وحدة الدراسات الأفريقية

ترقب حذر: التعاطي الدولي والإقليمي مع الأزمة الإثيوبية

بلغ الصراع الداخلي في إثيوبيا مرحلة حرجّة مع اقتراب قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، واتساع نطاق أعمال العنف والقتال، وتأتي التحركات الدولية والإقليمية لوقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية، وضرورة التوصل إلى حلّ سلمي للصراع، وتسهيّل وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى إقليم تيجراي والعدد المتزايد في إقليمي أمهرة والعفر في ظل عمليات العرقلة والمنع والنهب للمساعدات الغذائية.                     وفى هذا السياق، تُواجه الجهات الفاعلة والوسطاء صعوبات في محاولاتهم جلب الأطراف المتحاربة في إثيوبيا إلى طاولة المفاوضات، والانتقال من المواجهة العسكرية لطاولة المفاوضات نتيجة حالة التصعيد بين الطرفين، والوضع المتدهور في إثيوبيا في ضوء التقرير المشترك الصادر…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

بلغ الصراع الداخلي في إثيوبيا مرحلة حرجّة مع اقتراب قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، واتساع نطاق أعمال العنف والقتال، وتأتي التحركات الدولية والإقليمية لوقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية، وضرورة التوصل إلى حلّ سلمي للصراع، وتسهيّل وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى إقليم تيجراي والعدد المتزايد في إقليمي أمهرة والعفر في ظل عمليات العرقلة والمنع والنهب للمساعدات الغذائية.                    

وفى هذا السياق، تُواجه الجهات الفاعلة والوسطاء صعوبات في محاولاتهم جلب الأطراف المتحاربة في إثيوبيا إلى طاولة المفاوضات، والانتقال من المواجهة العسكرية لطاولة المفاوضات نتيجة حالة التصعيد بين الطرفين، والوضع المتدهور في إثيوبيا في ضوء التقرير المشترك الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) واللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان (EHRC) بشأن الأوضاع في إثيوبيا الصادر في الثالث من نوفمبر 2021.                

تدابير استباقية                    

حذّرت الولايات المتحدة الأمريكية الطيارين من أن الطائرات التي تعمل في مطار بولي الدولي بإثيوبيا أكثر مطارات القارة الأفريقية ازدحامًا يمكن أن تتعرض بشكل مباشر أو غير مباشر لنيران الأسلحة الأرضية أو صواريخ أرض-جو مع اقتراب أعمال القتال من العاصمة أديس أبابا. في حين نشرت إدارة الطيران الفيدرالي الإثيوبي عن عدم وجود اضطرابات في المطار ولا يوجد أي مؤشر لتهديد الطيران المدني.     

وعلى صعيدٍ آخر، طالبت عدة دول رعاياها بضرورة مغادرة إثيوبيا؛ إذ حذّرت الولايات المتحدة مواطنيها من مغادرة إثيوبيا، قائلة إنها لن تُكرر سيناريو عملية الإجلاء من أفغانستان وعدم توقع إجلاء عسكري في حالة تفاقم الوضع الأمني، وعرضت تقديم قروض بدون فوائد لمن يتعثّر في الأموال للمغادرة من إثيوبيا وقامت بإنشاء فريق مهام جديد للإشراف على عملية إخلاء الدبلوماسيين في السفارة الأمريكية بأديس أبابا والمواطنين الأمريكيين الآخرين. وعلاوةً على ذلك، نشرت الولايات المتحدة قوات عمليات خاصة من الصاعقة البرية من الكتيبة 1/75 في دولة جيبوتي لتقديم المساعدات لسفارة واشنطن في أديس أبابا.  كما تم توجيه ثلاث سفن حربية برمائية في الشرق الأوسط – USS Essex، USS Portland، USS Pearl Harbour لدعم عمليات الإجلاء في حالة الضرورة كحلول بديلة في حالة تعثّر مغادرة بعض المواطنين عبر الرحالات التجارية.              

فيما عملت سفارة ليبيا على إجلاء الرعايا الليبيين وتقليص عدد العاملين في سفارة ليبيا في أديس أبابا إلى الحد الأدنى، وتوفير طائرة خاصة لإجلاء البقية في حالة الطوارئ من خلال اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية لضمان عودة المواطنين بسلامة وآمن. وفي الخامس من نوفمبر 2021حثت وزارة الخارجية الفنلندية مواطنيها بالمغادرة على الفور، حيث أبلغ حوالي 30 فنلنديًا الوزارة أنهم يخططون لمغادرة البلاد في غضون الأيام القليلة المقبلة.          

