مثّلت حرب أكتوبر 1973 اختبارًا حاسمًا لمتانة الحضور الإسرائيلي في أفريقيا، الذي عملت إسرائيل على ترسيخه خلال الخمسينيات والستينيات، وتوظيفه منذ 1948 لكسر العزلة التي واجهتها في محيطها العربي. إلا أن الحرب كشفت محدودية قدرة هذا الحضور على الصمود أمام التحولات الإقليمية والدولية؛ ففي عام 1973 قطعت 25 دولة من دول أفريقيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وبحلول أوائل عام 1974 شرعت وزارة الخارجية الإسرائيلية في إعادة صياغة سياستها تجاه أفريقيا، دون أن تتمكن بصورة فعالة من احتواء العزلة التي فرضتها القطيعة أو استعادة مكانتها السابقة.
ويكشف هذا التحول السريع عن التباين بين نجاح الدبلوماسية الإسرائيلية في أفريقيا، خلال الخمسينيات والستينيات، والتراجع الحاد لمكانتها في أواخر 1973؛ إذ عجزت عن التأثير في السياق الجيوسياسي الذي قاد إلى القطيعة أو الحد من تداعياتها. ومن ثم، ابتعدت معظم الدول الأفريقية عن إسرائيل، رغم علاقاتها السابقة بها، مدفوعة بالحفاظ على الوحدة الأفريقية، وتجنب العزلة الدولية، والالتزام بالمواقف الأفريقية، والحد من التداعيات الاقتصادية لارتفاع أسعار النفط خلال أزمة 1973.
أولًا: من التقارب إلى التباعد: التحول في الموقف الأفريقي تجاه إسرائيل
أتاح استقلال الدول الأفريقية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات لإسرائيل توسيع حضورها القاري؛ ففي مارس 1957، استقلت ساحل الذهب باسم غانا، وأقامت إسرائيل معها علاقات وثيقة بصورة استثنائية، ثم استقلت 16 دولة أفريقية خلال 1960 و1961، ولم ترفض إقامة علاقات مع إسرائيل سوى موريتانيا والصومال، اللتين انضمتا لاحقًا إلى جامعة الدول العربية.
ومنذ ذلك الحين، أولت إسرائيل أفريقيا أهمية متزايدة، رغم محدودية ما كانت دولها قادرة على تقديمه من أسلحة أو مساعدات اقتصادية أو مهاجرين. واتسم التوجه الإسرائيلي، ولا سيما توجه ديفيد بن جوريون، رئيس الوزراء بين 1948–1953 ثم 1955–1963، وجولدا مائير، وزيرة الخارجية بين 1956–1966 ورئيسة الوزراء بين 1969–1974، بمزيج من البراجماتية والرؤية المثالية لدور إسرائيل. وفي هذا السياق، قدمت إسرائيل نفسها كدولة غير منحازة في الحرب الباردة ومصدر للمساعدات، وعززت حضورها الدبلوماسي بإيفاد نخبة من دبلوماسييها إلى أفريقيا، بهدف بناء علاقات تحد من انخراط الدول الأفريقية مستقبلًا في الحملات المناهضة لها داخل الأمم المتحدة، ولا سيما بشأن المياه والحدود واللاجئين.
ومنذ أواخر الخمسينيات، ارتبط التوسع الإسرائيلي في أفريقيا بتحول استراتيجي أوسع تمثل في “عقيدة المحيط”، القائمة على إقامة علاقات مع الدول الواقعة خارج دول المواجهة العربية. وخلال الستينيات، استغلت إسرائيل استقلال الدول الأفريقية، لتطوير علاقات دفاعية وثيقة مع عدد متزايد منها، وبحلول منتصف العقد، ركزت بصورة خاصة على تأمين جناحها الاستراتيجي لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، عبر إيجاد موانئ صديقة، ومن هنا اكتسب المجال الخلفي لإثيوبيا أهمية خاصة في شرق أفريقيا، في كل من كينيا وتنزانيا وأوغندا.
غير أن حرب الأيام الستة عام 1967 بدأت في تغيير البيئة السياسية المحيطة بتلك العلاقات؛ إذ اعتبرت دول أفريقية أن احتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء المصرية يمثل تعديًا على أراضٍ أفريقية. ومع ذلك، لم تقطع العلاقات معها سوى غينيا، وظلت إسرائيل حتى عام 1971 تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع 32 دولة أفريقية.
لكن وتيرة التراجع تسارعت منذ 30 مارس 1972، حين أنهى الرئيس الأوغندي عيدي أمين بصورة مفاجئة العلاقات الوثيقة مع إسرائيل. وبينما أرجعت إسرائيل القطيعة في البداية إلى طبيعة أمين وتقلباته، كشفت التطورات اللاحقة عن اتجاه أوسع؛ إذ قطعت تشاد والكونغو (برازافيل) ومالي والنيجر علاقتها مع إسرائيل بين أواخر نوفمبر 1971 وأوائل يناير 1973، ثم حذت بوروندي حذوها في مايو 1973. ومع استمرار إسرائيل في التعويل على علاقاتها مع 27 دولة أفريقية، كانت مؤشرات التحول القاري تتزايد، بما جعل رياح القطيعة تهب بصورة متصاعدة ضدها.
وبالتوازي، تصاعد الضغط الأفريقي الجماعي؛ ففي يونيو 1972 تبنت منظمة الوحدة الأفريقية أشد قراراتها حتى ذلك الوقت ضد إسرائيل، داعية «جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة» إلى الامتناع عن تزويدها بالأسلحة أو المعدات العسكرية أو الدعم المعنوي الذي يعزز قدرتها العسكرية ويديم احتلالها للأراضي العربية والأفريقية. ومع ذلك، لم تدع المنظمة إلى وقف استيراد الأسلحة الإسرائيلية، ولم يكن الموقف الأفريقي يعني في هذه المرحلة خطة جماعية لنبذ إسرائيل، إذ كانت غالبية الدول الأفريقية في ذلك الحين تسعى إلى تحقيق السلام ودفع إسرائيل إلى قبول خطة السفير السويدي لدى الأمم المتحدة، جونار يارينج، لتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي.
وبحلول نهاية 1972، بدأت دول أفريقية رئيسية، في مقدمتها إثيوبيا وساحل العاج ونيجيريا وزائير (الكونغو الديمقراطية)، إعادة تقييم علاقاتها بإسرائيل، وهو ما مثّل مصدر قلق أكبر لإسرائيل من المواقف الصادرة عن المنظمات الحكومية الدولية، ففي ظل محدودية أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية، ومع تنامي المخاوف الإسرائيلية من تدهور العلاقات الثنائية، خلصت وزارة الخارجية بحلول منتصف 1973 إلى أن الحفاظ على الروابط الأفريقية يقتضي خفض مستوى المساعدات دون التخلي عنها، مع مواصلة الاستثمار المرتفع في إثيوبيا لثقلها الاستراتيجي في شرق أفريقيا، والحفاظ على علاقات وثيقة مع ساحل العاج ونيجيريا وزائير (الكونغو الديمقراطية) لما تتمتع به من نفوذ في غرب ووسط القارة.
وتباينت دوافع هذه الدول في إعادة تقييم علاقاتها بإسرائيل. ففي إثيوبيا، ارتبط تراجع الحماس للعلاقة بتدهور البيئة الأمنية والإقليمية؛ إذ تصاعدت الضغوط العربية بشأن إريتريا، ودعمت ليبيا والجزائر وتونس وعدد من الدول الأفريقية المطالب الصومالية تجاه إثيوبيا، بالتزامن مع تهديدات معمر القذافي ومحاولته نقل اجتماع منظمة الوحدة الأفريقية من أديس أبابا إلى القاهرة، فضلًا عن عدم نجاح هيلا سيلاسي في الحصول على زيادة في المساعدات العسكرية الأمريكية خلال زيارته واشنطن في مايو 1973. وأدى ذلك إلى تنامي توجه داخل القيادة الإثيوبية نحو انفتاح أفريقي–عربي أكبر وتقليص الاعتماد على إسرائيل، دون حسم القطيعة؛ إذ أكد هيلا سيلاسي في يونيو 1973 تمسكه بالعلاقة «التاريخية» مع إسرائيل، التي عملت بدورها على الحفاظ عليها عبر زيادة المساعدات والضغط لدى واشنطن لتلبية الاحتياجات العسكرية الإثيوبية.
أما ساحل العاج، فحافظ الرئيس فيليكس هوفويه-بوانيي على علاقاته بإسرائيل وسعى إلى تقديم نفسه صديقًا لها ووسيطًا محتملًا بينها وبين الدول العربية، مع محاولة التكيف في الوقت نفسه مع تصاعد النفوذ العربي داخل النظام الأفريقي. وبعد قرار منظمة الوحدة الأفريقية في مايو 1973، المتشدد تجاه إسرائيل، دون إلزام جماعي بقطع العلاقات معها، قدم بوانيي نفسه على أنه نجح في منع الدعوة إلى قطع العلاقات، لكن موقفه بدأ يتأثر تدريجيًا بالنفوذ العربي، ولا سيما بعد لقائه بالرئيس المصري أنور السادات. ومن ثم اتسم موقف ساحل العاج بالموازنة بين استمرار العلاقة مع إسرائيل والحفاظ على موقعها الأفريقي.
وفي زائير، كان التحول أكثر ارتباطًا بحسابات القيادة القارية. فمنذ انقلاب موبوتو عام 1965، توسع التعاون العسكري مع إسرائيل، التي دربت معظم كبار الضباط وثلاث كتائب مظليين وقوات الشرطة، كما بلغت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية لزائير 1.7 مليون دولار عام 1968. لكن موبوتو لم يعتبر هذا التعاون التزامًا سياسيًا بإسرائيل، وبدأ بحلول 1973 يرى في الارتباط العلني بها عبئًا على طموحاته القيادية في أفريقيا. لذلك أعلن في مايو 1973 إنهاء العلاقات الدفاعية، مبررًا ذلك بوصول الجيش الزائيري إلى مستوى الكفاءة المطلوب. ومع ذلك، لم يتبنَّ الموقف العربي بالكامل؛ إذ ظل حريصًا على مواجهة نفوذ معمر القذافي ومنع فرض توجهه على منظمة الوحدة الأفريقية أو السياسة الخارجية لزائير. ولذلك خفض مستوى العلاقة وانتقد إسرائيل، لكنه قاوم القطيعة الكاملة، وألغى زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان إلى كينشاسا في يونيو 1973، حتى لا يبدو متعارضًا مع التوجه الأفريقي المتصاعد.
أما نيجيريا، فتأثر موقفها بتداخل الاعتبارات الداخلية والقارية؛ إذ واجهت حكومة الرئيس ياكوبو جوون ضغوطًا من الكتلة المسلمة الكبيرة في البلاد ومن الدول العربية، بالتزامن مع دور نيجيريا المحوري داخل منظمة الوحدة الأفريقية. لذلك تراوح موقفها بين التحذير من إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل إذا واصلت تحدي قرارات المنظمة، والتأكيد على استقلال القرار النيجيري ورفض الإملاءات العربية. وهكذا، حافظت نيجيريا حتى سبتمبر 1973 على موقف موازن بين الانتقاد السياسي لإسرائيل والإبقاء على العلاقات الدبلوماسية معها.
وعلى المستوى الجماعي، بلغ التصعيد الأفريقي مستوى جديدًا في اجتماع منظمة الوحدة الأفريقية في مايو 1973، ثم في مؤتمر حركة عدم الانحياز بالجزائر في سبتمبر 1973، عندما وافقت الدول الأفريقية على قرار شديد اللهجة دعا إلى مقاطعة إسرائيل دبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا. وقد أيدت القرار جميع الدول الأفريقية الـ34 التي كانت تقيم علاقات مع إسرائيل، إلا أن أغلبها لم يتعامل معه باعتباره التزامًا فوريًا بقطع العلاقات. وهكذا ظل التوافق على إدانة إسرائيل أوسع من التوافق على القطيعة، في حين اتجهت بعض الدول إلى مطالبتها بتنازلات سياسية أو مواقف بشأن الأراضي المحتلة بدلًا من إنهاء العلاقات. وكانت توجو من الحالات القليلة التي انتقلت إلى القطيعة قبل الحرب، إذ أعلنت في 21 سبتمبر 1973 قطع علاقاتها مع إسرائيل، وربطت القرار برفض استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.
ومن ثم، دخلت القارة الأفريقية حرب أكتوبر في ظل تحول تدريجي وغير موحد في الموقف من إسرائيل. فقد تصاعدت قرارات منظمة الوحدة الأفريقية، وتزايد الضغط العربي، وبدأت دول أفريقية رئيسية في إعادة تقييم علاقاتها بإسرائيل، لكن دوافعها ظلت مختلفة؛ فارتبطت حالة إثيوبيا بأمنها الإقليمي وقضايا إريتريا والصومال وعلاقاتها بالولايات المتحدة، واتصل موقف زائير بطموحات موبوتو وموقعه في النظام الجماعي الأفريقي، بينما اتسم موقف ساحل العاج ونيجيريا بالموازنة بين الضغوط العربية ومصالحها الثنائية والقارية. لذلك لم تكن هناك، عشية الحرب، سياسة أفريقية موحدة لقطع العلاقات، بل أرضية سياسية متنامية للابتعاد عن إسرائيل.
ثانيًا: حرب أكتوبر 1973: تسارع التحول من الضغط إلى القطيعة
مع اندلاع حرب أكتوبر 1973، تحولت الأرضية الأفريقية المهيأة للابتعاد عن إسرائيل إلى موجة متسارعة من القطيعة. ففي 4 أكتوبر، أي قبل اندلاع الحرب بيومين، أعلنت زائير قطع علاقاتها بإسرائيل، اعتراضًا على التوسع الإقليمي الإسرائيلي وتمسكًا بواجبات التعاون الأفريقي. واكتسب القرار أهمية خاصة لثقل زائير في وسط القارة وقدرة موبوتو على التأثير في دول أخرى، فضلًا عن عنصر المفاجأة وتزامنه مع اقتراب الحرب. ومع ذلك، لم يحظ بإجماع أفريقي؛ إذ أعرب فيليكس هوفويه-بوانيي في 5 أكتوبر عن أسفه، بينما وصف وزير الخارجية النيجيري أوكوي أريكبو في 7 أكتوبر، قرار موبوتو بأنه نتاج طموحه الشخصي و«سيئ لأفريقيا»، مؤكدًا استقلال القرار النيجيري.
وتتابعت القطيعة خلال أكتوبر؛ ففي 6 أكتوبر قطعت داهومي (بنين) علاقاتها بإسرائيل، ثم رواندا في 9 أكتوبر، وفولتا العليا (بوركينا فاسو) في 11 أكتوبر، وتبعتها الكاميرون في 15 أكتوبر وغينيا الاستوائية في 16 أكتوبر. وبجانب زائير، ركزت إسرائيل على الحفاظ على علاقاتها مع الدول الأكثر أهمية، ولا سيما نيجيريا وإثيوبيا.
وفي نيجيريا، لم تؤدِ الموجة الأولى إلى القطيعة؛ إذ تمسك الرئيس ياكوبو جوون باستقلال القرار النيجيري وعدم الظهور تابعًا لموبوتو أو عيدي أمين. ومع ذلك، حذر إسرائيل في 12 أكتوبر من تهديد العلاقات، قبل أن تقرر حكومته في 18 أكتوبر الإبقاء عليها مؤقتًا، مع استمرار مراجعة الموقف في ضوء تطورات الحرب والضغوط الإقليمية.
أما إثيوبيا، فارتبط موقفها بصورة أوثق بحساباتها الأمنية؛ إذ أثار احتمال القطيعة النيجيرية مخاوف أديس أبابا من اتساع عزلتها، بينما أسهم استمرار العلاقات النيجيرية في تأجيل قرارها. ومع تطور الحرب وتصاعد الضغوط العربية والأفريقية، اتجه هيلا سيلاسي إلى قطع العلاقات مع إسرائيل، مدفوعًا بحسابات أمنية وسياسية متداخلة؛ شملت السعي إلى الحد من الدعم العربي لخصوم إثيوبيا، ولا سيما الصومال وإريتريا، في ظل تقدير إثيوبي لتنامي التهديد الصومالي.
وخلال الفترة بين 4 أكتوبر و13 نوفمبر، عندما أعلنت بوتسوانا القطيعة، حاول الدبلوماسيون الإسرائيليون العمل مع الحكومات الأفريقية وفي الأمم المتحدة لمنع ما اعتبروه «رد فعل متسلسل»، إلا أن هذه الجهود لم توقف اتساع القطيعة؛ إذ قطعت 21 دولة أفريقية علاقاتها بإسرائيل خلال أكتوبر ونوفمبر، ولم يبقَ بحلول منتصف نوفمبر 1973 سوى أربع دول تحافظ على علاقات دبلوماسية معها، بما كشف محدودية قدرة إسرائيل على احتواء التدهور الدبلوماسي.
وفي الوقت نفسه، أضاف العامل النفطي ضغطًا اقتصاديًا مباشرًا. ففي 17 أكتوبر أعلنت أوبك رفع أسعار النفط بنسبة 70%، ما أثار مخاوف الدول الأفريقية غير المنتجة للنفط من أزمة إمدادات. ورغم جدلية العامل النفطي، إلا أنه خلال أسبوع من إعلان أوبك، قطعت تنزانيا في 18 أكتوبر، ومدغشقر في 20 أكتوبر، وجمهورية أفريقيا الوسطى في 21 أكتوبر، وسيراليون في 22 أكتوبر علاقاتها بإسرائيل.
وفي 25 أكتوبر قطعت نيجيريا علاقاتها، مستندة إلى ما اعتبرته انتهاكات إسرائيلية لوقف إطلاق النار، بما عكس انتقال موقفها من مقاومة الضغوط إلى التأثر المباشر بتطورات الحرب والبيئة الأفريقية والدولية. وفي اليوم نفسه، ظهرت في ليبيريا محاولة للحفاظ على موقف مغاير؛ إذ حذر وزير المالية ستيفن تولبرت من العزلة وانقطاع النفط العربي، خاصة بعد القطيعة النيجيرية، لكن الرئيس ويليام تولبرت قرر في 26 أكتوبر اتباع نهج متوازن والإبقاء على العلاقات مع إسرائيل، بل طلب تسريع إرسال فريق إسرائيلي لتدريب حراسه. ويعكس ذلك أن القطيعة لم تكن نتاج تبنٍّ أفريقي موحد للموقف العربي، وإنما تفاعلًا بين الالتزامات الأفريقية والضغوط العربية وتطورات الحرب والاعتبارات الأمنية والاقتصادية وحسابات كل دولة.
لكن ليبيريا لم تصمد طويلًا؛ ففي 2 نوفمبر قطعت علاقاتها بإسرائيل، متأثرة مباشرة بقرار كينيا في اليوم السابق. ثم تبعتها الجابون وجامبيا وغانا والسنغال وزامبيا، لتتسع موجة «العزلة المتسارعة». وبحلول 3 نوفمبر 1973 لم يتبقَّ لإسرائيل في أفريقيا سوى علاقات مع 6 دول، كانت ساحل العاج أبرزها سياسيًا. وفي 8 نوفمبر طلبت أبيدجان إغلاق السفارة الإسرائيلية، بينما كانت بوتسوانا آخر الدول التي قطعت العلاقات في 13 نوفمبر. ولم تتوقف آثار القطيعة عند 1973–1974؛ ففي يوليو 1976 قطعت موريشيوس علاقاتها بإسرائيل، ولم يبقَ لها سوى سفارات في ثلاث دول في أفريقيا.
غير أن القطيعة الدبلوماسية لم تعنِ بالضرورة إنهاء التعاون؛ إذ سعت دول أفريقية إلى الحفاظ على المصالح والعلاقات السابقة عبر قنوات غير رسمية. فقد أعربت فولتا العليا (بوركينا فاسو) في 11 أكتوبر عن أملها في استئناف العلاقات «متى سمح المناخ الدبلوماسي»، ووصفت إثيوبيا في 24 أكتوبر القطيعة بأنها «خطوة رسمية فقط». وفي 5 نوفمبر بحثت ليبيريا الحفاظ على علاقات ودية رغم القطيعة، بينما طرحت غانا في 6 نوفمبر إمكانية إقامة علاقات أدنى من المستوى الدبلوماسي. كما طلب هوفويه-بوانيي استمرار المساعدة الإسرائيلية في مشروع الخدمة الوطنية الإيفوارية، مؤكدًا عدم رغبته في الإضرار بالعلاقات مع إسرائيل، وسعى موبوتو في 13 نوفمبر إلى إيجاد سبيل لاستئنافها، بينما حافظت كينيا على اتصالاتها بإسرائيل عبر الموساد.
وبذلك، كشفت أحداث أكتوبر ونوفمبر 1973 عن فجوة بين القطيعة الدبلوماسية واستمرار بعض المصالح وأشكال التعاون غير الرسمي مع إسرائيل. وعليه، كانت حرب أكتوبر مُسرّعًا لمسار القطيعة الجماعية، إذ دفعت اتجاهًا سابقًا نحو إعادة تقييم العلاقات إلى مرحلة من «العزلة المتسارعة» لإسرائيل في القارة.
ثالثًا: إدارة القطيعة: العزلة الإسرائيلية وتداعياتها الدبلوماسية
خلال الأشهر الستة التالية للقطيعة الأفريقية، أعدت وزارة الخارجية الإسرائيلية عدة وثائق لإعادة صياغة سياستها تجاه الدول التي قطعت العلاقات معها، إلا أنها لم تُفضِ إلى استراتيجية متماسكة، في ظل محدودية قدرة إسرائيل على تغيير الظروف التي أفضت إلى القطيعة. واتجهت السياسة، في جانب منها، إلى معاقبة هذه الدول عبر استغلال مخاوفها من تداعيات القطيعة على مصالحها، والعمل بصورة «غير مباشرة» على الحد من التنمية والاستثمار والسياحة فيها. وتركزت المقاربة الجديدة على ثلاثة محاور: المساعدات، والاتصالات الدبلوماسية، والعلاقات الاقتصادية.
وفي مجال المساعدات، قررت وزارة الخارجية في منتصف نوفمبر 1973 سحب جميع خبراء مشاف (MASHAV) من الدول التي قطعت العلاقات، دون تنفيذ القرار بصورة كاملة؛ إذ استُكملت بعض برامج التدريب، واستمرت المساعدة الإسرائيلية لمشروع الخدمة الوطنية في ساحل العاج، وواصلت شركة Agridev نشاطها في ليبيريا، كما بقي عدد محدود من المستشارين الفنيين في كينيا. وانعكس ذلك في تراجع الخبراء الإسرائيليين في المهام طويلة الأجل بأفريقيا من 138 عام 1973 إلى 49 عام 1974، لم يكن منهم سوى 16 خبيرًا في الدول القاطعة رسميًا للعلاقات، بينما انخفضت المهام قصيرة الأجل من 150 عام 1973 إلى صفر في تلك الدول خلال 1974. كذلك تراجع عدد الأفارقة الذين استضافتهم مشاف في إسرائيل من 340 عام 1973 إلى 88 عام 1974.
أما دبلوماسيًا، فبحلول نهاية نوفمبر 1973 استبعدت الخارجية الإسرائيلية استئناف العلاقات مع الدول القاطعة للعلاقات، وحددت هدف الاتصالات في جمع المعلومات لا إعادة العلاقات. ولهذا أجرى المسئولون الإسرائيليون لقاءات سرية خلال الأشهر التالية مع قيادات في جمهورية أفريقيا الوسطى وإثيوبيا وساحل العاج وكينيا وليبيريا والسنغال، كما استُخدمت الاتصالات مع الدبلوماسيين الأفارقة في الأمم المتحدة لمراقبة تحركات الدول العربية ورصد مظاهر الاستياء الأفريقي من الوعود العربية غير المنفذة.
وفي المجال الاقتصادي، قررت وزارة الخارجية في فبراير 1974 أن غياب العلاقات الدبلوماسية لا يحول دون استمرار التجارة. فارتفعت الصادرات الإسرائيلية إلى أفريقيا من 30.7 مليون دولار عام 1973 إلى 41 مليون دولار عام 1974، والواردات منها من 29.1 مليون دولار إلى 47.5 مليون دولار، وبلغت الصادرات الإسرائيلية إلى هذه الدول 75.4 مليون دولار عام 1979. ومع ذلك، ظلت أفريقيا تمثل سوقًا محدودة؛ فلم تتجاوز الصادرات إليها 4–5% من إجمالي المبيعات الإسرائيلية الخارجية، كما تراجعت حصة الصادرات الإسرائيلية إلى أفريقيا مقارنة بالصادرات العربية إليها من 18.3% عام 1973 إلى 7.8% عام 1974 ثم 5% عام 1979، عندما بلغت المبيعات العربية نحو 1.5 مليار دولار. كما خلق غياب التمثيل الدبلوماسي حالة من عدم اليقين حدت من فرص التوسع الاقتصادي، وظلت مبيعات السلاح الإسرائيلية محدودة ولم تحصل وزارة الدفاع على العقود الكبرى التي كانت تطمح إليها، رغم استمرار بعض أشكال التعاون الدفاعي.
ويكشف مسار القطيعة أن معظم الدول الأفريقية لم تكن مدفوعة بعداء جوهري لإسرائيل، بقدر ما تحركت بفعل الحفاظ على الوحدة الأفريقية، والخوف من العزلة وتتابع القطيعة. وفي الوقت نفسه، استندت مواقفها إلى قناعة بانتهاك إسرائيل قواعد دولية تتصل باللاجئين واحتلال الأراضي، وعبرت عن ذلك عبر حركة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة.
وألحقت القطيعة بإسرائيل ثلاثة آثار رئيسية. أولها الأثر النفسي والرمزي لقطع 27 دولة علاقاتها معها خلال أقل من عام، منها 21 دولة خلال 40 يومًا، وهو اتجاه انعكس لاحقًا في تصويت 19 دولة أفريقية لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3379 لعام 1975 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية، فضلًا عن استمرار غالبية الدول الأفريقية في التصويت ضد إسرائيل في معظم قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع العربي–الإسرائيلي منذ 1972.
وثانيها، الخسارة الاستراتيجية والاستخباراتية الناتجة عن اختفاء الوجود الدبلوماسي الإسرائيلي من معظم أفريقيا، بما حد من قدرة إسرائيل على جمع المعلومات ومراقبة تحركات الخصوم في القارة، وثالثها، الخلاف داخل مؤسسات صنع القرار الإسرائيلية حول أسباب التراجع؛ إذ حمّل الموساد في أوائل نوفمبر 1973 وزارة الخارجية جانبًا من المسئولية، متهمًا إياها برفض تقديم مساعدات عسكرية وتقاسم المعلومات الاستخباراتية مع بعض الدول الأفريقية، بما يعكس نشوء صراع مؤسسي حول تقييم العلاقات الإسرائيلية الأفريقية آنذاك.
رابعًا: انحسار العزلة: سعي إسرائيل لاستئناف العلاقات
منذ أوائل الثمانينيات بدأت عوامل جديدة تدفع الدول الأفريقية إلى إعادة تقييم القطيعة، أبرزها خيبة الأمل من مستوى المساعدات العربية وعدم تقديم النفط بأسعار تفضيلية، وشعور بعض الحكومات بأن القطيعة مثلت تنازلًا عن استقلالية سياستها الخارجية، ثم اتفاق السلام المصري–الإسرائيلي عام 1979 واستكمال إسرائيل انسحابها من سيناء عام 1982، فضلًا عن تزايد الاهتمام الأفريقي بالقضية الفلسطينية والرغبة في استعادة قدر من التأثير في الصراع العربي–الإسرائيلي.
وبناءً على ذلك، استأنفت زائير (الكونغو الديمقراطية) العلاقات عام 1982، وليبيريا عام 1983، وساحل العاج عام 1986، وكينيا عام 1988، وإثيوبيا عام 1989، ونيجيريا عام 1992. ثم أسهمت اتفاقات أوسلو عام 1993، ومعاهدة السلام الإسرائيلية–الأردنية عام 1994، وتطور العلاقات الإسرائيلية مع جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، في استئناف معظم الدول الأفريقية علاقاتها بإسرائيل. وكانت النيجر آخر انتكاسة مهمة؛ إذ استأنفت العلاقات مع إسرائيل في نوفمبر 1996، ثم قطعتها مجددًا في أبريل 2002. وبحلول 2005، كان لإسرائيل تمثيل دبلوماسي في 41 دولة أفريقية.
وبذلك، تكشف الفترة الممتدة بين 1973 و2005 أن القطيعة الأفريقية تجاوزت كونها خسارة مؤقتة للعلاقات الثنائية، لتشكل تحولًا استراتيجيًا في موقع إسرائيل داخل القارة؛ إذ سرعت حرب أكتوبر انتقال الدول الأفريقية من الضغط السياسي إلى القطيعة الدبلوماسية، ودفعت إسرائيل إلى إعادة صياغة أدوات انخراطها الأفريقي. ومع التحولات الإقليمية والدولية منذ أواخر السبعينيات وخلال الثمانينيات، بدأ مسار معاكس أفضى تدريجيًا إلى استعادة العلاقات.






























