وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف حافظت الدول على تنافسيتها وسط الجائحة

أثّرت الجائحة بشكل كبير على الاقتصادات عالميًا في أغلب المحاور، ولكن اختلف حجم التأثير من دولة إلى أخرى بناء على هيكل الاقتصاد وسرعة تدخل الحكومات وسرعة التأقلم مع التغيرات الناجمة عن الجائحة وحجم مرونة اقتصاداتها. أحد التقارير التي ساهمت في تحديد تنافسية الدول وتأثير الجائحة وكيفية تعامل الحكومات معها هو الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الذي يشمل ترتيب التنافسية العالمية. يعرض هذا المقال أبرز جهود الدول للحد من تأثير الجائحة وزيادة تنافسية اقتصاداتها من خلال ترتيب التنافسية العالمية. ترتيب التنافسية العالمية ساهم الكتاب السنوي للتنافسية العالمية “WCY” المقدم من معهد تطوير الإدارة “IMD” (وهو مؤسسة أكاديمية سويسرية) والذي يشمل ترتيب التنافسية…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أثّرت الجائحة بشكل كبير على الاقتصادات عالميًا في أغلب المحاور، ولكن اختلف حجم التأثير من دولة إلى أخرى بناء على هيكل الاقتصاد وسرعة تدخل الحكومات وسرعة التأقلم مع التغيرات الناجمة عن الجائحة وحجم مرونة اقتصاداتها. أحد التقارير التي ساهمت في تحديد تنافسية الدول وتأثير الجائحة وكيفية تعامل الحكومات معها هو الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الذي يشمل ترتيب التنافسية العالمية. يعرض هذا المقال أبرز جهود الدول للحد من تأثير الجائحة وزيادة تنافسية اقتصاداتها من خلال ترتيب التنافسية العالمية.

ترتيب التنافسية العالمية

ساهم الكتاب السنوي للتنافسية العالمية “WCY” المقدم من معهد تطوير الإدارة “IMD” (وهو مؤسسة أكاديمية سويسرية) والذي يشمل ترتيب التنافسية العالمية “World Competitiveness Ranking” في تحليل وترتيب الدول وفقًا لكيفية إدارة كفاءتهم لخلق قيمة على المدى الطويل. يشمل ترتيب التنافسية العالمية 64 دولة، ويعتمد على أربعة مؤشرات رئيسية هي: كفاءة الاقتصاد، وكفاءة الحكومة، وكفاءة الأعمال، والبنية التحتية (أو 335 معيارًا تنافسيًا).

جدول (1): أفضل عشر دول في ترتيب التنافسية العالمية لعام 2021 مقارنة بالسنوات الماضية

المصدر: ترتيب التنافسية العالمية (2021)، معهد تطوير الإدارة.

بناء على الجدول رقم (1)، تحتل أوروبا المراكز الأولى في المؤشر، حيث احتلت سويسرا المركز الأول في ترتيب التنافسية العالمية في 2021 لأول مرة منذ بدء عمل هذا الترتيب من 33 سنة ليصل مجموع النقاط لها 100 نقطة، وفقًا للشكل رقم (1). جاء ذلك ارتفاعًا من المرتبة الثانية في 2020. وتأتي السويد في المركز الثاني في 2021 ارتفاعًا من المركز السادس في 2020 ليبلغ مجموع نقاطها 96.71. وتليها الدنمارك في المركز الثالث بإجمالي 96.66 نقطة في 2021، وهولندا في المركز الرابع بإجمالي 96.35 نقطة في 2021، والنرويج في المركز السادس بإجمالي 94.5 نقطة في 2021.

شكل (1): الدول صاحبة أفضل عشرة مراكز في ترتيب التنافسية العالمية لعام 2021

المصدر: ترتيب التنافسية العالمية (2021)، معهد تطوير الإدارة.

كذلك كانت سنغافورة صاحبة أحسن ترتيب من بين دول منطقة آسيا (المركز الخامس في عام 2021 بمجموع نقاط 94.7 نقطة، على الرغم من أنها كانت تحتل المركز الأول في عامي 2020 و2019 في ترتيب التنافسية العالمية)، وتليها هونج كونج (المركز السابع)، وتايوان (المركز الثامن). جدير بالذكر أن الصين تأتي في المركز رقم 16 في 2021 من بين الدول البالغ عددها 64، وهو أمر غير متوقع، ولكن ارتفاعًا من المركز رقم 20 وهو ما يعد أعلى تحسن بين دول منطقة آسيا، كما تأتي في المركز الرابع من بين دول منطقة آسيا. ولكن جاء هذا التحسن بسبب جهود الصين للحد من الفقر وتعزيز البنية التحتية والتعليم.

