مقال تحليلي

ماذا يحدث في تونس؟

لم تأتِ إجراءات الرئيس التونسي في مواجهة حركة النهضة الإخوانية مفاجِئة للمتابعين للشئون التونسية، خاصة وأنه كانت هناك تحركات للنهضة وحلفائها منذ شهور للضغط على الرئيس وتهيئة الموقف لإقالته في ظل احتقان سياسي كبير، وجاءت هذه التطورات لتشير إلى حراك كبير لم تتضح معالمه بعد. دلالة التوقيت تربط دوائر تونسية الإجراءات الاستثنائية للرئيس التونسي بالتطورات التي شهدتها تونس خلال الشهور الماضية والتي شملت ما يلي: أ- عدم مصداقية ما كانت تروج له دوائر عالمية مختلفة عن نجاح التجربة الديمقراطية في تونس في ظل تعثر المسار الديمقراطي، وسعي النهضة للهيمنة، وتصاعد الأزمة الاقتصادية، وتراجع الاقتصاد التونسي الذي كان من أكثر الاقتصاديات…

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

لم تأتِ إجراءات الرئيس التونسي في مواجهة حركة النهضة الإخوانية مفاجِئة للمتابعين للشئون التونسية، خاصة وأنه كانت هناك تحركات للنهضة وحلفائها منذ شهور للضغط على الرئيس وتهيئة الموقف لإقالته في ظل احتقان سياسي كبير، وجاءت هذه التطورات لتشير إلى حراك كبير لم تتضح معالمه بعد.

دلالة التوقيت

تربط دوائر تونسية الإجراءات الاستثنائية للرئيس التونسي بالتطورات التي شهدتها تونس خلال الشهور الماضية والتي شملت ما يلي:

أ- عدم مصداقية ما كانت تروج له دوائر عالمية مختلفة عن نجاح التجربة الديمقراطية في تونس في ظل تعثر المسار الديمقراطي، وسعي النهضة للهيمنة، وتصاعد الأزمة الاقتصادية، وتراجع الاقتصاد التونسي الذي كان من أكثر الاقتصاديات العربية تنوعًا، وذلك لانشغال النهضة وحلفائها بخلافات سياسية، وعدم معالجة الواقع المعيشي الذي كان يحلم به الشارع التونسي.

ب- الأزمة السياسية والدستورية بين الرئاسات الثلاث (رئيس الدولة، رئيس الوزراء، رئيس البرلمان) والتي تبلورت في رفض الرئيس للتعديلات الوزارية التي أجراها المشيشي، ووقوف حزب النهضة وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة المتحالفين معه ضد موقف الرئيس.

ج- صراع الكتل المختلفة داخل البرلمان، وعجز الغنوشي عن إدارة البرلمان، ووضوح انحيازاته السياسية، ورفض المبادرات التي طُرحت لاستيعاب هذا الصراع الذي أدى إلى شلل البرلمان تقريبًا.

د- تفاقم الأزمة الاقتصادية بسبب سوء الأداء الحكومي وتدهور الأوضاع المعيشية التي تصاعدت في ظل جائحة كورونا، وعجز الحكومة عن مواجهتها، مما دعا بعض المؤسسات الدولية لتخفيض التصنيف الائتماني للدولة بعد تزايد البطالة والتضخم بصورة غير مسبوقة.

هـ- تركيز حركة النهضة على الهيمنة على كافة مؤسسات الدولة، والسعي للسيطرة على دوائر صنع القرار الرئيسية، مستفيدة من الفرص التي أتاحها لها امتلاكها لمناصب نافذة، والدعوة لتشكيل حكومة سياسية جديدة تعبر عن ثقل الحركة وحلفائها داخل البرلمان.

و- دعوة النهضة وحلفائها إلى إجراء انتخابات رئاسية جديدة وإجراء تعديلات دستورية تحد من سلطات رئيس الدولة لصالح البرلمان، ومحاولة صياغة كتلة برلمانية تكفل لها تحقيق هذه التعديلات.

الاستقطابات الداخلية

تبلورت مواقف القوى السياسية التونسية من إجراءات وقرارات الرئيس التونسي في استقطاب واضح بين كتلتين؛ الأولى النهضة وحليفيها (الكرامة – قلب تونس)، والأخرى باقي الأحزاب المعارضة لها مع وجود قوى أخرى أيدت الإجراءات مع تأكيدها على ضرورة وضع خريطة طريق عاجلة لتجاوز الموقف الاستثنائي، وعلى رأسها الاتحاد التونسي للشغل.

لا تزال حركة النهضة تطالب الرئيس بالرجوع عن كافة قراراته التي تعتبرها غير دستورية. ورغم أن رئيس الوزراء أعلن قبوله لتلك القرارات، إلا أن النهضة تواصل ضغوطها وترفض قبولها.

لم تنجح حركة النهضة وحلفاؤها في تحريك الشارع التونسي في محاولة لتكرار ما جرى في 2011 لاختلاف الواقع السياسي وتراجع الثقل الشعبي، كما أن إعلان الرئيس للطوارئ وحظر التجول وتعطيل المصالح والوزارات حد من قدرات الحركة على هذا المستوى.

الموقف الإقليمي والدولي

تبلور الموقف الإقليمي تجاه تطورات تونس في الآتي:

موقف داعم للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وأذرعه المختلفة، سواء في ليبيا أو الجزائر، والرفض التركي/القطري وكذلك الإيراني، والتنسيق التركي القطري بهذا الخصوص. وقد وضح ذلك من خلال المنصات الإعلامية التابعة للتنظيم أو تركيا وقطر، وكذلك المؤسسات التابعة مثل ما يسمى باتحاد علماء المسلمين.

موقف جزائري ومغربي يستهدف تأكيد الحضور دون التعبير عن موقف واضح المعالم من التطورات، انتظارًا لما يسفر عنه تطورات الموقف التونسي.

موقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية من خلال متابعتها لتلك التطورات، حيث طالبت باحترام الديمقراطية ومؤسساتها، ولم تصف ما جرى بأنه انقلاب.

تونس.. ماذا بعد؟

إن مراجعة تصريحات الرئيس التونسي خلال الأيام الماضية تكشف بوضوح عن مسار حركته القادمة والتي تتحدد معالمها في الآتي:

الحرص على احترام الفترة الزمنية (شهر) لتجاوز المرحلة الاستثنائية، والإسراع بتشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية.

إحالة عددٍ من الشخصيات القيادية والأحزاب السياسية إلى القضاء للنظر في تجاوزاتها بحيث تكون ورقة للتعامل معها خلال الفترة القادمة، وقد أعلنت السلطات القضائية التونسية إجراءاتها بهذا الخصوص.

الحرص على ضبط الشارع التونسي، والتشدد في مواجهة أية تحركات للخروج عن الشرعية، وحدوث مواجهة بين قوى مختلفة.

صياغة إطار دستوري وسياسي واضح يحدد ملامح المرحلة الانتقالية، ويُجيب عن التساؤلات المثارة، خاصة كيفية التعامل مع البرلمان ورئيسه بعد انتهاء مهلة الشهر، وإمكانية إجراء انتخابات برلمانية مبكرة.

ضرورة إجراء حوار سياسي مع كافة القوى قبل إعداد خريطة الطريق لاستيعاب الموقف الدولي بصفة خاصة، وكسب مزيد من الدعم الحزبي والشعبي لموقفه وقراراته.

البحث عن دعم اقتصادي عاجل يمكن أن ينعكس إيجابيًا على الشارع التونسي، ويدعم موقفه في النهاية، خاصة إذا ما أدى ذلك إلى خطة معلنة لمعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

التحسب لمواجهة احتمال تصاعد العنف والإرهاب من جانب تنظيمات الإرهاب المتمركزة في جوار تونس، والتي يمكن أن تلقى دعمًا من المليشيات الإرهابية والإخوانية المتمركزة في ليبيا.

استمرار السيطرة على أجهزة السيطرة والضبط خاصة القوات المسلحة والأمن والأجهزة الأمنية المختلفة، الضامن الوحيد لنجاح الرئيس التونسي في تنفيذ أجندته.

وفي النهاية، يمكن القول إن الأزمة التونسية أكثر تعقيدًا مما يبدو، وإن الرئيس التونسي سوف يواجه صعوبات كبيرة لمحاصرة النهضة والإخوان المسلمين في تونس، وسوف يبقى ذلك رهنًا باستمرار مساندة الجيش والأمن له، وفشل أية محاولات لاختراق المؤسستين، واستمرار المساندة الشعبية والحزبية له، ونجاحه في اختيار شخصيات قيادية تحظى بالثقة والمصداقية، ودعم الدول العربية المعنية له، بالإضافة إلى أنه من الصعب تصور أن تستسلم حركة النهضة والإخوان المسلمون في تونس على اعتبار أنها أهم معاقل الإخوان في المنطقة، وأن سقوطها سينعكس سلبيًا على إخوان ليبيا وفصائل الإخوان في الجزائر والمغرب. كما يتوقع أن يزداد التنسيق القطري التركي لمساندتها، وتحريك المؤسسات الدولية والمنظمات المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي