بعد مرور 53 عامًا على حرب أكتوبر 1973، لا تزال هذه الحرب تقدم دروسًا مستفادة صالحة حتى اليوم، فقيمة وأهمية هذه الحرب والانتصار المصري المبهر لا تتعلق فقط بالإنجاز العسكري وعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، وتحقيق أول انتصار للعرب ضد إسرائيل، وإنما تشمل أيضًا الطريقة التي استطاعت بها مصر الانتقال من هزيمة قاسية عام 1967 إلى امتلاك القدرة على التخطيط والمبادرة والمفاجأة وتغيير معادلة الصراع وتوازن الردع في الشرق الأوسط بعد 6 سنوات ظنت فيها إسرائيل بعد نكسة يونيو أنها باتت القوة المهيمنة على المنطقة بأكملها.
أكتوبر لم تكن مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل عكست رؤية متكاملة بدأت بمراجعة أسباب الهزيمة، ثم إعادة بناء القوات المسلحة، وتحديد هدف سياسي واقعي، وإدارة وتقليل فجوة القوة والقدرات العسكرية مع إسرائيل، وتنفيذ خطة خداع أربكت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وحتى الأمريكية، وصولًا إلى توظيف الإعلام والخطاب السياسي والدبلوماسية العربية والدولية في حماية ما تحقق في الميدان وتحويله إلى مكسب استراتيجي باستعادة كل الأراضي المصرية.
وتزداد أهمية العودة إلى هذه التجربة في ظل المشهد الإقليمي والدولي الراهن. فمن غزة وهجوم طوفان الأقصى إلى الحرب الروسية الأوكرانية إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، إلى صراعات المسيرات والذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني، أثبتت الحروب الحديثة أن امتلاك التكنولوجيا لا يمنع المفاجأة، وأن التفوق العسكري لا يضمن وحده تحقيق الهدف السياسي، وأن الرواية والسردية الإعلامية والجبهة الداخلية وقدرة مؤسسات الدولة على التعلم والتكيف أصبحت جميعها أجزاء أصيلة من مفهوم القوة التي تساعد وتساهم في تحقيق النصر، والأهم “الحفاظ على هذا النصر ومكتسباته”.
من الهزيمة إلى بناء القدرة
لا يمكن فهم ما جرى في أكتوبر 1973 بمعزل عن السنوات التي سبقته. فالنصر لم يبدأ في لحظة إصدار الرئيس الراحل محمد أنور السادات قرار العبور، وإنما بدأ عندما قررت إدارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مواجهة أسباب الهزيمة والنكسة وإجراء عملية تصحيح شاملة طالت جميع المؤسسات، واختيار قادة جدد مدركين لحجم الثغرات التي أدت للهزيمة وقادرين على إعادة البناء والترميم للقوات المسلحة، لاستعادة زمام القدرة المصرية على الفعل. ويمكن حصر أبرز ما اتُّخذ لإعادة بناء القدرة في التالي:
إصلاح الخلل قبل البحث عن تعويض الهزيمة: كان الدرس الأول بعد نكسة 1967 أن المشكلة لا يمكن اختزالها في التفوق الإسرائيلي أو نقص السلاح. فقد كشفت الهزيمة عن اختلالات أعمق في القيادة والجاهزية والتدريب وطريقة إدارة وتوظيف المعلومات خاصة حول الحقائق المتعلقة بطبيعة القدرات المصرية بالمقارنة مع قدرات الخصم والعدو. ولذلك بدأت عملية إعادة تنظيم واسعة للقوات المسلحة، استهدفت استعادة المهنية والانضباط ورفع مستوى الكفاءة، وبناء مؤسسة قادرة على القتال وفق حسابات أكثر واقعية.
حرب الاستنزاف صنعت خبرة المواجهة: جاءت حرب الاستنزاف باعتبارها مرحلة أساسية في عملية إعادة بناء القدرة، لا مجرد جولة عسكرية بين حربين. فقد وفرت خبرة حقيقية للقيادات والوحدات، واختبرت الأسلحة والخطط، وكشفت نقاط قوة وضعف الخصم، وأسهمت في استعادة الثقة داخل القوات المسلحة. كما أكدت لإسرائيل أن احتلال سيناء لن يتحول إلى واقع مستقر يمكن الحفاظ عليه دون تكلفة. وكانت بمثابة بروفة تدريبية وعملية لمعركة العبور والنصر والتحرير في أكتوبر 1973.
الهدف الممكن أهم من الهدف الأكبر: لم تقم الخطة المصرية على السعي لتحقيق تفوق شامل على إسرائيل أو إنهاء كل عناصر قوتها في معركة واحدة. كان الهدف أكثر تحديدًا وواقعية، وهو كسر حالة الجمود، واستعادة المبادرة، وإثبات أن استمرار الاحتلال يمكن مواجهته عسكريًا، وخلق واقع جديد يسمح بتحريك المسار السياسي والدبلوماسي. ومن هنا جاءت حدود المهمة العسكرية متوافقة مع الإمكانات المتاحة، وهو ما أعطى للخطة قدرًا أكبر من الواقعية والقابلية للتنفيذ. مع الإشارة هنا إلى أن كل ما قيل وطرح وكتب ضد الرئيس السادات حول الهدف الاستراتيجي للحرب، لم يستطع القائمون عليه تقديم حتى الآن أي رؤى مقنعة عن كيفية تحقيق “الهدف الأكبر” وهو التحرير الكامل لسيناء عسكريًا، بدلًا من “الهدف الممكن” عبر عبور القناة وتحرير جزء من الأرض ثم توظيفه لتحرير ما تبقى بأدوات السياسة والدبلوماسية.
التفوق لا يواجه دائمًا بتفوق مماثل: كانت هناك فجوة واضحة في بعض عناصر القوة والقدرات لصالح إسرائيل، لكن التخطيط المصري لم يبنِ قراره على انتظار اختفاء هذه الفجوة. بل جرى العمل على تقليل أثرها، وتعطيل مصادر التفوق الإسرائيلي، واختيار شكل للمعركة يمنع الخصم من استخدام إمكاناته بالشكل الذي اعتاد عليه. وهنا كان جوهر النجاح في إدارة فوارق القوة والقدرات مع العدو لا في إنكارها.
الابتكار في بناء القدرة: شكل استخدام مضخات المياه في فتح ثغرات بالساتر الترابي على قناة السويس نموذجًا واضحًا على أن المشكلة والتحديات العسكرية قد لا تُحل دائمًا بأداة أكثر تعقيدًا أو تكلفة، وإنما أحيانًا بفكرة أكثر ذكاءً. فقد نجح التخطيط المصري في تجاوز عقبة صُممت لتبدو شديدة الصعوبة عبر حل بسيط وفعال، وهو ما يؤكد أن الابتكار وحسن استثمار الموارد يمكن أن يعوضا جزءًا مهمًا من فجوة الإمكانات.
أكتوبر وإثبات أن القدرة تُبنى قبل أن تُستخدم: الدرس الأهم أن الدول لا تنتقل من الهزيمة إلى النصر بقرار سياسي وحده، وإنما بسنوات من المراجعة والإصلاح والتدريب واختبار البدائل. ولذلك كان عبور أكتوبر نتيجة لعملية تراكمية بدأت بإصلاح المؤسسة، ثم استعادة الثقة، ثم بناء القدرة، وصولًا إلى اللحظة التي أصبح فيها استخدام هذه القدرة ممكنًا ومجديًا سياسيًا وعسكريًا.
المفاجأة بين الخداع والقصور الاستخباراتي
كانت المفاجأة في أكتوبر 1973 واحدة من أكثر عناصر الحرب تأثيرًا، لكن أهميتها لا ترجع إلى أن إسرائيل وحلفاءها كانوا يفتقرون إلى المعلومات، بل إلى أنهم امتلكوا قدرًا كبيرًا منها وانتهوا رغم ذلك إلى التقدير الخطأ. فلم تكن إسرائيل وحدها تراقب التحركات المصرية والسورية، حيث كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية وغيرها تتابع الموقف المصري والإقليمي عن كثب. وتؤكد مراجعات استخباراتية أمريكية لاحقة للانتصار المصري أن المؤشرات التي سبقت الحرب كانت كثيرة ومقلقة، وبعضها كان دقيقًا بالفعل، لكن المشكلة كانت في تفسيرها والحكم النهائي عليها.
الخداع الناجح لا يخفي كل شيء وإنما يجعل الخصم يسيء تفسير ما يراه: لم يكن ممكنًا إخفاء حشود عسكرية بهذا الحجم بصورة كاملة، ولذلك قامت فعالية الخداع المصري على بناء سياق يجعل التحركات المرصودة قابلة لتفسير آخر. التدريبات المتكررة، وأنماط التحرك والاستعداد، وما ترسخ لدى الجانب الإسرائيلي من تصورات عن حدود القدرة المصرية، كلها ساعدت على إدخال المؤشرات الجديدة داخل إطار قديم يستبعد قرار الحرب. وهكذا لم يكن الهدف المصري إخفاء الواقع بالكامل، وإنما جعل الخصم يرى أجزاء منه دون أن يصل إلى الاستنتاج الصحيح.
التصور المسبق قد يصبح أخطر من نقص المعلومات: ترسخت لدى الاستخبارات الإسرائيلية قناعة بأن مصر لن تبدأ الحرب قبل امتلاك قدرات معينة تتيح لها مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي وتحقيق أهداف أوسع. كما أظهرت المراجعات الأمريكية أن تقدير واشنطن تأثر هو الآخر بافتراضات مسبقة بشأن القدرات العسكرية المصرية والعربية وإمكانية إقدام القيادة المصرية على الحرب رغم عدم امتلاك ضمان لنصر عسكري شامل. بل تشير دراسات اعتمدت على وثائق بريطانية إلى أن المشكلة في لندن وواشنطن لم تكن الجهل الكامل بنوايا السادات بقدر ما كانت سوء تقدير ما يمكن أن تفعله مصر عسكريًا بهذه القدرات.
التفوق الاستخباراتي قد ينتج ثقة زائفة:
أكد الانتصار المصري في أكتوبر 73 أن امتلاك أجهزة متقدمة ومصادر واسعة للمعلومات لا يمنع المفاجأة إذا تحولت التقديرات السائدة إلى مسلمات لا تخضع للاختبار. فكل معلومة جديدة قد يجري تفسيرها بما يؤكد الرأي القائم بدلًا من دفع المؤسسة إلى مراجعته. ومن هنا يأتي درس لا يزال صالحًا حتى اليوم، وهو أن قوة الاستخبارات لا تقاس فقط بحجم ما تجمعه، بل بقدرتها على تحدي افتراضاتها، وإتاحة التقديرات البديلة، والتعامل الجاد مع السيناريو الأقل احتمالًا إذا كانت كلفته الاستراتيجية مرتفعة.
المفاجأة تجاوزت إسرائيل إلى مستوى القوى الكبرى: فوجئت واشنطن بدورها باندلاع الحرب، ثم وجدت نفسها خلال أيام أمام أزمة إقليمية شرق أوسطية تحولت إلى اختبار مباشر للعلاقة مع الاتحاد السوفيتي، وعمليات إمداد عسكري واسعة للطرفين، وصولًا في 25 أكتوبر إلى رفع الولايات المتحدة حالة التأهب إلى DEFCON 3 في ظل المخاوف من تدخل سوفيتي مباشر. وبذلك تجاوز أثر المفاجأة خطوط القتال في سيناء والجولان ليغير حسابات القوى الكبرى تجاه المنطقة.
لا توجد قدرة استخباراتية تمنح حصانة من المفاجأة: وهنا يبقى أحد أكثر دروس أكتوبر أهمية، وهو أنه لا ينبغي للدولة أن تفترض أن تفوق خصمها التكنولوجي أو الاستخباراتي يجعله قادرًا على معرفة كل شيء أو توقع كل قرار. كما لا ينبغي للطرف المتفوق أن يعتقد أن وفرة البيانات تمنحه تفوقًا دائمًا. فالمفاجأة تصنع أحيانًا ليس بإخفاء المعلومات، وإنما بالتأثير في الطريقة التي يفهم بها الخصم هذه المعلومات. ولهذا تظل الثقة بالقدرة على الابتكار والخداع والمبادرة، مع دراسة دقيقة لعقل الخصم وافتراضاته، عنصرًا أصيلًا في أي تخطيط استراتيجي ناجح.
الجبهة الداخلية والإعلام والخطاب السياسي
كشفت حرب أكتوبر أن كفاءة الدولة في إدارة الحرب لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قوات وتسليح وخطط عملياتية، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على تماسك المجتمع، وإدارة المجال الإعلامي، وتقديم خطاب سياسي واضح يفسر أهداف التحرك العسكري وحدوده. فالحرب الحديثة تبدأ قبل إطلاق النار، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد والإعلام والرأي العام، وقد تخسر الدولة جانبًا من قدرتها على المواجهة إذا تعرض الداخل للارتباك أو تراجعت الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
تماسك الداخل يوسع قدرة الدولة على الحركة: دخلت مصر حرب أكتوبر بعد سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي أعقبت هزيمة 1967 وحرب الاستنزاف، ومع ذلك ظلت قضية استعادة وتحرير الأرض هي الهدف الأول الذي اجتمعت عليه كل مكونات الأمة المصرية، متجاوزة حتى أي ملفات وقضايا أخرى كالضغوطات الاقتصادية والمعيشية وغيرها. وأتاح هذا التماسك والموقف الشعبي للقيادة السياسية والعسكرية مساحة أكبر للاستعداد وتحمل تكلفة المواجهة. والدرس الأهم هنا المستفاد، أن الدولة التي تواجه تحديات وجودية أو أزمة تتعلق باحتلال الأرض، يكون استقرار الجبهة الداخلية والتفافها حول القيادة ومجابهة أي ضغوط خارجية ضمن أهم عوامل الصمود والانتصار، خاصة أن أي انقسام مجتمعي وتآكل الثقة العامة في القيادة يمكن أن يتحول إلى نقاط ضعف وثغرات يستثمرها الأعداء والخصوم دون الحاجة إلى تحقيق اختراق عسكري مباشر.
إدارة المعلومات جزء من إدارة الحرب: كان أحد دروس 1967 أن فقدان المصداقية الإعلامية لا يضر بصورة الدولة فقط، وإنما يؤثر في قدرتها على إدارة الأزمة نفسها وضمان تماسك جبهتها الداخلية. ولذلك اتسم الخطاب الإعلامي خلال حرب أكتوبر بدرجة أكبر من الانضباط والحذر في التعامل مع المعلومات العسكرية. أما اليوم، فقد أصبحت المهمة أكثر صعوبة؛ إذ تتحرك الأخبار والصور والمعلومات المضللة خلال دقائق، ولم تعد الدولة المصدر الوحيد للمعلومة. وعليه، أصبحت سرعة تقديم الرواية الدقيقة، ومواجهة التضليل، وشرح التطورات للرأي العام، من عناصر الأمن القومي وليست مجرد مهام إعلامية.
وضوح الهدف السياسي يمنح القوة العسكرية معناها: لم تخض مصر الحرب باعتبارها مواجهة مفتوحة بلا نهاية، وإنما تحركت لتحقيق هدف محدد يتمثل في كسر الجمود القائم واستعادة الأرض وفتح المجال أمام تسوية سياسية من موقع مختلف. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن القوة العسكرية تحقق قيمتها الحقيقية عندما تكون مرتبطة بهدف سياسي يمكن فهمه والدفاع عنه. وفي الصراعات الحالية، قد تحقق دولة ما نجاحًا عسكريًا لكنها تعجز عن تحويله إلى مكسب سياسي واستراتيجي إذا افتقدت وضوح الهدف أو بدت رسائلها متناقضة.
الرواية الخارجية أصبحت جبهة مستقلة: أظهرت تجربة أكتوبر كذلك أهمية مخاطبة الخارج، وتفسير دوافع الحرب ضمن إطار سياسي وقانوني واضح. وقد تضاعفت أهمية هذا الأمر في الحروب المعاصرة، حيث أصبحت صورة الصراع في الإعلام الدولي والمنصات الرقمية مؤثرة في المواقف السياسية والضغوط الدبلوماسية، بل أصبح ذلك جزءًا مما يعرف بالحرب النفسية والإدراكية. ولذلك لم يعد كافيًا امتلاك الحق أو القوة؛ بل أصبح من الضروري امتلاك القدرة على شرح الموقف وصياغة رواية مقنعة بلغات وأساليب تناسب الجماهير المختلفة.
الداخل اليوم ساحة مواجهة مباشرة: إذا كانت الجبهة الداخلية في 1973 مطالبة بالصمود خلف القوات المسلحة، وهو ما كان واقعًا ومتحققًا بالفعل، فإنها في حروب اليوم أصبحت نفسها جزءًا من ساحة الصراع. فالهجمات السيبرانية، والشائعات، وحملات التأثير، واستهداف الثقة العامة، وتعطيل الخدمات الحيوية، كلها أدوات يمكن استخدامها لإضعاف الدولة من الداخل. ومن هنا يظل أحد أهم دروس أكتوبر أن قوة الجبهة الداخلية ليست نتيجة جانبية للحرب، وإنما أحد شروط القدرة على خوضها وتحقيق أهدافها.
حرب العرب وتغيير توازن الردع
لم تقتصر آثار حرب أكتوبر على الجبهتين المصرية والسورية، بل امتدت إلى بنية التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط بأكمله. فقد أعادت الحرب إدخال القوة المصرية والعربية، بأدواتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، في حسابات إسرائيل والقوى الكبرى بعد سنوات ترسخت خلالها صورة اختلال حاد في ميزان القوة عقب نكسة 1967. ومن هنا، لم تكن أكتوبر مجرد مواجهة لاستعادة الأرض، وإنما لحظة أعادت تعريف حدود القوة الإسرائيلية وكلفة استخدامها.
تكامل الأدوات صنع وزنًا عربيًا أكبر: تحملت مصر وسوريا العبء العسكري الرئيسي، لكن أثر الحرب تجاوز قدرات الدولتين منفردتين. فقد شاركت دول عربية بقوات ومعدات وتمويل ودعم لوجستي، بينما استخدم النفط كأداة ضغط سياسي واقتصادي، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية وإعلامية دعمت الموقف العربي. ولم يصل هذا التحرك إلى مستوى قيادة عسكرية عربية موحدة، لكنه أظهر أن تنسيق أدوات القوة المختلفة يمكن أن يحقق أثرًا وواقعًا استراتيجيًا يتجاوز الوزن الفردي لكل دولة.
انتهاء صورة الردع الإسرائيلي المطلق: لم تؤد الحرب إلى إنهاء التفوق العسكري الإسرائيلي، لكنها أضعفت إحدى أهم ركائزه النفسية والسياسية، وهي الاعتقاد بأن إسرائيل قادرة على فرض نتائج الحرب دون تحمل تكلفة كبيرة. فقد أثبت عبور القوات المصرية لخط بارليف واختراق التحصينات الإسرائيلية، ومشاهد الأسرى الإسرائيليين والارتباك الذي أصاب القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية آنذاك بقيادة “جولدا مائير”، أن المبادرة والقدرة على النصر الميداني ليست حكرًا على إسرائيل، وأن الدفاعات الأكثر تحصينًا يمكن تجاوزها وتدميرها، والأهم أن هناك دولة إقليمية كبرى وهي مصر لم تكن لتسمح بأن تستمر العربدة الإسرائيلية طويلًا أو أن تقبل استمرار احتلال أي شبر من أراضيها.
كما أعادت الحرب للقوة المصرية مصداقيتها بعد هزيمة 1967، وأنهت تصور أن الجبهة المصرية يمكن تحييدها بمجرد السيطرة على سيناء أو إقامة خطوط دفاع ثابتة. لم تحقق الحرب مساواة كاملة في القدرات، لكنها أعادت إدخال عنصر المخاطرة في الحساب الإسرائيلي، وأثبتت أن استمرار الاحتلال لن يكون وضعًا منخفض التكلفة. ومن هذه النقطة استعادت مصر موقعها كطرف يمتلك القدرة على المبادرة وليس فقط الاستجابة.
الحرب غيّرت مفهوم الأمن الإسرائيلي: قبل أكتوبر، اعتمدت العقيدة الإسرائيلية بدرجة كبيرة على المبادأة، والحسم السريع، ونقل الحرب إلى أرض الخصم. لكن تجربة 1973 فرضت مراجعة أعمق، بعدما تبين أن الإنذار قد يفشل، وأن الحرب قد تبدأ بشروط يحددها الطرف الآخر، وأن التفوق النوعي لا يمنع المفاجأة ولا يلغي الخسائر، والأهم لا يلغي قدرة الطرف الآخر، وهو مصر، على الحفاظ على مكاسبها الميدانية والعسكرية وترجمتها لاحقًا إلى مكاسب سياسية واستراتيجية. ولهذا لا يمكن فصل مسارات فض الاشتباك ثم التفاوض لاحقًا عن البيئة الاستراتيجية التي صنعتها الحرب، والتي أثبتت أن الاحتلال المستمر قد يتحول من أصل أمني إلى مصدر دائم للمخاطر.
الردع يحتاج إلى قدرة متجددة لا إلى رصيد تاريخي: يبقى الدرس الأهم أن الردع لا يستمر بقوة الذاكرة وحدها. فما تحقق في أكتوبر لم يتحول تلقائيًا إلى توازن عربي دائم، مع تراجع التنسيق العربي لاحقًا واتساع الفجوة التكنولوجية واستمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل. ولذلك فإن قيمة تجربة أكتوبر لا تكمن في استدعاء انتصار تاريخي، وإنما في فهم منطق ومتطلبات النصر نفسه، مثل بناء القدرة، وتنسيق الأدوات، والاستعداد المسبق، وربط القوة العسكرية بهدف سياسي واضح. فالردع الحقيقي لا يُورث، وإنما يُعاد إنتاجه بصورة مستمرة وفق طبيعة التهديدات وتحولات البيئة الاستراتيجية، وهو ما نجحت مصر في تحقيقه حتى الآن مع مرور 53 عامًا على هذا الانتصار.
الدبلوماسية وإدارة النجاح
أثبتت حرب أكتوبر أن النجاح العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يمثل نهاية الاستراتيجية، وإنما يفتح مرحلة جديدة تتطلب إدارة سياسية ودبلوماسية بالقدر نفسه من الكفاءة. فالحرب لا تخاض من أجل الميدان وحده، وإنما من أجل تغيير واقع سياسي قائم. ومن هنا، فإن التخطيط للحرب لا يكتمل دون تصور واضح للحظة التوقف، وحدود المكسب الممكن، وشروط التفاوض، وشكل المرحلة التي نريد الوصول إليها بعد انتهاء العمليات العسكرية:
الميدان يعيد تشكيل مساحة التفاوض: أدت نتائج الأيام الأولى للحرب إلى تغيير البيئة السياسية التي سبقتها. فحالة الجمود التي استمرت سنوات بعد 1967 لم تعد قابلة للاستمرار بالصورة نفسها، واضطرت الولايات المتحدة إلى زيادة انخراطها في إدارة الصراع، بينما فتح قرار مجلس الأمن رقم 338 ثم اتفاق فض الاشتباك مسارًا سياسيًا مختلفًا تمامًا امتد لاحقًا إلى استعادة سيناء. ويكشف ذلك أن قيمة القوة العسكرية لا تقاس فقط بحجم ما تحققه على الأرض، وإنما بقدرتها على تعديل موازين التفاوض وخلق واقع جديد يدفع الأطراف الأخرى إلى مراجعة حساباتها.
تحويل القوة إلى مكسب سياسي يحتاج إلى إدارة دقيقة: لم يكن العبور في حد ذاته كافيًا لضمان تحقيق الأهداف المصرية، بل كان المطلوب ترجمة الإنجاز العسكري إلى نتائج سياسية يمكن تثبيتها وتطويرها. وهنا ظهرت أهمية إدارة العلاقة بين القرار العسكري والتحرك الدبلوماسي والسياسي، وبين ما يمكن تحقيقه ميدانيًا وما يمكن انتزاعه سياسيًا. وتظل هذه واحدة من أهم قواعد إدارة الصراعات، فلا ينبغي أن تصبح القوة العسكرية غاية مستقلة، وإنما أداة ضمن استراتيجية أوسع تعرف متى تستخدمها، ومتى تخففها، ومتى تنتقل من الضغط إلى التفاوض.
“اليوم التالي” جزء من خطة الحرب وليس مرحلة لاحقة لها: تؤكد خبرات حروب غزة وأوكرانيا والحرب على إيران وغيرها من الصراعات الحديثة أن غياب تصور لما بعد القتال قد يطيل أمد الحرب حتى بعد تحقيق أهداف عسكرية مهمة. فكيفية إنهاء العمليات، وترتيبات الأمن، وإدارة الأرض، وشروط التسوية، وضمانات التنفيذ، كلها قضايا يجب التفكير فيها قبل بدء المواجهة لا بعدها. ومن هذه الزاوية، تظل أكتوبر درسًا في أن الحرب الناجحة هي التي تفتح باب السياسة بشروط أفضل، وليست التي تستمر لمجرد أن أدوات القوة لا تزال متاحة.
دروس أكتوبر في زمن الحروب المعاصرة
لا تعني العودة إلى تجربة أكتوبر 1973 البحث عن إجابات جاهزة لحروب تختلف جذريًا في أدواتها وسرعتها ونطاقها، وإنما استعادة منهج التفكير الاستراتيجي الذي يقوم على فهم الخصم، وتحديد نقاط ضعفه، ودمج أدوات القوة، والاستعداد للتكيف عندما تتغير ظروف المواجهة. فقد أصبحت الحرب اليوم أكثر تعقيدًا، تختلط فيها العمليات العسكرية بالحرب السيبرانية، والاقتصاد بالمعلومات، والتكنولوجيا بالجبهة الداخلية، بما يجعل نجاح الدولة مرتبطًا بقدرتها على إدارة هذه العناصر داخل منظومة واحدة.
التكنولوجيا تمنح الأفضلية لكنها لا تضمنها: أصبحت المسيّرات، والاستطلاع الفضائي واللحظي، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والأسلحة بعيدة المدى، عناصر مركزية في الحروب الحديثة. لكن امتلاك التكنولوجيا لا يلغي احتمالات المفاجأة أو الخطأ في التقدير. فالمنظومات الأكثر تطورًا قد تفشل إذا بُني القرار على افتراضات جامدة أو جرى تجاهل مؤشرات لا تتوافق مع التصور المسبق. وهنا يستمر أحد أهم دروس أكتوبر، وهو أن قيمة التكنولوجيا تتحدد بكيفية إدماجها في منظومة قيادة مرنة قادرة على التفكير النقدي والتعلم السريع، وليس بمجرد امتلاكها.
سرعة التعلم في ميزان القوة: لم تعد الأفضلية تقاس فقط بما تبدأ به الجيوش من قدرات، وإنما بسرعة قدرتها على التكيف أثناء الحرب. فالصراع الحديث يكشف نقاط ضعف جديدة بصورة يومية، ويجبر الأطراف على تعديل التكتيكات ووسائل الحماية وأنماط استخدام السلاح. ولذلك أصبحت الجيوش التي تتعلم أثناء المواجهة، وتطور إجراءاتها بسرعة، أكثر قدرة على الصمود من جيوش أخرى قد تمتلك تجهيزًا أكبر لكنها تظل أسيرة عقائد أو خطط غير قابلة للتعديل.
الردع لم يعد عسكريًا فقط: اتسعت منظومة الردع لتشمل الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والقدرات السيبرانية والإنتاج الصناعي والإعلام والتحالفات، إلى جانب القوة العسكرية التقليدية. فقد أصبح من الممكن الضغط على دولة عبر تعطيل الموانئ أو شبكات الاتصال، أو تهديد سلاسل الإمداد، أو ضرب الثقة العامة، دون الدخول في حرب تقليدية واسعة. وعليه، فإن قوة الردع الحديثة تقوم على قدرة الدولة على حماية منظومتها الشاملة، وليس حدودها العسكرية وحدها.
القدرة على الاستمرار جزء من القوة: تؤكد الحروب الحديثة، خاصة في العقد الأخير، أن المخزون، والإنتاج المحلي، والصيانة، وتأمين الإمداد، وحماية البنية الأساسية لا تقل أهمية عن القدرات القتالية الفعلية نفسها. فالتفوق في الأيام الأولى قد يفقد قيمته إذا عجزت الدولة عن تعويض الخسائر أو الحفاظ على وتيرة العمليات. وهنا يعود درس أكتوبر المتعلق بالإعداد الطويل وحشد الموارد ليكتسب معنى جديدًا في زمن أصبحت فيه القدرة الصناعية واللوجستية جزءًا مباشرًا من معادلة الحرب.
الحرب الحديثة تتطلب دولة تعمل كمنظومة واحدة: أصبح الفصل بين العسكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي أقل واقعية من أي وقت مضى. فقرار عسكري قد تكون له آثار مباشرة على الأسواق والطاقة والدبلوماسية والرأي العام، كما أن هجومًا سيبرانيًا قد يحقق أثرًا استراتيجيًا دون إطلاق قذيفة واحدة. ولهذا فإن أحد أكثر دروس أكتوبر قابلية للاستمرار هو أن النجاح لا يصنعه تفوق أداة واحدة، وإنما حسن تنسيق الأدوات وتوجيهها نحو هدف سياسي واستراتيجي محدد.
في الأخير، بعد 53 عامًا، لا تنحصر قيمة حرب أكتوبر في محاولة استعادة تفاصيل خطة عسكرية صُممت لزمن مختلف، بقدر ما تكمن في فهم المنهج الذي أنتجها. فقد بدأت التجربة من هزيمة ونكسة جرى الاعتراف بأسبابها ومراجعتها، ثم تحولت المراجعة إلى إعادة بناء قدرات الجيش المصري، وتحولت القدرة إلى خطة واقعية، والخطة إلى مبادرة ومفاجأة، وصولًا إلى تغيير معادلة الصراع وفتح الطريق أمام تحقيق الهدف السياسي. ومن هنا، لم يكن نجاح أكتوبر نتاج عنصر منفرد، وإنما نتيجة تكامل منظومة كاملة من التخطيط والمعلومات والقيادة والخداع والقدرة العسكرية والصمود المجتمعي والتحرك السياسي والدبلوماسي.
وهذا تحديدًا ما يجعل دروس أكتوبر ممتدة إلى الحاضر. فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء الردع، والتفوق التكنولوجي لا يمنح حصانة دائمة من المفاجأة، كما أن النجاح في الميدان العسكري لا يضمن في حد ذاته تحقيق الهدف الاستراتيجي. فالنتيجة تتشكل عندما تعرف الدولة ما الذي تريد تحقيقه، وتبني القدرات المناسبة لذلك، وتربط القرار العسكري بالهدف السياسي، وتنسق بين مؤسساتها وأدواتها المختلفة، وتدير جبهتها الداخلية ومجالها المعلوماتي بالقدر نفسه الذي تدير به ساحة العمليات.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأهم الذي تطرحه تجربة أكتوبر اليوم لا يتعلق فقط بكيف استطاعت مصر مفاجأة إسرائيل وتجاوز تقديرات أجهزة استخبارات امتلكت إمكانات كبيرة كالمخابرات الأمريكية والبريطانية، وإنما بكيف تستطيع أي دولة أن تحمي نفسها من الوقوع في الفخ نفسه؛ فلا تتحول تقديراتها السابقة إلى يقين، ولا يصبح تفوقها مصدرًا للثقة الزائدة، ولا تدفعها وفرة المعلومات إلى تجاهل المؤشرات التي تناقض افتراضاتها. فالقدرة على مراجعة المسلمات، واختبار السيناريوهات غير المريحة، والتعلم أسرع من الخصم، أصبحت من أهم مقومات القوة في الحروب الحديثة.لقد تغيرت طبيعة الأسلحة، واتسعت ساحات المواجهة لتشمل الفضاء السيبراني والإعلام والاقتصاد وسلاسل الإمداد والبنية الأساسية، لكن جوهر الصراع لم يتغير بالقدر نفسه. فما زالت المبادرة إلى الفعل تذهب غالبًا إلى الطرف الأقدر على فهم البيئة قبل خصمه، والأسرع في تعديل افتراضاته، والأفضل في توظيف موارده وربط أدوات قوته بهدف محدد. ولذلك يبقى أهم ما يمكن استعادته من أكتوبر ليس شكل الحرب التي خاضتها مصر، وإنما طريقة التفكير التي سبقتها وأدارتها، لأن معركة العقل الاستراتيجي تبدأ دائمًا قبل أن تبدأ المعركة في الميدان.
رئيس وحدة دراسات الإعلام والرأي العام بالمركز































