وحدة الدراسات الاقتصادية

الأمن الغذائي: هل يمكن الوصول إلى صفر جوع؟

الفترة طويلة لم يكن العالم يسير وفقًا لخطوات صحيحة لوضع حل جذري لمشكلة الجوع وسوء التغذية بمختلف أشكالها، وأدى تتابع الأزمات العالمية إلى استمرار التحديات وزيادة حدتها بشكل كبير. وكان على رأس تلك التحديات التي قد تؤدي إلى تراجع العالم عن القدرة على تحقيق الأمن الغذائي بحلول عام 2030، تزايد عدد سكان العالم، وانتشار النزاعات، وتقلب المناخ والظواهر المتطرفة، والتباطؤ الاقتصادي والركود خاصة مع انتشار الوباء الذي كان له تأثير مدمر على الاقتصاد العالمي، مما أدى إلى حدوث حالة غير مسبوقة من الركود لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. وكل تلك الأسباب تفاقمت وجاءت على خلفية الأسباب الكامنة وراء…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

الفترة طويلة لم يكن العالم يسير وفقًا لخطوات صحيحة لوضع حل جذري لمشكلة الجوع وسوء التغذية بمختلف أشكالها، وأدى تتابع الأزمات العالمية إلى استمرار التحديات وزيادة حدتها بشكل كبير. وكان على رأس تلك التحديات التي قد تؤدي إلى تراجع العالم عن القدرة على تحقيق الأمن الغذائي بحلول عام 2030، تزايد عدد سكان العالم، وانتشار النزاعات، وتقلب المناخ والظواهر المتطرفة، والتباطؤ الاقتصادي والركود خاصة مع انتشار الوباء الذي كان له تأثير مدمر على الاقتصاد العالمي، مما أدى إلى حدوث حالة غير مسبوقة من الركود لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. وكل تلك الأسباب تفاقمت وجاءت على خلفية الأسباب الكامنة وراء الفقر والمستويات المرتفعة للغاية والمستمرة من عدم المساواة، الأمر الذي أدى إلى وصول العالم للحظة حرجة تتطلب اتباع نهج جديد للنظام الغذائي، واتخاذ إجراءات عاجلة على نطاق واسع للعودة إلى المسار الصحيح نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة بشكل عام والهدف الثاني منها بشكل خاص والذي يقضي بالقضاء التام على الجوع.

أولًا- الأمن الغذائي وأهداف التنمية المستدامة:

كانت هناك حاجة ماسة إلى المزيد من الجهد والابتكار من أجل زيادة الإنتاج الزراعي بشكل مستدام، وتحسين سلسلة التوريد العالمية، وتقليل الفاقد والمهدر من الأغذية، وضمان توفير الأطعمة المغذية لجميع الذين يعانون من الجوع وسوء التغذية، وهو ما دفع قادة العالم في عام 2012 لعقد مؤتمر التنمية المستدامة (ريو +20)، الذي تم التأكيد فيه على حق كل فرد في الحصول على غذاء آمن ومغذٍّ، بما يتفق مع الحق في الغذاء الكافي والحق الأساسي لكل فرد في التحرر من الجوع، كما دعت الحكومات والمجتمع المدني والمجتمعات الدينية والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية إلى الاتحاد للقضاء على الجوع والقضاء على أسوأ أشكال سوء التغذية.

وخلُص المؤتمر إلى التركيز على عدة نقاط من ضمنها القضاء على تقزم الأطفال دون سن الثانية، والوصول بنسبة 100٪ بخصوص الحصول على الغذاء الكافي على مدار السنة، واستدامة النظم الغذائية، والوصول بنسبة 100٪ زيادة في إنتاجية ودخل أصحاب الحيازات الصغيرة، وتحقيق صفر خسارة أو هدر للطعام. وقد تكللت تلك الجهود بإصدار مجموعة أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر في خطة التنمية لما بعد عام 2015.

ثانيًا- مؤشرات الأمن الغذائي:

بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، فإنه بعد أن ظل مستوى الجوع في العالم دون تغيير فعليًا لمدة خمس سنوات، إلا أنه ازداد في عام 2020 في ظل جائحة (كوفيد-19)، كما زاد انتشار نقص التغذية من 8.4% إلى حوالي 9.9% في عام واحد فقط، مما زاد من التحدي المتمثل في تحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول عام 2030، وجاءت توقعات المنظمة بمواجهة ما بين 720 إلى 811 مليون شخص الجوع في العالم في عام 2020، ويمكن متابعة انتشار نقص التغذية في العالم من خلال الشكل التالي:

شكل رقم (1): تطور انتشار نقص التغذية في العالم خلال الفترة 2017-2020

المصدر: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

من الجدير بالذكر أن الجوع يؤثر على نسبة 21% من السكان في إفريقيا مقارنة بنسبة 9% في آسيا و9.1% في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ويتركز أكثر من نصف الذين يعانون من نقص التغذية في العالم في آسيا (418 مليون) وأكثر من الثلث في إفريقيا (282 مليون)، وهو ما يبينه الشكل التالي:

شكل رقم (2): الأشخاص الذين تأثروا بالجوع في العالم عام 2020 بالمليون شخص

المصدر: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

وأخذ معدل الانتشار العالمي لانعدام الأمن الغذائي في الارتفاع ببطء منذ عام 2014، وكانت الزيادة المقدرة في عام 2020 مساوية لتلك التي حدثت في السنوات الخمس السابقة مجتمعة، أي ما يقرب من واحد من كل ثلاثة أشخاص في العالم (2.37 مليار) لم يتمكن من الحصول على الغذاء الكافي في عام 2020، لتبلغ الزيادة نحو 320 مليون شخص في عام واحد فقط.

وقد حدثت أكبر الزيادات في معدلات انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد في عام 2020 في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وإفريقيا، أما في أمريكا الشمالية وأوروبا فقد ازداد انعدام الأمن الغذائي للمرة الأولى في عام 2014. وتجدر الإشارة إلى أنه من بين 2.37 مليار شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد، يوجد نصفهم (1.2 مليار) في آسيا، والثلث (799 مليون) في إفريقيا و11% (267 مليون) في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وعانى ما يقرب من 12 في المائة من سكان العالم من انعدام الأمن الغذائي الشديد في عام 2020، وهو ما يمثل 928 مليون شخص (بزيادة 148 مليونًا عن عام 2019).

وعلى المستوى العالمي، ازدادت الفجوة بين الجنسين في انتشار انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الحاد بشكل أكبر في عام جائحة (كوفيد-19)، مع انتشار انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد بنسبة 10% بين النساء مقارنة بالرجال في عام 2020، مقارنة بالنسبة التي كان عليها 6٪ في عام 2019. وأدى ارتفاع تكلفة النظم الغذائية الصحية إلى جانب استمرار المستويات المرتفعة من عدم المساواة في الدخل إلى جعل النظم الغذائية الصحية بعيدًا عن متناول حوالي 3 مليارات شخص، وخاصة الفقراء، في كل منطقة من مناطق العالم في عام 2019. وجدير بالذكر أن إفريقيا وأمريكا اللاتينية فقط هما اللتان تظهران زيادة في عدم القدرة على تحمل تكاليف النظم الغذائية الصحية بين عامي 2017 و2019، ولكن من المرجح أن تظهر الزيادات في معظم المناطق في عام 2020 بسبب جائحة (كوفيد-19).

ثالثًا- دعم البنك الدولي لأفقر البلدان:

قدمت المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي دعمًا لأفقر البلدان بقيمة 5.3 مليارات دولار بين أبريل وسبتمبر 2020 ضمن سياسات توفير الأمن الغذائي. وقد تم ذلك كاستجابة لتداعيات فيروس (كوفيد-19) لمعالجة الآثار طويلة المدى لانعدام الأمن الغذائي، وذلك بحسب البنك الدولي:

  • في بنجلاديش: قدم البنك الدولي خطة عمل طارئة كجزء من مشروع تنمية منتجات الألبان الحيوانية بقيمة بلغت 87.8 مليون دولار أمريكي في شكل تحويلات نقدية إلى 407 آلاف من مزارعي الألبان والدواجن الضعفاء لدعم أعمالهم، كما تم توجيه التمويل أيضًا نحو توفير معدات الحماية الشخصية ومعدات المزارع والخدمات البيطرية المحسنة من خلال شراء 64 عيادة بيطرية متنقلة.
  • في بوتان: أعاد البنك الدولي مواءمة محفظته لدعم توزيع الأغذية على المدى القصير وتعزيز إنتاج الغذاء على المدى المتوسط ​​من خلال إمدادات المدخلات وتوفير وسائل الري.
  • في تشاد: تم توفير مبلغ 30 مليون دولار من التمويل الطارئ للمساعدات الغذائية من خلال التوزيع المجاني لمجموعات المواد الغذائية على 437000 شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، وتم توفير البذور والمعدات الزراعية الصغيرة إلى 25000 من الفقراء وصغار المزارعين للحفاظ على قدرتهم الإنتاجية خلال موسم الزراعة.
  • في غواتيمالا: تم تقديم دعم بهدف زيادة المرونة الاقتصادية والمناخية من خلال تحسين كفاءة سلاسل القيمة الزراعية الرئيسية والاستثمار في التقنيات والتكنولوجيا الزراعية الحديثة.
  • في هايتي: ضمن مشروع دعم البلدان الفقيرة تم تقديم مساعدة طارئة لعدد 16 ألف مزارع بهدف توفير البذور والأسمدة وحماية الإنتاج للموسمين الزراعيين القادمين.
  • في الهند: قدم البنك مساعدة للسيدات والفئات الفقيرة في إطار دعم المناطق الريفية من خلال توفير المطهرات والأقنعة الواقية وتوفير الإمدادات الغذائية الطازجة.
  • في جمهورية قيرغيزستان: قدم مشروع تحسين الإنتاجية الزراعية والتغذية المدعوم من البنك الدولي 1.1 مليون دولار أمريكي على شكل مدخلات زراعية مثل البذور والأسمدة من خلال 30 جمعية، ويركز بشكل أساسي على تحسين البنية التحتية للمياه.
  • في رواندا: تلقى مشروع التكثيف الزراعي المستدام والأمن الغذائي تمويلًا إضافيًا للمساعدة في معالجة آثار عمليات الإغلاق إثر انتشار (كوفيد-19).
  • في السنغال: قدمت المؤسسة الدولية للتنمية قرضًا بقيمة 150 مليون دولار بهدف زيادة الصادرات من المحاصيل عالية القيمة، مثل الفول السوداني ومنتجات زراعية أخرى، ولزيادة إنتاجية مزارع الألبان، وتقليل معدل وفيات الحيوانات الصغيرة، والتخفيف من الآثار السلبية للوباء.
  • في سيراليون: تم تمويل مشروع تسويق منتجات أصحاب الحيازات الصغيرة وتطوير الأعمال التجارية الزراعية، وميكنة الخدمات الزراعية وتقديم الخدمات الإرشادية لدعم مزارعي الأرز. كما تم تقديم الدعم للأسر الأكثر احتياجًا.
  • في طاجيكستان: قام البنك بتقديم تحويلات نقدية للأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي والتي لديها أطفال دون سن 3 سنوات للتخفيف من آثار الزيادات في أسعار المواد الغذائية وحماية تغذية الأطفال.

يتضح مما سبق، أنه بالرغم من أن هدف التنمية المستدامة المتعلق بالأمن الغذائي يتمحور حول “القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي والتغذية المُحسّنة وتعزيز الزراعة المستدامة”؛ إلا أنه من البيانات السابق ذكرها يبدو أن العالم يمر بأزمة توفير الأمن الغذائي، وعدم القدرة على كبح جماح انتشار الجوع، خاصة مع تداعيات الأزمة الصحية الحالية التي ضربت معظم بلدان العالم، وبالتالي يتطلب الأمر مزيدًا من حزم الوقاية والدعم وتضافر الجهود من خلال تعزيز الخدمات البيطرية ودعم أنظمة مراقبة الأمراض، سواء التي تُصيب البشر أو الحيوانات، وتوفير أنظمة معلومات صحية على مستوى الدول وضمان سلامة الأغذية والحد من إهدار الغذاء، فضلًا عن الحفاظ على الأراضي الزراعية.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية