة وسردية مستعمرات “مستوطنات” غلاف غزة، وخصوصية مستعمرات “مستوطنات” مثل زكيم وسديروت ونتيفوت وكيسوفيم وأشكول؛.. عندما نتحدث عن الغلاف فإننا نتحدث عن مساحة من الأراضي ممتدة لـ 700 كم متر مربع و50 مستوطنة حيوية ومهمة في الفكر الأمني والعسكري الصهيوني لدرجة اعتبرها بعض المحللين الإسرائيليين -وللأسف ليس العرب- أن سقوط الغلاف بتلك الطريقة التي تعرض لها في 7 أكتوبر 2023 يعنى سقوط إسرائيل ضمنيًا بعيد عن السقوط الاستخباراتي والمعلوماتي والمعنوي وانهيار نظرية الأمن والردع؛ لأن الغلاف فكرته الأمنية والعسكرية هي إقامة حاجز بشري ممتد بين الضفة الغربية وقطاع غزة بواسطة المهاجرين اليهود المقتنعين بالفكرة الصهيونية وتمنع التواصل جغرافيًا بين أراضي الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في القرارات الأممية؛ ولكن الأهم أنها تمنع التواصل والتنسيق والحشد الأمني والعسكري حال اشتعال الموقف من قبل المقاومة في القطاع والضفة.
فضلًا عن أن فكرة “الغلاف” هي ضمان عدم قطع التواصل بين مناطق بئر سبع والنقب عن الساحل البحرى أو بالتعبير الصهيوني قطع المنطقة الصحراوية عن المنطقة الخضراء والمزروعة شمالًا وتصل النقب وبئر سبع بتل أبيب؛ هذا إضافة إلى الاستفادة الاقتصادية من تلك المستعمرات رغم محدودية أعداد المستوطنين البالغة 40 ألف لأنها تمد الداخل والسوق الإسرائيلي بـ 70% من احتياجات دولة الاحتلال من الخضار والفاكهة وهو أمر بمفهوم الأمن الغذائي يضرب المحتل في مقتل ويمنح تلك المستعمرات قيمة استراتيجية وتجعل منها هدفًا استراتيجيًا عندما يستهدف من عدو أو مقاومة؛ لذا يعد زوال مستعمرات “غلاف غزة” بفعل أعمال المقاومة والاستهداف أمرًا خطيرًا بالنسبة لصانع القرار الإسرائيلي الذي عانى من نزوح المستوطنين نتيجة لحالة الهلع والرعب بعد هجوم 7 أكتوبر وقرارهم بعدم العودة إلا بعد القضاء على مصدر الخطر داخل القطاع التي قدرتها المصادر الإسرائيلية حينذاك أنها قادرة على تجهيز 150 ألف مقاتل من كافة الفصائل داخل القطاع الذي يقدر عدد سكانه بـ 2.3 مليون غزاوي معظمهم في سن الشباب والمراهقة وهو ما يعني ديمومة واستمرارية التجنيد وتجهيز البديل لما يتم تصفيته أو اعتقاله؛ وكان تقدير قوة المقاومة سببًا في الفكرة المضادة “الغلاف”.
لذا كان المخطط الصهيوني الأمني والعسكري هو السعي لإحداث توازن بين هذا التهديد القادم من القطاع وبين أعداد المهاجرين “المغتصبين” الذين يستوطنون تلك المستعمرات وتكثيف موجات الهجرة والمزايا التي تمنح لهم واستمرار تأهيل البنية العسكرية لتأمين المستوطنات والمستوطنين الذين يتم تدريبهم وتسليحهم، وإلى أن يتم ذلك وتكتمل البنية والتوازن والتدريب والتسليح المتقدم للمستوطنين فيجب وفقًا للعقيدة الصهيوينة القضاء على أي مقاومة داخل القطاع لأن الأمور لو تركت هكذا ستكون العملية القادمة تستهدف التواصل والتنسيق بين الضفة والقطاع جغرافيًا وأمنيًا.
وكانت حملات تشجيع اليهود في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية على الهجرة إلى منطقة “الغلاف” وغيرها من المستوطنات ترتكز على منح رخصة إقامة مستوطنات خاصة تصل إلى 50 منزل محاطة بالمساحات الخضراء المفتوحة وآبار المياه والبنية الألكترونية ونموذج قانوني خاص بين الحكومة في تل أبيب وبين المستوطنين يمنحهم مساحات حركة كبيرة ومزايا في ظل حماية “فرقة غزة” العسكرية البالغ عددها 12 ألف جندي وضابط يطلقون عليها مسمى “ثعالب النار”؛ والتي يروج لها على أنها تضم نخبة من أفضل الرياضيين الإسرائيليين في ألعاب القتال وكمال الأجسام والرماية والأعلى تجهيزًا وتدريبًا بين وحدات جيش الاحتلال، وذلك خدمة للنموذج الدعائي الذي يشجع على الهجرة والاستيطان “الرفاه والرخاء والأمن”؛ حتى جاءت عملية 7 أكتوبر لتضرب هذا النموذج الدعائي في مقتل وتهين الفرقة وجنودها وكل المنظومة الأمنية والمعلوماتية والاستخباراتية والاستعداد القتالي وردة الفعل والإنذار المبكر في 6 ساعات، وذلك من خلال إسقاط 25 نقطة عسكرية وأمنية ومقر قيادة الفرقة وقاعدة إيريتز القوية مع حالة إرباك كاملة للقيادة والقرار من خلال إطلاق 5000 صاروخ تفوق قدرة القبة الصاروخية على المواجهة وقبل كل هذا كشفت نتانياهو وحكومته اليمينية وقضت على أسطورته تمامًا، وكادت لولا الدعم الأمريكي تضعه خلف الأسوار.. وهو الأمر الذي حاولت وتحاول الدعاية الإسرائيلية أن تعمي الأبصار عنه وتصرف النظر عنه بالحديث عن استهداف المدنيين وقتل الأطفال واغتصاب النساء وخطف المدنيين وسارت من خلفها خطابات الإدانة الدولية والعربية.
غزة والضفة والجولان.. هل تغيرت العقيدة أم تغيرت اللغة؟
هنا نصل إلى اللحظة الراهنة: في غزة، شهدنا حربًا واسعة النطاق أعادت وضع القوة العسكرية الإسرائيلية في قلب المشهد، وأدت إلى دمار هائل وخسائر بشرية ونزوح وأزمة إنسانية غير مسبوقة. وفي الضفة الغربية، يتواصل الاستيطان وتتزايد البؤر والطرق ومناطق السيطرة، بينما يتصاعد عنف المستوطنين والعمليات العسكرية والتهجير. وفي الجولان، استمر الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967، وتواصل الاستيطان وتثبيت الأمر الواقع رغم الموقف الدولي الرافض لضم الأرض السورية.
قد تبدو هذه الملفات الثلاثة مختلفة؛ لكن عند النظر إليها من زاوية «العسكرية الصهيونية» تصبح بينها صلة واضحة: القوة ليست أداة واحدة، وإنما منظومة؛ في غزة تظهر القوة في القصف والحصار والعمليات البرية وإعادة رسم المجال العمراني، وفي الضفة تظهر في الجيش والمستوطنات والطرق والمصادرة والقيود والحماية الأمنية والتغيير الديموغرافي. وفي الجولان تظهر في الاحتلال والاستيطان والبنية القانونية والإدارية التي تسعى إلى جعل الأمر الواقع طويل الأمد.
وهنا لا يصح القول إن كل هذه السياسات نتاج قرار واحد أو عقل واحد؛ فداخل إسرائيل تيارات سياسية ومؤسسات وأجهزة أمنية لها حساباتها وخلافاتها، كما أن الهاجس الأمني الإسرائيلي حقيقي وله جذور تاريخية لا يمكن إنكارها، لكن وجود هاجس أمني حقيقي لا يمنح تلقائيًا كل سياسة تُتخذ باسمه شرعية سياسية أو قانونية، وهذه هي المسألة التي يجب ألا تضيع وسط الضجيج الإعلامي؛ فحين يصبح الأمن مبررًا للاستيطان، ثم يصبح الاستيطان سببًا لمزيد من الحماية العسكرية، ثم تتحول الحماية العسكرية إلى ذريعة لمزيد من السيطرة، نكون أمام دائرة يصعب كسرها: الأمن ينتج السيطرة، والسيطرة تنتج الاستيطان، والاستيطان يحتاج إلى القوة، والقوة تنتج واقعًا جديدًا يصبح هو نفسه مبررًا لمزيد من الأمن والسيطرة، وهكذا لا تعود المسألة مجرد عقيدة عسكرية بالمعنى التقليدي، وإنما تتحول إلى عقيدة سياسية لإدارة الأرض. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه ذكرى أكتوبر اليوم ليس: هل لا يزال الجيش الإسرائيلي قويًا؟؛ الإجابة معروفة.
السؤال الأهم هو: ماذا يفعل هذا التفوق العسكري؟ هل يستخدم لبناء أمن متبادل يمكن أن يقود إلى تسوية، أم يستخدم لتثبيت الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتحويل نتائج الحرب إلى وقائع دائمة؟
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فبعد أكثر من نصف قرن من أكتوبر، وبعد أن أثبت الجيش المصري أن التفوق الإسرائيلي ليس قدرًا، يبدو أن الخطر الأكبر لم يعد فقط في الحرب التقليدية، وإنما في قدرة القوة العسكرية على إنتاج واقع سياسي وجغرافي جديد ثم تقديمه باعتباره أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره.
ولهذا فإن السلام الحقيقي لن يبدأ بمجرد وقف إطلاق النار، ولا بمجرد اتفاق أمني جديد، ولا بمجرد إعادة إعمار ما دمرته الحرب. السلام يبدأ عندما تتغير الفكرة التي تجعل القوة شرطًا للوجود، ويصبح الأمن متبادلًا بدل أن يكون امتيازًا لطرف على حساب طرف، وتتوقف عملية تحويل الأرض المحتلة إلى واقع استيطاني دائم، أما الدرس الأهم من أكتوبر، فهو أن التاريخ لا يسير دائمًا في الاتجاه الذي ترسمه القوة الغالبة.
لقد ظنت إسرائيل بعد يونيو 1967 أن انتصارها العسكري منحها تفوقًا استراتيجيًا طويل الأمد. فجاء أكتوبر ليقول إن القوة مهما بلغت ليست عصية على الاختراق، وإن الجيوش التي تبدو منتصرة يمكن أن تُفاجأ، وإن الشعوب والدول التي تبدو مهزومة تستطيع إعادة بناء قدرتها واستعادة المبادرة.
ولهذا فإن الاحتفاء بانتصار أكتوبر لا ينبغي أن يتحول إلى حنين إلى حرب جديدة، ولا إلى دعوة لاستنساخ ظروف 1973 في عالم تغيرت فيه طبيعة القوة والحرب. الدرس الأكثر واقعية هو أن امتلاك القوة يجب أن يقترن بامتلاك الرؤية والقدرة على استخدامها في الوقت والمكان والهدف الصحيح.
وإذا كان هناك معنى أعمق لذكرى أكتوبر في مواجهة ما يجري اليوم، فهو أن القوة العسكرية يمكنها أن تفتح طريقًا إلى السياسة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا دائمًا. والسلام الذي يحتاج إلى استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار حتى يبقى قائمًا ليس سلامًا مستقرًا؛ وإنما هدنة مؤجلة لانفجار جديد.
أما السلام الحقيقي، فيبدأ عندما تتخلى إسرائيل عن تحويل «الأمن» إلى غطاء دائم للسيطرة والتوسع، وعن التعامل مع الأرض الفلسطينية والعربية باعتبارها مساحة مفتوحة لإنتاج حقائق جديدة بالقوة.
وهنا بالضبط يلتقي درس أكتوبر مع درس التاريخ كله: الدم يمكن أن يصنع وقائع مؤقتة، والنار يمكن أن تهدم مدنًا وأوطانًا، لكن لا الدم ولا النار يستطيعان وحدهما صناعة شرعية دائمة أو إلغاء حق شعب في أرضه.
الخلاصة:
بعد أكثر من قرن على بدايات المشروع الصهيوني، وأكثر من سبعة عقود على قيام إسرائيل، وأكثر من نصف قرن على أكتوبر 1973، تبدو «عقيدة الدم والنار» ـ بالمعنى السياسي والعسكري الذي تكشفه المادة التاريخية. وقد انتقلت من مرحلة العصابات المسلحة وحراسة المستوطنات إلى منظومة دولة تمتلك جيشًا متطورًا، لكنها لم تتخلَّ عن الدور المركزي للقوة في إدارة الصراع على الأرض. غير أن الجديد هو أن هذه القوة لم تعد تعمل منفردة؛ فقد أصبحت متشابكة مع الاستيطان والقانون والإدارة والاقتصاد والإعلام والتحالفات الدولية، بحيث يمكن أن تتحول نتائج الاستخدام العسكري للقوة إلى وقائع سياسية وجغرافية طويلة الأمد.
ومن ثم فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول من يملك السلاح الأكثر تطورًا، وإنما حول من يستطيع منع القوة من التحول إلى حق، ومنع الاحتلال من التحول إلى واقع دائم، ومنع الاستيطان من التحول إلى حدود جديدة.
وتبقى ذكرى أكتوبر 1973 مهمة لأنها تقدم الدليل التاريخي على أن هذا المسار ليس قدرًا محتومًا. فقد استطاع الجيش المصري، في لحظة تاريخية فارقة، أن يكسر معادلة الردع التي بدت مستحيلة الكسر، وأن يعيد السياسة إلى قلب الصراع.
وربما يكون هذا هو الدرس الذي تحتاج المنطقة إلى استعادته اليوم: لا سلام بلا قوة تحميه، لكن لا قوة تستطيع أن تصنع سلامًا إذا ظلت تستخدم لتكريس الاحتلال والتوسع.
رئيس وحدة الدراسات العربية