إضافة إلى ذلك، احتلّت الإمارات العربية المتحدة أعلى مرتبة بين الدول العربية، حيث جاءت في المركز التاسع في عام 2021 بإجمالي 89.6 نقطة، ومحافظة على مرتبتها من عام 2020. الأمر الذي يشير إلى تنافسية الإمارات العربية المتحدة بين الدول المتقدمة. أخيرًا: تأتي الولايات المتحدة في المرتبة العاشرة في عام 2021 بإجمالي 89.1 نقطة ومحافظة على مرتبتها من عام 2020، على الرغم من أنها كانت في المرتبة الأولى في عام 2018، الأمر الذي يشير إلى أن جهود الولايات المتحدة لتحسين كفاءة الاقتصاد والحكومة والأعمال والبنية التحتية كانت أقل من الدول التسع الأولى.

جدول (2): الدول صاحبة المراكز الخمسة الأولى في المؤشرات الرئيسية

المصدر: ترتيب التنافسية العالمية (2021)، معهد تطوير الإدارة.

في شأن آخر، جاءت سنغافورة في المرتبة الأولى في المؤشر الرئيسي لكفاءة الاقتصاد، حيث إن الدولة كان لها أداء متميز فيما يتعلق بحماية الصحة العامة، وهو ما كان واضحًا في عدد حالات الوفاة المنخفض بسبب فيروس كورونا. ولكن تأثرت الدولة بشكل أساسي بسبب اعتمادها بشكل كبير على التجارة والسفر، كما عانت من فقدان الوظائف ونقص الإنتاجية.

أما بالنسبة إلى مؤشر كفاءة الحكومة، فقد احتلت هونج كونج المرتبة الأولى في المؤشر على الرغم من وجود احتجاجات في العامين الماضيين. ولكن عانت هونج كونج هذا العام من انخفاض الاستثمار الدولي والأسعار، بالإضافة إلى التدهور الحاد في ظروف التوظيف. ولكن لا تزال هونج كونج تحتاج إلى إنعاش اقتصادها والحد من ضعف الاقتصاد الكلي مع انحسار الإصابات بفيروس كورونا ومعالجة القيود التي تواجهها للتنمية مثل شيخوخة السكان وإمدادات أراضيها المحدودة، هذا بالإضافة إلى حاجتها إلى تعزيز الابتكار وتطوير التكنولوجيا.

وبخصوص كفاءة الأعمال، جاءت الدنمارك في المرتبة الأولى، حيث إن القوى العاملة في الدنمارك هي الأكثر تحفيزًا من بين الدول، كما أن الدولة تهتم بشكل أساسي بتوفير التدريب للقطاع الخاص مقارنة بالدول الأخرى. إضافة إلى ذلك، تتميز الدولة بالعدالة المتصورة “perceived fairness” لمجتمعها، حيث تحتل الدولة المرتبة الأولى في المؤشر الفرعي لتطبيق العدالة.

أما بالنسبة إلى المؤشر الرئيسي الأخير (البنية التحتية) فقد احتلت سويسرا المرتبة الأولى، حيث حققت أداء متميزًا في البنية التحتية الصحية وسط انتشار فيروس كورونا. أيضًا اهتمت الدولة بشكل أساسي بالابتكار مقارنة بالدول الأخرى، الأمر الذي ساهم في تعزيز مرونة الاقتصاد السويسري وتأقلمه بشكل سريع مع التغيرات الناجمة عن الجائحة.

بشكل عام، أحد الأسباب الأساسية لمحافظة هذه الدول على مستوى تنافسيتها هو دعم الحكومة لاقتصاداتها لمواجهة التداعيات الناجمة عن الجائحة. إضافة إلى ذلك، فإن الدول التي كان محور اهتمامها رفع الابتكار، وتنويع اقتصاداتها، وتنفيذ سياسات أكثر كفاءة قبل الجائحة، تأثرت بشكل أقل من الدول الأخرى. وفي حين ساهم العمل عن بعد في الحد من تداعيات الجائحة، إلا أن تأثير الجائحة على الدول التي تعتمد بشكل كبير على التصنيع كان أشد. أيضًا أثرت الجائحة بشكل أكبر على الأعمال أو الدول التي تعتمد بشكل أساسي على تنقل العملاء (أي الدول التي تعتمد بشكل أساسي على السياحة، على سبيل المثال) أو سلاسل التوريد العالمية.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة