وحدة الدراسات الاقتصادية

أثر تطورات أسعار النفط على معدلات التضخم العالمية والمحلية

شهدت أسعار النفط في الفترات الأخيرة ارتفاعات وتحركات واسعة، فقد ارتفعت أسعار المشتقات باستثناء وقود الطائرات الذي لم يتحسن الطلب عليه بدرجة كبيرة منذ انهياره مع توقف السفر الجوي في عام جائحة فيروس كورونا. ويرجع ارتفاع أسعار النفط إلى عودة الطلب بجانب سعي منظمة أوبك لتحقيق الاستقرار في الأسعار لمستويات لما قبل الجائحة، فقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت فوق 77 دولارًا خلال شهر يوليو 2021 للمرة الأولى منذ 2018، مما أدى إلى ارتفاع أسهم الطاقة العالمية. الأمر الذي تتصاعد معه وتيرة المخاوف التضخمية العالمية في المدى القريب. تطور أسعار النفط العالمية في ديسمبر 2019، بلغ متوسط ​​سعر خام برنت…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

شهدت أسعار النفط في الفترات الأخيرة ارتفاعات وتحركات واسعة، فقد ارتفعت أسعار المشتقات باستثناء وقود الطائرات الذي لم يتحسن الطلب عليه بدرجة كبيرة منذ انهياره مع توقف السفر الجوي في عام جائحة فيروس كورونا. ويرجع ارتفاع أسعار النفط إلى عودة الطلب بجانب سعي منظمة أوبك لتحقيق الاستقرار في الأسعار لمستويات لما قبل الجائحة، فقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت فوق 77 دولارًا خلال شهر يوليو 2021 للمرة الأولى منذ 2018، مما أدى إلى ارتفاع أسهم الطاقة العالمية. الأمر الذي تتصاعد معه وتيرة المخاوف التضخمية العالمية في المدى القريب.

تطور أسعار النفط العالمية

في ديسمبر 2019، بلغ متوسط ​​سعر خام برنت 67 دولارًا للبرميل، وهو أعلى بمقدار 10 دولارات عما كان عليه في نهاية ديسمبر من العام السابق. ولكن سرعان ما فقدت أسعار النفط جميع المكاسب المتراكمة في يناير 2020 إثر تفشي جائحة كورونا وتراجع الطلب على النفط بسبب قيود السفر وانخفاض الإنفاق على الترفيه. ونتيجة لذلك، تراجعت أسعار النفط إلى ما دون الصفر للمرة الأولى على الإطلاق في أبريل 2020.

بحلول نهاية عام 2020، عندما بدأت حملات التطعيم الأولى ضد فيروس كورونا، وصل سعر النفط الخام إلى 52 دولارًا للبرميل، وحققت أسعار النفط خلال الأشهر الأولى من عام 2021 ارتفاعًا لتصل إلى الحد الأقصى لمدة عام واحد عند 69.95 دولارًا في 5 مارس 2021. وتعكس المكاسب تحسن الطلب على النفط بسبب التقدم في التطعيم ضد COVID-19 وتعافي النشاط الاقتصادي العالمي، وهذا ما يشير له الشكل التالي.

شكل: تطور أسعار النفط العالمي خلال الفترة (يناير 2019 – حتى الآن)

SOURCE: EIA, Spot Prices for Crude Oil and Petroleum Products, http://www.eia.gov/dnav/pet/pet_pri_spt_s1_d.htm

وتُشير التوقعات إلى أن يبلغ متوسط ​​أسعار خام برنت 62.26 دولارًا للبرميل في عام 2021 و60.74 دولارًا للبرميل في عام 2022 وفقًا لأحدث توقعات الطاقة قصيرة الأجل الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA). ويمثل هذا انتعاشًا مقارنة بمتوسط ​​عام 2020 البالغ 41.69 دولارًا للبرميل، لكنه لا يزال أقل من مستويات ما قبل الجائحة.

كما يتوقع صندوق النقد الدولي، في أحدث إصدار له من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، سيناريو انتعاش مماثل، مع ارتفاع أسعار نفط برنت إلى 59.74 دولارًا للبرميل في عام 2021 ثم 56.23 دولارًا في عام 2022.

أثر ارتفاع أسعار النفط العالمي على معدلات النمو العالمية

في حال استمر ارتفاع أسعار المشتقات البترولية، خصوصًا وقود السيارات، واضطرت البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية؛ فإن ذلك سيضر بالنمو الاقتصادي، وبالتالي يتراجع معدل التعافي بعد أزمة كورونا. حيث تُشير الأدبيات الاقتصادية إلى وجود عدة قنوات لانتقال أثر تحركات أسعار النفط إلى الناتج، فمن جانب العرض (Supply Side Effect)، يعد النفط أحد مدخلات الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار النفط تزيد من تكاليف الإنتاج وقد يتطلب خفض العمالة للحفاظ على معدلات الأرباح المحققة.

ومن جانب الطلب (Inflation Effect)، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى ارتفاع تكاليف النقل وأسعار المدخلات الأخرى ومستلزمات الإنتاج، ومن ثم زيادة أسعار المنتجات النهائية، وارتفاع معدل التضخم بما يخفض من الطلب على السلع والخدمات (الاستثماري والاستهلاكي)، وانخفاض مستوى النشاط الاقتصادي، ومن ثم انخفاض الاستثمار والإنتاج والصادرات بما يعمل على انخفاض الناتج.

کما توجد قناة أخرى إثر انتقال الثروة Wealth Transfer Effect، فقد يتسبب ارتفاع أسعار النفط في انتقال الثروة من الدول المستوردة إلى الدول المصدرة للنفط من خلال انتقال الدخل والقوة الشرائية نتيجة الواردات النفطية للدول المستوردة، الأمر الذي یخفض من الطلب الکلي بالدول المستوردة، ومن ثم انخفاض مستوى الواردات الصناعية المطلوبة اللازمة للصناعة من ناحية، وانخفاض الطلب على السلع الصناعية النهائية من ناحية أخرى.

أثر ارتفاع أسعار النفط العالمي على معدلات التضخم العالمية والمحلية

تشهد معدلات التضخم ارتفاعًا ملحوظًا في الفترات الأخيرة، لتصبح مشكلة عالمية، وتعد الأعلى منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008. وفي السياق ذاته، أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مطلع شهر يونيو (2021) أن معدلات التضخم ارتفعت في الدول الأعضاء بالمنظمة، وعددها 28 دولة، بمعدل 3.3 %، مقارنة بما كانت عليه في أبريل (2021)، والتي قدرت بنحو 2.4 %، وذكرت المنظمة في تقريرها أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا عزز ارتفاع معدلات التضخم، والتي اعتبرتها الأسرع من الأزمة الاقتصادية عام 2008. وأشارت إلى أن معدلات التضخم السنوي ارتفعت في أمريكا إلى 4.2 % في أبريل 2021 مقارنة مع 2.6 % في مارس، بينما تسارع معدل التضخم في كندا إلى 3.4 % من 2.2 %. وشهدت أوروبا زيادات متواضعة في أبريل، حيث ارتفع التضخم إلى 1.6 % في بريطانيا.

وفي الخليج العربي، توقعت مؤسسة “أوكسفورد إيكونوميكس” البريطانية للدراسات الاقتصادية، أن تبقى معدلات التضخم في دول الخليج العربي تحت السيطرة في 2021، وإن كانت أعلى قليلًا من معدلات عامي 2019 و2020، وذلك بسبب وجود بعض الضغوط التضخمية الطفيفة الناجمة عن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية وكلفة الشحن، بسبب الاضطرابات في سلاسل الإمداد والتوريد العالمية، نتيجة تفشي الجائحة.

ويُشير الشكل التالي إلى تطور معدلات التضخم العالمية وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، كما يقدم توقعات مستقبلية لمعدلات التضخم حتى عام 2026، والذي يتضح من خلاله توقعات الصندوق بارتفاع معدلات التضخم خلال عام 2021 لتبدأ في الانخفاض مع نهاية عام 2022 وتعاود الاستقرار حتى 2026 عند مستوى أقرب إلى 3%.

شكل: تطور معدلات التضخم العالمي خلال الفترة (2007 – 2026)

المصدر: صندوق النقد الدولي، 2021.

كما تشير أغلب التوقعات إلى ارتفاع معدلات التصخم على مستوى المناطق والأقاليم الجغرافية، خلال عامي 2021 وعام 2022، لتتخطى متوسطاتها التاريخية، فمن المتوقع ان يصل التضخم بدول منطقة الشرق الأوسط 11.1% خلال عام 2021، وهو ما يشير له الشكل التالي.

شكل: تطور معدلات التضخم بالمناطق والأقاليم الجغرافية المختلفة

المصدر: صندوق النقد الدولي، 2021.

أثر ارتفاع الأسعار على معدلات التضخم المحلي

تنعكس الأسعار العالمية للبترول على التضخم المحلي من خلال قرارات لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، والمتعلقة بتطبيق آلية التسعير التلقائي لأسعار المنتجات البترولية بشكل ربع سنوي وبحد أقصى ±10 نقطة مئوية للمراجعة، بما قد يلقي بظلاله على أسعار المنتجات المحلية. وتشير الدراسات إلى أنه من المحتمل أن تنعكس التطورات السعرية العالمية على الاتجاهات التضخمية في مصر من خلال ما يُعرف بالتضخم المستورد والمسئول عن نحو (35%) من التضخم في مصر.

وتتوقع مؤسسة فيتش أن يرتفع معدل التضخم ليصل إلى (6.6%) خلال عام 2022، مقارنة بنحو (5.1%) في المتوسط عام 2021، هذا وتتوقع المؤسسة أيضًا أن تتراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بدءًا من عام 2022 وإن كان تراجعًا طفيفًا ليسجل 16.10 جنيهًا للدولار الواحد مقارنة بنحو 15.65 جنيهًا للدولار الواحد خلال عام 2021، مما يشكل ارتفاعًا في فاتورة استيراد السلع، ووضع ضغوط تضخمية على أسعار السلع المحلية.

أخيرًا، يمكن القول إنه على الرغم من الآثار السلبية على اقتصاديات الدول نتيجة لارتفاع معدلات التضخم؛ إلا أن هناك إيجابيات يمكن أن تنعكس على اقتصادات الدول وخصوصًا المصدرة للنفط، والتي يمكن أن ترتفع إيراداتها خلال هذه الفترة جراء ارتفاع أسعار النفط، كما أن عودة الحياة لطبيعتها وعودة حركة السفر والسياحة بين دول العالم ستنعش هذا القطاع، مما سينعكس إيجابًا على اقتصادات الدول.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية