تكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، ربما لا تقل أهمية في تداعياتها الاستراتيجية عن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أو موجة التحولات التي أعقبت الاتفاقيات الإبراهيمية ومساعي إدماج إسرائيل في المنطقة. فهذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، وإنما مثلت اختباراً عملياً لموازين القوى الإقليمية والدولية، وحدود النفوذ الأمريكي، وقدرة إسرائيل على فرض رؤيتها الأمنية، ومستقبل المشروع الإيراني، فضلاً عن دور القوى الإقليمية الصاعدة مثل مصر وتركيا والسعودية وباكستان في التأثير على معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة.
ورغم حجم القوة العسكرية المستخدمة واتساع نطاق العمليات، فإن الحرب لم تنجح في تحقيق تحول جذري في بنية النظام الإقليمي أو إسقاط أحد أطرافه الرئيسية. فلم يسقط النظام الإيراني، ولم تتراجع المكانة الأمريكية بصورة جوهرية “حتى لو زادت الشكوك حولها”، كما لم تتمكن إسرائيل من فرض منظومة أمنية جديدة تستند إلى التفوق العسكري والتكنولوجي وحده. كما كشفت الحرب عن حدود القوة الصلبة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وأكدت أن أي ترتيبات أمنية مستدامة لا يمكن أن تقوم على استبعاد القوى الإقليمية الرئيسية أو تجاهل التوازنات القائمة بين مختلف الفاعلين.
أظهرت الحرب حجم التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية في المنطقة، سواء على مستوى أدوار القوى الدولية أو حسابات الدول الإقليمية. فقد عززت من أهمية الردع المتبادل، ودفعت دول الخليج إلى مراجعة أولوياتها الأمنية، وأعادت تسليط الضوء على أهمية الشراكات المرنة والتفاهمات المرحلية بدلاً من الرهان على التحالفات الصلبة أو الحسم العسكري الكامل. وفي الوقت نفسه، فتحت الباب أمام أدوار متزايدة لقوى أوروبية وإقليمية تسعى إلى حماية مصالحها ومنع انزلاق المنطقة إلى موجات جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، نسعى في هذا الورقة إلى استشراف ملامح الترتيبات الأمنية والعسكرية المحتملة في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة، من خلال تحليل أبرز الاتجاهات التي أفرزتها الحرب، وتقييم فرص وحدود المشاريع والتحالفات المختلفة، واستخلاص السيناريوهات الأكثر ترجيحاً لشكل منظومة الأمن الإقليمي الجديدة، في ظل استمرار حالة السيولة الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة وعدم حسم العديد من القضايا والخلافات الأساسية بين أطرافها الرئيسية.
- استمرار الولايات المتحدة الأمريكية كفاعل رئيسي: رغم الخسائر التي تعرضت لها بعض القواعد والأصول العسكرية والبنى اللوجستية الأمريكية في الشرق الأوسط خلال الحرب، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أن الولايات المتحدة ستظل، على الأقل خلال المستقبل المنظور، الطرف الأكثر تأثيراً في معادلة الأمن الإقليمي. فالحرب نفسها أكدت أن واشنطن لا تزال القوة الوحيدة القادرة على إدارة العمليات العسكرية واسعة النطاق، وحشد التحالفات الدولية، وتوفير المظلة الأمنية والعسكرية اللازمة لحلفائها وشركائها في المنطقة.
كما كشفت الحرب محدودية البدائل المتاحة أمام دول الخليج العربي فيما يتعلق بمسألة الضمانات الأمنية. فرغم تنامي العلاقات الخليجية مع قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، فإن هذه العلاقات لم تصل بعد إلى مستوى يمكنها من تعويض الدور الأمريكي أو توفير مظلة ردع وحماية بديلة. ولذلك فإن أي رهان على استبدال المظلة الأمنية الأمريكية أو التخلي عنها بصورة كاملة يبدو بعيداً عن الواقع في ظل البيئة الأمنية الحالية.
ومن المرجح أن تدفع الحرب الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم انتشارها العسكري في المنطقة، ليس بهدف الانسحاب أو تقليص الحضور، وإنما بهدف إعادة بناء وترميم قواعدها وأصولها العسكرية وتعزيز قدراتها الدفاعية، خاصة في دول الخليج العربي والأردن، بما يرفع من كفاءة الردع والاستجابة للتهديدات المستقبلية. كما قد تشهد المرحلة المقبلة استثمارات إضافية في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي والإنذار المبكر والتكامل العملياتي بين القوات الأمريكية وحلفائها الإقليميين.
كما تدرك دول الخليج أن أي تراجع أمريكي واسع النطاق أو فراغ استراتيجي في المنطقة لن يؤدي بالضرورة إلى تعزيز استقلاليتها الأمنية، بل قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية أخرى لمحاولة ملء هذا الفراغ وفرض نفوذها على حساب المصالح الخليجية. وقد عززت تجربة العراق بعد عام 2003 هذه المخاوف، حيث أدى انهيار أحد مراكز التوازن الرئيسية في المنطقة إلى توسع النفوذ الإيراني بصورة غير مسبوقة.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في تراجع الدور الأمريكي، وإنما في إعادة إنتاجه بصورة مختلفة تتلائم مع المتغيرات الجديدة. فقد تتجه واشنطن إلى تقاسم جزء من الأعباء الأمنية مع حلفائها الإقليميين وعلى رأسهم إسرائيل، لكنها ستظل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في اتجاهات الصراعات والتسويات الإقليمية، كما ستبقى المرجعية الأساسية لأي ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة يجري العمل على صياغتها في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
- تجميد الصراع وليس حسمه: السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل في حسم الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وإنما في تجميده وإدارته ضمن قواعد اشتباك جديدة تحد من احتمالات الانفجار العسكري الشامل. فالأطراف الرئيسية خرجت من الحرب وهي تدرك حجم التكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية لأي مواجهة مفتوحة، كما أن أياً منها لم ينجح في تحقيق نصر استراتيجي حاسم يسمح بفرض شروطه بصورة كاملة.
وقد يقود ذلك إلى تفاهمات غير معلنة أو اتفاقات مرحلية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومستوى الأنشطة العسكرية والأمنية في المنطقة، مقابل ضمانات تتعلق بأمن الممرات البحرية “هرمز + باب المندب” واستقرار أسواق الطاقة وعدم استهداف القواعد والأصول العسكرية الأجنبية.
إلا أن هذا السيناريو لا يعني معالجة الأسباب الحقيقية للصراع، بل يؤجلها فقط. فالقضايا المرتبطة بالنفوذ الإقليمي الإيراني، ومستقبل البرنامج النووي، ودور إسرائيل في المنظومة الأمنية الجديدة، ستظل جميعها ملفات مفتوحة قابلة لإعادة إنتاج الأزمات والتوترات مستقبلاً. ولذلك قد يكون الشرق الأوسط مقبلاً على مرحلة من إدارة الصراع وليس إنهائه، وعلى تجميد التناقضات وليس تسويتها بصورة نهائية.
- خطورة الرهان على إسقاط إيران بالقوة العسكرية: كشفت الحرب على إيران حدود فاعلية القوة العسكرية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط أو فرض ترتيبات سياسية جديدة بصورة قسرية. فرغم حجم الضربات العسكرية والخسائر التي تعرضت لها إيران، إلا أن الحرب لم تنجح في تحقيق الهدف الاستراتيجي الأهم المتمثل في إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء المشروع الإيراني بصورة كاملة. كما أظهرت أن أي محاولة مستقبلية لإسقاط إيران بالقوة العسكرية ستؤدي على الأرجح إلى تداعيات إقليمية واسعة تتجاوز حدود الدولة الإيرانية نفسها.
وتدرك القوى الإقليمية الرئيسية، خاصة مصر ودول الخليج العربي وتركيا، أن انهيار الدولة الإيرانية أو تفككها سيخلق فراغاً استراتيجياً ضخماً في قلب الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وسيفتح المجال أمام موجات من الفوضى والصراعات الإثنية والطائفية، فضلاً عن احتمال ظهور كيانات مسلحة أو انفصالية جديدة يصعب احتواؤها. كما أن انهيار إيران سيؤدي إلى اختلال غير مسبوق في توازن القوى الإقليمي لصالح إسرائيل، وهو ما لا تنظر إليه غالبية القوى الإقليمية باعتباره تطوراً يخدم الاستقرار أو الأمن الجماعي في المنطقة.
كما أن الحرب عززت القناعة لدى العديد من الأطراف الإقليمية بأن احتواء إيران والتوصل إلى تفاهمات معها، مهما كانت صعبة، يظل أقل تكلفة بكثير من سيناريو إسقاطها أو تفكيكها. وعليه قد تشهد المرحلة المقبلة عودة قوية لمسارات التفاوض والتفاهمات الأمنية، ليس فقط بين واشنطن وطهران، وإنما أيضاً بين إيران وجوارها العربي والإقليمي.
- شكوك حول فاعلية المنظومة الخليجية: أصبح الخليج النقطة الأضعف في معادلة توازن الأمن الإقليمي، فالحرب أسقطت كل الرهانات على فاعلية المنظومة الخليجية ودورها باستثناءات بسيطة وطفيفة. كما أكدت الحرب على إيران وقبلها التفاعلات الخليجية مع قضايا وأزمات المنطقة والإقليم سواء في اليمن والسودان وليبيا والصومال، مدى التباين في المواقف بين الدول الخليجية بعضها البعض. لدرجة يمكن القول معها أن التنافس بين المشاريع الإقليمية الرئيسية والقوى الدولية دخل إلى الميدان الخليجي، ومن يمتلك القدرة الأكبر على النفوذ واستقطاب القدرات الخليجية المالية والطاقوية لصالحه.
وعليه، فقد بات من الصعب الحديث عن “رؤية خليجية موحدة” تجاه التحديات الإقليمية في المدى المنظور، طالما استمرت التباينات في تحديد مصادر التهديد وأولويات الأمن القومي بين دول الخليج العربي والتي بالتأكيد لا يمكن فصلها عن أولويات الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل، خاصة أن الكثيرين قد اقتنعوا الآن، أنه لولا سقوط العراق ثم سوريا ما استطاع الطيران الإسرائيلي أن يضرب الدوحة أو حتى أن يكون المجال الجوي في الإقليم مفتوح أمامه لضرب إيران.
كما أن تباين العلاقات الخليجية مع كل من الولايات المتحدة وإيران وتركيا وإسرائيل والصين وروسيا سيجعل من الصعب بلورة موقف خليجي موحد تجاه القضايا الأمنية الكبرى، الأمر الذي سيبقي المنظومة الخليجية أقرب إلى إطار للتنسيق السياسي والاقتصادي منها إلى تحالف أمني وعسكري متماسك قادر على إدارة التحديات الإقليمية بصورة جماعية. لكن لا يمكن هنا استبعاد أن تشرع واشنطن في استئناف خطوات من شأنها تنحية الخلافات الخليجية/الخليجية لبناء منظومة عسكرية ودفاعية خليجية تسد الثغرات التي كشفتها الهجمات الإيرانية على مختلف دول الخليج.
- تراجع فرص مشروع “الناتو الخليجي الإسرائيلي”: تراجعت فرص تشكيل هذا الناتو بعد هذه الحرب وعجز الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عن إسقاط النظام الإيراني، في ضوء اليقين أن الانتشار العسكري الأمريكي الواسع في المنطقة منذ تسعينات القرن الماضي كان لحماية إسرائيل وليس لحماية دول الخليج، وهو ما قد يؤخر إقبال دول الخليج على هذا الخيار حاليا، وانتظار أي تحولات مستقبلية.
كما ازدادت القناعة في الأوساط الخليجية بأن إسرائيل قوة متغطرسة ليس لديها أي سقف في استخدام القوة والقدرة العسكرية إلى أبعد مدى حتى لو كان ذلك على حساب أمن ومقدرات دول المنطقة، وعلى رأٍسها دول الخليج التي وجدت نفسها خلال الحرب على إيران، تدفع الفاتورة الأكبر في حرب لم تكن طرفا فيها. ولعل ذلك ما دفع السعودية وسلطنة عمان وقطر للتحرك مبكرًا في مسار وقف الحرب ودعم مسار التفاوض والوساطة بين واشنطن وطهران.
- الاستثمار الخليجي الواسع في القدرات الدفاعية والعسكرية: من المرجح أن تدفع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران دول الخليج إلى الاستثمار الواسع في قدراتها الدفاعية والعسكرية، بعدما كشفت الحرب حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها البنية التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة والموانئ والمطارات وشبكات الاتصالات في حال اندلاع مواجهات إقليمية واسعة النطاق. كما أظهرت الحرب أن الموقع الجغرافي لدول الخليج يجعلها في قلب أي صراع كبير تشهده المنطقة، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً فيه.
وخلافاً للمراحل السابقة التي ارتبطت فيها الاستثمارات العسكرية الخليجية بشكل رئيسي بالعلاقة مع الولايات المتحدة، قد تتجه المرحلة المقبلة نحو سياسة أكثر تنوعاً في مصادر التسليح والشراكات الدفاعية. فبينما ستظل واشنطن الشريك الأمني والعسكري الأهم، ستسعى دول الخليج إلى توسيع هامش المناورة الاستراتيجية عبر تعزيز التعاون مع قوى دولية أو إقليمية أخرى مثل الصين وروسيا ومصر وباكستان وتركيا وبعض الدول الأوروبية، بما يحد من مخاطر الاعتماد الكامل على طرف واحد في تأمين احتياجاتها الدفاعية.
وقد لا يقتصر هذا التوجه على صفقات التسليح التقليدية، بل يمكن أن يمتد إلى بناء شراكات طويلة الأمد في مجالات التصنيع العسكري المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، وإنشاء منظومات دفاع جوي وصاروخي أكثر تطوراً، وتعزيز قدرات الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية. كما ستزداد أهمية مشاريع التكامل الدفاعي الخليجي في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية وأمن الممرات البحرية.
وفي ضوء ما كشفته الحرب من ثغرات أمنية وعسكرية، يبدو أن دول الخليج تتجه نحو تبني مفهوم جديد للأمن يقوم على تنويع الشركاء الاستراتيجيين، وتعزيز القدرات الذاتية، وتقليل الاعتماد على الضمانات الخارجية وحدها، دون التخلي عن التحالفات التقليدية القائمة مع الولايات المتحدة والقوى الغربية.
- التنسيق الرباعي “مصر – باكستان – تركيا – السعودية”: برز خلال الحرب ما يمكن وصفه بتحالف أو تجمع مصالح مؤقت ضم مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، انطلاقاً من إدراك مشترك بأن استمرار الحرب أو انهيار الدولة الإيرانية سيؤدي إلى نتائج استراتيجية شديدة الخطورة على استقرار الشرق الأوسط بأكمله. وقد تركزت جهود هذه القوى على دعم مسارات التهدئة والوساطة ومنع تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة.
ورغم أن هذا التجمع لا يمكن حتى الآن اعتباره تحالفاً استراتيجياً مستقراً أو طويل الأمد، إلا أن أهميته تكمن في كونه يعكس وجود حد أدنى من التوافق الإقليمي على ضرورة الحفاظ على توازن القوى ومنع أي طرف من الانفراد بإعادة تشكيل النظام الإقليمي بصورة أحادية.
وقد يدفع نجاح هذا التنسيق المؤقت إلى تطوير آليات تشاور وتنسيق سياسي وأمني أكثر انتظاماً في المستقبل، خاصة في القضايا المرتبطة بأمن البحر الأحمر والخليج العربي ومكافحة الإرهاب وتسوية الصراعات الإقليمية.
- تنامي الدور الأوروبي في أمن الخليج والشرق الأوسط: أظهرت الحرب أن الأمن الخليجي لم يعد يرتبط فقط بالمظلة الأمريكية، وإنما أصبح يعتمد بدرجات متفاوتة على أدوار أوروبية متزايدة، خاصة من جانب بريطانيا وفرنسا. فالحضور العسكري البريطاني والفرنسي في الخليج لعب دوراً مهماً في دعم القدرات الدفاعية لدول الخليج في صد هجمات إيران الصاروخية وبالمسيرات، الأمر الذي عزز من أهمية هاتين الدولتين في حسابات الأمن الإقليمي.
وقد يدفع الانكشاف الأمني والعسكري الذي شهدته المنطقة خلال الحرب عدداً من الدول الخليجية إلى توسيع نطاق التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي مع القوى الأوروبية، سواء عبر صفقات التسليح أو برامج التدريب أو نشر منظومات دفاعية إضافية أو تعزيز الوجود العسكري المباشر في بعض القواعد والمنشآت الاستراتيجية.
كما أن التوترات التي شابت العلاقات بين واشنطن والطرف الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل توجهات إدارة ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين، قد تدفع العواصم الأوروبية إلى لعب دور أمني أكثر استقلالية في الشرق الأوسط، باعتباره جزءاً من أمنها القومي المباشر المرتبط بالطاقة والهجرة والتجارة الدولية. وعليه، قد تشهد المرحلة المقبلة صعوداً تدريجياً لدور أوروبي أكثر فاعلية داخل منظومة الأمن الإقليمي خاصة من لندن وباريس، وإن ظل هذا الدور مكملاً للدور الأمريكي وليس بديلاً عنه.
- نحو إطار عربي للأمن والاستقرار الإقليمي: رغم عمق إشكاليات العمل العربي الجماعي، إلا أن من بين السيناريوهات التي يمكن الرهان عليها مصريا وعربيا، هو تطوير إطار للتنسيق الأمني والاستراتيجي العربي المشترك يهدف إلى حماية استقرار الإقليم والحفاظ على توازناته الاستراتيجية في مواجهة التحولات المتسارعة التي كشفت عنها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ويستند هذا التوجه إلى إدراك متزايد لدى العديد من العواصم العربية بأن التحديات التي تواجه المنطقة أصبحت أكبر من قدرة أي دولة منفردة على التعامل معها، وأن الحفاظ على التوازن الإقليمي يتطلب قدراً أعلى من التنسيق والتعاون بين القوى العربية الرئيسية.
لا يستهدف هذا الإطار بالتأكيد الدخول في مواجهات عسكرية أو تشكيل حلف موجه ضد طرف إقليمي بعينه، بقدر ما يسعى إلى بناء أرضية مشتركة للتعامل مع التحديات الأمنية الكبرى التي تواجه المنطقة، بما في ذلك حماية الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب، ومنع انهيار الدول الوطنية، والتصدي لمحاولات فرض ترتيبات إقليمية أحادية لا تراعي مصالح مختلف الأطراف. كما يمكن أن يشكل منصة للتنسيق السياسي والأمني في أوقات الأزمات بما يقلل من فرص الانزلاق إلى مواجهات إقليمية واسعة ويعزز قدرة الدول العربية على التأثير في مسارات القضايا الإقليمية المختلفة.
وقد عززت الحرب على إيران من أهمية هذا التوجه، بعدما أظهرت أن العديد من الدول العربية باتت تشترك في مخاوف متقاربة تجاه اختلال موازين القوى الإقليمية، سواء لصالح إيران أو إسرائيل أو أي مشروع إقليمي آخر يسعى للهيمنة على المنطقة. كما كشفت الحرب عن وجود مصالح مشتركة بين عدد من العواصم العربية في الحفاظ على الدولة الوطنية ومنع انهيار منظومة التوازنات التقليدية التي حكمت الشرق الأوسط لعقود.
ويمكن أن يستند هذا الإطار إلى مجموعة من المحددات والمبادئ الحاكمة التي تشكل أرضية توافق بين الدول المشاركة فيه، وفي مقدمتها دعم الدولة الوطنية باعتبارها الركيزة الأساسية للاستقرار الإقليمي، ورفض محاولات التقسيم أو التفكيك أو إنشاء الكيانات المسلحة الموازية لمؤسسات الدولة. كما يمكن أن يتبنى موقفاً موحداً يدعم الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي الدول العربية واحترام سيادتها الوطنية، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لمنع تحول الأزمات الداخلية إلى ساحات صراع إقليمي ودولي.
كما قد يضطلع الإطار بدور أكثر فاعلية في دعم تسوية الأزمات العربية العربية، خاصة في الساحات التي لا تزال تشهد نزاعات ممتدة مثل ليبيا والسودان واليمن. ويمكن أن يرتكز هذا الدور على دعم الحلول السياسية الوطنية، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ومنع التدخلات الخارجية التي تؤدي إلى إطالة أمد الصراعات أو تعميق الانقسامات الداخلية، بما يساهم في استعادة الاستقرار وتقليص مساحات الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة والقوى الإقليمية المتنافسة.
ويمثل أمن البحر الأحمر أحد أهم الملفات التي يمكن أن تشكل محوراً رئيسياً لهذا الإطار خاصة بدعم مصري سعودي. فالتطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تهديدات للملاحة الدولية وتصاعد الوجود العسكري الأجنبي، عززت من أهمية التوافق العربي حول رؤية مشتركة تعتبر أن مسئولية أمن البحر الأحمر يجب أن تكون في المقام الأول مسئولية الدول العربية المشاطئة له. وعليه، يمكن أن يتبنى الإطار موقفاً داعماً لحصر ترتيبات أمن البحر الأحمر في دوله العربية المشاطئة، ورفض أي محاولات لتحويله إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية أو استخدامه كأداة للضغط السياسي والعسكري على دول المنطقة.
كما يمكن أن يتبنى هذا الإطار مقاربة جديدة للعلاقة مع إيران تقوم على الحوار الاستراتيجي بدلاً من الصراع المفتوح أو سياسات الاحتواء المتبادل. فالحرب الأخيرة أثبتت أن استمرار حالة المواجهة والتوتر لا يخدم استقرار المنطقة، كما أن محاولات الإقصاء أو فرض الهيمنة من أي طرف تؤدي إلى نتائج عكسية. وهنا قد يسعى هذا الإطار إلى إطلاق حوار عربي إيراني يستند إلى مبادئ واضحة تشمل احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وتسوية الخلافات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ولا يعني هذا التوجه تجاهل الخلافات العربية الإيرانية أو التقليل من حجم التحديات القائمة، وإنما السعي إلى إدارة هذه الخلافات ضمن قواعد واضحة تمنع تحولها إلى صراعات مفتوحة تهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها. كما أنه يهدف إلى صنع بيئة إقليمية أكثر استقراراً تسمح بتوجيه الموارد نحو التنمية الاقتصادية وتحسين أوضاع الشعوب بدلاً من استنزافها في سباقات التسلح والصراعات الممتدة.
وقد تضطلع مصر بدور محوري في أي ترتيبات من هذا النوع، بحكم ثقلها العسكري والسياسي وموقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، ولكون مصر أيضا كان طرفا فاعلا في جهود خفض التصعيد ولديها علاقات مع مختلف الأطراف.
وعلى الرغم من أن فرص تحول هذا التصور إلى تحالف عسكري عربي متكامل لا تزال محدودة في المدى المنظور، فإن احتمالات تطوره كإطار للتنسيق الأمني والاستراتيجي تبدو أكثر واقعية وقابلية للتحقق، خاصة إذا استمرت حالة السيولة الاستراتيجية التي يشهدها الشرق الأوسط وتصاعدت المخاوف من محاولات إعادة تشكيل الإقليم بصورة لا تراعي مصالح الدول العربية الرئيسية. وفي هذه الحالة، قد يصبح هذا الإطار أحد أهم أدوات الحفاظ على توازن القوى والاستقرار الإقليمي، وأحد المسارات القادرة على استعادة دور عربي أكثر فاعلية في صياغة مستقبل الشرق الأوسط وترتيباته الأمنية الجديدة.
في الأخير، تكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة انتقالية لم تتبلور ملامحها النهائية بعد، لكنها تختلف بصورة جوهرية عن المراحل السابقة التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003 أو الاتفاقيات الإبراهيمية في أغسطس 2020 أو سقوط سوريا البعث في ديسمبر 2024، فالحرب لم تنجح في إسقاط النظام الإيراني أو إعادة تشكيل الإقليم وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية، كما أنها لم تؤدي إلى تراجع النفوذ الأمريكي أو انهيار منظومة التحالفات التقليدية. بجانب وهو الأهم أن الحرب أظهرت حدود فاعلية القوة العسكرية في حسم الصراعات الإقليمية، وعززت من أهمية التوازنات بين القوى الرئيسية في الشرق الأوسط.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال السنوات المقبلة يتمثل في إعادة تشكيل منظومة أمني إقليمي أكثر تعقيداً وتعددية، تقوم على استمرار الدور الأمريكي باعتباره الضامن الرئيسي للتوازنات الإقليمية، مع تنامي أدوار القوى الأوروبية والإقليمية المتوسطة “مصر – تركيا – باكستان – السعودية”، وتوسع الاستثمارات الدفاعية الخليجية، وظهور صيغ جديدة من التنسيق والشراكات المرنة بدلاً من التحالفات الصلبة التقليدية. وبذلك قد يتجه الشرق الأوسط نحو مرحلة إدارة التنافس والصراع وليس إنهائه، والحفاظ على توازنات الردع وليس حسمها، بما يجعل الاستقرار الإقليمي خلال المرحلة المقبلة مرتبطاً بقدرة مختلف الأطراف على منع الانزلاق إلى مواجهات شاملة أكثر من ارتباطه بالتوصل إلى تسويات نهائية للصراعات القائمة.
رئيس وحدة دراسات الإعلام والرأي العام بالمركز