المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
الدراسات العربية والإقليمية
قراءة نقدية للرواية الغربية: تفنيد الأكاذيب الإسرائيلية حول انتصار أكتوبر 73
قضايا الأمن الدفاع
الردع متعدد المجالات.. دلالات تأسيس قوة "فالكون سترايك" الأمريكية
الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
حرب أكتوبر والاقتصاد العالمي قرارات النفط: البيئة المحيطة – التأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية على الإقليم والعالم
الإرهاب والصراعات المسلحة
التطرف والإرهاب القومي الأبيض:من أيديولوجيا التفوق الأبيض إلى إشكالية التصنيف والاستجابة
وحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر
الحراك الفكري المصري من الصمود إلى صناعة النصر في أكتوبر 1973م
قضايا الأمن الدفاع
الرقم الصعب ... العنصر المقاتل وتأكيد "الروح المصرية" في انتصار أكتوبر ( ملف توثيقي  )
الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية
من استهداف الجمهور إلى هندسة المعرفة: كيف تعمل إسرائيل للتأثير في إجابات الذكاء الاصطناعي؟
قضايا الأمن الدفاع
خطة إعادة التسلح الأكبر في التاريخ المعاصر كيف أعادت مصر بناء قواتها المسلحة عقب نكسة 1967
السياسات العامة
في اليوم العالمي للقضاء على الفقر..التمكين قبل الرعاية: مسارات تعزيز العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر في مصر
برنامج الدراسات التاريخية
حين رأت الـ CIA ولم تدرك: الخداع الاستراتيجي المصري قبل وأثناء حرب أكتوبر 1973(الورقة الثانية)
برنامج الدراسات التاريخية
من رصد المؤشرات إلى إخفاق التحذير: قراءة في التقديرات الاستخباراتية الأمريكية قبل حرب أكتوبر 1973 (الورقة الأولى)
الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية
التنافس الأمريكي–السوفيتي في سياق حرب أكتوبر 1973
الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
الاقتصاد المصري بين النكسة والنصر (1967–1973): إدارة اقتصاد الحرب وحشد الموارد
وحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر
حرب أكتوبر والهوية المصرية: دلالات الحرب في الوعي الوطني.. وكيفية تشكل الذاكرة الجماعية للحرب
وحدة دراسات الهوية الوطنية والقيم والمعتقدات في مصر
الحراك الوطني: الأزهر والكنيسة من 5 يونيو إلى 6 أكتوبر 1973
العلاقات الدولية
محددات ومواقف القوى الدولية من حربي يونيو 1967 وأكتوبر 1973 (يوغوسلافيا السابقة-فرنسا-بريطانيا-الهند-الصين)
الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية
تحولات الإعلام الإسرائيلي في قراءة حرب 1973 (الغرور، الصدمة، الاعتراف، وإعادة تشكيل الذاكرة)
قضايا الأمن الدفاع
دروس عسكرية تتجدد: ما بين أكتوبر 1973 وحربي إيران وأوكرانيا
الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية
من زلزال المفاجأة إلى أزمة المحاسبة حرب أكتوبر 1973 في شهادات القادة ومحاضر الحكومة الإسرائيلية
الدراسات الأفريقية
الجبهة الأفريقية: الموقف الدبلوماسي للقارة في حرب أكتوبر
العالم الرقمي
جوانب بارزة من التقنيات العسكرية المستخدمة في حرب أكتوبر
ورقة بحثية
ما بعد المعركة..كيف أدارت مصر مسألة عودة الجنود إلى الحياة المدنية؟
السياسات العامة
منظومة الأمن الغذائي المصري قبل معركة العبور (1967- 1973)
تحليلات
حرب أكتوبر في أشرطة كيسنجر السرية.. الحرب التي حطمت يقين واشنطن
قضايا الأمن الدفاع
الدرع المصري الصامد ملحمة قوات الدفاع الجوي المصري عام 1973
دراسات الإعلام و الرأي العام
أكتوبر بعد 53 عامًا.. النصر الذي استعاد ميزان الردع في الشرق الأوسط
قراءات وعروض
حرب أكتوبر 1973.. رؤية عسكرية جديدة في الشرق الأوسط لبيير رازوو
ورقة بحثية
بين أحمد رجب وصلاح جاهين: حرب أكتوبر 1973 في الفكر الساخر المصري
قراءات وعروض
قراءة في كتاب "من سيناء إلى الجولان" للمؤرخ العسكري جمال حماد
السياسات العامة
"العقد الاجتماعي والجبهة الداخلية في حرب أكتوبر 1973: التعبئة الشاملة والاصطفاف القومي وترسيخ الهوية الوطنية"
Facebook X-twitter Linkedin Telegram Youtube
  • العلاقات الدولية
    • الدراسات الأسيوية
    • الدراسات الأفريقية
    • الدراسات الأمريكية
    • الدراسات الأوروبية
    • الدراسات العربية والإقليمية
    • الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية
  • قضايا الأمن والدفاع
    • التسلح
    • الأمن السيبراني
    • التطرف
    • الإرهاب والصراعات المسلحة
  • السياسات العامة
    • الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
    • دراسات القضايا الاجتماعية
    • مصر والعالم في أرقام
    • دراسات الإعلام و الرأي العام
    • تنمية ومجتمع
  • تحليلات
    • مقال
    • دراسة
    • ورقة بحثية
    • تقرير
    • تقدير موقف
    • قراءات وعروض
  • أنشطة وفاعليات
    • حلقات نقاش
    • مؤتمرات
    • ندوات
    • ورش عمل
  • مكتبة المركز
  • EnglishEn
  • المرصد
Menu
  • العلاقات الدولية
    • الدراسات الأسيوية
    • الدراسات الأفريقية
    • الدراسات الأمريكية
    • الدراسات الأوروبية
    • الدراسات العربية والإقليمية
    • الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية
  • قضايا الأمن والدفاع
    • التسلح
    • الأمن السيبراني
    • التطرف
    • الإرهاب والصراعات المسلحة
  • السياسات العامة
    • الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
    • دراسات القضايا الاجتماعية
    • مصر والعالم في أرقام
    • دراسات الإعلام و الرأي العام
    • تنمية ومجتمع
  • تحليلات
    • مقال
    • دراسة
    • ورقة بحثية
    • تقرير
    • تقدير موقف
    • قراءات وعروض
  • أنشطة وفاعليات
    • حلقات نقاش
    • مؤتمرات
    • ندوات
    • ورش عمل
  • مكتبة المركز
  • EnglishEn
  • المرصد
0 EGP0.00

لا توجد منتجات في سلة المشتريات.

  • العلاقات الدولية
    • الدراسات الأسيوية
    • الدراسات الأفريقية
    • الدراسات الأمريكية
    • الدراسات الأوروبية
    • الدراسات العربية والإقليمية
    • الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية
  • قضايا الأمن والدفاع
    • التسلح
    • الأمن السيبراني
    • التطرف
    • الإرهاب والصراعات المسلحة
  • السياسات العامة
    • الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
    • دراسات القضايا الاجتماعية
    • مصر والعالم في أرقام
    • دراسات الإعلام و الرأي العام
    • تنمية ومجتمع
  • تحليلات
    • مقال
    • دراسة
    • ورقة بحثية
    • تقرير
    • تقدير موقف
    • قراءات وعروض
  • أنشطة وفاعليات
    • حلقات نقاش
    • مؤتمرات
    • ندوات
    • ورش عمل
  • مكتبة المركز
  • EnglishEn
  • المرصد
تقرأ الأن: قراءة نقدية للرواية الغربية: تفنيد الأكاذيب الإسرائيلية حول انتصار أكتوبر 73
الدراسات العربية والإقليمية

قراءة نقدية للرواية الغربية: تفنيد الأكاذيب الإسرائيلية حول انتصار أكتوبر 73

نيرمين سعيد
نيرمين سعيد تم النشر بتاريخ 20/10/2026
وقت القراءة: 58 دقيقة
استمع للمقال
مشاركة

تظل الحروب الكبرى أكثر من مجرد مواجهات عسكرية تنتهي بخطوط وقف إطلاق نار أو خرائط ميدانية، فهي تتحول، بمجرد انتهاء القتال، إلى ساحات صراع موازية حول المعنى والتأويل والذاكرة؛ فمن يملك الحق في تسمية ما حدث؟ ومن يقرر ما إذا كانت النتيجة “نصرًا” أم “هزيمة”؟ وكيف تُصاغ الروايات الرسمية لتعيد ترتيب الوقائع بما يخدم الهوية الوطنية والشرعية السياسية للأطراف؟ وفي هذا الإطار تبرز حرب أكتوبر 1973 بوصفها نموذجًا لظاهرة “صراع السرديات” في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط.

المحتويات
أولًا) سردية النصر الإسرائيلي وتفنيدها:ثانيًا) تناقض رواية النصر الإسرائيلية مع خسائرها الميدانية وتجاهل حقيقة الثغرة وحصادها:ثالثًا: أكذوبة التفوق الإسرائيلي المطلق وخطأ البناء على مكتسبات 1967رابعًا) تفنيد الادعاء الإسرائيلي حول العلم المسبق بالهجوم المصري في 6 أكتوبر:

فمنذ الساعات الأولى لانتهاء العمليات العسكرية، بدأت عملية إعادة بناء المعنى، فبينما ركزت بعض الخطابات على اللحظات المتأخرة من الحرب، سعت خطابات أخرى إلى استعادة السياق الكامل الذي سبق القتال ورافقه وأعقبه، والنتيجة أن الحرب لم تعد حدثًا عسكريًا صرفًا يمكن قياسه بعدد الدبابات المدمرة أو الكيلومترات التي قُطعت، بل أصبحت رمزًا سياسيًا وثقافيًا يُعاد استثماره باستمرار في الحاضر، وهنا تظهر أهمية التمييز بين “النتيجة الميدانية المباشرة” وبين “النتيجة الاستراتيجية طويلة الأمد”، وبين “التفوق التكتيكي في مرحلة معينة” وبين “القدرة على فرض شروط سياسية جديدة”، لأنه في نهاية المطاف لا توجد حرب أبدية.

إن بناء رواية النصر عملية معقدة، وفي الحالة الإسرائيلية بعد 1973، برزت رواية رسمية تميل إلى تقديم المرحلة الأخيرة من الحرب بوصفها دليلًا حاسمًا على التفوق العسكري، متجاهلة أو مقللة من أهمية الصدمة الأولى، ومن حجم الاستنزاف، ومن الدور الحاسم للعوامل الخارجية، ومن الحقيقة السياسية الأساسية المتمثلة في أن الحرب أجبرت الطرف الإسرائيلي في النهاية على الدخول في مسار تفاوضي انتهى بانسحاب كامل من أراضٍ كان يعتبر الاحتفاظ بها أمرًا دائمًا ومن المسلمات بل إنّ مجرد طرح الانسحاب من هذه الأراضي كان من المحرمات، وهذا النوع من الانتقائية ليس استثنائيًا؛ فإسرائيل دأبت على الانتصار لنفسها، أيًا ما كان مقدار التحريف والتدليس الممارس. وخطورة هذا الاتجاه تكمن في أنه يحول التاريخ إلى أداة تعبئة أكثر مما يحوله إلى أداة فهم.

من جهة أخرى، لا يمكن فهم صراع الروايات حول حرب أكتوبر بمعزل عن السياق الأوسع للصراع العربي–الإسرائيلي، فالحروب السابقة، وخاصة 1967، رسخت في الوجدان الإسرائيلي شعورًا بالتفوق العسكري شبه المطلق، ورسخت في الجانب العربي شعورًا عميقًا بالضعف والمهانة، ثم جاء انتصار مصر في أكتوبر 1973 ليكسر هذا الاعتقاد؛ حيث لم تعد المعادلة “تفوق إسرائيلي حاسم مقابل عجز عربي”، بل أصبحت أكثر تعقيدًا.

وتتعقد الصورة بشكل أكبر عندما ننتقل من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي، فالحرب الحديثة، وخاصة في منطقة مثل الشرق الأوسط، نادرًا ما تُحسم بالنصر الميداني وحده؛ فالهدف الحقيقي للأطراف غالبًا ما يكون تغيير البيئة التفاوضية أو كسر الجمود الدبلوماسي أو فرض تكاليف تجعل استمرار الوضع القائم غير محتمل، وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يقرأ الحرب بوصفها مباراة عسكرية تنتهي بـ”فائز” و”خاسر”، وبين من يقرأها بوصفها حرفة مصرية منذ آلاف السنين، استطاعت أن تحول الحرب بمهارة متفردة، إلى أداة سياسية استُخدمت لتحقيق غاية أبعد، وهي بسط السيادة المصرية المطلقة على كامل ترابها الوطني.

ويضاف إلى ذلك بُعد الذاكرة الجماعية، فالروايات الرسمية لا تُكتب فقط للأرشيف، بل تُكتب أيضًا للمجتمع نفسه، وهي تُعيد تشكيل صورة الذات وصورة الآخر، وتؤثر في كيفية فهم الأجيال اللاحقة لما حدث. ومن هنا فإن العلم التاريخي، في جوهره، لا يستند إلى العاطفة، ويقوم على المساءلة المستمرة للروايات السائدة، وعلى البحث عن الأدلة التي قد لا تتوافق قبل الأدلة المتوافقة، ومن هنا تأتي أهمية الدراسات التي تسعى إلى تفكيك الادعاءات الإسرائيلية المطلقة.

وفي السياق الإسرائيلي تحديدًا، ارتبطت رواية “النصر” بعد 1973 بعدة عوامل داخلية: الحاجة إلى استعادة الثقة بعد الصدمة الأولية، والرغبة في تقديم صورة للقوة رغم الخسائر، ومحاولة احتواء الانتقادات الداخلية التي ظهرت لاحقًا حول الاستعداد والاستخبارات، وهو ما تحول إلى سردية إسرائيلية متضخمة عن النصر بما يخالف الواقعين الميداني والسياسي، ومن هنا تنبع أهمية الدراسات التي تسعى إلى تفنيد الادعاءات المبسطة حول “النصر الإسرائيلي” في هذه الحرب. 

 ومن هذا المنطلق تأتي هذه الورقة: ليس لتكرار سردية جاهزة، بل لتفكيك الادعاءات الإسرائيلية السائدة حول طبيعة النتيجة النهائية للحرب، ولإبراز التناقضات الداخلية في تلك الادعاءات، وللإسهام في إعادة بناء فهم أكثر تركيبًا وتعقيدًا لما حدث في أكتوبر 1973، بالاعتماد بشكل أساسي على أرشيف وسجلات الإسرائيليين والأمريكيين الرسمية عن الحرب، وهنا تكمن المفارقة في إعادة كتابة تاريخ انتصارنا من تناقضات أرشيفهم، التي تؤكد أن مصر لم تكن يومًا من الدول التي تسرق انتصاراتها.

أولًا) سردية النصر الإسرائيلي وتفنيدها:

تكشف المصادر الإسرائيلية الرسمية عن حضور واضح لرواية تعتبر أن حرب أكتوبر 1973 انتهت بانتصار إسرائيلي، ويصف أرشيف وزارة الدفاع الإسرائيلي النتيجة بأنها انتهت و”يد إسرائيل هي العليا” على الجبهتين، مستندًا بصورة خاصة إلى التحول الذي حققه الجيش الإسرائيلي في النصف الثاني من الحرب ونجاحه في عبور قناة السويس والتقدم داخل الأراضي المصرية. 

ويتكرر هذا التصور في المواد المنشورة على موقع الجيش الإسرائيلي، التي تركز على عبور قناة السويس ومحاصرة الجيش الثالث المصري باعتبارهما من أبرز الإنجازات العسكرية للحرب، ومن ثم فإن الخطاب الرسمي الإسرائيلي يعيد تأطير النتيجة النهائية باعتبارها انتصارًا عسكريًا إسرائيليًا، مستندًا إلى التحولات الميدانية التي حدثت في المرحلة الأخيرة من القتال. 

وهذا الطرح الإسرائيلي يصبح محل شك، حتى بالاستناد إلى أرشيف الولايات المتحدة التي دخلت الحرب في مرحلة لاحقة منحازة للجانب الإسرائيلي، وهو ما يمكن استعراضه من خلال الوثائق على النحو التالي:

الرد 1: الانسحاب من الأراضي المصرية كدليل على هزيمة إسرائيل:

 في إطار الدفوع المصرية أيضًا حول مسألة الانتصار الإسرائيلي المزعوم، يكمن سند أساسي يتمثل في تاريخ تعامل إسرائيل مع الأراضي التي تحتلها، ففي إطار تعامل دولة الاحتلال مع مسألة الانسحاب من الأراضي المحتلة على مدار تاريخها القصير والمصطنع، لا توجد سابقة تاريخية انسحبت فيها تل أبيب أو تنازلت عن أية أراضٍ محتلة إلا وهي صاغرة أو مضطرة، وللتأكيد على هذا الإطار فإنه من المهم رصد موقف مصر من انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في يونيو 1967 وفي السنوات التي سبقت انتصار أكتوبر، لأنه يؤسس للحجة الأهم في التأكيد على انتصار مصر عندما أجبرت إسرائيل على الانسحاب من آخر كيلومتر مربع محتل في سيناء في عام 1982 كواحدة من التبعات الأخيرة لانتصار مصر في حرب أكتوبر 1973 واستعادة طابا.

الموقف المصري من انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة قبل 73:

منذ فبراير 1971، بلور الرئيس المصري أنور السادات تصورًا واضحًا للتسوية يقوم على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو 1967، فقد عرض على إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إعادة فتح قناة السويس مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الشرقية للقناة، ثم أبدى استعدادًا لقبول جدول زمني لمزيد من الانسحابات، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي إلى الحدود الدولية، كما أشار السادات إلى أن مصر يمكن أن تنهي حالة العداء مع إسرائيل إذا نفذت إسرائيل الانسحاب المطلوب، وبذلك كان جوهر الموقف المصري، قبل حرب أكتوبر 1973، يتمثل في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المصرية المحتلة، وليس مجرد الحصول على ترتيبات محدودة لوقف إطلاق النار أو إعادة فتح قناة السويس.

غير أن المبادرات المصرية لم تؤدِّ إلى تغيير جوهري في الموقف الإسرائيلي أو الأمريكي، فقد عارضت إسرائيل الجهود التي قادها وزير الخارجية الأمريكي وليام روجرز للتوصل إلى تسوية مؤقتة، بينما لم يبدِ نيكسون ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر استعدادًا جديًا للضغط على إسرائيل، وكان كيسنجر يرى أن المقترحات المصرية، إلى جانب المبادرة السوفيتية التي طُرحت في سبتمبر 1971، لن تحظى بقبول إسرائيلي، كما كان حريصًا على عدم السماح للخلاف حول الشرق الأوسط بإلحاق الضرر بسياسة الانفراج مع الاتحاد السوفيتي قبيل قمة موسكو في مايو 1972، أما نيكسون، فقد كان لديه دافع إضافي لتجنب الدخول في أزمة مع إسرائيل قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1972.

وبعد قمة موسكو، التي تعمدت خلالها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عدم جعل قضية الشرق الأوسط محورًا للمباحثات، اتخذ السادات خطوات إضافية لإخراج عملية التسوية من حالة الجمود. ففي يوليو 1972، قرر إنهاء وجود المستشارين العسكريين السوفييت في مصر، ثم فتح قناة اتصال سرية مع كيسنجر بواسطة مستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل، وفي فبراير 1973، التقى إسماعيل بكيسنجر، ونقل إليه استعداد مصر للنظر في اتفاق سلام منفصل مع إسرائيل يتضمن ترتيبات أمنية، مثل إنشاء مناطق منزوعة السلاح على جانبي الحدود ونشر قوات حفظ سلام في بعض المواقع الحساسة، ومنها شرم الشيخ، غير أن هذه الترتيبات لم تكن بديلًا عن المطلب المصري الأساسي، إذ كان التطبيع الكامل مع إسرائيل مرتبطًا بانسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967.

ورغم هذه الإشارات المصرية المتكررة، لم يحدث تحول جوهري في الموقف الإسرائيلي، كما لم يبادر نيكسون وكيسنجر إلى ممارسة ضغط سياسي فعلي لدفع إسرائيل نحو الانسحاب، وتُظهر هذه الوقائع أن حرب أكتوبر 1973 لم تكن منفصلة عن المسار الدبلوماسي السابق لها، وإنما جاءت بعد أكثر من عامين من المحاولات المصرية لدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التعامل مع قضية الانسحاب من الأراضي المحتلة، فقد ظل المطلب المصري المركزي منذ فبراير 1971 هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المصرية التي احتُلت عام 1967، بينما أخفقت الجهود الدبلوماسية في تحقيق هذا الهدف قبل اندلاع الحرب، ومن ثم، فإن أهمية حرب أكتوبر في هذا السياق لا تقتصر على نتائجها الميدانية المباشرة، وإنما تتمثل أيضًا في أنها غيّرت ميزان العملية السياسية، وأعادت قضية الانسحاب الإسرائيلي إلى صدارة المسار التفاوضي، بعد أن ظلت إسرائيل والولايات المتحدة تتعاملان معها قبل الحرب باعتبارها مطلبًا لا يستدعي تقديم تنازلات إسرائيلية جوهرية.

وبناءً على ذلك، فإن الحرب فرضت تغييرًا في البيئة السياسية والتفاوضية التي كانت تحول دون تنفيذ المطلب المصري بالانسحاب، فقد استُعيدت الأراضي المصرية المحتلة على مراحل من خلال اتفاقات وترتيبات تفاوضية أعقبت الحرب، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي من سيناء وعودتها إلى السيادة المصرية، ولذلك فإن تقييم حرب أكتوبر لا يصح إلا من خلال اعتبارها نقطة التحول التي نقلت مطلب الانسحاب من إطار المطالب والاقتراحات الدبلوماسية التي رفضتها إسرائيل قبل الحرب إلى مسار تفاوضي أُجبرت فيه إسرائيل في نهاية المطاف على الانسحاب الكامل من شبه جزيرة سيناء المصرية، ومن هنا فإن النتيجة السياسية للحرب تناقض الرواية التي تصور الوضع باعتباره انتصارًا إسرائيليًا أو وضعًا كانت فيه إسرائيل قادرة على رفض الانسحاب بلا تكلفة ضخمة تهدد بقاء دولة إسرائيل نفسها.

ثبات الموقف المصري: الحرب كوسيلة لفرض التسوية لا كغاية في ذاتها:

بعد اندلاع الحرب تكشف رسالة حافظ إسماعيل إلى هنري كيسنجر في 7 أكتوبر 1973 عن استمرارية واضحة في الموقف المصري من التسوية السياسية، إذ أعادت القاهرة، في اليوم الثاني للحرب، تأكيد المبادئ التي سبق أن طرحتها في اتصالاتها مع الإدارة الأمريكية قبل اندلاع القتال، فقد أكد إسماعيل أن الهدف المصري النهائي هو تحقيق السلام في الشرق الأوسط، لكنه ربط الوصول إلى هذا السلام بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها، مؤكدًا في الوقت نفسه استعداد مصر للمشاركة في عملية تفاوضية دولية وقبول ترتيبات أمنية تضمن حرية الملاحة في مضيق تيران، بما في ذلك إمكانية وجود دولي مؤقت. 

وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كونها جاءت بعد بدء العمليات العسكرية مباشرة، ومع ذلك لم تُظهر تغييرًا في الأساس السياسي الذي قامت عليه المبادرات المصرية السابقة؛ فالموقف الذي كانت القاهرة قد حاولت إيصاله إلى الإدارة الأمريكية قبل الحرب، والمتمثل في أن التسوية الحقيقية تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة، أعادت التأكيد عليه أثناء الحرب نفسها، وبذلك يظهر أن استخدام القوة لم يكن، وفق الموقف الذي عبّر عنه إسماعيل، هدفًا قائمًا بذاته، وإنما ارتبط بمحاولة تغيير الوضع القائم الذي عجز المسار الدبلوماسي السابق عن تغييره.

ويكتسب هذا الثبات في الموقف المصري دلالة أكبر إذا ما قورن بالمرحلة السابقة على الحرب، لأنه حتى ومع اندلاع الحرب، لم تتخلَّ القاهرة عن جوهر مطالبها السياسية، وإنما دخلت إلى المفاوضات من موقع مختلف فرضته التطورات العسكرية المصرية الحاسمة على الأرض، بحيث لم يعد استمرار الوضع الذي سبق الحرب، والقائم على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المصرية، أمرًا يمكن التعامل معه باعتباره وضعًا دائمًا لإسرائيل بلا تكلفة سياسية أو عسكرية، وإذا كانت تل أبيب تطبق سياسة الأمر الواقع فإن مصر كانت حريصة في 6 أكتوبر على التأكيد أن استمرار احتلال الأراضي المصرية يهدد فكرة بقاء دولة إسرائيل برمتها، وبالتالي فإن الانتصار المصري نجح في تحويل مطلب الانسحاب من الأراضي المصرية من مسار دبلوماسي لم تستجب له إسرائيل قبل الحرب إلى واقع ميداني فُرض على إسرائيل وأصبح فيما بعد جزءًا من مسار تفاوضي أعقب الحرب.

ويرتبط ما تقدم أيضًا بما نقله السادات إلى الشاه الإيراني كقناة اتصال مع الرئيس نيكسون، فهذه القناة غير المباشرة تكشف أن السادات حرص، بالتوازي مع الاتصالات المباشرة بين القاهرة وواشنطن، على إيصال تصور واضح إلى الرئيس الأمريكي بشأن طبيعة التحرك المصري وأهدافه. والأهم أن الرسالة، كما نقلها الجانب الأمريكي، جمعت بين عرض الإنجاز العسكري المصري وبين التأكيد على استمرار الرغبة في السلام، مع ربطه بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة منذ 5 يونيو 1967. كما تضمنت استعدادًا مصريًا للنظر في ضمانات وترتيبات دولية بشأن الأراضي وحرية الملاحة، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند مقارنتها برسالة حافظ إسماعيل في 7 أكتوبر، إذ يظهر ثبات جوهر الموقف المصري عبر قنوات الاتصال المختلفة: استخدام القوة العسكرية لم يلغِ الهدف السياسي، والإنجاز العسكري لم يتحول إلى مطالبة مفتوحة باستمرار الحرب، وإنما ظل مرتبطًا بمطلب الانسحاب الإسرائيلي وبإعادة فتح الطريق أمام تسوية سياسية. 

الرد 2: الوثيقة رقم 131 من وثائق الخارجية الأمريكية:

 تكشف مناقشات مجموعة العمل الخاصة بواشنطن في 14 أكتوبر 1973 أن الولايات المتحدة وحتى ذلك التاريخ كانت لا تزال تحاول فهم طبيعة التحرك المصري داخل سيناء وحجمه الحقيقي. فقد أظهرت الإحاطة الاستخباراتية الأمريكية أن القوات المصرية بدأت هجومًا عامًا في سيناء، مع ورود تقديرات بإمكانية وصول بعض الوحدات إلى منطقة ممر متلا، وهو ما دفع كيسنجر إلى الاستفسار عن المسافة التي تفصل الممر عن قناة السويس. ويعكس هذا الاستفسار أن حجم التقدم المصري كان محل اهتمام واستغراب داخل الإدارة الأمريكية، التي كانت تحاول تحديد ما إذا كان التحرك يمثل انتقالًا إلى مرحلة جديدة من العمليات أم أنه لا يزال في إطار الأهداف المحدودة التي بدأت بها القوات المصرية الحرب. 

وفي هذا السياق، أوضحت التقديرات العسكرية الأمريكية أن الهدف المصري لم يكن التقدم عبر سيناء وصولًا إلى السيطرة على شبه الجزيرة بالكامل. فقد رأى الأدميرال توماس مورر أن القوات المصرية كانت تتحرك إلى الأمام، لكنها لم تكن تسعى إلى اجتياز سيناء بأكملها، وإنما إلى الاحتفاظ بالمناطق التي تمكنت من السيطرة عليها، مع توسيع نطاق وجودها شرق القناة بما يخدم أهدافها العسكرية والسياسية. وبذلك، فإن التقدم المصري داخل سيناء لم يكن خروجًا عن الهدف الأصلي للحرب، وإنما كان وسيلة لتثبيت إنجاز العبور وفرض واقع عسكري جديد على إسرائيل، يسمح لمصر بالانتقال من وضع الطرف الذي يطالب باستعادة أراضيه إلى طرف يمتلك أوراقًا عسكرية على الأرض يمكن توظيفها في التسوية السياسية. 

 وهذا الاهتمام الأمريكي لا يعكس فقط متابعة لحركة القوات، بل يكشف أن واشنطن كانت أمام واقع عسكري لم يكن من السهل تفسيره باعتباره مجرد عملية محدودة لعبور القناة، خصوصًا أن القوات المصرية تمكنت من الحفاظ على مواقعها المتقدمة والاستمرار في القتال بعد مرور أكثر من أسبوع على بداية الحرب. 

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الهدف المصري من التوغل في سيناء قد تحقق إلى حد كبير قبل 14 أكتوبر. فقد نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس، وإنشاء رؤوس جسور، ثم توسيع نطاق وجودها شرق القناة والاحتفاظ بالمواقع التي سيطرت عليها، وهو ما فرض على إسرائيل التعامل مع واقع عسكري جديد بدلًا من الاكتفاء بالعودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب. 

الرد 3: الوثيقة رقم 190 من وثائق الخارجية الأمريكية:

 يمكن كذلك الاستناد إلى مضمون الوثيقة رقم 190، حيث تكشف الرسالة السرية التي بعث بها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر إلى مستشار الرئيس المصري لشئون الأمن القومي حافظ إسماعيل في واشنطن صباح 16 أكتوبر 1973 عن تقدير أمريكي مهم للنتائج التي حققتها مصر خلال حرب أكتوبر، وعن طبيعة الخلاف بين القاهرة وواشنطن بشأن شروط وقف إطلاق النار. فالرسالة لم تتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة انتهت فيها مصر إلى موقف دفاعي، بل أقر كيسنجر صراحة بأن القوات المصرية «أنجزت الكثير بالفعل»، وأن هذا الإنجاز أدى إلى تغيير جوهري في الوضع الاستراتيجي الذي كان قائمًا منذ حرب 1967. 

ويكتسب هذا الاعتراف أهمية خاصة لأنه صدر عن كيسنجر “بانتماءاته وخلفياته” وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تضغط باتجاه وقف القتال. فقد أقر بأن مصر نجحت في إزالة حالة الإهانة التي خلفتها هزيمة 1967 لدى المصريين والعالم العربي، وأن الحرب أوجدت وضعًا استراتيجيًا جديدًا لم يعد فيه الاعتماد على التفوق العسكري الدائم لأي طرف أمرًا مضمونًا. وبذلك، فإن الرسالة الأمريكية نفسها تقدم إقرارًا بأن العمليات العسكرية المصرية لم تكن مجرد عملية محدودة بلا نتائج سياسية، وإنما نجحت في كسر المعادلة التي استقرت بعد 1967، وأجبرت واشنطن على التعامل مع واقع استراتيجي مختلف، جعل الحاجة إلى التسوية السياسية أكثر وضوحًا لجميع الأطراف. وهذا يعني أن واشنطن كانت تدرك أن استمرار الوضع الذي سبق 6 أكتوبر لم يعد ممكنًا، غير أن كيسنجر حاول توجيه هذا الإنجاز المصري نحو مسار تفاوضي تريده الولايات المتحدة، يقوم على وقف إطلاق النار أولًا ثم الانتقال إلى التسوية. 