فيما حذّرت إسرائيل من السفر إلى إثيوبيا، وأرسلت فرنسا رسالة إلكترونية لرعاياها بضرورة المغادرة في أقرب وقت ممكن.  في حين دعت أوكرانيا مواطنيها تجنب زيارة شمال وغرب إثيوبيا وتقييد التنقل بين المستوطنات الإثيوبية. كما رفعت وزارة الخارجية لكوريا الجنوبية مستوى التنبيه الخاص بسفر مواطنيها إلى إثيوبيا للمستوي الثالث، ودعت السعودية والكويت وبريطانيا وألمانيا مواطنيها للمغادرة فورًا. وفيما يتعلق بالأمم المتحدة أمرت بالإجلاء الفوري لأفراد عائلات الموظفين الدوليين من خلال طلب أجهزة الأمن التابعة للأمم المتحدة تنسيق وتنظيم عمليات الإجلاء، وذلك في موعد أقصاه الخامس والعشرين من نوفمبر 2021.     

تنامي السخط الدولي

تأتي المواقف الدولية الأخيرة استكمالاً لنهج بدأ منذ فترة عكس تنامي السخط الطولي من استمرار الصراع في إثيوبيا. فقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية فرض عقوبات رمزية على إثيوبيا بوقف منح اقتصادية كانت قد وعدت بها حكومة ” آبى أحمد”، مشيرة إلى أن النظام الإثيوبي لم يتوقف عن استخدام العنف في إقليم تيجراى. وعليه، في السابع عشر من سبتمبر ٢٠٢١، كشفت إدارة “بايدن” عن نظام عقوبات جديد على مجموعة واسعة من الأطراف المتحاربة في إثيوبيا. كما فرضت الولايات المتحدة قيودًا على نظام التأشيرات.               

وألغت إدارة “بايدن” تفضيلات تجارية لإثيوبيا، في الثاني من نوفمبر 2021، أعلنت إدارة “بايدن” في رسالة إلى الكونجرس أنه سيتم حذف إثيوبيا من قائمة المستفيدين من قانون النمو والفرص في إفريقيا (أجوا) اعتبارًا من عام 2022، وتم الكشف عن الإجراء بعد أسبوعين من توقيع “بايدن” على أمر تنفيذي يمهد الطريق لفرض عقوبات، بما في ذلك مصادرة الأصول ووقف المعاملات المالية للأطراف المتورطة في الصراع. ويشمل الإجراء أيضًا حظر السفر وتجميد الأصول على الوزراء والقادة العسكريين والسلطات الإقليمية، بالإضافة إلى قيود على المساعدات وحظر مبيعات الأسلحة إلى إريتريا وإثيوبيا.                       

فيما علّقت فرنسا تعاونها العسكري مع إثيوبيا منذ يوليو 2021، وأصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا يُعرب فيه عن قلقه إزاء الأوضاع في إثيوبيا، وأنه يظل على استعداد لاستخدام جميع أدوات سياسته الخارجية، بما في ذلك الإجراءات التقييدية لتعزيز السلام والالتزام بالقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان لإنهاء الصراع من خلال إمكانية فرض العقوبات بموجب نظام قانون حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي والتأكيد على استمرار وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية.   

بالإضافة إلى ذلك، اعتمد البرلمان الأوروبي في السابع من أكتوبر 2021 قرارًا يطالب بوقف فوري للأعمال العدائية من قبل جميع الأطراف والدعوة إلى فرض عقوبات واسعة النطاق، بما في ذلك حظر الأسلحة ضد جميع الأطراف المتحاربة في إثيوبيا، وتبنى البرلمان الأوروبي دعوة للدول الأعضاء لوقف صادرات الأسلحة وتكنولوجيا أنظمة المراقبة والإنذار إلى إثيوبيا التي تُستخدم لتسهيل الهجمات على المدنيين وارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان.                  

وعلّق الاتحاد الأوروبي دعم الميزانية لإثيوبيا بقيمة 88 مليون يورو (107 ملايين دولار) إلى أن يتم منح الوكالات الإنسانية حق الوصول إلى الأشخاص المحتاجين للمساعدة في إقليم تيجراي يهدف معالجة مخاوف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالوصول الإنساني الفوري وغير المشروط إلى جميع المناطق في تيجراي للاستجابة للوضع الإنساني.   

أعرب مجلس الأمن الدولي عن قلقه تجاه الأوضاع في إثيوبيا، وشدّد على ضرورة وقف إطلاق النار، والدخول في حوار وطني شامل وضرورة الامتناع عن خطاب الكراهية، ولكن توجد صعوبات التوافق المُشترك من الدول الأعضاء في المجلس بشأن تحميل الحكومة الإثيوبية المسؤولية عن الصراع الدائر في البلاد، وتم التأكيد على القلق الدولي المتصاعد بشأن الصراع في تيجراي من خلال المحادثات غير الرسمية في مجلس الأمن في الرابع والعشرين من نوفمبر 2021، وقد عُقد الاجتماع على الرغم من الخلاف بين الأعضاء الأوروبيين والأفارقة حول ما إذا كان ينبغي إجراء مناقشة مغلقة.                 

محاولات التسوية            

في ظل تصاعد حدة أعمال القتل وجرائم الإبادة الجماعية وتزايد عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والعنف الجنسي والهجمات على اللاجئين وتسييس المساعدات الإغاثية واستخدام التجويع كسلاح في حرب تيجراي. ومن هذا المنطلق، قامت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأفريقي وكينيا وأوغندا بإجراء محادثات للتوسط بين أطراف الصراع. فضلاً عن مواقف تركيا وروسيا والصين من الصراع في إثيوبيا، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:   

• وساطة الولايات المتحدة الأمريكية: وصل المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي “جيفري فيلتمان” إلى إثيوبيا بداية شهر نوفمبر 2021 لدفع الأطراف للدخول في محادثات وحوار لوقف الأعمال العدائية، وفي الثامن عشر من نوفمبر ٢٠٢١ التقى نائب رئيس الوزراء الإثيوبي “ديميكي ميكونين” مع جيفري فيلتمان لمناقشة الوضع في تيجراي، وجاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكين” إلى كينيا بعد أشهر من المشاركة المكثفة لفيلتمان للتوصل إلى حلول دبلوماسية بالتوافق مع دولة كينيا لإنهاء الصراع في إثيوبيا.                       

• وساطة الاتحاد الأفريقي: في السابع من نوفمبر 2021، التقى الممثل السامي للاتحاد الأفريقي للقرن الأفريقي والرئيس النيجيري السابق “أولوسيجون أوباسانجو” مع زعيم إقليم تيجراي، “ديبريتسيون جيبريمايكل” في ميكيلي عاصمة الإقليم، كمحاولة لإيجاد حل سلمي للصراع، واعتبرت قيادة تيجراي المحادثات مثمرة وتطور جديد يمكن أن يُغير مسار حرب تيجراي وبعدها عقد اجتماع لجنة السلام والأمن التابعة للاتحاد الأفريقي بشأن الوضع في إثيوبيا في الثامن من نوفمبر 2021، أعاد “أوباسانجو” التأكيد على جهود السعي لوقف الأعمال العدائية والحل السلمي للصراع ، وتعهد بتقديم الدعم الثابت لعملية الوساطة وإذا تم تعزيزها ودعمها بقوة من قبل أصحاب المصلحة الإقليميين والدوليين، فإن وساطة الطرف الثالث التي يقودها الاتحاد الأفريقي لديها القدرة على كسر الجمود وإعادة إثيوبيا إلى طريق السلام والمصالحة.      

الوساطة الإقليمية: تلعب دولة كينيا دورًا هامًا في تهدئة الأوضاع في إثيوبيا من منطلق موقعها الاستراتيجي لضمان حماية مصالح المنطقة والعالم، وبصفتها عضوًا غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وتعبر نيروبي في وضع جيد لتوفير منصة محايدة للتفاوض وتعزيز استعادة السلام والاستقرار في إثيوبيا، وهي تعمل حاليًا كعضو في مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي. وعلاوةً على ذلك، تُهدد الحرب وعدم الاستقرار في إثيوبيا بشكل مباشر الأمن القومي لكينيا في ظل تدفقات اللاجئين وطالبي اللجوء وعبورهم الحدود إلى كينيا؛ إذ عززت كينيا الإجراءات الأمنية وحالة التأهب القصوى على طول حدودها وفي المنشآت الحرجة استجابة لتدهور الوضع الأمني في إثيوبيا.                          

واتصالاً بالسابق، في الرابع عشر من نوفمبر 2021 التقى الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا” برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيسة إثيوبيا “سهل-وورك زودي” لمناقشة الأوضاع الأمنية ومحاولة التوصل إلى حل سلمي والجلوس على طاولة المفاوضات بين الأطراف في إثيوبيا قبل زيارة وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن “إلى كينيا. كما دعا الرئيس الأوغندي “يوري موسيفيني” إلى اجتماع طارئ لزعماء شرق أفريقيا داخل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية “الإيجاد” في السادس والعشرين من نوفمبر 2021 بالعاصمة الأوغندية “كمبالا”، لمناقشة تطورات الأوضاع في إثيوبيا.      

• روسيا: قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية “ماريا زاخاروفا”، في مؤتمر صحفي في الحادي والعشرين من أكتوبر 2021، إن روسيا تدعو جميع الأطراف في إثيوبيا لوقف إطلاق النار، وأشارت “زاخاروفا” إلى أن روسيا تراقب عن كثب التطورات في إثيوبيا، وهذا تحوّل دراماتيكي من الجانب الروسي الذي كان يدعو إلى جانب الصين، المجتمع الدولي ترك الشؤون الداخلية لإثيوبيا ليتم حلها داخليًا. كما أكدّت “زاخاروفا” دعم روسيا للمبعوث الخاص للاتحاد الأفريقي” أوباسانجو”.                        

 وختامًا، لم تساعد أيًا من الجهود الدبلوماسية والمساعي الدولية والإقليمية حتى الآن في تهدئة الصراع في إثيوبيا، بل دخل الصراع مرحلة جديدة من حالة التأزم مع الدخول في عامه الثاني، ويتوجب تكثيف الدعوات لوقف إطلاق النار لاحتواء التداعيات الكارثية للصراع على إقليم شرق أفريقيا والعالم ككل.  

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية