يدرك الجميع أن النظام الدولي الذي كان قائمًا قبل السابع من أكتوبر 2023 قد شهد تغييرًا جذريًا، وحين احتدمت الجولات الأخيرة بين إيران من جانب والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر وتخللتها جولات على عديد من الجبهات في سوريا ولبنان وقطاع غزة واليمن والسودان وأوكرانيا وفنزويلا والخليج العربي ترسخ هذا الإدراك وبات هناك يقين بأننا أمام مشهد عالمي جديد ومختلف. ويظل إقليم الشرق الأوسط بؤرة الصراع الممتد على مر التاريخ التي تؤثر مباشرة في مصالح دول الإقليم وكل دول العالم بالتبعية؛ حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط لحظة مفصلية تعيد صياغة موازين القوى، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل امتدت إلى بنية النظام الدولي ذاته، فالحرب الجارية -بما تحمله من تصعيد مباشر وغير مباشر بين قوى إقليمية ودولية- لم تعد مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى ساحة لإعادة توزيع النفوذ، واختبار الإرادات، وإعادة تعريف الأدوار. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تحليل الكيفية التي ستُعاد بها هندسة النفوذ الدولي والإقليمي في ظل ما أصبح متجسدًا من غياب وتغييب تام للقيادة Leadership للنظام الدولي على مستوى الدول والزعامات والنخب، وما هي الاتجاهات والسيناريوهات التي “قد” ترسم ملامح الشرق الأوسط في السنوات القادمة؟
أزمة القيادة وغياب المنظومة
أظهرت كل الأزمات الدولية والإقليمية خلال العقد الأخير غياب ما يعرف في السياق الأكاديمي بأزمة القيادة (Leadership Crisis) حتى قبل دخول شخصية مثل دونالد ترامب البيت الأبيض وإلى مسرح الأحداث العالمي بكل ما ساهم فيه من تعميق للأزمة والغياب والتغييب لدور النظام الدولي والقانون الدولي العام والإنساني، وهو الأمر الذي جعل مراكز الأبحاث والنخب السياسية وأساتذة العلاقات الدولية حول العالم يرون في النظام الدولي القادم ليس مجرد خلل في أشخاص أو نخب حاكمة، بل تعبيرًا عن تحولات بنيوية عميقة في طبيعة القوة، والشرعية، وآليات إدارة النظام العالمي. ويمكن تفكيك هذه الأزمة عبر ثلاثة مستويات مترابطة: الأبعاد (كيف تظهر الأزمة)، والأسباب (لماذا نشأت)، والتداعيات (إلى أين تتجه).
أولًا: أبعاد أزمة القيادة في النظام القائم:
- تآكل القيادة الأحادية: منذ نهاية الحرب الباردة، هيمنت الولايات المتحدة على النظام الدولي، لكن هذه الهيمنة تواجه اليوم تحديًا متزايدًا من قوى منافسة؛ مما خلق حالة تشبه الفراغ “لا قيادة واضحة” (Leadership Vacuum)؛ حيث لا تستطيع قوة واحدة فرض قواعد النظام، ولا توجد آلية بديلة مستقرة.
أكاديميًا يشير مفهوم “تآكل القيادة الأحادية” في العلاقات الدولية إلى تراجع قدرة دولة واحدة على الانفراد بقيادة النظام الدولي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا، وصعود حالة من التعدد أو التشظي في مراكز القوة العالمية، ويُستخدم المصطلح غالبًا لوصف التراجع النسبي للهيمنة الأمريكية التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة، خاصة منذ بدايات القرن الحادي والعشرين.
وقد ساد مفهوم القيادة الأحادية لفترات طويلة في أشارة للولايات المتحدة كقوة مهيمنة تمتلك: التفوق العسكري العالمي – السيطرة على المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية – النفوذ السياسي والدبلوماسي – الهيمنة التكنولوجية والإعلامية والثقافية – القدرة على فرض قواعد النظام الدولي. وقد برزت الولايات المتحدة باعتبارها القطب الأوحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى أن تكشفت لنا مظاهر تآكل القيادة الأحادية التي تجسدت في صعود قوى دولية النفوذ الأمريكي، أبرزها: الصين اقتصاديًا وتكنولوجيًا – روسيا عسكريًا وجيوسياسيًا – قوى إقليمية صاعدة مثل الهند وتركيا وإيران والبرازيل، وهذه القوى بدأت ترفض الخضوع الكامل للرؤية الأمريكية للنظام الدولي، إضافة إلى فشل التدخلات العسكرية في الحسم بل ساهمت في استنزاف القوة الأمريكية ماليًا وعسكريًا وسياسيًا، وأضعفت صورة “القوة التي لا تُهزم”. فضلًا عن تراجع فاعلية المؤسسات الدولية الغربية حين ظهرت تحديات أمام مؤسسات مثل حلف شمال الأطلنطي ومجموعة السبع والأمم المتحدة بسبب الانقسامات الدولية واستخدام حق النقض وتضارب المصالح.
ثم كان التحول نحو الاقتصاد متعدد المراكز، فلم يعد الاقتصاد العالمي متمركزًا بالكامل في الغرب، مع توسع مجموعة بريكس وتنامي دور العملات المحلية بالتوازي مع تراجع نسبي لاحتكار الدولار لبعض المعاملات الدولية في ظل ثورة تكنولوجية فككت احتكار المعرفة وأصبحت التكنولوجيا موزعة بين عدة قوى: الصين في الذكاء الاصطناعي والتصنيع – الهند في البرمجيات – أوروبا في التكنولوجيا الخضراء – قوى ناشئة في الأمن السيبراني والطائرات المسيرة.
أدى غياب قوة مهيمنة قادرة على ضبط النظام الدولي إلى تزايد الحروب الإقليمية وحروب الوكالة والأزمات الاقتصادية والنزاعات على الموارد والطاقة وأصبحت الدول المتوسطة تسعى لسياسات أكثر استقلالًا، خاصة في مناطق الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، ونتج عن ذلك ما عرف بأزمة الشرعية الدولية حين باتت كثير من الدول تشكك في ازدواجية المعايير الغربية وشرعية التدخلات العسكرية وطبيعة النظام الدولي القائم.
إلا أن “تآكل القيادة الأحادية” لا يعني سقوط هيمنة القوة الأمريكية بالكامل، بل يعني الانتقال من عالم تهيمن عليه قوة واحدة إلى عالم أكثر تعقيدًا، تتوزع فيه القوة بين دول كبرى وقوى إقليمية وفاعلين غير دوليين، وسط صراع مستمر على صياغة النظام الدولي الجديد، وهذا التحول يُعد أحد أهم ملامح المرحلة الانتقالية التي يعيشها النظام العالمي حاليًا.
- صعود تعددية قطبية غير مكتملة: العالم يتجه نحو تعددية قطبية، لكن هذه التعددية بالمعايير المتعارف عليها توصف بأنها “هشة” لعدة أسباب أهمها؛ أولًا: غياب التوافق بين الأقطاب الكبرى. ثانيًا: تضارب نماذج الحكم (ديمقراطي/سلطوي). ثالثًا: صعوبة بناء نظام قيمي مشترك،وهذا المشهد يخلق نظامًا بلا “قائد منسق”، بل “منافسين متصارعين”.
يشير مفهوم “صعود تعددية قطبية غير مكتملة” إلى حالة انتقالية يشهدها النظام الدولي، تتراجع فيها الهيمنة الأحادية التي انفردت بها الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة، دون أن تنجح في المقابل أي قوة أو مجموعة قوى في تأسيس نظام متعدد الأقطاب بشكل كامل ومستقر، أي أن العالم يعيش مرحلة “بين نظامين”؛ حيث لم تعد الأحادية قادرة على فرض قواعدها منفردة، ولم تتبلور بعد تعددية قطبية واضحة المعالم والمؤسسات والتوازنات.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، دخل العالم مرحلة الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة؛ حيث امتلكت واشنطن تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا هائلًا، إلى جانب السيطرة على المؤسسات المالية الدولية والنفوذ الثقافي والإعلامي، لكن منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأت مجموعة من التحولات تُضعف هذا التفرد، أبرزها الصعود الاقتصادي والعسكري للصين وعودة روسيا كلاعب استراتيجي مع تصاعد أدوار قوى إقليمية مثل الهند وتركيا وإيران، وقد ساهم تراجع قدرة الغرب على إدارة الأزمات الدولية منفردًا بسبب الأزمات البنيوية داخل الغرب نفسه، مثل الشعبوية والانقسام السياسي وأزمات الاقتصاد والطاقة في تعميق ذلك الاتجاه.
ورغم ذلك لا تزال الــ “تعددية غير مكتملة”؟ ورغم ظهور قوى منافسة، فإن النظام العالمي لم يتحول بعد إلى تعددية قطبية كاملة؛ لأن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك التفوق النسبي ولديها أقوى جيش في العالم مع استمرار الهيمنة على النظام المالي الدولي والدولار إضافة لشبكة تحالفات واسعة والأهم التفوق في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والشركات العابرة للقوميات. لذلك، فالأحادية تآكلت لكنها لم تسقط بالكامل، وذلك لعدم تكافؤ القوى الصاعدة والمنافسة التي تعاني قيودًا كبيرة، فالصين قوة اقتصادية ضخمة لكنها لا تزال تواجه تحديات ديموغرافية وجيوسياسية، وروسيا قوة عسكرية أكثر منها اقتصادية، والهند صاعدة لكنها لم تصل بعد إلى مستوى النفوذ العالمي الشامل. تلك القيود والعوائق ترسخ لواقع غياب قواعد مستقرة للنظام الجديد وتؤجل فكرة التعددية إلى حين؛ لأنها تحتاج إلى توازنات واضحة وقواعد ردع مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة التنافس، هذا أدى إلى انتشار الحروب الهجينة وتزايد الصراعات الاقتصادية والتكنولوجية وتنافس على سلاسل الإمداد والطاقة والممرات البحرية، إضافة إلى شراكات متغيرة ناتجة عن سياسات اللعب على التوازنات، فمثلًا، قد تتعاون دولة مع الولايات المتحدة أمنيًا، ومع الصين اقتصاديًا، ومع روسيا في ملفات الطاقة في ظلال وعلى إيقاع أزمة ممتدة في الشرعية الدولية.
إلا أن عودة الجغرافيا السياسية ضربت بقوة في الحرب الدائرة حين عادت وتصدرت أهمية الممرات البحرية ومناطق النفوذ والأمن الغذائي والطاقة والسيطرة على سلاسل الإمداد وهو ما كان له انعكاسات واضحة على الشرق الأوسط ووضعته في بؤرة الصراع والجدل حول النفوذ وإعادة توزيع الأدوار وشجع على ذلك اهتزاز صورة القوة المهيمنة وتصاعد أدوار القوى الإقليمية والحديث المعلن عن محاور وتحالفات وتزايد هامش المناورة والفرص لكل الأطراف في ما يوصف بسياسات التوازن بدل الاصطفاف الكامل، ويمكننا قراءة المشهد من زاوية التاريخ الذي يشير إلى أن المراحل الانتقالية بين النظم الدولية غالبًا ما تكون الأكثر اضطرابًا؛ لأن القوى القديمة ترفض التراجع والقوى الصاعدة تسعى لتوسيع نفوذها وقواعد اللعبة تصبح غير واضحة، لذلك ترتبط التعددية القطبية غير المكتملة بـ: ارتفاع احتمالات الحروب الإقليمية – اتساع حروب الوكالة – أزمات اقتصادية عالمية – تآكل فاعلية المؤسسات الدولية – تصاعد سباقات التسلح والتكنولوجيا.
إن “صعود تعددية قطبية غير مكتملة” يعبر عن أزمة انتقال تاريخية يعيشها النظام الدولي؛ حيث تتراجع قدرة القوة المهيمنة على الانفراد بالقيادة، بينما لم تنجح القوى الصاعدة بعد في تأسيس نظام بديل متماسك. ونتيجة لذلك، يعيش العالم حالة من السيولة وعدم اليقين، تتداخل فيها المنافسة الجيوسياسية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن، بما يجعل المرحلة الحالية واحدة من أكثر مراحل العلاقات الدولية تعقيدًا منذ نهاية الحرب الباردة.
- أزمة الشرعية الدولية: تعاني المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن من قصور وأزمات هيكلية ووظيفية تسببت في إضعافها، مثل: عجز في اتخاذ قرارات حاسمة – تسييس متزايد – فقدان الثقة من الدول النامية – ازداوجية المعايير – هيمنة القوى الكبرى على النظام الدولي – تراجع احترام القانون الدولي – صعود الفاعلين من غير الدول – تأكل مفهوم السيادة الوطنية – الأزمات الإنسانية والحروب الممتدة – تراجع الثقة في المؤسسات الاقتصادية الدولية – صراع الروايات “السرديات” الإعلامية والمعلوماتية. مما يعني أن القيادة المؤسسية العالمية في حالة تراجع. وتشير أزمة الشرعية الدولية إلى حالة التآكل والضعف التي تصيب القواعد والمؤسسات والمبادئ التي يقوم عليها هذا النظام الدولي، بما يؤدي إلى تراجع الثقة في قدرة هذا النظام على تحقيق العدالة، وفرض القانون، وضبط سلوك الدول الكبرى والصغرى على السواء، وهو ما أدى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام مطالب بإصلاح المؤسسات الدولية وإعادة صياغة مفهوم أكثر عدالة وفاعلية للشرعية الدولية.
- تفكك القيادة داخل الدول الكبرى: الأزمة ليست خارجية فقط، بل داخلية وتتجسد في حالة الاستقطاب السياسي الحاد في الغرب يصاحبها صعود الشعبوية بين أوساط النخب والخطاب السياسي والإعلامي وهو ما نتج عنه تراجع الثقة في النخب الحاكمة وبدائلها، وحد نسبيًا من قدرة الدول الكبرى على لعب دور قيادي دائم. والمراقب لصعود الشعبوية في العقود الأخيرة في الغرب يرى أنها أصبحت أحد أبرز التحولات السياسية والفكرية التي أعادت تشكيل الحياة السياسية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ولم تعد الشعبوية مجرد تيار احتجاجي هامشي، بل تحولت إلى قوة انتخابية قادرة على الوصول إلى السلطة أو التأثير العميق في توجهات الحكومات والسياسات العامة ودفعت بوجوه ساهمت فيما نشير إليه بأزمة القيادة من أمثال ترامب. وقد انعكس تأثير تزايد الشعبوية في تراجع الأحزاب التقليدية وصعوبة بناء توافقات وطنية وتحولت الانتخابات إلى معارك وجودية بين معسكرات السياسة، وأصبحت النخب السياسية في كثير من الأحيان عاجزة عن إنتاج رؤية جامعة أو مشروع قومي طويل المدى.
ويمثل تفكك القيادة داخل الدول الكبرى أحد أهم ملامح المرحلة الانتقالية التي يعيشها العالم حاليًا. فالأزمة لم تعد فقط في ميزان القوة، بل في قدرة النخب والمؤسسات على إنتاج رؤية مستقرة وإدارة التغيرات المتسارعة داخليًا وخارجيًا. ومع استمرار الاستقطاب والتنافس الدولي، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة أكثر سيولة واضطرابًا؛ حيث تتراجع القيادة المركزية لصالح توازنات أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
وقد ساهمت الثورة الرقمية والإعلام الجديد في إحداث هذا التفكك حين أضعفت وسائل التواصل الاجتماعي احتكار الدولة للمعلومات وأسهمت في انتشار الأخبار المضللة، وتسريع الاستقطاب، وتضخم الحروب الثقافية والهوياتية، وخلق رأي عام سريع التقلب والانفعال وبالتالي أصبحت القيادة السياسية تعمل تحت ضغط دائم ومباشر وفوري. لذلك تراجعت قدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات والصراعات واحتواء الحروب وفرض التسويات وإدارة الاقتصاد العالمي وبالتبعية الحفاظ على المؤسسات الدولية؛ مما أدى إلى صعود الفوضى؛ لأن قواعد العلاقات الدولية تخبرنا أنه كلما ضعفت القيادة داخل القوى الكبرى زادت النزاعات الإقليمية وحروب الوكالة والأزمات الممتدة والتنافس على النفوذ، وهو ما يدفع العالم نحو حالة من “الفوضى المنظمة” أو “اللا يقين الاستراتيجي”.
- صعود الفاعلين من غير الدول: يشير مفهوم صعود الفاعلين من غير الدول إلى تزايد تأثير القوى والكيانات التي لا تُعد دولًا ذات سيادة، لكنها أصبحت تمتلك قدرة متنامية على التأثير في السياسة الدولية، والاقتصاد، والأمن، والإعلام، وحتى في تشكيل الرأي العام العالمي. ويُعد هذا التحول أحد أبرز ملامح النظام الدولي المعاصر، خاصة مع تراجع احتكار الدولة للقوة والمعلومات والاقتصاد. والفاعلون من غير الدول هم كيانات أو جماعات تعمل خارج الإطار الرسمي للدولة، لكنها تؤثر في العلاقات الدولية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومن أبرزهم: التنظيمات الدولية والإقليمية – الشركات متعددة الجنسيات – الجماعات المسلحة والتنظيمات العابرة للحدود – المنظمات غير الحكومية – وسائل الإعلام والمنصات الرقمية – المؤسسات المالية العالمية – الجماعات الدينية والإثنية العابرة للحدود – الأفراد ذوو التأثير العالمي في التكنولوجيا والإعلام والاقتصاد.
الشركات الكبرى (مثل Google وTesla) والتنظيمات العابرة للحدود أصبحت تمتلك تأثيرًا يفوق أحيانًا الدول بحيث أصبح لهم تأثير متزايد في السياسة والاقتصاد والأمن العالمي، أحيانًا بما يوازي تأثير بعض الدول، وقد ساهمت عدة عوامل في صعود التنظيمات العابرة للحدود في مقدمتها العولمة، تطور وسائل الاتصال والإنترنت، سهولة حركة الأموال والبشر، ضعف بعض الدول أو انهيارها، تصاعد الهويات الدينية أو الأيديولوجية العابرة للدولة الوطنية، الثورة الرقمية والإعلام الجديد، وهي عوامل مجتمعة تعقد من مفهوم “القيادة” ذاته أو كما تعارفنا عليه في قاعات البحث وساحات تفاعل النظام الدولي ونظريات العلاقات الدولية.
إن صعود الفاعلين من غير الدول يمثل تحولًا جوهريًا في طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة؛ حيث لم تعد القوة مقتصرة على الجيوش والدول، بل أصبحت موزعة بين كيانات اقتصادية، وتنظيمات مسلحة، ومنصات رقمية، ومؤسسات عابرة للحدود. ويعكس هذا التحول أزمة في بنية النظام الدولي التقليدي، ويفتح الباب أمام عالم أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه السلطة الرسمية مع النفوذ غير الرسمي بصورة غير مسبوقة.
ثانيًا: ملامح وأسباب أزمة القيادة العالمية:
- التحول في توزيع القوة: انتقال مركز الثقل من الغرب إلى آسيا، صعود اقتصادي وعسكري لقوى جديدة، تراجع نسبي في نفوذ الغرب، هذا التحول خلق فجوة بين “القوة” و“النظام”.
- فشل نماذج القيادة التقليدية: النموذج الليبرالي الذي قادته الولايات المتحدة بعد التسعينيات تعرض لهزات بسبب: أزمات مالية (مثل أزمة 2008) – حروب طويلة غير حاسمة – ازدواجية المعايير في السياسة الدولية.
- التنافس الجيوسياسي الحاد: الصراع بين الولايات المتحدة والصين لم يعد فقط اقتصاديًا، بل: تكنولوجي – عسكري – قيمي (نموذج الحكم)؛ مما يمنع ظهور قيادة توافقية.
- ثورة التكنولوجيا والمعلومات: تسريع تدفق المعلومات، تقويض احتكار الدول للقرار، انتشار “الفوضى المعلوماتية”، هذا جعل القيادة أكثر تعقيدًا وأقل مركزية.
- الأزمات العابرة للحدود مثل: التغير المناخي – الأوبئة (كما حدث في COVID-19) – الإرهاب – هذه الأزمات تحتاج قيادة جماعية، لكن النظام الحالي لا يوفرها.
- تراجع القيم المشتركة: لم يعد هناك “إجماع عالمي” حول: الديمقراطية – حقوق الإنسان – قواعد الاقتصاد الدولي؛ مما يعني غياب الأساس الأخلاقي للقيادة.
وبناءً عليه تكون ملامح الأزمة في النظام العالمي القادم كالآتي:
- قيادة موزعة (Distributed Leadership): لن يكون هناك “قائد واحد”، بل: قيادات إقليمية – تحالفات مرنة – شبكات نفوذ.
- صراع بين نماذج القيادة: نموذج غربي ليبرالي – نموذج صيني قائم على الدولة المركزية – نماذج إقليمية هجينة.
- زيادة عدم اليقين في ظل غياب القيادة الواضحة يعني: أزمات أكثر – صراعات ممتدة – قرارات غير متوقعة.
- عودة منطق القوة: في ظل غياب القيادة المنظمة، قد يعود النظام إلى: توازنات القوة – الردع – الصراعات الصفرية.
وهنا يتكشف لنا أن أزمة القيادة العالمية ليست مرحلة عابرة، بل هي مرحلة انتقالية بين نظامين:
- نظام قديم تقوده قوة واحدة (انتهى فعليًا).
- نظام جديد لم تتبلور قواعده بعد.
نحن أمام ما يمكننا وصفه بــ “فجوة/فراغ قيادة” سيستمر لسنوات، وربما عقود، إلى أن تستقر موازين القوة أو يتم بناء مؤسسات جديدة أكثر تمثيلًا أو تفرض قوة ما نموذجها بالقوة أو التوافق. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تمتع النظام الدولي بقدر من الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة، خاصة في الشرق الأوسط. إلا أن الحرب الحالية كشفت عن حدود هذه الهيمنة؛ حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض ترتيبات مستقرة أو منع التصعيد الإقليمي بشكل كامل. في المقابل، عززت قوى مثل روسيا والصين حضورها، سواء عبر دعم أطراف إقليمية، أو عبر التحرك الدبلوماسي والاقتصادي. الصين، على سبيل المثال، لم تعد لاعبًا اقتصاديًا فقط، بل دخلت إلى المجال السياسي والأمني، كما ظهر في رعايتها لاتفاقات إقليمية. أما روسيا، فترى في الفوضى النسبية فرصة لإعادة تثبيت نفوذها، رغم انشغالها بجبهات أخرى.هذه التحولات تشير إلى انتقال تدريجي نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؛ حيث يتقاطع النفوذ الدولي في الشرق الأوسط بدلًا من احتكاره.
ثالثًا: إعادة تموضع القوى الإقليمية:
الحرب الحالية دفعت بعض القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها، على سبيل المثال:
إيران، تسعى إلى تعظيم نفوذها عبر شبكات الحلفاء والوكلاء، مستفيدة من حالة الاستنزاف التي تعانيها بعض الدول. وهي تعمل على تحويل نفوذها من “نفوذ غير مباشر” إلى “نفوذ مؤسسي” داخل بعض الدول، ونفوذ جيوسياسي يتحكم في الممرات البحرية في الخليج العربي مرورًا بمضيق هرمز وبحر العرب ثم مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تواجه تحديات استراتيجية تتعلق بتآكل الردع التقليدي، وتزايد الضغوط الدولية؛ مما قد يدفعها إلى إعادة صياغة عقيدتها الأمنية وإعادة رسم التحالفات وحدود القوة والنفوذ.
تركيا، تحاول الاستفادة من الفراغات الجيوسياسية لتعزيز دورها كقوة إقليمية مستقلة، عبر مزيج من القوة العسكرية والدبلوماسية المرنة والانفتاح على القوى المركزية الرئيسية والقديمة في الإقليم مستفيدة من بعد كونها عضوًا في حلف الناتو الذي يمر بأزمات حقيقية داخل بنيته.
المملكة العربية السعودية، تتجه نحو سياسة توازن دقيق، تجمع بين خفض التصعيد والانفتاح على قوى متعددة، مع التركيز على الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية.
الفاعلون غير الدوليين، من أبرز سمات الحرب الحالية هو الدور المتزايد للفاعلين غير الدوليين، مثل المليشيات والجماعات المسلحة. هذه الكيانات لم تعد مجرد أدوات، بل أصبحت أطرافًا مؤثرة في معادلة القوة. ففي ظل ضعف بعض الدول أو انشغالها، تمكنت هذه الجماعات من فرض واقع ميداني جديد، وأصبحت جزءًا من حسابات الردع والتوازن، وهو ما يعقّد أي محاولة لإعادة ترتيب المنطقة؛ حيث لم يعد التفاوض يقتصر على الدول فقط.
هذا التباين في الاستراتيجيات يعكس انتقال المنطقة من “محاور صلبة” إلى “تحالفات مرنة”، تتغير وفقًا للمصالح والظروف. وبناءً عليه نجد أن تعريفًا جديدًا لمفهوم الأمن الإقليمي يجب أن يستند على عدد من الحقائق كالآتي:
- كشفت الحرب أن مفهوم الأمن في الشرق الأوسط لم يعد يقتصر على التهديدات العسكرية التقليدية، بل أصبح أكثر شمولية ليضم في قاموسه الجديد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والأمن الاقتصادي والاستقرار الداخلي للدول. هذا التوسع في مفهوم الأمن يدفع نحو الحاجة إلى نظام إقليمي جديد، قد يشبه -من حيث الفكرة- نماذج مثل حلف شمال الأطلنطي، ولكن بصيغة شرق أوسطية تأخذ في الاعتبار خصوصيات المنطقة.
- أثرت الحرب على خرائط النفوذ الجغرافي وأدت إلى تغييرات في خرائط النفوذ داخل الدول، وليس فقط بينها، فهناك مناطق قد تخرج جزئيًا من سيطرة الدولة المركزية، أو تتحول إلى مناطق نفوذ لقوى خارجية أو محلية.
- أكدت الحرب على أن الممرات الحيوية -مثل المضائق البحرية وخطوط الطاقة- أصبحت أكثر عرضة للتنافس؛ مما يعزز من أهمية الجغرافيا في تحديد موازين القوة. ولعل المشهد الختامي للحرب والذي ارتبط بأزمة غلق مضيق هرمز قد وضعت المعنى والأبعاد بين هلالين يؤكدان على رمزية وأهمية الممرات في حسابات أي حرب قادمة.
رابعًا: سيناريوهات ما بعد الحرب:
يمكن تصور عدة سيناريوهات لإعادة تشكيل النفوذ:
أولًا: سيناريو التوازن الهش: حيث تستمر حالة اللا سلم واللا حرب، مع توازنات دقيقة تمنع الانفجار الشامل. ويشير هذا السيناريو وفق المتعارف عليه في العلاقات الدولية إلى حالة من الاستقرار المؤقت وغير المستقر؛ حيث تنجح القوى الدولية أو الإقليمية في منع الانفجار الشامل أو الحرب الكبرى، لكنها تعجز في الوقت ذاته عن بناء نظام مستقر ودائم لتسوية الصراعات. أي أن التوازن قائم، لكنه قابل للاهتزاز عند أي أزمة مفاجئة أو تغير في موازين القوة، ولطالما ارتبط المسمى لهذا السيناريو بتحليل الأوضاع في الشرق الأوسط على مدار تاريخه الحديث والمعاصر واستخدم على نطاق أوسع في توصيف العلاقات بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وأهم ملامح هذا السيناريو الكلاسيكي هي غياب الحسم الكامل؛ حيث لا توجد قوة قادرة على فرض سيطرة كاملة، وفي المقابل لا تستطيع الأطراف الضعيفة إسقاط النظام القائم، كما يشهد السيناريو استمرار للصراعات منخفضة الحدة مثل الحروب بالوكالة ذات المواجهات المحدودة والتي يصاحبها وينتج عنها ضغوط اقتصادية وعقوبات في ظل توترات أمنية متقطعة. ويؤكد السيناريو على وجود ردع متبادل؛ حيث يمتلك كل طرف أدوات تمنع الطرف الآخر من الذهاب إلى مواجهة شاملة مع إدراك أنه لا يملك القدرة على تحقيق انتصار نهائي، ورغم ذلك يحتوي السيناريو على مخاطر كبيرة لأن الوضع بطبيعته وتكوينه وتفاعلاته قابل للانفجار السريع فحادث محدود مثل استهداف منشآت استراتيجية أو اغتيال قيادات كبرى قد يتحول إلى أزمة إقليمية أو دولية واسعة.
وتمنح تفاعلات القوى الإقليمية والدولية في إقليم الشرق الأوسط زخمًا مستمرًا لهذا السيناريو على مدار تاريخه وزاد من حضوره في السنوات الأخيرة مع تراجع ملموس في الهيمنة الاحادية الأمريكية لا تعوضها غطرسة واندفاع الرئيس ترامب وتحركاته غير محسوبة العواقب، فضلًا عن صعود قوى دولية وإقليمية منافسة إضافة إلى تشابك المصالح الاقتصادية العالمية في ظل انتشار التكنولوجيا العسكرية المتقدمة في مجالي المسيرات والصواريخ وتقنيات التخفي، وفي ظل حسابات معقدة تؤكد صعوبة الحروب الشاملة في ظل الكلفة الاقتصادية والسياسية الضخمة خاصة إذا طال أمدها.
ثانيًا: سيناريو إعادة الهيمنة: محاولة قوة دولية (غالبًا الولايات المتحدة) استعادة زمام المبادرة عبر ترتيبات أمنية جديدة. وهو سيناريو يعد أحد أهم السيناريوهات المطروحة بقوة في أدبيات العلاقات الدولية عند الحديث عن مستقبل النظامين العالمي والإقليمي خاصة في ظل حالة السيولة الاستراتيجية التي يشهدها العالم منذ الحرب الروسية – الأوكرانية وتصاعد التنافس الأمريكي – الصيني، واضطرابات الشرق الأوسط، وأزمات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا. وعادة من يرجح هذا السيناريو يربطه بنجاح قوة دولية كبرى – أو تحالف دولي محدود من القوى – في استعادة القدرة على قيادة النظام الدولي وفرض قواعده السياسية والاقتصادية والأمنية، بعد مرحلة من التراجع أو التعددية أو الفوضى النسبية. وغالبًا ما يرتبط بسياق محاولة الولايات المتحدة استعادة هيمنتها العالمية وفي عدد من المناطق مثل إقليم الشرق الأوسط وهذا لا يمنع أن يرتبط أيضًا بصعود قوة بديلة مثل الصين.
وتنتعش احتمالات هذا السيناريو دائمًا مع تراجع فاعلية المؤسسات الدولية بالتوازي مع تصاعد الحروب والصراعات الإقليمية مع صعود قوى دولية منافسة مثل الصين وروسيا، كذلك تنامي نفوذ الفاعلين غير الدوليين ويا حبذا لو أن هناك أزمات اقتصادية طاحنة تعصف بكل دول العالم، وبالتبعية يزيد سباق التسلح ويتعمق الفشل النسبي لفكرة “العولمة الليبرالية”. هذا الفشل هو الذي دفع بعض دوائر صنع القرار الغربية إلى التفكير في ضرورة “إعادة ضبط النظام العالمي” عبر استعادة مركزية القوة الغربية خصوصًا الغربية وتحييد كل الخلافات بين مكونات وعناصر القوة الغربية حتى لو اقتضى الأمر تجاوز ترامب وكل ما يمثله ترامب من تهديد لتلك القوة ووحدة ولأهمية بقائها موحدة وفاعلة ومؤثرة.
وتنعكس نتائج هذا السيناريو على منطقة الشرق الأوسط وكأنها متلازمة تفرض نتائج مباشرة من خلال أنه يؤدي إلى زيادة الاستقطاب الإقليمي، وتعزيز سباقات التسلح وتوسيع التحالفات الأمنية وتصاعد الضغوط القصوى على الدول الصغيرة والذي بدوره يؤدي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ التي تؤدي إلى فرض ترتيبات اقتصادية وأمنية جديدة، في المقابل قد يمنح بعض الدول فرصًا للحصول على مظلات أمنية واستثمارات أجنبية وكذلك أدوار إقليمية أكبر.
وبينما يرى البعض أن الولايات المتحدة قادرة على استعادة الهيمنة بفضل تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، يرى اتجاه آخر أن العالم والمنطقة قد تجاوزوا مرحلة الهيمنة الأحادية وأن التعددية القطبية أصبحت واقعًا دائمًا أو قادمًا، وبينهما تيار واتجاه وسط يرى أن المستقبل سيشهد “هيمنة مرنة” أو “قيادة انتقائية”؛ حيث تبقى واشنطن القوة الأولى لكن دون سيطرة مطلقة، ولعل دروس الحرب الحالية ترجح الرأي والاتجاه الوسط.
ثالثًا: سيناريو الفوضى الممتدة: استمرار الصراعات بشكل متقطع، مع تآكل الدول وصعود الفاعلين غير الدوليين. وهو يعكس عجز النظامين الدولي والإقليمي على فرض الاستقرار وإنتاج تسويات دائمة، بما يؤدي إلى استمرار الأزمات والحروب والصراعات في المنطقة بصورة متقطعة ومفتوحة زمنيًا دون الوصول إلى حسم شامل أو نظام بديل واضح، وهو أحد السيناريوهات المطروحة بقوة لمستقبل النظام العالمي والشرق الأوسط خلال العقد المقبل.
وللتوضيح فإن الفوضى الممتدة لا تعني انهيارًا كاملًا للدول أو النظام الدولي كما يتبادر إلى الذهن عند سماع المصطلح، بل يعني الإشارة إلى عدد من الحقائق والمعطيات، في مقدمتها تراجع قدرة القوى الكبرى على إدارة العالم بصورة مستقرة – استمرار الحروب منخفضة ومتوسطة الحدة – تصاعد الأزمات الاقتصادية والطاقة والغذاء والهجرة – ضعف المؤسسات الدولية وفقدانها الفاعلية – انتشار الفاعلين من غير الدول مثل المليشيات والتنظيمات المسلحة والشركات الأمنية العابرة للحدود – غياب “قواعد مستقرة” تحكم العلاقات الدولية. وهنا يصبح العالم أقرب إلى حالة “اللا يقين المزمن”؛ حيث لا توجد حرب عالمية شاملة، لكن لا يوجد سلام مستقر أيضًا.
انعكاسات هذا السيناريو على منطقة الشرق الأوسط تبدو أكثر وضوحًا في الأزمات المتتالية في ظل غياب نظام إقليمي مستقر؛ حيث لا توجد منظومة أمن إقليمي متفق عليها بين إيران وتركيا وإسرائيل والدول العربية الكبرى بل توجد شبكات تحالفات متغيرة وصراعات نفوذ متداخلة. إضافة إلى انتشار الحروب بالوكالة بسبب أن القوى الإقليمية تستخدم جماعات محلية لتحقيق أهدافها دون مواجهة مباشرة كما في اليمن وسوريا والعراق ولبنان. وهناك أيضًا هشاشة في بعض الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية حادة وضعف المؤسسات والانقسامات الطائفية أو القبلية وأزمات الشرعية السياسية وهو ما يجعلها أكثر عرضة للاهتزاز عند أي صدمة إقليمية ودولية. كل هذا أدى إلى عسكرة الإقليم؛ حيث يشهد الشرق الأوسط سباق تسلح متصاعد وانتشار القواعد العسكرية الأجنبية مع تصاعد الصناعات العسكرية المحلية وتزايد استخدام المسيرات والصواريخ؛ مما يجعل احتمالات الانفجار قائمة باستمرار.
رابعًا: سيناريو التسوية الكبرى: التوصل إلى تفاهمات إقليمية ودولية تعيد رسم قواعد اللعبة بشكل شامل. يشير “سيناريو التسوية الكبرى” في العلاقات الدولية إلى احتمال الوصول إلى صفقة أو تفاهمات شاملة بين القوى الكبرى والإقليمية لإنهاء حالة الصراع والفوضى الممتدة، عبر إعادة توزيع النفوذ، وترسيم قواعد جديدة للتوازن الدولي والإقليمي. وعادة ما يظهر هذا السيناريو بعد فترات الحروب الطويلة أو الاستنزاف المتبادل، حين تدرك الأطراف المتصارعة أن كلفة المواجهة أصبحت أعلى من مكاسبها. ويعرف أيضًا بأنه انتقال النظام الدولي من مرحلة الصدام المفتوح إلى مرحلة “إدارة التوازنات” عبر اتفاقات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة، تشمل ملفات مترابطة في وقت واحد، مثل: الأمن الإقليمي – النفوذ الجيوسياسي – الطاقة والممرات البحرية – البرامج النووية – مستقبل التحالفات العسكرية – إعادة الإعمار والاقتصاد – القضية الفلسطينية وترتيبات الشرق الأوسط.
“سيناريو التسوية الكبرى”، لا يعني نهاية الصراعات بالكامل، بل انتقالها من الحروب المفتوحة إلى “إدارة التنافس” وفق قواعد جديدة. وهو سيناريو تفرضه ضرورات الإرهاق المتبادل، وتوازن القوى، والخوف من الانفجار الشامل، لكنه يظل مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على تقديم تنازلات متبادلة وصياغة نظام إقليمي ودولي أكثر توازنًا واستقرارًا.
يظل سيناريو “التوازن الهش” الأكثر التصاقًا بطبيعة تفاعلات الشرق الأوسط بكل ما يحيط به من مخاطر، فهو ليس سلامًا مستقرًا، ولا حربًا شاملة، بل حالة وسطية تقوم على الردع المتبادل وإدارة الصراع بدلًا من حله. وهو أكثر السيناريوهات ترجيحًا في النظام الدولي الإقليمي والدولي القائم وأيضًا القادم، خاصة في ظل التحولات الجارية في موازين القوة الدولية والإقليمية. ويقترب منه في الترجيح سيناريو “الفوضى الممتدة” خاصة خلال العقد القادم من مستقبل الإقليم في ظل الفشل في الوصول إلى تسويات لمجمل القضايا الرئيسية. وتظل كل السيناريوهات تُلقي بظلالها في بعض من جوانب الصراعات الممتدة لتظل الصورة والانطباع الدائمان أن تلك المنطقة على مدار تاريخها هي عبارة عن: “بورة صراع”؛ حيث يعبر سيناريو “الفوضى الممتدة” عن مرحلة انتقالية عالمية مضطربة، يتراجع فيها النظام القديم دون أن يولد نظام جديد مستقر، وفي الشرق الأوسط تحديدًا، قد يعني ذلك استمرار الصراعات وإعادة تشكيل موازين القوى بصورة تدريجية وعنيفة في آن واحد. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الدول ليس فقط تجنب الانهيار بل القدرة على التكيف مع عالم تتزايد فيه السيولة الاستراتيجية وتتراجع فيه اليقينيات التقليدية. ويظل سيناريو التسوية الكبرى الأقل ترجيحًا رغم ما يعرف عن ترامب أنه رجل الصفقات والتسويات الكبرى وفي ظل وجود بنيامين نتنياهو على رأس السلطة والقرار في إسرائيل.
41الخلاصة،يعاني العالم أزمةً عميقة في القيادة على مستوى المنظمات والهيئات والمؤسسات التي تشكل النظام الدولي القائم وعلى مستوى الدول والقيادات والرموز. إن الحرب التي تشهدها المنطقة لم تكن مجرد حدث عابر ومعركة في حروب الشرق الأوسط الممتدة عبر التاريخ، بل تمثل نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط وتاريخ العالم أجمع، فهي تعيد تشكيل خرائط النفوذ، وتكشف عن توازنات جديدة، وتفرض واقعًا مختلفًا على جميع الأطراف. وفي ظل هذا التحول، لن يكون النفوذ في المنطقة حكرًا على قوة واحدة، بل سيصبح نتاجًا لتفاعل معقد بين قوى دولية وإقليمية، ودول وفاعلين غير دوليين لنصل إلى نتيجة نهائية ستعتمد على مسار الحرب ومشهد النهاية، وقدرة الأطراف على إدارة الصراع أو احتوائه، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها.
رئيس وحدة الدراسات العربية