الرد 4: الوثيقة رقم 125 من وثائق الخارجية الأمريكية:

 تظهر الوثيقة رقم 125 من وثائق الخارجية الأمريكية أن واشنطن كانت تتعامل مع القاهرة في 8 أكتوبر باعتبارها طرفًا ينبغي الاستماع إلى شروطه واستطلاع توجهاته، وليس باعتبارها طرفًا يُطلب منه فقط قبول صيغة أمريكية جاهزة لوقف إطلاق النار، ويتضح ذلك بصورة مباشرة من تركيز كيسنجر على طلب توضيح المقصود بالانسحاب الإسرائيلي الكامل: وهل هو شرط سابق على انعقاد مؤتمر السلام، أم مبدأ يجري الاتفاق عليه قبل المؤتمر وتُناقش آليات تنفيذه خلال العملية التفاوضية؟ ويكشف هذا الاستفسار أن الإدارة الأمريكية كانت تحاول تحديد الحد الأدنى للموقف المصري الذي يمكن البناء عليه دبلوماسيًا، وهو ما يمنح الموقف المصري في هذه المرحلة وزنًا تفاوضيًا مبنيًا على الإنجاز العسكري الذي لا يمكن تجاهله ويدحض فكرة التقدم العسكري الإسرائيلي كما روجت تل أبيب.

وتبرز، ثانيًا، دلالة مهمة في الموقف الأمريكي من صياغة التحرك في الأمم المتحدة، فالاتصالات المرتبطة بالوثيقة توضح أن كيسنجر أبلغ الجانب المصري بأن الولايات المتحدة خففت صياغة بيانها إلى الحد الأدنى الممكن، مع إدراكه أن هذه الصياغة لن ترضي إسرائيل. وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من أن واشنطن كانت، رغم ارتباطها الوثيق بإسرائيل، تتحرك في تلك اللحظة بصيغة تراعي بالدرجة الأولى الموقف المصري، الأمر الذي يعكس محاولة أمريكية لإدارة الأزمة وليس الاكتفاء بتبني الموقف الإسرائيلي بصورة مطلقة، وبطبيعة الحال فإن الولايات المتحدة لا تتخذ هذه المواقف إلا عندما تكون إسرائيل في وضع ميداني سيئ.

الرد 5: التقدير النهائي لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية:

 تكشف دراسة أُعدت في وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية خلال حرب أكتوبر 1973 عن تقييم أمريكي بعيد المدى لمستقبل الأمن الإسرائيلي، انطلاقًا من احتمال انتهاء الحرب من دون حسم نهائي يغيّر طبيعة الصراع. وتفترض الورقة أن بقاء إسرائيل والدول العربية في وضع عسكري متقارب نسبيًا سيعني استمرار العداء السياسي واحتمال تجدد النزاعات المسلحة. وفي تقديرها، فإن إسرائيل كانت تعتمد بصورة أساسية على امتلاك تفوق عسكري كبير لردع أي محاولة عربية لإلحاق الهزيمة بها، إلا أن مسار حرب أكتوبر أظهر أن هذا التفوق لم يعد مضمونًا بالدرجة التي كانت عليها إسرائيل قبل الحرب.

وترى الورقة أن حرب أكتوبر كشفت عن تحول محتمل في ميزان القوى العسكري بين إسرائيل والدول العربية. كما أن تل أبيب لن تستطيع مستقبلًا الاعتماد على افتراض قدرتها على تحقيق انتصارات سريعة وحاسمة كما حدث في حروب سابقة. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة من وجهة نظر واضعي الدراسة لأن إسرائيل، بحكم صغر عدد سكانها مقارنة بالدول العربية المحيطة بها، تحتاج إلى قدرة عسكرية نوعية تمكنها من مواجهة خصوم أكبر منها من حيث السكان والموارد. ومن ثم، فإن تراجع قدرة إسرائيل على حسم الحرب بسرعة كان يُنظر إليه باعتباره تحديًا مباشرًا لأمنها طويل المدى.

وبناءً على ذلك، خلصت وكالة استخبارات الدفاع إلى أن الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية وحدها قد لا يكون كافيًا لضمان أمن إسرائيل في المستقبل. وطرحت الدراسة ثلاثة خيارات رئيسية يمكن أن تتجاوز بها إسرائيل حدود الاعتماد التقليدي على قوتها العسكرية: الحصول على ضمان دولي لحدودها، أو الحصول على ضمان عسكري أمريكي مباشر، أو اتباع سياسة ردع نووي معلنة. غير أن الدراسة تعاملت مع هذه الخيارات باعتبارها بدائل إشكالية، إذ رأت أن لكل منها قيودًا سياسية واستراتيجية تجعل تحويله إلى حل مستقر طويل الأجل أمرًا بالغ الصعوبة.

ثانيًا) تناقض رواية النصر الإسرائيلية مع خسائرها الميدانية وتجاهل حقيقة الثغرة وحصادها:

العبور الإسرائيلي للضفة الغربية “لم يكن نزهة”

في ليلة 15 أكتوبر 1973، بدأت القوات الإسرائيلية تنفيذ المرحلة الأكثر حساسية من خطتها لنقل المعركة إلى الضفة الغربية لقناة السويس، فلم يكن الهدف من اختراق منطقة الدفرسوار مجرد التوغل داخل المواقع المصرية، وإنما فتح ممر آمن من مواقع القوات الإسرائيلية شرق القناة إلى نقطة العبور، ثم تمكين قوات المهندسين من إقامة الجسور ونقل الدبابات والمعدات والأفراد إلى الضفة الغربية، ولذلك أصبحت منطقة المزرعة الصينية عقبة حاسمة أمام الخطة الإسرائيلية، لأن استمرار المقاومة المصرية فيها كان يعني إغلاق الطريق أمام قوات الجسور، وبالتالي تعطيل عملية العبور بأكملها.

 ومع حلول فجر 16 أكتوبر، وجد اللواء الذي قاده أرييل شارون نفسه أمام شبكة معقدة من المنشآت الزراعية والمواقع الدفاعية المصرية، الأمر الذي كشف قصور المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية عن طبيعة المنطقة وانتشار القوات المصرية فيها، وخلال سلسلة من الهجمات المتتالية، اضطرت الدبابات الإسرائيلية إلى القتال على مسافات قصيرة جدًا، وتحولت المواجهات في بعض النقاط إلى قتال مباشر بين الدبابات والمشاة، وهكذا بدأت القيود اللوجستية تهدد بتحويل النجاح التكتيكي في العبور إلى عبء عملياتي إذا لم يُؤمَّن طريق مستقر للإمدادات.

 وهو ما يوضح عدم توافر صورة استخباراتية كاملة و”التقدم قبل استكمال المعلومات عن طبيعة الدفاعات المصرية” ولذلك أسفرت العملية عن خسائر إسرائيلية، تجاوزت 40 قتيلًا و100 جريح، كما أن العبور لم يكن سهلًا أو خاليًا من الخسائر، فقد استمر القصف المدفعي المصري بكثافة على منطقة الجسر، وأدى إلى إصابة القوات والمعدات الإسرائيلية، بل إن نحو 12 دبابة إسرائيلية سقطت في القناة أثناء عملية العبور.

ومن الأهمية الالتفات لحقيقة أن العبور الإسرائيلي للضفة الغربية لم يكن نتيجة لتفوق أو اختراق إسرائيلي محض، وإنما بُني بالأساس على نتائج ثغرة الدفرسوار؛ لأن المعلومات التي حصل عليها العدو بالتحديد في يوم 9 أكتوبر أثبتت وجود ضعف في الاتصال بين الجيشين الثاني والثالث. وبدلًا من أن تفكر إسرائيل في تدمير هذه القوات فكرت في الالتفاف من حولها والعبور للضفة الغربية من القناة لخلق واقع آخر على الأرض.

كما توضح عملية العبور أيضًا أن التمكن الإسرائيلي لم يكن حتميًا، فقد كانت العملية في مراحلها الأولى شديدة الهشاشة، وواجهت خطر الفشل بسبب المقاومة المصرية في المزرعة الصينية، وتأخر الجسور، والازدحام اللوجستي، والقصف المصري، والخلاف بين شارون والقيادة العليا حول سرعة تطوير الهجوم. كما أن الخسائر التي تعرضت لها القوات الإسرائيلية قبل تثبيت العبور كانت كبيرة، وهو ما يعني أن إسرائيل لم تنتقل إلى الضفة الغربية وهي في وضع مثالي، وإنما اضطرت إلى مواصلة العملية رغم استنزاف جزء من قوتها المدرعة والبشرية.

وخلال شهادته حول الثغرة قال أرييل شارون قائد فرقة مدرعة 143 بالقطاع الأوسط لسيناء خلال حرب أكتوبر، إنّ ما حدث من عبور مصر لخط بارليف مثل أساس الكارثة التي حلت بإسرائيل في أكتوبر 73 ولم يكن هناك علم مسبق لدى القيادة الإسرائيلية بوشوك ذلك، وعلى الرغم من أن حصون خط بارليف مثلت فخاخًا مميتة، فإنّه لم تكن هناك خطة إسرائيلية للتعامل مع تجاوز المصريين لهذه الفخاخ، ونتيجة لذلك فقد خسر الجيش الإسرائيلي في الـ36 ساعة الأولى ثلثي عدد دباباته وتبقت فقط 94 دبابة من إجمالي 300 دبابة دُمّرت بالكامل.

وأضاف شارون: “لم أتوجه جنوبًا نحو القناة بإرادتي وإنما تلقيت أوامر بالتوجه للجنوب، حتى أنني عارضت هذا الأمر في محاولة لتوضيح الوضع الحقيقي على الجبهة لقادتي،ولكن محاولاتي لم تكن مجدية حيث لم يكن هناك قائد أعلى من قائد فرقة في ميدان المعركة وعلى مدار امتدادها الزمني،وقامت القيادة الإسرائيلية بالزيارة الأولى للجبهة يوم 19 أكتوبر في غرب قناة السويس، وعلى الرغم من ذلك فقد تلقيت أوامر بالانسحاب من الجبهة، وأنا هنا أصرح بالحقيقة لقد كنا فعلا نواجه قتالًا قاسيًا مع المصريين، فقد أبقيت على كتيبة واحدة وهي كتيبة الاستطلاع التي خسرت في هذه المعركة غالبية رجالها وقتل قائد الكتيبة وقائد ثاني الكتيبة كذلك وكان علي الحفاظ على محور عكافيش على السلسلة الجبلية التي رأيت أنها سلسلة حاكمة سوف تسمح بنقل المعركة إلى غرب القناة ولم يكن لدي أي مهرب سوى تنفيذ الأمر.

“وعلى الرغم من ذلك حاولت لمرات عديدة أن أقنع القيادات بأنه لا ينبغي لنا عبور القناة إلا أننا نفذنا الهجوم ودفعنا الثمن الباهظ الذي دفعناه، ولقد مثلت هذه العملية واحدة من الأخطاء الكبرى التي سادت الجبهة بعد يداية الحرب وهي أن المستوى العسكري الأعلى لم يقدر حبنئذ أنه بعد عبور المصريين للقناة بهذه القوة الكبيرة، فإن روحهم المعنوية ارتفعت بدرجة عالية ،وأمام انخفاض الروح المعنوية لنا لم يكن من الممكن التغلب على المصريين في تلك الفترة وبقوة فرقة واحدة، وغاب عن القيادات أن المعركة كان يجب أن تتم إدارتها برؤية جيش كامل وليس برؤية فرقة”. 

ووفقًا لشهادة أرييل شارون أيضًا: فإنه بعد مسيرة 34 ساعة بالمدرعات في الصحراء المصرية التقى بضابط قال له إنهم لن يستطيعوا إيقاف المصريين، وعندما قرر مهاجمة المصريين من الخلف وبناء جسر لعبور القناة للضفة الغربية تعرض لقصف مدفعي ثقيل من القوات المصرية وهي الليلة التي وصفها شارون بأنها كانت مريعة وأنه فقد من فرقتيه حوالي 300 جندي وما يصل
إلى 1000 مصاب وكنا جميعًا من الجنود وحتى قيادات الفرقة. 

 إسرائيل التي لا تخوض معاركها “منفردة”

من ناحية أخرى تكشف وقائع حرب أكتوبر 1973 أن الرواية التي تختزل نتيجة الحرب في انتصار إسرائيلي تتجاهل طبيعة التطور الميداني وتوقيت التحول في ميزان القوى، ووفقًا لوزارة الخارجية الأمريكية، كان هنري كيسنجر يتوقع في البداية أن تتمكن إسرائيل من تحقيق النصر سريعًا، إلا أن هذه التوقعات لم تتحقق خلال المرحلة الأولى من الحرب بل إن الهجوم الإسرائيلي المضاد على القوات المصرية فشل، وهو ما دفع إسرائيل، بحلول التاسع من أكتوبر، إلى طلب مساعدة أمريكية عاجلة، وبذلك، فإن التغير في الموقف الإسرائيلي لم يكن قد تحقق باعتباره نتيجة حاسمة لعمل عسكري إسرائيلي منفرد قبل بدء الإمداد الأمريكي واسع النطاق.

وجاء التغير الأبرز في سياق اتخاذ واشنطن للقرار التنفيذي ببدء الجسر الجوي الأمريكي لإمداد إسرائيل بالأسلحة بتاريخ 13 أكتوبر، والذي بدأت معداته في الوصول بالفعل إلى إسرائيل في 14 أكتوبر، وبعد ذلك بيومين، في 16 أكتوبر، تمكنت القوات الإسرائيلية من عبور قناة السويس والوصول إلى الضفة الغربية، إلا أن وضع هذا العبور في سياقه الزمني يكشف أنه لم يكن امتدادًا مباشرًا لنجاح إسرائيلي حاسم منذ بداية الحرب، وإنما جاء بعد أيام من القتال العنيف، وبعد فشل الهجوم الإسرائيلي المضاد الأول، وفي ظل تدفق الإمدادات العسكرية الأمريكية. ومن ثم، فإن ربط العبور الإسرائيلي وحده بفكرة “الانتصار الإسرائيلي المنفرد” يتجاهل العامل الخارجي الحاسم الذي دخل إلى المعادلة في منتصف الحرب، ولا سيما الدعم العسكري الأمريكي واسع النطاق.

ويمكن الاستدلال على هذا المعنى أيضًا، بالاستناد إلى الوثيقة رقم 166 من وثائق الخارجية الأمريكية، حيث تكشف الوثيقة وهي محضر محادثة جرت في واشنطن ليلة 12-13 أكتوبر 1973 بين وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر والسفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة سيمحا دينيتز، بحضور مستشار الأمن القومي برنت سكوكروفت، عن حجم الاستنزاف الذي كانت إسرائيل قد تعرضت له خلال الأيام الأولى للحرب، ولا سيما في سلاح الجو، وعن اعتمادها المتزايد على الإمدادات العسكرية الأمريكية لمواصلة عملياتها. وتكتسب الوثيقة أهمية خاصة لأنها تعود إلى مرحلة متقدمة نسبيًا من القتال، أي بعد أكثر من أسبوع من اندلاع الحرب، بما يسمح برصد استمرار القدرة المصرية على الاحتفاظ بوجود عسكري قوي شرق قناة السويس، وعدم اقتصار الضغط العسكري الذي واجهته إسرائيل على الأيام الأولى للحرب.

وفي الوقت نفسه، توضح الوثيقة أن إسرائيل كانت بحاجة إلى دعم أمريكي مباشر لتعويض جانب من هذا الاستنزاف. فقد تحول النقاش بين دينيتز وكيسنجر إلى مسألة توفير الطائرات والذخائر بصورة عاجلة، وهو ما دفع كيسنجر إلى الضغط على وزارة الدفاع والجهات الأمريكية المعنية لتسريع عمليات الإمداد. ووصلت المناقشات إلى بحث استخدام طائرات النقل الأمريكية من طراز C-130، وإمكانية تنفيذ عمليات نقل عاجلة للمعدات إلى إسرائيل. وبذلك تظهر الوثيقة أن المساعدة العسكرية الأمريكية لم تكن مسألة هامشية أو منفصلة عن سير العمليات، وإنما أصبحت عنصرًا حاضرًا في الحسابات الإسرائيلية بشأن القدرة على مواصلة الحرب.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند النظر إلى طبيعة العلاقة بين الدعم العسكري والمسار الدبلوماسي الأمريكي. فالإمدادات التي كانت واشنطن تعمل على توفيرها لإسرائيل لم تكن موجهة فقط إلى تعويض خسائر سابقة، وإنما إلى الحفاظ على قدرة إسرائيل العسكرية في مرحلة كانت الولايات المتحدة تتحرك فيها أيضًا باتجاه وقف إطلاق النار والتفاوض على ترتيبات ما بعد الحرب. ومن ثم، كان الحفاظ على قدرة إسرائيل على مواصلة القتال جزءًا من حسابات كيسنجر السياسية، لأن واشنطن لم تكن تريد الدخول في تسوية بينما تشعر إسرائيل بأنها فقدت القدرة على مواصلة الحرب أو أنها مضطرة إلى قبول وقف إطلاق النار تحت ضغط عسكري ساحق. ولذلك فإن السؤال التاريخي لا ينبغي أن يكون فقط: “هل عبرت القوات الإسرائيلية القناة؟”، وإنما أيضًا: متى حدث العبور، وما الذي سبقه، وما العوامل التي جعلت حدوثه ممكنًا؟

وتقود هذه القراءة إلى استنتاج أوسع بشأن نمط إدارة إسرائيل للحروب والأزمات: فالتجربة التاريخية تظهر أن إسرائيل كثيرًا ما احتاجت إلى دعم أمريكي مكثف أو إلى تدخل دولي للحفاظ على قدرتها على مواصلة العمليات وتحويل المكاسب الميدانية إلى نتائج سياسية، وفي حرب أكتوبر تحديدًا، جاء الدعم الأمريكي في لحظة كانت فيها إسرائيل تواجه صعوبات عسكرية حقيقية.

 فشل تطويق الإسماعيلية:

 في المحور الشمالي من الثغرة، حاولت قوات أرييل شارون التقدم من منطقة الدفرسوار باتجاه الإسماعيلية لعزل الجيش الثاني المصري وقطع خطوط إمداده. وبعد عبور القناة، دفعت الفرقة 143 المدرعة الإسرائيلية بقواتها شمالًا، وتمكنت من التقدم عدة كيلومترات، لكنها واجهت مقاومة مصرية متزايدة من وحدات المظليين والصاعقة، التي نفذت دفاعًا متدرجًا أجبر القوات الإسرائيلية على التقدم ببطء نحو خطوط دفاعية متتالية. وتوضح دراسة غاوريك أن وحدات من الاحتياط الاستراتيجي المصري، من بينها اللواء 150 مظليًا ومجموعة الصاعقة 139، تمكنت من إيقاف محاولة شارون للتقدم شمالًا والاستيلاء على الإسماعيلية، وهو ما أبقى شريان الإمداد للجيش الثاني مفتوحًا.

وبحلول 22 أكتوبر، حاولت القوات الإسرائيلية تنفيذ مناورة للالتفاف خلف الإسماعيلية وتطويق المدينة، إلا أن المدافعين المصريين تمكنوا من صد المحاولة وإيقاف التقدم الإسرائيلي على مسافة تقارب عشرة كيلومترات جنوب المدينة. ونتيجة لذلك، لم تتمكن إسرائيل من قطع خطوط إمداد الجيش الثاني أو احتلال الإسماعيلية قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وتؤكد دراسة منشورة عبر جامعة مشاة البحرية الأمريكية أن الفرقة المدرعة 143 تقدمت شمالًا بهدف عزل الجيش الثاني عن مناطق إسناده، لكنها توقفت قبل تحقيق هدفها النهائي بعد قتال مكلف، وظلت القوات الإسرائيلية في مواقعها دون تحقيق عزل كامل للجيش الثاني عند انتهاء الحرب.

ويكتسب فشل محاولة الإسماعيلية أهمية خاصة عند تقييم نتائج الثغرة، لأن السيطرة على الإسماعيلية أو قطع طرق الإمداد كان سيمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على تحويل العبور إلى انهيار عملياتي للجيش الثاني. لكن استمرار خطوط الإمداد المصرية يعني أن القوات الإسرائيلية غرب القناة لم تستطع تحويل رأس الجسر إلى عملية حاسمة ضد الجيش الثاني. وبذلك، فإن العبور الإسرائيلي إلى الضفة الغربية حقق اختراقًا عملياتيًا مهمًا، لكنه لم يؤدِ إلى تحقيق جميع أهدافه اللاحقة، سواء في الشمال عند الإسماعيلية أو في الجنوب عند السويس.

معركة السويس واستمرار تخبط التقديرات:

تبدو رواية النصر العسكري الإسرائيلي كذلك، شديدة التناقض مع الخسائر الميدانية التي تكبدتها إسرائيل، خاصة في واحدة من أهم معارك الحرب وهي معركة السويس، والتي كشفت بصورة واضحة حجم الأخطاء في التقديرات والافتراضات الإسرائيلية بشأن قدرة القوات المصرية على المقاومة وطبيعة الموقف داخل المدينة، فقد دفعت القيادة الإسرائيلية بقواتها إلى عملية اقتحام المدينة اعتمادًا على تقديرات لم تعكس بصورة دقيقة حجم المقاومة المصرية، وانتهت العملية بخسائر إسرائيلية كبيرة وفشل في تحقيق الهدف الذي خُطط له، وهو ما يجعل معركة السويس من أبرز الوقائع الميدانية التي يصعب التوفيق بينها وبين الصورة الدعائية التي تصور الحرب باعتبارها انتصارًا إسرائيليًا. 

ولم يكن الإخفاق الإسرائيلي في السويس نتيجة عامل ميداني منفرد، وإنما ارتبط بسلسلة من الأخطاء، فبعد تقدم نحو المدينة من قبل الجيش الإسرائيلي استمر لنحو خمسة أيام، وفق ما توضحه دراسة “معهد الحرب الحديثة”، فإن القوات الإسرائيلية لم تمتلك فعليًا سوى ساعات محدودة لإعداد الخطة وتغيير الواقع على الأرض قبل وقف إطلاق النار، ومع ذلك، افترضت القيادة الإسرائيلية أن القوات المصرية داخل المدينة في حالة انهيار وأنها ستتراجع سريعًا أمام هجوم مدرع سريع، بينما كانت المدينة قد أُعدت للدفاع عنها منذ عام تقريبًا، ونُظمت فيها القوات العسكرية والشرطة والميليشيات المحلية، وأُعدت الكمائن ومواقع الصواريخ المضادة للدبابات مسبقًا.

 فشل الهدف من الثغرة ومحاولة تطويق السويس:

كان الهدف من التقدم الإسرائيلي غرب القناة أكبر من مجرد إنشاء موطئ قدم على الضفة الغربية، فقد سعت القيادة الإسرائيلية إلى استثمار الثغرة في الفصل بين الجيشين المصريين الثاني والثالث، وقطع خطوط الإمداد، وتعزيز حصار الجيش الثالث بما يمنح إسرائيل وضعًا أقوى في المفاوضات السياسية التي كانت تلوح مع اقتراب وقف إطلاق النار. وفي هذا السياق، كان التقدم نحو السويس جزءًا من محاولة إحكام الطوق حول الجيش الثالث، وليس هدفًا منفصلًا عن عملية العبور. وتوضح دراسة “معهد الحرب الحديثة” أن الاستيلاء على السويس كان من شأنه تضييق الحصار الإسرائيلي على الجيش الثالث وتعزيز عملية تطويقه.

وبالتالي، فإن نجاح إسرائيل في إيجاد الثغرة لا يعني نجاحها في تحقيق جميع الأهداف التي أُريد لها. فقد تحولت محاولة استثمار الاختراق إلى سلسلة من العمليات المنفصلة: تقدم نحو الإسماعيلية في الشمال، وتقدم نحو السويس في الجنوب. وفي السويس تحديدًا، أدى الإصرار على تحقيق مكسب حضري سريع قبل تثبيت وقف إطلاق النار إلى دفع قوة مدرعة إلى بيئة لم تكن مهيأة لها، وبعد فشل الاقتحام، تحولت الأولوية الإسرائيلية من السيطرة على المدينة إلى إنقاذ القوات التي دخلتها، وهو تحول يكشف أن الهدف الأصلي للعملية لم يعد قابلًا للتحقيق ميدانيًا.

 الخسائر الإسرائيلية 

 تقدر دراسة «معهد الحرب الحديثة» خسائر إسرائيل في معركة السويس بـ 88 قتيلًا و120 جريحًا وتدمير 28 مركبة مدرعة. وتربط الدراسة ذلك مباشرة بطريقة استخدامها، خصوصًا تقدمها بسرعة ومن دون حماية مشاة كافية وتشتت الرتل المدرع. ومن ثم، فإن دلالة الخسائر المدرعة لا تكمن فقط في العدد، وإنما في كشف محدودية الاعتماد على التفوق المدرع عندما يُنقل إلى بيئة حضرية أُعدت مسبقًا لمواجهته.

وفي محاولة تطويق الإسماعيلية، قدرت الخسارة الإسرائيلية بنحو 70 دبابة من أصل 97 دبابة ضمن اللواء، بين مدمرة ومتضررة، كما سقط نحو 300 جندي بين قتيل وجريح. وتكشف هذه الخسائر عن صعوبة المهمة التي واجهتها إسرائيل؛ فالقوات المصرية لم تكن قوة متراجعة أمام تقدم إسرائيلي، وإنما استطاعت أن تستفيد من طبيعة الأرض ومن الانتشار الدفاعي القريب لإبطاء التقدم الإسرائيلي وفرض تكلفة مرتفعة على القوات التي كانت تحاول فتح الطريق نحو القناة.

ثالثًا: أكذوبة التفوق الإسرائيلي المطلق وخطأ البناء على مكتسبات 1967

شكّل يوم 6 أكتوبر 1973 نقطة تحول في المفاهيم العسكرية الإسرائيلية التي كانت قد ترسخت منذ حرب 1967، ولا سيما الاعتقاد بأن التفوق في الدبابات والطائرات يمنح إسرائيل قدرة شبه حاسمة على إدارة المعركة، فقد جاءت عملية العبور المصرية لقناة السويس بصورة فاقت توقعات القيادة الإسرائيلية، إذ تمكنت القوات المصرية من عبور القناة وإقامة رؤوس جسور على الضفة الشرقية، مستفيدة من كثافة القوات ومن وسائل العبور الهندسية ومن منظومة متكاملة من الصواريخ المضادة للدبابات والدفاع الجوي، ونتيجة لذلك، لم يعد بإمكان القوات الإسرائيلية الاعتماد على الدبابات وحدها لاستعادة زمام المبادرة، بعدما أثبتت الأسلحة المصرية المضادة للمدرعات قدرتها على إيقاع خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة.

وكانت المعضلة الأساسية أن إسرائيل دخلت الحرب وهي تحمل إرثًا عسكريًا من حرب 1967، عندما حققت قواتها المدرعة والجوية تقدمًا سريعًا، لذلك افترضت القيادة الإسرائيلية أن الدبابات ستظل الأداة الرئيسية لإيقاف أي هجوم مصري، وأن التفوق الجوي الإسرائيلي سيحد من قدرة القوات المصرية على الحركة والدعم. إلا أن حرب 1973 كشفت اختلاف البيئة القتالية بصورة جذرية؛ فقد امتلكت القوات المصرية شبكة كثيفة من صواريخ AT-3 ساجر المضادة للدبابات، وقذائف RPG، إلى جانب منظومة دفاع جوي سوفيتية الصنع حدّت من حرية الطيران الإسرائيلي. وهكذا أصبح التقدم المدرع الإسرائيلي داخل نطاق الدفاعات المصرية أقل تأثيرًا بكثير مما توقعته القيادة الإسرائيلية، وتراجعت عمليًا أهمية الخبرة السابقة للقيادات الإسرائيلية، مع استمرار الاعتقاد النمطي لديها بأن المبادرة والسرعة والاندفاع المدرع يمكن أن تعوض النقص في المعلومات وفي الاستعداد لمواجهة منظومة دفاعية جديدة.

كارثية نتائج الهجوم الإسرائيلي المضاد في 8 أكتوبر

لعل أبرز المحطات التي فندت سردية التفوق الإسرائيلي المطلق هي فشل الهجوم الإسرائيلي المضاد، فبعد تخبط المحاولات الإسرائيلية الأولى لوقف التقدم المصري، قررت القيادة الجنوبية تنفيذ هجوم مضاد واسع في 8 أكتوبر بهدف استعادة المواقع الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة والضغط على رؤوس الجسور المصرية، وكان التفكير الإسرائيلي يقوم، بصورة أساسية، على استعادة زمام المبادرة قبل أن تتمكن القوات المصرية من تثبيت مواقعها وتعزيزها، ومن منظور القيادة الإسرائيلية، كان استمرار القوات المصرية في الضفة الشرقية للقناة يشكل تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن تركه دون رد سريع.

إلا أن القرار اتخذ في ظروف لم تكن مواتية لهجوم مدرع واسع، فقد كانت القوات المصرية قد أقامت رؤوس جسور منظمة، وانتشرت وحدات المشاة المسلحة بالصواريخ المضادة للدبابات في عمق منطقة القتال، كما وفّر الدفاع الجوي المصري مظلة حدّت من قدرة الطيران الإسرائيلي على تقديم الدعم المباشر للقوات البرية، وبذلك لم تعد الدبابات الإسرائيلية تواجه قوات مشاة تقليدية فحسب، وإنما منظومة دفاعية متكاملة تجمع بين المشاة والصواريخ المضادة للدبابات والمدفعية والدفاع الجوي.

وكانت النتيجة كارثية بالنسبة إلى القوات المدرعة الإسرائيلية، فقد تعرضت الفرقة المدرعة 162 بقيادة اللواء أبراهام عدن لخسائر كبيرة خلال هجومها في مواجهة الجيش المصري الثاني، إذ فُقدت أو خرجت من الخدمة نحو 83 دبابة من أصل 183 دبابة كانت في تشكيلها، وتكشف هذه الخسائر عن أن المشكلة لم تكن في عدد الدبابات الإسرائيلية فقط، وإنما في التقدير الخاطئ لطبيعة المعركة، فقد افترضت القيادة الإسرائيلية أن الخبرة المكتسبة في 1967 يمكن نقلها بصورة شبه مباشرة إلى حرب 1973، رغم أن المصريين كانوا قد طوروا خلال السنوات السابقة وسائل وأساليب للتعامل مع التفوق المدرع الإسرائيلي، ولذلك أصبح الاعتماد على سرعة الحركة والمبادرة المدرعة، الذي كان مصدر قوة في السابق، نقطة ضعف عندما لم يكن مدعومًا بالاستطلاع الكافي والمشاة والدعم الجوي.

رابعًا) تفنيد الادعاء الإسرائيلي حول العلم المسبق بالهجوم المصري في 6 أكتوبر:

تكتسب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أهمية خاصة في اختبار الادعاء القائل إن إسرائيل كانت تعلم مسبقًا بموعد الهجوم المصري والسوري في أكتوبر، وتنبع أهمية هذه الوثائق من أنها لا تستند إلى شهادات إسرائيلية لاحقة أو إلى روايات عربية، وإنما توثق في وقتها الاتصالات والتقديرات التي كانت تصل إلى الإدارة الأمريكية من السفارة في تل أبيب ومن القيادة الإسرائيلية ومن أجهزة الاستخبارات الأمريكية، ولذلك فإنها تتيح إعادة بناء ما كانت الولايات المتحدة تعرفه، ومتى عرفته، وما الذي أبلغته إسرائيل للإدارة الأمريكية قبل اندلاع القتال.

وتأتي الوثيقة رقم 83 ضمن هذا السياق الزمني، وهي مذكرة التحليل الاستخباراتي الوطني “دور سوريا في الشرق الأوسط” (NIAM 36.7–73)، التي أُعدت في واشنطن في 24 أغسطس 1973، أي قبل الحرب بنحو ستة أسابيع، وتوضح الوثيقة أنها لم تكن نتاج عمل جهاز استخباراتي واحد، وإنما شاركت في إعدادها وكالة الاستخبارات المركزية، وأجهزة الاستخبارات التابعة لوزارتي الخارجية والدفاع، ووكالة الأمن القومي، وقدمتها وكالة الاستخبارات المركزية بموافقة أعضاء مجلس الاستخبارات الأمريكي، مع امتناع ممثلي مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الخزانة عن التصويت لعدم اختصاصهما بالموضوع. وكانت الوثيقة مصنفة “سري”. 

ويشير التقييم الأمريكي في 24 أغسطس إلى أن سوريا ستظل معادية لإسرائيل، لكنه يقرر في الوقت نفسه أن دمشق كانت، وفق التقدير الأمريكي آنذاك، “غير قادرة على تشكيل تحدٍ عسكري خطير” لإسرائيل، وأنها شديدة الحذر من القيام بأي عمل يمكن أن يستفز هجومًا إسرائيليًا. 

 وفي نفس الإطار تكتسب الوثيقة رقم 93 من مجموعة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، 1969–1976 أهمية خاصة عند رصد تقديرات الاستخبارات الأمريكية للتحركات السورية قبيل حرب أكتوبر 1973، ولا سيما أنها صدرت في 30 سبتمبر 1973، أي قبل اندلاع الحرب بستة أيام فقط، وتحمل الوثيقة عنوان “النوايا العسكرية السورية”، وهي مذكرة إحاطة موجهة إلى وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر من كلاين، مدير مكتب الاستخبارات والبحوث بالإنابة في وزارة الخارجية الأمريكية، وتحمل الرقم RCI–2997.¹

وتبرز أهمية الوثيقة بصورة أساسية من خلال توقيتها؛ فقد جاءت في ظل ورود معلومات عن تحركات عسكرية سورية غير اعتيادية وعن استعدادات بالقرب من الجبهة مع إسرائيل، في وقت كانت فيه احتمالات التصعيد العسكري موضع اهتمام متزايد لدى أجهزة الإدارة الأمريكية، ومع ذلك، لم يصل التقدير الأمريكي إلى نتيجة حاسمة بأن سوريا كانت تستعد لشن حرب واسعة وشيكة، وإنما ظل يتعامل مع الاحتمال العسكري ضمن مجموعة من السيناريوهات، وهو ما يعكس طبيعة التقدير الاستخباراتي الأمريكي خلال الأيام الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب، وبدلًا من الانتقال مباشرة إلى استنتاج أن التحركات السورية تمثل استعدادًا لحرب شاملة، ناقشت المذكرة إمكانية أن تكون هذه التحركات مرتبطة باعتبارات دفاعية أو بإجراءات احترازية فرضتها التطورات العسكرية على الجبهة. 

كما أخذ التقدير الأمريكي في الاعتبار احتمال أن تكون سوريا بصدد تنفيذ عمل عسكري محدود، وربط هذا الاحتمال بإمكانية أن يأتي ردًا على الغارة الجوية الإسرائيلية التي وقعت في 13 سبتمبر 1973. وبذلك لم يتعامل التقييم مع جميع المؤشرات العسكرية السورية باعتبارها دليلًا تلقائيًا على قرار بشن حرب واسعة، وإنما حاول تفسيرها في ضوء السياق العسكري والسياسي القائم آنذاك. وتطرقت المذكرة كذلك إلى زيادة جاهزية وحدات الطيران والدفاع الجوي المصرية اعتبارًا من 26 سبتمبر، ومع ذلك، لم تجد أجهزة الاستخبارات الأمريكية دليلًا يربط بصورة مباشرة بين هذه الزيادة في الجاهزية المصرية وبين التحركات العسكرية السورية.

كما تتضمن الوثيقة رقم 97 رسالة من رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير إلى وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، وهي رسالة غير مؤرخة في أصلها، إلا أن الوثائق والمراسلات المرتبطة بها تضعها في سياق عشية الحرب، وتتناول الرسالة التحركات العسكرية المصرية والسورية المتزايدة، وتعرض تقييم القيادة الإسرائيلية لطبيعة هذه التحركات والاحتمالات التي يمكن أن تفسرها. وتبدأ مائير رسالتها بعرض احتمالين رئيسيين لتفسير التحركات المصرية والسورية. يتمثل الاحتمال الأول في أن تكون مصر وسوريا قد توصلتا إلى اعتقاد بأن إسرائيل تستعد لشن عملية عسكرية ضدهما، وأن الاستعدادات التي تقومان بها تأتي بالتالي في إطار إجراءات دفاعية واحترازية. أما الاحتمال الثاني فيتمثل في أن تكون التحركات العسكرية انعكاسًا لنية مصرية أو سورية للقيام بعمل عسكري ضد إسرائيل. 

وفي السياق نفسه، توضح مائير أن إسرائيل لا تستعد لشن هجوم على مصر أو سوريا، وأنها لا تنوي المبادرة بعمل عسكري ضد أي منهما. ولذلك طلبت من كيسنجر استخدام اتصالاته مع الأطراف العربية ومع الاتحاد السوفيتي لنقل هذه الرسالة، بما يمكن أن يساعد في إزالة أي اعتقاد لدى القاهرة أو دمشق بأن إسرائيل تستعد لعمل عسكري، وبالتالي خفض مستوى التوتر القائم. وتتزامن الرسالة مع معلومات إسرائيلية عن ارتفاع مستوى الاستعداد العسكري المصري والسوري. وتشير المعلومات التي كانت تصل إلى المسئولين الأمريكيين في ذلك الوقت إلى أن مصر عززت قواتها في منطقة قناة السويس خلال الأيام السابقة، وأن مختلف أفرع القوات المسلحة المصرية دخلت في حالة استعداد مرتفعة. كما أشارت التقارير إلى استمرار حالة التأهب في سوريا، وإلى تحريك طائرات مقاتلة وقاذفة إلى مطارات قريبة من الجبهة. 

ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه المؤشرات، وفق التقييم الوارد في الوثيقة، إلى حسم طبيعة النوايا المصرية والسورية. فقد ظل احتمال أن تكون التحركات مرتبطة بإجراءات دفاعية أو بمناورات عسكرية قائمًا، إلى جانب احتمال أن تكون استعدادًا لعمل عسكري. ولذلك لم يُعامل الحشد العسكري وحده باعتباره دليلًا نهائيًا على أن مصر وسوريا قررتا شن حرب شاملة ضد إسرائيل. 

بل إنّ الوثيقة رقم 99 نقلت على لسان الجانب الإسرائيلي أنه في صباح 6 أكتوبر بدت القاهرة هادئة وطبيعية، ولم تظهر فيها مؤشرات واضحة على اتخاذ إجراءات عسكرية استثنائية، وبناءً على هذه المعلومات، عُرض تفسيران رئيسيان لما كان يحدث. التفسير الأول هو أن مصر وسوريا قد تكونان بالفعل تستعدان للحرب، رغم إدراكهما لصعوبة تحقيق نصر عسكري حاسم، وأن الهدف ربما كان استخدام الحرب لجذب اهتمام المجتمع الدولي إلى القضية العربية وإيجاد ظروف تسمح باستخدام النفط أداة ضغط سياسية ضد الولايات المتحدة. وفي هذه الحالة، يمكن تفسير إجلاء المعالين والمستشارين السوفييت بأنه إجراء احترازي من جانب موسكو. أما التفسير الثاني فكان أكثر ارتباطًا بالعلاقات العربية السوفيتية، فقد افترض احتمال أن تكون هناك أزمة حقيقية بين موسكو وحلفائها العرب، وأن يكون التهديد بالحرب مجرد غطاء لإبعاد المستشارين السوفييت من مصر وسوريا.

وتكشف هذه النقطة عن استمرار الشك الاستخباراتي والتخبط في احتمال الحرب حتى صباح 6 أكتوبر. وبدلًا من اعتبار التحركات العسكرية دليلًا حاسمًا على قرار الحرب، ظلت التقديرات تميل إلى تفسيرها من خلال فرضية وجود أزمة في العلاقات العربية السوفيتية.

ومن هذا المنطلق فإن ما تكشفه الوثائق ليس مجرد “تفنيد” لرواية النصر الإسرائيلي، بل إعادة تعريف لطبيعة النصر نفسه في حرب محدودة الأهداف. فإسرائيل دخلت الحرب وهي تمتلك عقيدة “التفوق الحاسم والسريع” الموروثة من 1967، وخرجت منها وقد أثبتت الوثائق الأمريكية ذاتها أن هذه العقيدة اهتزت جذريًا: خسائر مدرعة فادحة في 8 أكتوبر، اعتماد متزايد على الجسر الجوي الأمريكي قبل أي تحول ميداني حقيقي، وفشل في تحويل ثغرة الدفرسوار إلى انهيار عملياتي للجيشين الثاني والثالث.

والأهم أن النتيجة السياسية النهائية – الانسحاب الكامل من سيناء – لم تكن تنازلًا تفاوضيًا طوعيًا، بل حصيلة مباشرة لتغيير موازين القوى الذي فرضته الحرب. والوثائق الأمريكية تؤكد أن واشنطن نفسها أدركت، منذ منتصف أكتوبر، أن الوضع الذي سبق 6 أكتوبر لم يعد قابلًا للاستمرار. وبهذا المعنى، فإن الأرشيف الذي تستند إليه الرواية الإسرائيلية عن “اليد العليا” هو نفسه الذي يثبت أن اليد العليا كانت لمن نجح في تحويل إنجاز عسكري إلى واقع سياسي دائم، لأن الخصم اضطر – حتى مع دعم الوسيط الأمريكي – إلى الاعتراف بأن استمرار الاحتلال أصبح أغلى مما يحتمل.

نيرمين سعيد
نيرمين سعيد
+ postsBio ⮌
  • نيرمين سعيد
    التلاعب بالانتخابات: أداة إسرائيلية أمريكية لدعم المد الأزرق في أمريكا اللاتينية
  • نيرمين سعيد
    من الثيوصوفيا إلى القوميات الدينية: دراسة في الروابط العقدية والسياسية بين اليمين الصهيوني والهندوسي
  • نيرمين سعيد
    مؤتمر العمل السياسي المحافظ CPAC: التداعيات السياسية للحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران
  • نيرمين سعيد
    الديمقراطية الإسرائيلية: بين الليبرالية والنموذج الإثني

ترشيحاتنا

حرب أكتوبر والاقتصاد العالمي قرارات النفط: البيئة المحيطة – التأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية على الإقليم والعالم

الحراك الفكري المصري من الصمود إلى صناعة النصر في أكتوبر 1973م

الرقم الصعب … العنصر المقاتل وتأكيد “الروح المصرية” في انتصار أكتوبر ( ملف توثيقي  )

خطة إعادة التسلح الأكبر في التاريخ المعاصر كيف أعادت مصر بناء قواتها المسلحة عقب نكسة 1967

وسوم: 6 أكتوبر 1973, 6 أكتوبر 1973 في إسرائيل, 7 أكتوبر 1973, 8 أكتوبر 1973, Arab Israeli War 1973, Israel State Archives, NARA, National archives, October War 1973, Operation Badr, The Conceptzia, Yom Kippur War, أبطال حرب أكتوبر, أرشيف دولة إسرائيل, أزمة الثقة الإسرائيلية بعد الحرب, أزمة القيادة الإسرائيلية في أكتوبر 1973, أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر, أمان الإسرائيلية, إخفاقات القيادة الإسرائيلية, إعادة بناء الجيش المصري بعد 1967, اختراق خط بارليف, ارتباك القيادة الإسرائيلية, استعادة الكفاءة القتالية المصرية, اعترافات القادة الإسرائيليين في حرب أكتوبر, الأرشيف الأمريكي لحرب أكتوبر, الأرشيف الإسرائيلي لحرب أكتوبر, الأرشيف الوطني الأمريكي, الأرشيف الوطني الإسرائيلي, الأرشيفات العسكرية الأمريكية, الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية, الأكاذيب الإسرائيلية حول حرب أكتوبر, الأيام الأولى لحرب أكتوبر, الإخفاق الاستخباراتي الإسرائيلي, الإنذار المبكر الإسرائيلي, الادعاءات الإسرائيلية حول حرب أكتوبر, الاستخبارات الإسرائيلية قبل حرب أكتوبر, الاستراتيجية العسكرية المصرية, الاستعداد المصري لحرب أكتوبر, التخطيط العسكري المصري, التخطيط المصري لحرب أكتوبر, التضليل الإعلامي الإسرائيلي, التقديرات الإسرائيلية قبل حرب أكتوبر, التنسيق العسكري المصري السوري, التوازن العسكري المصري الإسرائيلي, الثغرة بين الرواية المصرية والإسرائيلية, الثغرة في حرب أكتوبر, الثغرة والنتائج العسكرية للحرب, الجبهة السورية في حرب أكتوبر, الجبهة المصرية في حرب أكتوبر, الجدل حول نتائج حرب أكتوبر, الجولان, الجيش الثالث الميداني, الجيش الثالث في حرب أكتوبر, الجيش الثاني الميداني, الجيش المصري, الجيش المصري في حرب أكتوبر, الحقيقة التاريخية لحرب أكتوبر, الخداع الاستراتيجي المصري, الخسائر الإسرائيلية في حرب أكتوبر, الخلافات داخل القيادة الإسرائيلية, الدعاية الإسرائيلية عن حرب أكتوبر, الرئيس أنور السادات, الردع الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر, الروايات الإسرائيلية عن الهزيمة, الروايات المتناقضة عن حرب أكتوبر, الرواية الإسرائيلية لحرب أكتوبر, الرواية الغربية لحرب أكتوبر, الساتر الترابي, الساعات الأولى لحرب أكتوبر, السردية الإسرائيلية لحرب أكتوبر, الصدمة الإسرائيلية في حرب أكتوبر, الصدمة المجتمعية الإسرائيلية, العبور العظيم, العسكرية المصرية, العقيدة الأمنية الإسرائيلية, العقيدة العسكرية المصرية, العمليات العسكرية في حرب أكتوبر, الفريق سعد الدين الشاذلي, الفريق محمد فوزي, الفشل العسكري الإسرائيلي في حرب أكتوبر, الفكر العسكري المصري, القتال في سيناء, القوات المسلحة المصرية, القوات المصرية شرق القناة, القيادة السياسية المصرية, القيادة العسكرية المصرية, الكونسبتسيا الإسرائيلية, اللواء باقي زكي يوسف, المجتمع الإسرائيلي بعد حرب أكتوبر, المخابرات العسكرية الإسرائيلية, المزاعم الإسرائيلية بشأن نصر أكتوبر, المشير أحمد إسماعيل علي, المشير محمد عبد الغني الجمسي, المفاجأة الاستراتيجية في حرب أكتوبر, المفاجأة العسكرية في أكتوبر 1973, المفاجأة المصرية في حرب أكتوبر, الموساد والاستخبارات العسكرية, الموساد وحرب أكتوبر, النتائج الاستراتيجية لحرب أكتوبر, النتائج السياسية لحرب أكتوبر, النتائج العسكرية لحرب أكتوبر, النصر التكتيكي والنصر الاستراتيجي, النصر العسكري والنصر السياسي, الهجوم المصري السوري, الهجوم المضاد الإسرائيلي, الوثائق الأمريكية عن حرب أكتوبر, الوثائق الإسرائيلية عن حرب أكتوبر, الوثائق الاستخباراتية لحرب أكتوبر, الوثائق التاريخية لحرب أكتوبر, الوثائق التي تكشف حقيقة حرب أكتوبر, الوثائق الدبلوماسية لحرب أكتوبر, الوثائق السرية لحرب أكتوبر, الوثائق العسكرية لحرب أكتوبر, الوثائق المفرج عنها عن حرب أكتوبر, انتصار أكتوبر 1973, انتصارات أكتوبر, انهيار أسطورة الجيش الذي لا يقهر, انهيار التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية, انهيار الثقة في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية, بطولات الجيش المصري, تثبيت رؤوس الكباري, تحطيم خط بارليف, تراجع الردع الإسرائيلي, تفكيك السردية الإسرائيلية, تفنيد الأكاذيب الإسرائيلية حول انتصار أكتوبر 1973, تفنيد الرواية الإسرائيلية, تقييم الأداء العسكري الإسرائيلي, تقييم الأداء العسكري المصري, تقييم نتائج حرب أكتوبر, ثغرة الدفرسوار, ثغرة الدفرسوار في الرواية الإسرائيلية, حرب أكتوبر, حرب أكتوبر 1973, حرب أكتوبر المجيدة, حرب أكتوبر في الوثائق الأمريكية, حرب أكتوبر في الوثائق الإسرائيلية, حرب الاستنزاف, حرب الاستنزاف المصرية, حرب السادس من أكتوبر, حرب العاشر من رمضان, حرب يوم الغفران, حرب يونيو 1967, حصار الجيش الثالث الميداني, حقائق حرب أكتوبر 1973, حقيقة الانتصار في حرب أكتوبر, حقيقة ثغرة الدفرسوار, خسائر الجيش الإسرائيلي, خط بارليف, خطة الخداع الاستراتيجي, خطة الخداع المصرية 1973, رؤوس الكباري المصرية, سيناء, شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية, شهادات القادة الأمريكيين, شهادات القادة الإسرائيليين, عبور قناة السويس, عبور قناة السويس 1973, عملية بدر, فتح الثغرات في الساتر الترابي, فشل الإنذار المبكر, فشل الاستخبارات الإسرائيلية, فشل الهجوم المضاد الإسرائيلي, قادة حرب أكتوبر, قراءة نقدية للرواية الغربية, كسر التفوق العسكري الإسرائيلي, محمد أنور السادات, مذكرات القادة الأمريكيين, مذكرات القادة الإسرائيليين, مراحل حرب أكتوبر, مصر, معارك الجولان 1973, معارك الدبابات في حرب أكتوبر, معارك سيناء 1973, معايير النصر والهزيمة في الحروب, معركة الدفرسوار, معركة الفردان, معركة القنطرة شرق, معركة المزرعة الصينية, مقارنة الأداء العسكري المصري والإسرائيلي, من انتصر في حرب أكتوبر, من كسب حرب أكتوبر 1973, موازين القوى في حرب أكتوبر, نتائج حرب أكتوبر على مصر وإسرائيل, نصر أكتوبر, نظرية الأمن الإسرائيلي, نظرية المفهوم الإسرائيلي, نقد الرواية الإسرائيلية, نكسة يونيو 1967, نهاية حرب أكتوبر 1973, هزيمة 1967, هل انتصرت إسرائيل في حرب أكتوبر, هل انتصرت مصر في حرب أكتوبر, وثائق حرب أكتوبر السرية, وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر
نيرمين سعيد 20/10/2026

تابعنا

تابعنا علي وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة
Facebook أعجبني
Twitter تابعني
Instagram تابعني
Youtube مشترك

احدث إصدارات مكتبه المركز

أوراق بحثية
ورقة بحثية – معركة الوعي: مكافحة الشائعات من منظور الأمن القومي المصري
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية – الهيدروجين: خيار استراتيجي لتعزيز أمن الطاقة في مصر
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية - أمن الطاقة المصري: الغاز والنفط خارطة الموارد وسياسات التعزيز
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية – الطاقة المتجددة وتعزيز أمن الطاقة المصري
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية – المؤتمر الصهيوني الـ39: أثر سيطرة اليمين على مستقبل سياسات الصهيونية العالمية
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية – "تركيا بلا إرهاب": تقييم مسار المصالحة التركية-الكردية
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية – الجبهة الثامنة: استراتيجيات إسرائيل لمواجهة تآكل سرديتها في الرأي العام الغربي
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية – التقاطعات المعرفية بين الصهيونية والمركزية الأفريقية والعبرانيين السود وتداعياتها على شمال أفريقيا
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية – جيل "زد" والعولمة الرقمية: تحولات الفعل السياسي والاحتجاج الشبكي .. دراسة مقارنة كينيا، نيبال، إندونيسيا، المغرب
EGP35.00
Add To Cart
أوراق بحثية
ورقة بحثية – صناعة المعارضة: كيف توظف إسرائيل "المنصات الرقمية" لتشكيل الرأي العام الإيراني؟
EGP35.00
Add To Cart
No products found
الأكثر مشاهدة
مؤشر مديري المشتريات: نمو واعد للقطاع غير النفطي في مصر
ثورة DeepSeek هل يفقد وادي السيليكون تاجه؟
التحرك الفاعل: آفاق الدور المصري في عمليات إعمار قطاع غزة
تعزيز الاحتياطيات: مصر تعود للأسواق المالية العالمية
أربعون عامًا من الاستغلال: المهاجرون الأفغان داخل إيران
اتفاق السعودية وإيران وتحولات الإقليم
مستقبل وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان
الوثيقة الدستورية الانتقالية في السودان.. إشكاليات النص وتحولات السياق
تحولات الأزمة اليمنية في ظل تعثر اتفاق ستوكهولم
التعديلات الدستورية الجزائرية: مواقف متباينة وتحديات مستقبلية

العلاقات الدولية

  • الدراسات الآسيوية
  • الدراسات الأفريقية
  • الدراسات الأمريكية
  • الدراسات الأوروبية
  • الدراسات العربية والإقليمية
  • الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

قضايا الأمن والدفاع

  • التسلح
  • الأمن السيبراني
  • التطرف
  • الإرهاب والصراعات المسلحة

السياسات العامة

  • الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
  • تنمية ومجتمع
  • دراسات الإعلام والرأي العام
  • قضايا المرأة والأسرة
  • مصر والعالم في أرقام

من نحن

مركز بحثي مصري مستقل تأسس 2018. يعتمد على منظور وطني في دراسة القضايا الاستراتيجية محليًا وإقليميًا ودوليًا خاصة تلك التي تتصل بالأمن القومي المصري والمصالح الوطنية المصرية. ومن ثم يسعى إنتاج المركز لتغطية الأولويات الوطنية، وتوفير رؤية استباقية لبدائل الحركة والقرار. وتعميق الوعي إزاء المتغيرات المختلفة عبر عدة صور من الإنتاج العلمي، والأنشطة البحثية.

Removed from reading list

Undo