وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

“طالبانستان” أو حرب أهلية: سيناريوهات الأزمة الراهنة في أفغانستان

بعد عقدين من إطاحة الولايات المتحدة الأمريكية بها من السلطة، تعود حركة “طالبان” لتحكم قبضتها مجددًا على الأراضي الأفغانية. ففي 15 من أغسطس 2021، أعلنت الحركة دخول مقاتليها إلى أراضي العاصمة الأفغانية (كابل)، وسيطرتها على مقاليد الحكم في البلاد، الأمر الذي يشي بأن أفغانستان قد تتحول إلى إمارة طالبانية، أو تشهد موجة من الحرب الأهلية تحمل الكثير من المخاطر على مستقبل أفغانستان وعلى محيطها الإقليمي، إضافة إلى تداعياتها على تواجد وانتشار الجماعات الإرهابية. عودة “طالبان” إلى “كابل” شهدت الساحة الأفغانية جملة من التطورات المتسارعة والخطيرة خلال الأيام الأخيرة، والتي ارتبطت بالتقدم الميداني الكبير لحركة طالبان على الأراضي الأفغانية، ويمكن تناول…

مني قشطة
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

بعد عقدين من إطاحة الولايات المتحدة الأمريكية بها من السلطة، تعود حركة “طالبان” لتحكم قبضتها مجددًا على الأراضي الأفغانية. ففي 15 من أغسطس 2021، أعلنت الحركة دخول مقاتليها إلى أراضي العاصمة الأفغانية (كابل)، وسيطرتها على مقاليد الحكم في البلاد، الأمر الذي يشي بأن أفغانستان قد تتحول إلى إمارة طالبانية، أو تشهد موجة من الحرب الأهلية تحمل الكثير من المخاطر على مستقبل أفغانستان وعلى محيطها الإقليمي، إضافة إلى تداعياتها على تواجد وانتشار الجماعات الإرهابية.

عودة “طالبان” إلى “كابل”

شهدت الساحة الأفغانية جملة من التطورات المتسارعة والخطيرة خلال الأيام الأخيرة، والتي ارتبطت بالتقدم الميداني الكبير لحركة طالبان على الأراضي الأفغانية، ويمكن تناول هذه التطورات على النحو التالي:

  • سقوط العاصمة “كابل”: بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، في إبريل عام 2021، عن بدء عملية انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، بدأت الولايات الأفغانية وعواصمها تتساقط كأوراق الخريف واحدةً تلو أخرى في أيدي مسلحي حركة “طالبان”، حتى باتت تسيطر -حتى الآن- على عواصم 30 ولاية أفغانية من أصل 34 ولاية، ويشمل ذلك مدن: قندهار، وهرات، ومزار شريف، “كبرى المدن الاستراتيجية التي تعد آخر معقل للقوات الحكومية شمال البلاد”، وتُوجت انتصارات “طالبان” بالسيطرة على العاصمة “كابل” في منتصف أغسطس 2021، إلى جانب إحكام قبضتها على كافة المعابر الحدودية للبلاد.

ولم يكن سقوط العاصمة الأفغانية “كابل” في قبضة حركة “طالبان” مفاجئًا لمتابعي الملف الأفغاني، فمنذ إعلان إدارة الرئيس “بايدن” عن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول سبتمبر 2021، تنبأت العديد من التقارير الاستخباراتية الصادرة عن المخابرات المركزية الأمريكية بأن حركة “طالبان” باتت “قاب قوسين أو أدنى” من السيطرة على مقدرات الشعب الأفغاني وإدارة الدولة الأفغانية، ولكن عنصر المفاجأة فيما حدث يكمن في أن الحركة المسلحة نجحت بالفعل في تحقيق هذا الأمر بسهولة دون مقاومة تُذكر وفي وقت قصير للغاية، إلى الحد الذي سبقت فيه تحركات الحركة التقارير الاستخباراتية الأمريكية التي توقعت نجاح العاصمة “كابل” في الصمود 90 يومًا فأكثر أمام تقدم قوات حركة “طالبان”.

  •  تراجع قوات الجيش الوطني أمام تقدم حركة “طالبان”: عقب دخول عناصر حركة “طالبان” للعاصمة “كابل” غادرها الرئيس الأفغاني “أشرف غني” برفقة مستشار الأمن الوطني وكبار المسئولين للبلاد إلى جهة غير معلومة. أعقب ذلك فرار الآلاف من قوات الجيش الأفغاني إلى الدول المجاورة لأفغانستان، تاركين وراءهم العديد من الأسلحة والعتاد لتصبح في قبضة مسلحي “طالبان”. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تتراجع فيها قوات الجيش الأفغاني أمام تقدم عناصر “طالبان”، ففي غير موقع كانت القوات تستسلم بسهولة وتلوذ بالفرار إلى دول الجوار، ولعل قيام ما يزيد على 1000 جندي أفغاني بالفرار إلى طاجيكستان بعد معارك مع حركة “طالبان” في 5 يوليو 2021 مثال معبر على ذلك. ويمكن تفسير هذا التراجع للقوات الأفغانية أمام تقدم “طالبان” في ضوء عدة عوامل منها: ما يتعلق بانخفاض الروح المعنوية للقوات بعد الخسائر المتتالية أمام “طالبان”، ومنها ما يتعلق بانعدام الكفاءة وتفشي الفساد داخل وزارتي الداخلية والدفاع الأفغانيتين.
  • ردود أفعال دولية متباينة: تعاقبت ردود الأفعال الدولية المتباينة على سقوط “كابل” في قبضة “طالبان”، ففي حين أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن صدمتها إزاء تراجع القوات الحكومية بسرعة فائقة أمام مسلحي حركة “طالبان”، وأسرعت في إجلاء جنودها وموظفيها من أفغانستان؛ أعربت الصين عن استعدادها لتطوير علاقات ودية مع الحركة، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية “هوا تشون ينغ”، إن بلادها قد احترمت حق الشعب الأفغاني في تقرير مصيره. من جانبه، أعلن المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى أفغانستان “زامير كابولوف”، أن موسكو مستعدة للعمل مع الحكومة الانتقالية التي ستتشكل في أفغانستان. وفي سياق متصل، شرعت بعض الدول، من بينها فرنسا وألمانيا ونيوزيلندا وإسبانيا وأستراليا، في إجلاء مواطنيها وبعض الموظفين الأفغان من البلاد.

السيناريوهات المحتملة للوضع في أفغانستان

في ضوء التطورات السابقة، يمكن القول إن أفغانستان تقف أمام سيناريوهين هما:

  • السيناريو الأول- تأسيس إمارة طالبانية ثانية: يقوم هذا السيناريو على فرضية استتباب الوضع لحركة “طالبان”، وتمكنها من إحكام السيطرة على المشهد الأفغاني، ومن ثم تأسيس “إمارة طالبانية ثانية”. ويُعزز من هذه الفرضية أنّ أفغانستان حاليًا أمام نسخة جديدة لحركة “طالبان” تطورت على مدار العقدين الماضيين، وباتت تمتلك عناصر قوة أكبر بكثير مما كانت عليه من قبل، ولا سيما بعد أن تحولت الحركة من مجرد جماعة إرهابية في نظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى شريك أساسي يجلس معها على طاولة المفاوضات، ويحظى باهتمام بعض القوى الكبرى الأخرى كالصين وروسيا، التي باتت تتعامل مع الحركة بوصفها الفاعل الرئيسي في المشهد الأفغاني. ويضاف إلى ما سبق نجاح الحركة في تحقيق تفوق ميداني كبير مكّنها من الانتصار على الحكومة الأفغانية المدعومة من واشنطن، الأمر الذي وصفة البعض بأنه “أسوأ إخفاق في السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عقود”.

وفي الواقع فإنّ تحقق هذا السيناريو يثير مخاوف عدة، فمن ناحية قد تتحول أفغانستان إلى بؤرة جديدة لنشاط الجماعات الإرهابية كداعش والقاعدة. ومن ناحية أخرى قد تعود “طالبان” إلى تطبيق نهجها المتشدد كما كانت في نسختها الأولى، ومن ثم تتفاقم المعاناة الإنسانية للشعب الأفغاني الذي يعيش حالة من الهلع والخوف الشديدين منذ أعلنت الحركة عن سيطرتها على الحكم في البلاد، وهو ما يتضح جليًا في المقاطع المصورة التي تم تداولها وتُظهر المئات من المواطنين الأفغان وهم يتدافعون للحاق بالطائرات المغادرة مطار كابل هربًا من الموت على يد طالبان إلى الموت سقوطًا من الطائرات التي تعلقوا بها.

  • السيناريو الثاني- حدوث حرب أهلية: السيطرة الميدانية لحركة “طالبان” على الأراضي الأفغانية قد لا تترجم بالضرورة إلى سيطرة سياسية، فبعض القوى الدولية، والعديد من أمراء الحرب الأفغان، إلى جانب العديد من القطاعات المجتمعية، ولا سيما المرابطة في شمال أفغانستان، ترفض سيطرة الحركة على مقاليد الحكم في البلاد، الأمر الذي يشي بأن أفغانستان قد تصبح على أعتاب حرب أهلية جديدة تنزلق معها البلاد إلى مزيد من الفوضى، وتجد فيها الجماعات الإرهابية خاصرة رخوة لتمدد نشاطها.

وفي حال تحقق هذا السيناريو فمن المتوقع ألا يستمر طويلًا، لأن حركة “طالبان” في نهاية المطاف هي الطرف الأقوى في المعادلة من حيث التنظيم والقوة وامتلاك العتاد والأسلحة والإمكانيات المادية، بالإضافة إلى أن الحركة تسعى لتغيير صورتها القاتمة المرسومة في ذهن الشعب الأفغاني والمجتمع الدولي بإظهار صورة أكثر اعتدالًا، تراعي حقوق الإنسان، وتسعى لكسب علاقات جيدة مع دول الجوار.

أخيرًا، يمكن القول إن المشهد الأفغاني بات معقدًا للغاية، وإن مآل الأوضاع في ذلك المشهد ستحكمه عدة محددات، يأتي في مقدمتها شبكة التحالفات الإقليمية والدولية الجديدة التي ستنشأ وموقفها من التطورات الأخيرة، وهو ما سيضع البلاد أمام سيناريوهات جديدة ستتبين معالمها في الفترة المقبلة.

مني قشطة
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة