لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في الشرق الأوسط هو: ماذا يحدث الآن؟ بل أصبح: ما الذي يولد تحت أنقاض النظام الإقليمي الذي عرفناه طوال العقود الماضية؟ فالتطورات التي تشهدها المنطقة لم تعد مجرد حلقات متتابعة من الصراعات أو الأزمات، وإنما تمثل، في جوهرها، عملية انتقال تاريخية تعيد تعريف الإقليم كله؛ جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
فالحروب التي امتدت من العراق إلى سوريا، ومن ليبيا إلى اليمن، ثم المواجهات المتلاحقة بين إسرائيل وإيران، وما صاحبها من تغيرات في مواقف القوى الكبرى، لم تُنتج فقط وقائع جديدة على الأرض، بل أطلقت عملية مراجعة شاملة للمسلمات التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. لقد أصبحت المنطقة تعيش لحظة تتراجع فيها قواعد النظام القديم بوتيرة أسرع من قدرة نظام جديد على التشكل، وهو ما يفسر حالة السيولة الاستراتيجية التي تميز الإقليم اليوم.
لذلك فإن “اليوم التالي” لا ينبغي اختزاله في انتهاء حرب، أو توقيع اتفاق، أو تغيير نظام سياسي، وإنما يمثل مرحلة تاريخية أطول وأكثر تعقيدًا؛ مرحلة يعاد خلالها تعريف موازين القوة، وأنماط التحالفات، وأولويات الأمن، وقواعد النفوذ، بل وحتى مفهوم الدولة ودورها داخل الإقليم.
إن أخطر ما يميز هذه اللحظة أن النظام القديم لم يعد قادرًا على تفسير الواقع، بينما لم تتبلور بعد قواعد النظام الجديد. وبين هذين المشهدين تتحرك دول المنطقة، ليس فقط لإدارة أزماتها، وإنما لمحاولة إعادة صياغة مواقعها قبل أن تستقر الخريطة الجديدة للقوة.
ومن هنا، فإن فكرة “إعادة اختراع الشرق الأوسط” لا تعني إعادة رسم الحدود أو استبدال تحالف بآخر، وإنما تشير إلى إعادة بناء “البيئة الاستراتيجية” التي ستحدد شكل الإقليم لعقود مقبلة. فكل عناصر القوة التقليدية تقريبًا أصبحت محل مراجعة؛ من طبيعة الردع العسكري، إلى دور الاقتصاد، ومن مركزية النفط، إلى أهمية التكنولوجيا، ومن التحالفات الصلبة إلى الشراكات المرنة، ومن احتكار القوى الكبرى لصناعة التوازنات إلى تصاعد قدرة القوى الإقليمية على التأثير في مسار الأحداث.
ولعل المفارقة الأبرز أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة تتنافس فوقها القوى الدولية، بل أصبح أحد الميادين التي يعاد من خلالها تشكيل النظام الدولي نفسه. فالممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والموانئ العملاقة، جميعها تحولت إلى عناصر في معادلة النفوذ، وأصبح من يسيطر عليها يمتلك قدرة أكبر على التأثير في توازنات الإقليم والعالم معًا.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يمتلك القوة الأكبر؟ وإنما: من يمتلك القدرة على إنتاج القوة؟
وهنا تكمن “الأطروحة المركزية” لهذا المقال؛ فالقوة في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس فقط بحجم الجيوش أو الترسانات العسكرية، ولا بحجم الثروات الطبيعية، وإنما بقدرة الدولة أو الفاعل الإقليمي على تحويل موارده العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية والمجتمعية إلى نفوذ سياسي مستدام، يستطيع من خلاله التأثير في سلوك الآخرين والمشاركة في صياغة قواعد النظام الإقليمي الجديد. إنها عملية الانتقال من امتلاك عناصر القوة إلى القدرة على إنتاجها وتوظيفها، وهي الفجوة التي ستفصل خلال السنوات المقبلة بين الدول التي ستقود الإقليم، والدول التي ستكتفي بالتكيف مع ما يصنعه الآخرون.
وانطلاقًا من هذه الفرضية، فإن إعادة اختراع الشرق الأوسط ليست مشروعًا أمريكيًا خالصا، ولا مشروعًا إسرائيليًا أو إيرانيًا أو تركيًا منفردًا، كما أنها ليست نتاجًا مباشرًا لتفاهمات القوى الكبرى؛ إنها حصيلة تفاعل معقد بين أربعة مستويات متشابكة: التحولات في بنية النظام الدولي، وصعود قوى إقليمية أكثر استقلالًا في قرارها، والثورة التكنولوجية والاقتصادية التي تعيد تعريف مصادر النفوذ، وأخيرًا التحولات العميقة في مفهوم الأمن ذاته. لذلك فإن مستقبل الإقليم لن تصنعه قوة واحدة، بل ستحدده قدرة الفاعلين المختلفين على إدارة هذا التفاعل المعقد، وتحويله إلى موازين قوة جديدة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن فهم ما يجري اليوم باعتباره بداية لمرحلة لا تشبه ما سبقها؛ مرحلة ينتهي فيها النظام القديم قبل أن ينجح البديل في تثبيت قواعده، لتصبح المنطقة بأسرها في حالة “تفاوض مفتوح” على مستقبلها السياسي والاقتصادي والأمني.
أولًا: سقوط المسلمات الكبرى: لماذا انتهى الشرق الأوسط القديم؟
لا تنهار النظم الإقليمية عادةً بقرار سياسي أو إعلان رسمي، وإنما تبدأ نهايتها عندما تفقد القواعد التي قامت عليها قدرتها على تفسير الواقع أو توجيه مساره. وهذا تحديدًا ما يجري في الشرق الأوسط اليوم؛ فالإقليم لا يعيش مجرد سلسلة من الحروب والأزمات المتعاقبة، بل يمر بمرحلة تآكل تدريجي للأسس التي حكمت توازناته طوال العقود الخمسة الماضية، في وقت لم تتبلور فيه بعد قواعد نظام بديل يمتلك القدر نفسه من الاستقرار أو الشرعية.
لقد قام الشرق الأوسط، منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، على مجموعة من المسلمات التي بدت لسنوات طويلة وكأنها حقائق غير قابلة للتغيير: حضور أمريكي شبه مطلق بوصفه الضامن الرئيس لتوازنات الإقليم، ومركزية القضية الفلسطينية في تشكيل الاصطفافات السياسية، والنفط باعتباره المصدر الرئيس للأهمية الاستراتيجية للمنطقة، واحتكار القوة العسكرية التقليدية لمعادلات الردع، إلى جانب هيمنة الدولة الوطنية على المجالين الأمني والسياسي.
غير أن العقدين الأخيرين شهدا تراجعًا متزامنًا في معظم هذه المسلمات. فقد كشفت الحروب الممتدة في العراق وسوريا وليبيا واليمن حدود القدرة العسكرية على إعادة بناء الدول، وأثبتت أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة إنتاج الاستقرار، كما أظهرت أن التدخل الخارجي، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع وحده إعادة هندسة المجتمعات أو فرض نظم سياسية قابلة للحياة.
وفي الوقت نفسه، لم يعد الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط يقوم على منطق الهيمنة المباشرة الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل اتجه تدريجيًا نحو إدارة التوازنات وتقاسم الأعباء مع الحلفاء الإقليميين، في ظل انشغال واشنطن بمنافسة القوى الكبرى في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ. ولم يؤد هذا التحول إلى فراغ استراتيجي بالمعنى التقليدي، بقدر ما فتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية أخرى لمحاولة توسيع هوامش حركتها، كل وفق حساباته وأولوياته.
وفي المقابل، برزت قوى إقليمية أكثر طموحًا وثقة بقدرتها على التأثير في البيئة المحيطة؛ فمصر والمملكة السعودية، وتركيا، وإيران، والإمارات، وإسرائيل، لم تعد تتعامل مع الإقليم باعتباره ساحة لتلقي تأثيرات القوى الكبرى، وإنما باعتباره مجالًا لإعادة تعريف أدوارها ومصالحها، وإن اختلفت أدوات كل منها ورؤيتها للنظام الإقليمى المنشود. ومن ثم، لم يعد الصراع يدور بين محورين جامدين، بل بين مشروعات إقليمية متعددة، تتقاطع أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى.
وفي الوقت ذاته، تغيرت طبيعة القوة نفسها. فلم تعد الجغرافيا السياسية وحدها هي التي تحدد مكانة الدول، بل انضمت إليها الجغرافيا الاقتصادية بوصفها أحد أهم مصادر النفوذ. وأصبحت الموانئ، والممرات البحرية، وخطوط الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومشروعات الربط البري والبحري، عناصر لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية أو التحالفات الدفاعية. ولهذا لم يعد التنافس على الشرق الأوسط يدور فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما حول السيطرة على حركة التجارة العالمية، وضمان أمن الممرات الاستراتيجية، والتحكم في تدفقات الطاقة والبيانات والتكنولوجيا.
ومن هنا يمكن القول إن المنطقة تشهد انتقالًا من شرق أوسط الجغرافيا السياسية إلى شرق أوسط الجغرافيا الاقتصادية؛ حيث تتزايد أهمية المبادرات العابرة للحدود، ومشروعات الربط الإقليمي، والمنافسة على الموانئ والمناطق اللوجستية، باعتبارها أدوات لإنتاج النفوذ وتعظيم المكانة، وليس مجرد مشروعات تنموية.
وفي السياق ذاته، فقد النفط موقعه التقليدي بوصفه العامل الوحيد الذي يمنح المنطقة وزنها العالمي. فرغم استمرار أهميته الاستراتيجية، فإن الثورة في مجالات الطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المتقدمة، أعادت تعريف مصادر القوة، بحيث أصبح امتلاك المعرفة والابتكار لا يقل أهمية عن امتلاك الموارد الطبيعية. وباتت الدولة القادرة على إنتاج التكنولوجيا وتوطينها أكثر قدرة على التأثير من دولة تعتمد فقط على تصدير المواد الخام، مهما بلغت قيمتها.
كما أن أحد أكثر التحولات عمقًا يتمثل في صعود الفاعلين من غير الدول، سواء كانوا تنظيمات مسلحة، أو شبكات اقتصادية عابرة للحدود، أو شركات تكنولوجية عملاقة، أو منصات إعلامية ورقمية بات تأثيرها يتجاوز أحيانًا تأثير بعض الدول. ولم يعد احتكار الدولة لأدوات القوة كما كان في العقود السابقة؛ الأمر الذي أضفى على البيئة الإقليمية قدرًا غير مسبوق من التعقيد.
لذلك، فإن الحديث عن «الشرق الأوسط الجديد» لا يعني القطيعة الكاملة مع الماضي، وإنما يعني أن قواعد اللعبة نفسها تتغير. فالإقليم ينتقل من مرحلة كانت تقوم على ثنائيات واضحة وتحالفات مستقرة نسبيًا، إلى مرحلة تتسم بتعدد مراكز القوة، ومرونة التحالفات، وتشابك المصالح، وتداخل الاقتصاد بالتكنولوجيا بالأمن في معادلة واحدة.
وهكذا، فإن السؤال لم يعد: من يملأ الفراغ الذي يتركه النظام القديم؟ بل: ما طبيعة النظام الذي يولد من رحم هذه التحولات؟ والإجابة عن هذا السؤال تبدأ بفهم أن معيار القوة في الشرق الأوسط لم يعد امتلاك الموارد وحده، وإنما القدرة على تحويل هذه الموارد إلى نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي مستدام، وهو ما يقودنا إلى المفهوم الأكثر تأثيرًا في تفسير المرحلة الراهنة: القدرة على إنتاج القوة.
ثانيًا: القدرة على إنتاج القوة: المفهوم الذي سيحكم الشرق الأوسط الجديد
إذا كان القرن العشرون قد انشغل بالسؤال: من يمتلك القوة؟، فإن الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين يفرض سؤالًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا: من يستطيع إنتاج القوة بصورة مستدامة؟
فالتحولات التي تشهدها المنطقة تشير بوضوح إلى أن امتلاك الموارد لم يعد، في حد ذاته، ضمانة للنفوذ أو للتأثير. فالتاريخ الحديث يعج بدول امتلكت ثروات طبيعية هائلة، أو جيوشًا كبيرة، أو مواقع جغرافية استثنائية، لكنها أخفقت في تحويل تلك المقومات إلى مكانة سياسية مستقرة أو إلى قدرة حقيقية على التأثير في محيطها. وفي المقابل، استطاعت دول أقل موارد أن تفرض حضورها لأنها أحسنت توظيف ما تملكه، وربطت بين الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والأمن في إطار استراتيجية متماسكة.
ومن هنا يبرز مفهوم «القدرة على إنتاج القوة» بوصفه معيارًا أكثر دقة لفهم موازين القوى في الشرق الأوسط الجديد. والمقصود به قدرة الدولة أو الفاعل الإقليمي على تحويل موارده المادية والبشرية والمؤسسية إلى نفوذ فاعل، يسمح له بالتأثير في سلوك الآخرين، والمشاركة في صياغة قواعد النظام الإقليمي، والاستجابة السريعة للتحولات الدولية.
إن الفرق بين امتلاك القوة وإنتاجها يشبه الفرق بين امتلاك المواد الخام وامتلاك القدرة على تحويلها إلى صناعة ذات قيمة مضافة. فالموارد، مهما بلغت وفرتها، تظل قوة كامنة ما لم تُدار بكفاءة، وتُترجم إلى سياسات، ومؤسسات، وتحالفات، ومشروعات قادرة على تحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى.
وفي هذا السياق، لم تعد القوة العسكرية سوى أحد مكونات القوة الشاملة، بعد أن كانت لعقود طويلة معيارها شبه الوحيد. فالردع العسكري يظل عنصرًا لا غنى عنه، لكنه لم يعد كافيًا لإنتاج النفوذ أو لضمان المكانة الإقليمية. وقد أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن الجيوش تستطيع حسم المعارك، لكنها لا تستطيع وحدها بناء الاستقرار أو كسب الشرعية، والحرب الراهنة على إيران عكست عديدًا من الدروس في هذا الصدد.
ولهذا أصبحت القوة الاقتصادية، والقدرة على الابتكار، وتطوير التكنولوجيا، والسيطرة على البيانات، وإنتاج المعرفة، وبناء البنية التحتية، وتأمين سلاسل الإمداد، وإدارة الموانئ والممرات البحرية، أدوات لا تقل أهمية عن الطائرات والصواريخ. كما أصبحت الدبلوماسية النشطة، والقدرة على بناء التحالفات المرنة، وإدارة الأزمات، وصياغة المبادرات، من أهم مصادر النفوذ في النظام الإقليمي الجديد.
ويعني ذلك أن إنتاج القوة لم يعد عملية عسكرية، بل عملية حضارية متكاملة، تبدأ من جودة التعليم، وفاعلية مؤسسات الدولة، ومرونة الاقتصاد، وقدرة المجتمع على الابتكار، ولا تنتهي عند حدود السياسة الخارجية. فالدولة التي تعجز عن إنتاج المعرفة، أو عن تطوير اقتصادها، أو عن استيعاب التحولات التكنولوجية، ستجد نفسها تدريجيًا خارج دوائر التأثير، حتى وإن امتلكت عناصر تقليدية للقوة.
ومن هذا المنظور، تبدو المنافسة الحقيقية في الشرق الأوسط خلال العقدين المقبلين أقل ارتباطًا بتوازنات السلاح، وأكثر ارتباطًا بسباق بناء القدرات. فالمعيار الحاسم لن يكون عدد الدبابات أو حجم الإنفاق الدفاعي، وإنما القدرة على إنتاج اقتصاد تنافسي، وتكنولوجيا وطنية، ورأس مال بشرى مؤهل، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار بكفاءة، وتحالفات تمنح الدولة هامشًا أوسع للمناورة في بيئة دولية متغيرة.
ولهذا فإن الدول التي ستقود النظام الإقليمي القادم ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر قدر من الموارد، وإنما تلك التي تنجح في تحويل مواردها إلى قوة شاملة، وتحويل هذه القوة إلى نفوذ، ثم تحويل النفوذ إلى قدرة على صياغة قواعد اللعبة الإقليمية، ومن هنا يمكن فهم التحولات الجارية في سياسات معظم القوى الإقليمية.
فبرامج تنويع الاقتصادات، والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، والتوسع في الصناعات الدفاعية، وبناء المراكز اللوجستية، والرهان على الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية الرقمية، ليست مشروعات تنموية منفصلة، وإنما أجزاء من عملية أوسع تهدف إلى إنتاج القوة بصورتها الجديدة.
وبهذا المعنى، فإن الشرق الأوسط لا يشهد اليوم سباقًا على النفوذ فقط، بل يشهد سباقًا على إنتاج النفوذ. وهذه هي السمة التي ستحدد الفارق بين دول ستشارك في تشكيل النظام الإقليمى الجديد، وأخرى ستجد نفسها مضطرة للتكيف مع نظام صاغه غيرها.
ثالثًا: الجغرافيا الاقتصادية: حيث تُرسم خرائط النفوذ الجديدة
إذا كان القرن العشرون قد منح الجغرافيا السياسية الكلمة العليا في تفسير الصراعات، فإن العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين تشهد صعود ما يمكن تسميته بـ «الجغرافيا الاقتصادية» بوصفها الإطار الأكثر قدرة على تفسير اتجاهات القوة في الشرق الأوسط. فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما حول التحكم في حركة التجارة العالمية، وتأمين سلاسل الإمداد، وإدارة الممرات البحرية، والهيمنة على البنية التحتية التي تربط الأسواق والقارات.
ولعل هذه الحقيقة تفسر لماذا أصبحت ممرات مثل مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، والبحر الأحمر، والخليج العربي، نقاطًا محورية في الحسابات الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية. فلم تعد قيمتها نابعة فقط من موقعها الجغرافي، وإنما من كونها شرايين للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وأسعار النقل، وسلاسل الإنتاج العالمية.
وفي السياق ذاته، لم تعد الموانئ مجرد منشآت خدمية، بل تحولت إلى أدوات للنفوذ السياسي والاستراتيجي. فالدولة التي تدير شبكة متطورة من الموانئ والمناطق اللوجستية، وتتمتع بقدرة على الربط بين القارات، تمتلك تأثيرًا يتجاوز حدودها الجغرافية. ولهذا تتسابق قوى إقليمية ودولية على الاستثمار في الموانئ، وخطوط السكك الحديدية، والمناطق الصناعية، ومشروعات الربط البحرى والبرى، باعتبارها استثمارات في النفوذ قبل أن تكون استثمارات في الاقتصاد.
وينطبق الأمر ذاته على الطاقة، التي تمر اليوم بمرحلة إعادة تعريف غير مسبوقة. فبينما سيظل النفط والغاز عنصرين رئيسيين في معادلات القوة خلال المستقبل المنظور، فإن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والكهرباء العابرة للحدود يفتح أبوابًا جديدة للمنافسة. ولم يعد السؤال هو: من يمتلك أكبر احتياطي من النفط؟ بل: من يستطيع قيادة مرحلة التحول في أسواق الطاقة العالمية، وامتلاك التكنولوجيا المرتبطة بها؟
وفي الوقت نفسه، دخلت التكنولوجيا إلى قلب التنافس الجيوسياسي. فالذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، والبيانات الضخمة، وأشباه الموصلات، لم تعد قطاعات اقتصادية فحسب، بل أصبحت أدوات لإنتاج النفوذ، ومصادر للقوة الوطنية، وعوامل حاسمة في رسم المكانة الدولية. ولهذا تتجه الدول الأكثر طموحًا إلى الاستثمار في المعرفة والابتكار باعتبارهما استثمارًا مباشرًا في الأمن القومي.
ومن هنا، فإن الاقتصاد لم يعد قطاعًا منفصلًا عن السياسة الخارجية، بل أصبح إحدى أهم أدواتها. فالاتفاقيات التجارية، والاستثمارات العابرة للحدود، وصناديق الثروة السيادية، والمشروعات الإقليمية الكبرى، باتت تمارس أدوارًا كانت تقتصر في السابق على التحالفات العسكرية. وأصبحت القدرة على جذب رءوس الأموال، وتوطين الصناعات المتقدمة، ودمج الاقتصادات في شبكات التجارة العالمية، معيارًا مهمًا لقياس النفوذ الإقليمي.
ويفرض هذا التحول تحديًا جوهريًا على معظم دول المنطقة، يتمثل في الانتقال من الدولة الريعية إلى الدولة المنتجة للقيمة المضافة. فالثروة الطبيعية، مهما بلغت، لم تعد كافية لضمان المكانة أو الاستقرار إذا لم تُترجم إلى اقتصاد متنوع، وقاعدة صناعية، ورأس مال بشري قادر على المنافسة. فالدولة التي تستهلك التكنولوجيا ستظل رهينة لمن ينتجها، والدولة التي تصدر المواد الخام فقط ستظل أكثر تعرضًا لتقلبات الأسواق العالمية.
ولذلك، فإن السباق الحقيقي في الشرق الأوسط لم يعد بين من يمتلك أكبر احتياطيات من الموارد، وإنما بين من يستطيع بناء اقتصاد المعرفة، وإنتاج التكنولوجيا، والتحول إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات والابتكار. وهذا هو المعنى الأعمق للانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد ينتج القوة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم كثير من المبادرات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة، ليس باعتبارها مشروعات تنموية منفصلة، وإنما باعتبارها محاولات لإعادة تموضع استراتيجي في النظام الإقليمي الجديد. فالمنافسة على الموانئ، والممرات الاقتصادية، والمناطق الصناعية، ومراكز البيانات، وشبكات الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن خرائط النفوذ في القرن الحادي والعشرين لن تُرسم بالسلاح وحده، وإنما أيضًا بحركة التجارة، وتدفقات الاستثمار، والسيطرة على عقد الاتصال بين الاقتصاد العالمي.
وهكذا، فإن إعادة اختراع الشرق الأوسط لن تتحقق عبر إعادة توزيع موازين القوة العسكرية فقط، بل عبر إعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي والتكنولوجي. وفي هذا التحول تحديدًا ستتحدد مكانة كل دولة في النظام الإقليمي الذي يتشكل أمام أعيننا، لأن المستقبل سيكون من نصيب الدول التي تنجح في تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى نفوذ، والنفوذ إلى قدرة مستدامة على إنتاج القوة.
رابعًا: إعادة توزيع القوة: من سيقود الشرق الأوسط الجديد؟
إذا كانت التحولات الكبرى تعيد رسم خرائط النفوذ، فإنها تعيد، بالضرورة، توزيع الأدوار بين الفاعلين الرئيسيين؛ غير أن الخطأ الأكثر شيوعًا في قراءة الشرق الأوسط يتمثل في افتراض أن تراجع دور قوة ما يعني تلقائيًا صعود قوة أخرى لتحل محلها. فالواقع أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يتجه الإقليم نحو مركز جديد للهيمنة، بقدر ما يتجه نحو تعدد مراكز التأثير، حيث تتداخل المنافسة مع التعاون، وتتغير التحالفات وفق المصالح أكثر مما تتحدد بالاعتبارات الأيديولوجية.
ولذلك، فإن الشرق الأوسط المقبل لن يكون إقليمًا تقوده قوة منفردة، بل شبكة من القوى الإقليمية التي تمتلك قدرات متفاوتة، وتسعى إلى توسيع مجالات نفوذها عبر أدوات مختلفة؛ اقتصادية، وعسكرية، وتكنولوجية، ودبلوماسية.
وفي هذا الإطار، تمضي المملكة العربية السعودية في مشروع واسع لإعادة تعريف مكانتها، من دولة تستند إلى ثقلها النفطي والديني إلى قوة اقتصادية واستثمارية وتقنية تسعى إلى أن تكون مركزًا ماليًا ولوجستيًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي. ويعكس هذا التحول إدراكًا بأن المكانة المستقبلية لن تُبنى على الموارد الطبيعية وحدها، بل على القدرة على تحويل هذه الموارد إلى اقتصاد منتج ومتنوع.
أما تركيا، فقد عملت خلال العقدين الماضيين على بناء نموذج يجمع بين القوة العسكرية، والصناعة الدفاعية، والحضور الاقتصادي، والنشاط الدبلوماسي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا. ورغم ما تواجهه من تحديات داخلية وإقليمية، فإنها لا تزال تنظر إلى نفسها باعتبارها فاعلًا رئيسيًا في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
وبالنسبة لإيران، فإنها تدخل المرحلة الجديدة أمام معادلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فبينما استطاعت، عبر سنوات طويلة، بناء شبكة نفوذ إقليمية اعتمدت على الحلفاء والفاعلين من غير الدول، فإن المتغيرات الأخيرة، وما صاحبها من ضغوط اقتصادية وعسكرية وسياسية، تفرض عليها إعادة تقييم أدواتها وأولوياتها. وسيكون مستقبل الدور الإيراني مرهونًا بقدرته على التكيف مع بيئة إقليمية تتجه تدريجيًا نحو توازنات مختلفة عما عرفته المنطقة خلال العقدين الماضيين.
أما إسرائيل، فرغم استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي، فإنها تواجه تحديًا لا يقل أهمية عن تحديات خصومها، يتمثل في تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي وإقليمي طويل الأمد. فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج بيئة مستقرة أو إنهاء الصراعات التاريخية، وهو ما يجعل مستقبل دورها مرتبطًا بقدرتها على المواءمة بين متطلبات الأمن ومقتضيات التسوية السياسية.
وفي هذا المشهد المتغير، تظل مصر أحد الأعمدة الرئيسية للتوازن الإقليمي، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي أو ثقلها السكاني أو تاريخها السياسي، وإنما أيضًا لأنها تمثل نقطة التقاء بين دوائر الشرق الأوسط وشرق المتوسط والبحر الأحمر وأفريقيا. غير أن الحفاظ على هذه المكانة لم يعد ممكنًا بالاعتماد على الإرث التاريخي وحده، فالنظام الإقليمي الجديد لا يعترف بالأدوار الموروثة، وإنما بالأدوار التي يعاد إنتاجها باستمرار.
ومن هنا، فإن التحدي الاستراتيجي أمام مصر لا يكمن في استعادة دورها في كل ملفات الإقليم، لأن هذا الدور لم يغب رغم الظروف التي مرت بها من ثورتين وحرب على الإرهاب، وإنما في تطوير أدوات هذا الدور بما يتلاءم مع طبيعة التحولات الجارية. فالقوة المصرية مطالبة اليوم بأن تضيف إلى عناصرها التقليدية عناصر جديدة تتمثل في الاقتصاد التنافسي، والصناعة المتقدمة، والتحول الرقمي، والبحث العلمي، والابتكار، وتعظيم الاستفادة من موقعها كمركز عالمي للملاحة والتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية.
كما أن القوة الناعمة المصرية، التي شكلت لعقود أحد أهم مصادر النفوذ العربي، تحتاج إلى إعادة بناء وتحديث، بحيث تستعيد قدرتها على التأثير الثقافي والإعلامي والمعرفي في بيئة اتسعت فيها المنافسة على تشكيل الوعي العام، ولم تعد فيها أدوات التأثير التقليدية كافية. لذلك فإن مستقبل الدور المصري لن يتحدد فقط بما تملكه الدولة من مقومات، بل بقدرتها على تحويل هذه المقومات إلى نفوذ فاعل داخل النظام الإقليمي الجديد؛ فالموقع الجغرافي، والكتلة السكانية، والمؤسسات الوطنية، والخبرة الدبلوماسية، جميعها تمثل عناصر قوة كامنة، لكنها تحتاج إلى سياسات قادرة على توظيفها وإعادة إنتاجها بصورة مستمرة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيحدد مكانة جميع القوى الإقليمية، دون استثناء، لم يعد: من يمتلك عناصر القوة؟ وإنما: من ينجح في إعادة إنتاجها بصورة متواصلة؟ لأن المكانة في الشرق الأوسط الجديد لن تُمنح لأحد، ولن تستقر لأحد، بل ستظل رهينة بقدرته على الابتكار، والتكيف، وبناء التحالفات، وتحويل موارده إلى نفوذ مستدام.
وبذلك، فإن إعادة توزيع القوة في الشرق الأوسط لا تعني انتقال القيادة من عاصمة إلى أخرى، وإنما تعني دخول الإقليم مرحلة تتنافس فيها عدة مراكز على التأثير، في ظل نظام أكثر سيولة، وأقل قابلية للاحتكار، وأكثر اعتمادًا على الكفاءة الاستراتيجية في إنتاج القوة وإدارتها.
خامسًا: القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي: اختبار شرعية النظام الجديد
رغم اتساع دائرة التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، تبقى القضية الفلسطينية العامل الأكثر قدرة على اختبار صدقية أي نظام إقليمي جديد. فالتاريخ الحديث للمنطقة يبرهن أن محاولات إعادة ترتيب التوازنات، مهما بلغت دقتها، لم تنجح في إنتاج استقرار دائم كلما جرى التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا يمكن تأجيله أو تجاوزه.
غير أن أهمية القضية الفلسطينية اليوم لم تعد تنبع فقط من رمزيتها السياسية أو التاريخية، وإنما لأنها أصبحت معيارًا لمدى احترام قواعد القانون الدولي، واختبارًا لقدرة النظام الإقليمي المقبل على إنتاج سلام يقوم على العدالة والاستدامة، لا على إدارة الأزمات أو تجميدها مؤقتًا.
ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل القضية الفلسطينية لن يحدد فقط طبيعة العلاقة الفلسطينية ــ الإسرائيلية، بل سيؤثر أيضًا في شكل التحالفات العربية، ومستوى الثقة بين شعوب المنطقة وحكوماتها، وحدود الانخراط الدولي في قضايا الشرق الأوسط. فالنظام الذي يعجز عن تقديم إطار عادل لتسوية أكثر صراعات المنطقة رسوخًا سيظل نظامًا منقوص الشرعية، مهما بلغت قدرته على إدارة التوازنات العسكرية أو الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، تكشف التحولات الجارية أن مفهوم الأمن الإقليمى نفسه يمر بعملية إعادة تعريف شاملة. فلم يعد الأمن مرادفًا لحماية الحدود أو لامتلاك التفوق العسكري، بل أصبح يرتبط بقدرة الدول على حماية استقرارها الداخلي، وتأمين مواردها الحيوية، وضمان استمرار التنمية، والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.
لقد أثبتت أزمات العقدين الأخيرين أن الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والأمن السيبرانى، والتغير المناخى، وأزمات المياه والغذاء، والأوبئة، والاضطرابات في سلاسل الإمداد، يمكن أن تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا في الأمن القومي من كثير من المواجهات العسكرية التقليدية. ومن ثم، فإن مفهوم الأمن في الشرق الأوسط يتجه نحو نموذج مركب، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية والمجتمعية في إطار واحد.
وهذا يفرض على دول المنطقة الانتقال من منطق إدارة الصراعات إلى منطق إدارة الاعتماد المتبادل؛ فاستقرار الممرات البحرية، وأمن الطاقة، وسلامة شبكات التجارة، وحماية البنية الرقمية، لم تعد مصالح وطنية منفصلة، بل أصبحت مصالح إقليمية مشتركة، لا تستطيع أي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تؤمنها بمفردها.
ومن هنا، فإن نجاح الشرق الأوسط في الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا لن يتوقف فقط على توازنات الردع، وإنما على قدرته على بناء منظومة إقليمية للتعاون، تتعامل مع الأمن باعتباره مسئولية جماعية، لا مجرد معادلة عسكرية بين خصوم.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة: إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟
في ضوء هذه التحولات، يبدو مستقبل الإقليم مفتوحًا على ثلاثة مسارات رئيسية.
يتمثل السيناريو الأول: في إعادة التوازن المنظم؛ حيث تنجح القوى الإقليمية، بدعم دولي، في بناء تفاهمات تقلل من حدة الصراعات، وتفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وأمني أوسع، دون أن تنهي بالضرورة جميع بؤر التوتر.
أما السيناريو الثاني: فهو التنافس المُدار، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور؛ حيث تستمر المنافسة بين القوى الإقليمية، لكنها تظل محكومة بسقوف تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في ظل إدراك متبادل لارتفاع كلفة الصدام المباشر، وتعاظم المصالح الاقتصادية المشتركة.
أما السيناريو الثالث: فيتمثل في الفوضى الممتدة، إذا أخفقت القوى الدولية والإقليمية في إنتاج قواعد مستقرة لإدارة التنافس، بما يسمح باستمرار النزاعات، واتساع دور الفاعلين من غير الدول، وتزايد الضغوط الاقتصادية والأمنية على معظم دول المنطقة.
غير أن الواقع يشير إلى أن الشرق الأوسط لن يستقر بالكامل، كما أنه لن ينزلق إلى فوضى مطلقة. والأرجح أنه سيدخل مرحلة انتقالية طويلة، يعاد خلالها التفاوض على قواعد النظام الإقليمى، وتختبر فيها جميع القوى قدرتها على التكيف مع بيئة استراتيجية غير مسبوقة في تعقيدها.
الخلاصة: من يعيد اختراع الشرق الأوسط؟
تكشف القراءة المتأنية لمسار الأحداث أن الشرق الأوسط لا يقف على أعتاب مرحلة جديدة فحسب، بل يعيش بالفعل داخل عملية تاريخية ممتدة لإعادة تعريف ذاته. فالنظام الذي حكم الإقليم لعقود يتراجع تدريجيًا، بينما لم ينجح النظام البديل بعد في فرض قواعد مستقرة أو إنتاج توازنات دائمة.
ولذلك، فإن إعادة اختراع الشرق الأوسط ليست حدثًا سياسيًا عابرًا، ولا مشروعًا تفرضه قوة منفردة، بل هي عملية مركبة تتداخل فيها التحولات الدولية مع الطموحات الإقليمية، ويعيد الاقتصاد تشكيل الجغرافيا، وتعيد التكنولوجيا تعريف القوة، ويتحول الأمن من مفهوم عسكرى ضيق إلى منظومة شاملة لإدارة المخاطر والفرص.
وفي قلب هذه العملية، يبرز مفهوم «القدرة على إنتاج القوة» بوصفه المعيار الأكثر تفسيرًا لمستقبل المنطقة. فالدول التي ستصوغ النظام الإقليمي القادم لن تكون بالضرورة الأكثر امتلاكًا للموارد أو للسلاح، وإنما الأكثر قدرة على تحويل مواردها إلى معرفة، ومعرفتها إلى اقتصاد، واقتصادها إلى نفوذ، ونفوذها إلى دور إقليمي مستدام.
ومن ثم، فإن السؤال الجوهري لم يعد: كيف سيتغير الشرق الأوسط؟ بل أصبح: من يمتلك القدرة على تشكيل هذا التغيير؟ ففي لحظات التحول الكبرى لا يكتب التاريخ الأقوى عسكريًا وحده، وإنما يكتبه أيضًا الأكثر قدرة على قراءة اتجاهاته، والاستعداد لها، وصناعة أدواته قبل أن تتحول إلى واقع يفرضه الآخرون.
وهكذا، فإن «اليوم التالي» ليس نهاية أزمة، بل بداية سباق تاريخي على إعادة تعريف الإقليم، ولن يكون النجاح فيه حليف من يملك القوة فحسب، وإنما من يملك القدرة على إنتاجها وتجديدها في عالم تتغير قواعده بوتيرة غير مسبوقة.
رئيس وحدة الدراسات العربية