وحدة الدراسات الاقتصادية

التراخيص الصناعية: تحديات قائمة وجهود كبيرة

تُعتبر التراخيص الصناعية هي الخطوة الثانية التي يقدم عليها المستثمر الراغب في الاستثمار بمصر، حيث إن تلك الرخصة هي بمثابة اعتراف من الدولة بقانونية ذلك المشروع، وتشتمل تلك الرخصة على العديد من الشروط، مثل: الموقع، والحجم، والاشتراطات الأمنية والبيئية وغيرها من الاشتراطات الأخرى. وحيث إن تلك الوثيقة هي الأساس لاعتراف الدولة بالمشروع ومن ثم إتاحة المجال أمام تلك الكيانات الاعتبارية في التعامل مع أجهزة الدولة المختلفة والحصول على تمويل من القطاع المصرفي، فهي بالطبع أحد أهم الملفات التي ينظر لها المستثمر قبل اتخاذ قرار بالاستثمار في مصر. وعليه فقد بذلت الدولة جهودًا لتحسين منظومة منح التراخيص الصناعية في البلاد بهدف…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تُعتبر التراخيص الصناعية هي الخطوة الثانية التي يقدم عليها المستثمر الراغب في الاستثمار بمصر، حيث إن تلك الرخصة هي بمثابة اعتراف من الدولة بقانونية ذلك المشروع، وتشتمل تلك الرخصة على العديد من الشروط، مثل: الموقع، والحجم، والاشتراطات الأمنية والبيئية وغيرها من الاشتراطات الأخرى. وحيث إن تلك الوثيقة هي الأساس لاعتراف الدولة بالمشروع ومن ثم إتاحة المجال أمام تلك الكيانات الاعتبارية في التعامل مع أجهزة الدولة المختلفة والحصول على تمويل من القطاع المصرفي، فهي بالطبع أحد أهم الملفات التي ينظر لها المستثمر قبل اتخاذ قرار بالاستثمار في مصر. وعليه فقد بذلت الدولة جهودًا لتحسين منظومة منح التراخيص الصناعية في البلاد بهدف تحفيز المستثمرين المحليين، وتحفيز المستثمرين الدوليين للقدوم والاستثمار في مصر، وتتمثل أهم تلك الجهود في صياغة القانون رقم 15 لسنة 2017 بشأن تيسير إجراءات منح تراخيص المنشآت الصناعية والتي نظمت عملية إنشاء المنشأة الصناعية وإدارتها وتشغيلها والتوسع فيها أو تغيير غرضها أو مكان إقامتها. 

نتناول في هذا المقال أهم التحديات التي تواجه المستثمرين للحصول على التراخيص الصناعية، والجهود التي بذلتها الدولة لتحسين تلك المنظومة، وأخيرًا نعرض بعض التعديلات التي نرى أنها ضرورية لتحسين تلك المنظومة وإدارتها بشكل أفضل.

التحديات

يعتبر أحد أهم التحديات التي تواجه منظومة التراخيص الصناعية عدم صدور قرار بتشكيل مجلس إدارة جديد لهيئة التنمية الصناعية وفقًا للقانون رقم 95 لعام 2018، ذلك القانون هو القانون الخاص بالهيئة العامة للتنمية الصناعية “هيئة عامة اقتصادية لها شخصية اعتبارية مستقلة، وهي جهة مسئولة عن تنظيم النشاط الصناعي في مصر”، ومن ثم فإن عدم تشكيل مجلس الإدارة للهيئة هو بمثابة تأخير للمهام التي يجب أن يقوم بها ذلك المجلس، والتي تشمل وضع السياسات العامة للهيئة، وخطط تنفيذ تلك السياسات، والموافقة على إنشاء فروع للهيئة داخل مصر وخارجها، واعتماد الهيكل التنظيمي والإداري والمالي للهيئة، والموافقة على الموازنة السنوية للهيئة وقوائمها الختامية، هذا فضلًا عن وضع ضوابط واختصاصات نطاق عمل مجالس إدارة المناطق الصناعية، وقبول المنح والتبرعات والموافقة على القروض، وغيرها من المهام الأخرى. ومن ثم فإن ذلك التأخير يعوق الهيئة عن قدرتها على تحقيق مستهدفاتها.

من جانب آخر، يأتي ضعف القدرات الإدارية لهيئة التنمية الصناعية كتحدٍ آخر، وتتمثل أهم مظاهر ذلك الضعف في قلة عدد العاملين بالمحافظات وانخفاض تأهيلهم الكافي حول المعرفة بالإجراءات وطريقة تطبيقها، وهو الأمر الذي يترتب عليه انخفاض فعالية مكاتب الهيئة بالمحافظات، وعدم قدرتها على تنفيذ مهامها، هذا فضلًا عن أن الموظفين العاملين بالهيئة يفتقرون إلى التفويض اللازم للسلطة لاتخاذ قرارات دون الرجوع إلى المركز الرئيسي بالقاهرة. وتتمثل أبرز المؤشرات لذلك الانخفاض في عدم قدرة الهيئة على متابعة ومراجعة تلك التراخيص التي تم الإخطار بها. أمر آخر يُعتبر أحد التحديات التي تواجه منظومة التراخيص، والتي تتمثل في ضعف قنوات الاتصال بين الهيئة والجمهور المتعامل مع الهيئة، وهو الأمر الذي تسبب في انخفاض معرفة المستثمرين بقانون تيسير التراخيص الصناعية الجديد، كما أن الوضع الحالي بما ينطوي عليه من تعدد الإجراءات الورقية والبيروقراطية يتسبب في صعوبة كبيرة في التعرف على إجراءات التراخيص الصناعية، بالإضافة إلى أن الموقع الإلكتروني للهيئة يحتاج إلى مزيدٍ من التطوير ليصبح منصة Web 2.0 تتيح للمستثمرين التعامل مع الهيئة.

جوانب أخرى يمكن الإشارة إليها كأحد التحديات وهي عدم التطبيق الكامل لأحكام قانون تيسير إجراءات التراخيص الصناعية، وهو الأمر الذي يتسبب في استمرار التداخل بين الهيئة وبين الجهات الأخرى بالدولة في اختصاص الهيئة بجميع ما يخص المشروعات الصناعية تنفيذًا للقانون رقم 15 لعام 2017. وتعدد الجهات الرقابية والتفتيش على المخالفات واتخاذ إجراءات مثل توقيع الغرامة وقرارات الإغلاق التي يمكن لعدد من المؤسسات اتخاذها، مثل وزارة المالية ووزارة البيئة والتأمينات والدفاع المدني والمحليات. وكذلك طول الوقت المطلوب لاستخراج تلك التراخيص، الأمر الذي يؤثر على قدرة تلك المصانع على الحصول على التمويل اللازم من البنوك، والتي تشترط البدء في النشاط والحصول على رخصة التشغيل، هذا فضلًا عن أن مكاتب الاعتماد التابعة للهيئة والتي تساهم في سرعة الإجراءات غير متوفرة، ويرى بعض المستثمرين أن الرسوم التي تفرضها الهيئة على خدماتها مرتفعة الثمن وتستنزف رأس المال المستثمر.

جهود الدولة

بذلت الدولة جهودًا كبيرة للارتقاء بمنظومة التراخيص الصناعية، ففي الجزء الخاص بضعف قنوات الاتصال بين الهيئة وبين المستثمرين تم تحقيق إنجاز جزئي في ذلك الأمر، حيث تم تحديث الموقع الإلكتروني للهيئة، ونشر معظم البيانات التي يحتاجها المستثمر، لكن ما زال الجزء الخاص بالتعامل الإلكتروني لإتمام الخدمات غير مفعل بعد. هذا إلى جانب بذل جهود في رفع القدرات البشرية للعاملين بالهيئة من خلال تطبيق الهيئة لعددٍ من برامج التدريب والتطوير للعاملين، هذا إلى جانب علاقاتها بمؤسسات التدريب الأخرى بالدولة مثل الأكاديمية الوطنية للتدريب. أما عن مكاتب الاعتماد التابعة للهيئة فبالرغم من أنه تم اعتماد عدد 8 مكاتب، إلا أن الموضوع لا يزال يتسبب في مشاكل، ويحتاج إلى زيادة عدد المكاتب لرفع العبء عن كاهل الجهات الحكومية. أما عن التحدي الخاص بارتفاع رسوم التراخيص فقد صدر قرار من الهيئة العامة للتنمية الصناعية (قرار رقم 239 لعام 2019) والذي أقر بتخفيض بعض رسوم الخدمات التي تحصلها الهيئة، وبالأخص الرسوم الخاصة بالمشروعات الصغيرة والتي تم تخفيض أغلب الرسوم لها. لكن ذلك القرار لم يتعرض لتخفيض الرسوم لمبالغ الغرامات.

إجراءات إضافية

رغم أن ما تم بذله من جهود هو محل تقدير، إلا أنه لا يزال يجب الاهتمام بالعديد من النقاط التي تتمثل في سرعة تشكيل واعتماد مجلس إدارة لهيئة التنمية الصناعية الجديدة بناء على نصوص القانون الخاص بها، على أن يراعي تمثيل اتحاد الصناعات المصرية في عضوية مجلس إدارة الهيئة، حيث إن القانون الحالي لا يشير إلى تلك الفقرة صراحه، ويستبدلها بنص ممثلين للجهات الحكومية وممثلين من ذوي الخبرة، وحيث إن وزارة التنمية المحلية تعتبر إحدى الجهات التي تمنح التراخيص داخل الكتلة السكنية فيجب تمثيل وزارة التنمية المحلية في ذلك المجلس. إلى جانب ذلك فإن وجود قانون إدارة للمناطق الصناعية والذي يحدد العلاقة بين المسئولين والأطراف المعنية على نحو يماثل المناطق الحرة ومناطق المشغلين يُعتبر من الأمور الهامة لتحقيق الانضباط في تلك المنظومة. أمر آخر يجب النظر فيه بعين جادة وهو عملية تطبيق القانون، حيث إنه على الرغم من وجود قانون يحدد مسئوليات هيئة التنمية الصناعية عن الأراضي الصناعية لا تزال هيئة المجتمعات العمرانية تتولى بيع أراضٍ صناعية مباشرة للمستثمرين بشكل يخالف القانون. هذا فضلًا عن تطبيق كافة بنود القانون رقم 15 لعام 2017 الخاص بتيسير إجراءات التراخيص الصناعية، وتحديدًا تمكين هيئة التنمية الصناعية من أداء دورها بشكل فعال من خلال وقف تدخلات الجهات الأخرى في إجراءات منح وإلغاء الترخيص الصناعي. ويمكن تطوير تلك المنظومة من خلال مراجعة ما صدر من قرارات تتعلق بالتراخيص والسجل الصناعي خلال الفترة الماضية للتأكد من توافقها مع القوانين الجديدة المنظمة لإصدار التراخيص والسجل الصناعي، هذا فضلًا عن أهمية وضع آلية يتولى فيها اتحاد الصناعات المصرية والغرف الصناعية المصرية متابعه أداء الهيئة وقياس قدرتها على تحقيق أهدافها، خاصة فيما يتعلق بالتراخيص والسجل الصناعي والأراضي، ورصد أي مشاكل تنفيذية تتعلق بالأراضي الصناعية.

من جانب آخر، هناك ضرورة كبيرة لتبسيط الدليل الإرشادي لسندات الحيازة وتقنين ما ورد به بشكل قانوني، حيث يجب إصدار قرار بشأن الطلبات الواردة به، حيث تنص المادة الأولى في البند الثاني من اللائحة التنفيذية للقانون أنه يتعين إصدار التراخيص الصناعية، وإتمام الإجراءات المطلوبة مع مراعاة التوقيتات المنصوص عليها في القانون واللائحة دون تحمل المنشأة الصناعية أية أعباء إضافية وهو عكس ما يحدث تقريبًا، ومن ثم فإن هناك ضرورة قصوى لتطبيق تلك اللائحة التنفيذية. أمر آخر يواجه المصانع وهو تعدد الجهات القائمة على الإغلاق، ومن ثم يجب الرجوع إلى هيئة التنمية الصناعية قبل أي قرارات إغلاق صادرة عن جهات أخرى.

أما عن إتاحة المعلومات بشأن إجراءات التراخيص الصناعية، فإنه من الضروري سير هيئة التنمية الصناعية في عملية التحول الرقمي بهدف تبسيط كافة الإجراءات الحكومية للأنشطة الاقتصادية، والسماح بتقديم معلومات للمستثمر الصناعي حول كافة الإجراءات المطلوبة، وتوفير منصة مركزية للتشاور بين الجهات الإدارية المختصة والمستثمر الصناعي. هذا فضلًا عن إتاحة تقارير دورية تمكن المستثمر ومتخذ القرار من القيام بدراسة مستفيضة حول الفرص الصناعية المتاحة بالبلاد. ويمكن لتطبيق عملة التحول الرقمي أن تصل بفترة استخراج التراخيص إلى أسبوع، ولبلوغ ذلك التوقيت الفعال في إنهاء التراخيص فمن الضروري وضع مستهدف، والسعي لتنفيذة يتمثل في استخراج الترخيص في زمن أقصاه 7 أيام، و3 شهور للترخيص المسبق (كما هو مقرر بالقانون)، ويمكن أيضًا تطبيق لا مركزية الترخيص من خلال تفويض مكاتب المحافظات أو الإدارات المحلية لإعطاء التراخيص بعد استيفاء الإجراءات دون الحاجة إلى الرجوع للمركز الرئيسي، مع ضرورة إعادة النظر في الرسوم التي يتم تحصيلها على التراخيص الصناعية للتسهيل على المستثمرين. أما عن تحدي نقص التمويل والموارد البشرية، فمن الضروري أن يتم دعم الهيئة بمزيدٍ من المخصصات المالية على المدى القصير لزيادة القدرة البشرية والتقنية للعاملين، وتمكين الهيئة من الانتشار في كافة المحافظات للقيام بأعمالها بفاعليه، مع التركيز على مهارات التعامل مع الجمهور بشكل أكثر احترافية ونزاهة.

استنادًا لما سبق تم التوصل إلى أربعة محاور رئيسية يمكن من خلالها الارتقاء بمنظومة منح التراخيص الصناعية في مصر: محور الموارد البشرية من خلال الاهتمام بالتدريب والتطوير والتأهيل، محور الموارد المالية من خلال تخصيص موازنة أكبر تساهم في دعم هيئة التنمية الصناعية في تحقيق أهدافها، والبحث عن إمكانية أن تولد هيئة التنمية الصناعية موارد مالية خارج إطار الموازنة العامة للدولة، ومحور الاهتمام بالعملاء والذي يتمثل في التركيز على تقديم أفضل خدمة للعميل والتحول إلى خدمات مركزة على العميل بشكل كبير، ومحور تطوير العمليات والذي يشمل دعم عمليات التحول الرقمي وتطبيق الحكومة الإلكترونية باستخدام شبكات WEB 2.0 والتي تتيح التواصل بين الهيئة وبين المستثمرين، وتتيح للمستثمرين الحصول على المعلومات من الهيئة، وتتيح للمستثمرين سداد تراخيص المنشآت الصناعية إلكترونيًا من خلال الموقع الرسمي.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة