تنمية ومجتمع

الشحن البحري: الإنجازات والتحديات والفرص

“يجب أن يشكل التنقل جزءًا مهمًا من الاستجابة للجائحة، ليس فقط من أجل الحد من انتشار الفيروس؛ ولكن لتفعيل النشاط الاقتصادي، وضمان حماية الفقراء من آثاره في الوقت الحالي وفي الأجل الطويل” (البنك الدولي 2020). ذلك هو حديث البنك الدولي عن أهمية قطاع النقل للاقتصادات العالمية خلال جائحة كورونا. عندما ضربت جائحة (كوفيد–19) العالم وجدت الشركات والحكومات والمنظمات نفسها فجأة أمام تحدي نقل أحجام كبيرة غير مسبوقة من الإمدادات الطبية حول العالم بشكل أسرع مما كان يحدث في أي وقت مضى، للوفاء باحتياجات العاملين بقطاع الصحة من المعدات الطبية والدوائية والأغذية. هذا فضلًا عن اعتماد الشركات الكبيرة والصغيرة على قطاع…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

“يجب أن يشكل التنقل جزءًا مهمًا من الاستجابة للجائحة، ليس فقط من أجل الحد من انتشار الفيروس؛ ولكن لتفعيل النشاط الاقتصادي، وضمان حماية الفقراء من آثاره في الوقت الحالي وفي الأجل الطويل” (البنك الدولي 2020).

ذلك هو حديث البنك الدولي عن أهمية قطاع النقل للاقتصادات العالمية خلال جائحة كورونا. عندما ضربت جائحة (كوفيد–19) العالم وجدت الشركات والحكومات والمنظمات نفسها فجأة أمام تحدي نقل أحجام كبيرة غير مسبوقة من الإمدادات الطبية حول العالم بشكل أسرع مما كان يحدث في أي وقت مضى، للوفاء باحتياجات العاملين بقطاع الصحة من المعدات الطبية والدوائية والأغذية. هذا فضلًا عن اعتماد الشركات الكبيرة والصغيرة على قطاع النقل والشحن للوفاء بالطلب الاستهلاكي عبر التجارة الإلكترونية الذي شهد نموًا كبيرًا خلال جائحة كورونا. فما هي تطورات قطاع النقل في مصر؟.

أهمية القطاع

يُعتبر قطاع النقل أحد المحركات الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث إنه يمثل الشريان الذي تتدفق من خلاله السلع والخدمات وتسمح للأفراد بالتواصل داخليًا وخارجيًا، ويأتي قطاع النقل والتخزين كرابع أكبر القطاعات في مصر من حيث الاستثمار الأجنبي المباشر بإجمالي استثمارات بلغت 97 مليار جنيه بما يمثل 11% من إجمالي الاستثمارات التي تم تنفيذها في العام المالي 2018/2019. وتمثل الاستثمارات العامة نحو ثلثي تلك الاستثمارات مقابل الثلث للقطاع الخاص. أما عن مساهمة القطاع بالاقتصاد القومي فلا يوجد تفصيل عن مساهمة القطاع وحده، بل يتم الدمج بين قطاع النقل والتخزين، ومن ثمّ فإن قطاع النقل والتخزين يساهم بحوالي 5 % من الناتج المحلي الجمالي للعام المالي 2018/2019 مقابل 4% منذ عشر سنوات. وقد ساهم القطاع بنحو 82 % من الناتج العام خلال عام 2018/2019 مقابل 74 % منذ عشر سنوات، ويأتي القطاع (النقل والتخزين) في المرتبة الخامسة من حيث التوظيف في مصر، حيث يستوعب القطاع نحو 2 مليون مشتغل بما يمثل 8 % من إجمالي المشتغلين وفقًا لبيانات عام 2018.

هيكل القطاع

يتكون قطاع النقل في مصر من 4 أقسام (النقل الجوي، النقل البحري، النقل البري، النقل النهري) ويتميز الهيكل الإداري للقطاع بالتعقيد كونه يضم عدد 9 وزارات (وزارة الطيران المدني، وزارة النقل، وزارة الموارد المائية والري، وزارة قطاع الأعمال)، بالإضافة إلى مجموعة من الوزارات الأخرى المرتبطة والتي تتمثل في (وزارة السياحة، وزارة الصناعة والتجارة، وزارة المالية، وزارة البيئة، وزارة الاستثمار التي تم إلغاؤها حاليًا)، بالإضافة إلى عدد كبير من الهيئات والشركات المرتبطة.

الشكل 1: جهات تقدم خدمات ترتبط بالنقل (التراخيص/ التخطيط) 1: وزارة الداخلية – 2: وزارة الدفاع – 3: وزارة التنمية المحلية – 4: المحافظات

تحديات النقل البحري

تتمثل أهم التحديات التي تواجه عملية تطوير النقل والشحن البحري في مصر في انخفاض أداء رافعات الموانئ مقارنة بالمتوسط العالمي. فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد النقلات التي تقوم بها الرافعات في ميناء الإسكندرية بين 10 – 12 نقلة/ ساعة، وهو تقريبًا نصف متوسط الأداء العالمي الذي يبلغ 20-25 نقلة/ ساعة. 

تحدٍّ آخر يتمثل في تواضع الكثير من الخدمات التي يتم تقديمها في الميناء، والتي تخص نقل البضائع غير المعبأة أو خدمات السفن الناقلة للمركبات، وعدم كفاية خطوط الشحن التي تمثل عقبة كبيرة أمام الكثير من الصناعات. هذا فضلًا عن قلة مستودعات الخزين ومشاكل إدارية تتعلق بتحصيل رسوم أرضيات على القوافل المنتظرة بالميناء على الرغم من عدم وجود مستودعات بالميناء. يضاف إلى ذلك بعض التحديات الأخرى التي تتمثل في فرض رسوم شحن وتفريغ من جانب هيئة الموانئ على الرغم من تولي متعهدي النقل تحمل أعباء الشحن والتفريغ، وارتفاع تكلفة شحن النولون التي تعود لعدة عوامل، منها على سبيل المثال ارتفاع أسعار النقل والوقود البحري. وأخيرًا زيادة أسعار تكلفة الخطوط الملاحية، وإجبار المتعاملين على سداد تكلفة تلك الخطوط بالدولار الأمريكي على الرغم من أن الخدمة يتم تقديمها على الأراضي المصرية (ليست منطقة حرة)، ومن ثم فإن تلك التعاملات يجب أن تكون بالجنيه المصري.

تطورات قطاع النقل البحري

وافق مجلس الوزراء في يوليو 2019 على مقترح قدمته وزارة النقل بشأن تعديل بعض أحكام وزير النقل التي تتمثل في القرارات التالية:

  • القرار رقم 488 لسنة 2015 الذي يخص لائحة مقابل الخدمات التي يتم تقديمها للسفن في الموانئ البحرية المصرية، ومقابل الانتفاع بالمهمات والمنشآت الثابتة والعائمة التي تتبع هيئة الموانئ البحرية والهيئة المصرية لسلامة الملاحة البحرية ومقابل الخدمات الإلكترونية المقدمة من هيئة الموانئ البحرية للمتعاملين معها.
  • القرار رقم 800 لسنة 2016 الذي يختص بإصدار لائحة تنظيم مزاولة لأنشطة الأعمال المرتبطة بالنقل البحري ومقابل الانتفاع بها.

وقد قدم القرار الوزاري الجديد 416 لعام 2019 مجموعة من الحوافز التي تتمثل في:

  • خفض رسوم التأمين بمقدار 50% من 10 آلاف جنيه إلى 5 آلاف جنيه، ورسوم التراخيص بمقدار الثلثين من 3000 جنيه إلى 1000 جنيه، بالإضافة إلى خفض رسوم التموين بالسفن بنسبة 50%.
  • خفض رسوم المنائر بنسبة 10% في حال دخول السفن العابرة لقناة السويس (ميناء واحد من الموانئ المصرية)، وخفض بنسبة 20% في حالة الدخول لميناءين أو أكثر.
  • زيادة مدة الترخيص للشركات العاملة في مجال الشحن والتفريغ إلى فترة تتراوح بين 10 – 15 عام بدلًا من الخمسة أعوام التي كان يتم تطبيقها في السابق، مع إمكانية التجديد لمدد مماثلة، هذا فضلًا عن زيادة مدة الترخيص لنشاط التخزين والمستودعات إلى 10 أعوام قابلة للتجديد لمدد أخرى مماثلة، بالمقارنة بـ5 أعوام فقط سابقًا، وخفض التأمين الذي يلتزم المرخص له بتقديمه إلى مبلغ 5 آلاف جنيه (تسدد نقدًا أو بموجب خطاب ضمان بنكي)، وهي نسبة خفض تمثل 50% مما كان يتم تطبيقه سابقًا (10 آلاف جنيه في السابق)، وخفض رسوم الترخيص للقيام بنشاطي الأشغال البحرية / التوريدات البحرية إلى 1000 جنيه لكل نشاط على حدة بدلًا من 3 آلاف جنيه.

إصلاحات أخرى

على الرغم من أن الجهود التي قامت بها الدولة في هذا القطاع تُعتبر جيدة، إلا أنه يمكن القيام بالمزيد، حيث:

 يجب إصدار تعريفة شاملة وموحدة لرسوم الخدمات التي تقدم بجميع الموانئ المصرية للسفن بهدف تنمية أنشطة وخدمات النقل البحري وتحديثها ومنع تقاضي أي رسوم إضافية أو مقابل خدمات تحت أي مسمى عدا الضرائب والرسوم المقررة بناء على قانون أو القرارات الوزارية.

يفضل أن يتم إعطاء أولوية للسفن التي ترفع العلم المصري في القيام بالأنشطة وخدمات النقل البحري لزيادة حجم التبادل التجاري وتنشيط حركة الصادرات. مع إعطاء الأولوية لسفن الأسطول التجاري الوطني لنقل البضائع المصرية بشكل لا يتعارض مع قواعد اتفاقية الجات أو مع آليات السوق، حيث إن ذلك القرار سيساهم في تنمية الأسطول التجاري المصري.

تطوير ميناء الإسكندرية بهدف القضاء على العشوائية بداخله، وتحديث البنية التحتية من شبكة طرق وصرف صحي والمياه والكهرباء، وإنشاء محطة ركاب جديدة، بالإضافة إلى إزالة المباني المتهالكة والمخلفات وسحب المهملات خارج الموانئ، وتجهيز مخازن ومساحات خارج الميناء لاستقباله.

تطوير أداء شركات الشحن والتفريغ في الموانئ، وتوفير الكفاءة الفنية والمعدات الحديثة لشركات الشحن والتفريغ بما يسمح بأداء خدمة مميزة وسريعة للسفن، مع الحفاظ على مستوى وسمعة الموانئ المصرية في هذا المجال.

تطوير الترسانات البحرية وشركات إصلاح السفن المصرية المملوكة لقطاع الأعمال العام أو القطاع الخاص بهدف جذب أصحاب السفن المترددة والعابرة لإجراء العمرات والإصلاحات بالموانئ المصرية بما يؤدي إلى توليد دخل إضافي لتلك الترسانات، هذا فضلًا عن وضع استراتيجية للاستفادة من طاقة الترسانة المصرية في أعمال البناء والإصلاح لتطوير الأسطول البحري المصري.

وأخيرًا دراسة أسباب انخفاض أسعار تموينات السفن بالموانئ المجاورة مقارنة بأسعارها في مصر، وهو ما يؤدي إلى لجوء السفن لموانئ أخرى وهو ما يترتب عليه إهدار لموارد يمكن الحصول عليها من خلال عمليات التزود.

استطاعت مصر أن تحقق تحسنًا في مؤشر الأداء اللوجيستي (Logistics Performance Index) حيث تقدمت في ذلك المؤشر بنحو 30 نقطة لتصل إلى الترتيب 67 في عام 2018 مقابل 97 في عام 2007 (وفقًا لبيانات البنك الدولي)، وكان المؤشر الفرعي الأفضل في الأداء هو محور تطوير البنية التحتية والموانئ والجمارك، بينما جاء محورا تتبع الشحنات والوقت المستغرق للوصول والتسليم الأقل أداء في ذلك المؤشر، وذلك الترتيب يعكس بالتأكيد حقيقة تعدد الجهات التي تنظم منظومة النقل البحري، وتعدد التشريعات والقوانين المنظمة للنقل البحري والاستثمار في المجالات المرتبطة به، وتأخر إصدار المخطط العام للموانئ المصرية الذي يحدد المشروعات التي يحتاجها كل ميناء وفرص التكامل بين الموانئ المصرية وعدم تنافسها، ومن ثم فإن ذلك يطرح تساؤلًا هامًا حول نشاط المجلس الأعلى للموانئ الذي تم إنشاؤه بقرار مجلس الوزراء رقم 399 لسنة 2015 ومهام ذلك المجلس.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة