بعد خمسة عشر عاماً من إطلاق المفاوضات بشأن سد النهضة، لم يعد من الممكن التعامل مع إخفاق المفاوضات كانعكاس لمجرد اختلاف فني أو قانوني بين إثيوبيا ومصر والسودان، وإنما بات من الضروري إرجاع هذا الإخفاق إلى أسبابه المباشرة المتمثلة في الطريقة التي أدارت بها إثيوبيا هذا الخلاف منذ الإعلان عن المشروع. فالتباين حول مشروعات الأنهار الدولية بين دول المنبع والمصب أمر طبيعي يمكن احتواؤه من خلال التفاوض والتسويات المتبادلة، إلا أن الاستراتيجية الإثيوبية بمختلف أبعادها من التقدم المنفرد في أعمال الإنشاء، والتفاوض بغير إرادة للتسوية، والتأطير الإعلامي المضلل للمشروع كلها قد أضفت على النزاع أبعاداً سياسية وقانونية وأمنية تجاوزت في كثير من الأحيان نطاق الخلاف الفني حول قواعد الملء والتشغيل. وتتضح المسؤولية الإثيوبية عن تعقيد المسار التفاوضي بصورة أكبر من خلال نقل الخلاف من نطاق التفاوض على ترتيبات تشغيل سد إلى نزاع أوسع حول قواعد استخدام الأنهار الدولية وحدود السيادة وحقوق دول المصب في ظل ممارسات إثيوبية متواترة أضعفت الثقة المتبادلة وقلصت فرص نجاح المسار التفاوضي. على هذا، يبدو من المهم استكشاف العوائق المختلفة التي وضعتها إثيوبيا لعرقلة المسار التفاوضي بشأن سد النهضة.
التسييس المفرط لمشروعات المياه
اتجه الخطاب الإثيوبي إلى بناء سردية تبسيطية واختزالية لتبرير مشروع سد النهضة والترويج له، مستفيداً من قدرتها على مخاطبة الجوانب الشعورية لدى المتلقين أكثر من استنادها إلى عرض متوازن للوقائع والمعطيات. فعلى المستوى الداخلي، قامت هذه السردية على توظيف منطق المظلومية التاريخية، بما يسمح بإعفاء النخب الحاكمة المتعاقبة من مسؤولية تعثر مسار التنمية وعدم وصول عوائدها إلى قطاعات واسعة من المواطنين، وتفجير الصراعات الداخلية وتأجيجها، وإعادة تفسير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة باعتبارها نتيجة لحرمان إثيوبيا من الاستفادة من مواردها المائية. أما على المستوى الخارجي، فقد استند الخطاب إلى محاولة تصدير “عقدة ذنب” لدى المجتمع الدولي، من خلال تحميله جانباً من المسؤولية عن الأوضاع المعيشية المتردية لملايين الإثيوبيين، وتصوير الحاجة الإثيوبية لتجاوز القيود المفروضة على استغلال الأنهار الدولية باعتبارها ضرورة ملحة لإحداث تحول تنموي نوعي. وفي هذا السياق، لم تكتف السردية الإثيوبية بالدفاع عن إنشاء سد النهضة، وإنما سعت إلى تكريس تصور أوسع يمنح إثيوبيا حقاً شبه مطلق في استغلال كافة الأنهار الدولية التي تتشارك فيها مع دول الجوار، متجاهلة مقتضيات الاستخدام المنصف والمعقول وعدم إحداث الضرر.
ولتعزيز انتشار هذه السردية، جرى إضفاء طابع شديد التسييس والعدائية على الخطاب الموجه إلى مصر تحديداً، من خلال الاستناد إلى عدد كبير من الادعاءات والمغالطات التي تتعارض مع وقائع التاريخ وثوابته. ولم يقتصر أثر هذا التوظيف على تشويه صورة مصر، وإنما أفضى أيضاً إلى تناقض جوهري داخل الخطاب الإثيوبي نفسه، إذ إن المبررات التي تستخدم لإثبات حق إثيوبيا في التحكم المنفرد في النيل الأزرق تتعارض مع تقديم سد النهضة بوصفه مشروعاً تنموياً محضاً لا يترتب عليه ضرر جسيم لدولتي المصب. فكلما انتقل الخطاب من التأكيد على الأغراض التنموية للسد إلى تكريس حق إثيوبيا في الانفراد بالتصرف في المورد المائي المشترك، أصبح من الصعب الفصل بين المشروع بوصفه منشأة لتوليد الطاقة وبين توظيفه باعتباره أداة لتعزيز النفوذ السياسي والإقليمي.
وعلى المستوى الإجرائي، اتخذ التسييس المفرط للقضية صورة أكثر وضوحاً من خلال توظيف المعلومات والادعاءات الانتقائية في عرض حجم المشروع، وعوائده، وضروراته، ومصادر تمويله، فضلاً عن تصوير تطور الموقف الإثيوبي من المفاوضات بصورة لا تتطابق دائماً مع مسارها الفعلي وتبرز الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة. كما اتسم الخطاب الإثيوبي بمحاولات متكررة لخلط أبعاد القضية وتشويش مسارها التفاوضي، سواء بهدف تعطيل الوصول إلى اتفاق ملزم وإتاحة الوقت لاستكمال المشروع وفرض واقع جديد، أو بهدف توظيف قضية السد في خدمة اعتبارات سياسية داخلية فرضتها حالة الاضطراب السياسي والأمني التي شهدتها البلاد. وفي السياق ذاته، سعت أديس أبابا إلى استدعاء قضايا الهوية من خلال تأطير قضية السد باعتبارها مواجهة بين مصر “العربية” ودول المنابع “الأفريقية”، في محاولة لنقل القضية من إطارها القانوني والفني باعتبارها إلى إطار بالغ التسييس.
التنصل من الالتزامات القانونية القائمة
يحاول الخطاب الإثيوبي المعاصر طرح قضية سد النهضة ضمن سردية “مناهضة الاستعمار”، من خلال تصوير المشروع باعتباره أداة للتحرر من نظام تاريخي يفترض أنه منح مصر سيطرة على مياه النيل وحرم إثيوبيا وغيرها من دول المنبع من الاستفادة منها. وتستند هذه السردية إلى الادعاء المتكرر بأن الحقوق المائية المصرية تقوم على اتفاقيات فرضتها القوى الاستعمارية على دول حوض النيل، وأن هذه الاتفاقيات فقدت مشروعيتها بانتهاء الحقبة الاستعمارية، فضلاً عن التأكيد على أن الدول الأفريقية المستقلة لم تكن طرفاً فيها من الأساس. غير أن هذه القراءة تتجاهل جوانب أساسية من التاريخ السياسي والقانوني للعلاقات بين دول الحوض، كما تتجاوز حقيقة أن إثيوبيا نفسها كانت طرفاً في عدد من الاتفاقيات التي يراد اليوم التنصل من آثارها، وأن التزاماتها لا يمكن اختزالها في ترتيبات فرضتها قوى استعمارية على دولة كانت خاضعة للاستعمار.
كذلك، لا تتوافق الادعاءات الإثيوبية بشأن الطبيعة «الاستعمارية» للحقوق المائية المصرية مع أساس الالتزامات التي قبلتها إثيوبيا نفسها. فمصر لم تجعل مطالبتها لإثيوبيا قائمة على اتفاقية 1929 الخاصة بالنيل الأبيض، كما أن اتفاقية 1959 لتقسيم مياه النيل وقعت بين مصر والسودان بعد انتهاء الاستعمار في البلدين، ولم تكن إثيوبيا طرفاً فيها أصلاً. وفي المقابل، تظل إثيوبيا ملتزمة بالاتفاق الذي وقعته حكومتها المستقلة عام 1902، والذي تعهد الإمبراطور منليك الثاني بموجب مادته الثالثة بعدم بناء أو السماح ببناء أي منشآت على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها حجز تدفقات المياه المتجهة إلى السودان ومصر. ومع ذلك، استمر الموقف الإثيوبي في نفي وجود التزامات قانونية سابقة تقيد تعامل إثيوبيا مع مياه النيل أو تفرض عليها مراعاة الحقوق المائية المصرية. ويكشف هذا الموقف عن انتقائية واضحة في التعامل مع الاتفاقيات الدولية؛ إذ تتعامل إثيوبيا مع اتفاقية 1902 باعتبارها غير ملزمة فيما يتعلق بالقيود المفروضة على إقامة المنشآت المائية، بينما تستند إليها في مواضع أخرى، ولا سيما في تحديد حدودها مع السودان. وتزداد المفارقة وضوحاً بالنظر إلى أن الاتفاقية نفسها منحت إثيوبيا، في مادتها الأولى، مساحات إضافية من الأراضي على حساب السودان، بما يجعل قبول بعض أحكامها ورفض أحكام أخرى منها موقفاً انتقائياً يصعب تبريره من منظور الالتزام بالاتفاقات الدولية. ولا يمكن فهم هذا السلوك بمعزل عن المكاسب التي ارتبطت تاريخياً بالالتزامات التي قبلتها إثيوبيا. فإذا كان الخطاب الإثيوبي الراهن يعيد تقديم اتفاق 1902 باعتباره تنازلاً عن حقوق إثيوبية، فإنه أتاح لإثيوبيا في المقابل مكاسب مهمة ارتبطت بظروف الدولة واحتياجاتها في وقت التوقيع. فالاتفاقية التي ترفض إثيوبيا اليوم بعض أحكامها وفرت لها في الوقت ذاته ترتيبات حدودية ومكاسب إقليمية عديدة.
وقد تكرر هذا النمط في التعامل الإثيوبي مع إطار التعاون الموقع بين مصر وإثيوبيا في القاهرة عام 1993، والذي نص في مادته الخامسة على امتناع الطرفين عن القيام بأي نشاط يتعلق بمياه النيل يمكن أن يلحق ضرراً ملموساً بمصالح الطرف الآخر، والذي وقع فى سياق سياسي كانت فيه الحكومة الإثيوبية الجديدة في حاجة إلى الانفتاح على محيطها الإقليمي والدولي وتجنب الدخول في منافسة مبكرة مع مصر. فبعد وصول الجبهة الثورية الديمقراطية للشعب الإثيوبي إلى الحكم عام 1991، كان نظام ميليس زيناوي الناشئ بحاجة إلى بناء علاقات إقليمية ودولية تضمن له الدعم والاستقرار، وإلى تقديم نفسه باعتباره نظاماً جديداً يقطع مع إرث منجستو المرتبط بالاتحاد السوفيتي.
غير أن التحول السياسي الذي شهدته مصر عام 2011 وفر لإثيوبيا، في تقدير هذا الطرح، فرصة لإعادة صياغة قواعد التعامل مع ملف مياه النيل. فبدلاً من استمرار النهج القائم على تجنب الصدام، بادرت حكومة زيناوي إلى إعلان مشروع سد النهضة والبدء في تشييده في أبريل 2011 دون تشاور مسبق مع مصر أو إخطارها، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة انتقلت فيها إثيوبيا من إدارة مصالحها المائية في إطار الالتزامات القائمة إلى محاولة إعادة تشكيل قواعد التعامل مع النهر من خلال فرض أمر واقع جديد. ومن ثم، فإن محاولات التنصل من الالتزامات القانونية السابقة لا تبدو مجرد خلاف حول تفسير نصوص اتفاقية بعينها، وإنما تعكس تحولاً أوسع في الرؤية الإثيوبية تجاه النظام القانوني والسياسي المنظم لاستخدام مياه النيل، يقوم على إعادة تفسير الالتزامات السابقة بما يتوافق مع المصالح الإثيوبية الراهنة، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بالمزايا التي ترتبت عليها تاريخياً.
التصرفات الأحادية وفرض الأمر الواقع
لا يتمثل السلوك الإثيوبي في رفض التفاوض بصورة مطلقة، وإنما في الجمع بين الانخراط المستمر في المفاوضات وبين مواصلة تغيير الواقع المائي على الأرض، بحيث لم تتحول المفاوضات إلى قيد فعلي على تنفيذ المشروع. فمنذ إعلان سد النهضة وبدء تشييده عام 2011، استمرت إثيوبيا في المشاركة في مسارات تفاوضية متعددة، بينما انتقل المشروع تدريجياً من البناء إلى الملء ثم التشغيل. وبذلك أصبح التفاوض يجري بالتوازي مع تنفيذ إجراءات يفترض أن تكون قواعدها وآثارها موضوعاً للتفاوض، وهو ما منح الطرف الإثيوبي مع مرور الوقت واقعاً مادياً جديداً يمكن التفاوض انطلاقاً منه.
ظهر ذلك بوضوح في المسار الذي بدأ بالمفاوضات الثلاثية المباشرة بين مصر والسودان وإثيوبيا في عام 2011، وصولاً إلى المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة والبنك الدولي بداية من نوفمبر 2019 والتي أسفرت عن إعلان أمريكي في يناير 2020 عن الوصول لتفاهمات ناجحة بشأن عدد من القضايا، قبل أن تمتنع إثيوبيا عن حضور الاجتماع النهائي المقرر للتوقيع في نهاية فبراير. وكان الخلاف حول طبيعة الالتزام الناتج عن المفاوضات جوهرياً؛ إذ سعت مصر والسودان إلى اتفاق ملزم ينظم الملء والتشغيل وقواعد التعامل مع حالات الجفاف، بينما دفعت إثيوبيا نحو صيغة قواعد إرشادية لا تحمل الدرجة نفسها من الإلزام. كما طرحت خلال 2020 إبرام اتفاق جزئي يقتصر على السنوات الأولى من الملء، مع استكمال التفاوض لاحقاً بشأن قواعد التشغيل، وهو ما رفضته مصر والسودان لارتباط قواعد الملء الأول بالتشغيل طويل الأمد.
وعلى أي حال، لم تنتظر إثيوبيا التوصل إلى اتفاق حتى تبدأ في تغيير الوضع المائي فعلياً؛ ففي يوليو 2020 أعلنت إتمام المرحلة الأولى من ملء خزان السد رغم عدم وجود اتفاق نهائي، ثم أعلنت في يوليو 2021 بدء المرحلة الثانية من الملء بينما كانت المفاوضات لا تزال قائمة وكان مجلس الأمن يناقش النزاع. كما بدأت الملء الثاني في 5 يوليو 2021، قبل جلسة مجلس الأمن في 8 يوليو بثلاثة أيام. ورغم تأكيد الحكومة الإثيوبية في يوليو 2021 التزامها بالمفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي ودعوتها مصر والسودان إلى التفاوض بحسن نية، فإنها تمسكت في الوقت نفسه بمواصلة بناء المشروع والملء. وتكرر النمط ذاته في عام 2022، عندما أعلنت إثيوبيا إتمام المرحلة الثالثة من ملء الخزان في أغسطس دون التوصل إلى اتفاق نهائي، لتصبح عمليات الملء المتعاقبة جزءاً من إدارة النزاع إلى جانب كونها مراحل فنية للمشروع. كما استمر هذا المسار بعد استئناف المفاوضات في يوليو 2023، عندما اتفقت مصر وإثيوبيا والسودان على محاولة إنهاء اتفاق بشأن قواعد الملء والتشغيل خلال أربعة أشهر. وعقدت الدول الثلاث أربع جولات تفاوضية حتى ديسمبر 2023، إلا أن الجولة الأخيرة انتهت في 19 ديسمبر دون اتفاق.
ولذلك، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في طول المفاوضات، وإنما في استمرار الإجراءات الإثيوبية الأحادية بالتوازي معها. فكل مرحلة جديدة من الملء والبناء والتشغيل كانت تقلص المساحة المتاحة للتفاوض وتزيد من تكلفة العودة إلى الوضع السابق، بينما أصبح الاتفاق أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى مصر والسودان. ومن ثم، يعتمد النهج الإثيوبي على التفاوض بالتوازي مع التصرفات الأحادية، فالمشاركة في المفاوضات توفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً يؤكد الاستعداد للحوار، ويقلل من حجم الضغوط الخارجية، بينما يؤدي استمرار البناء والملء والتشغيل إلى تثبيت واقع جديد.
السياسات المائية العدائية
لا يمكن تفسير السياسة المائية الإثيوبية باعتبارها مجرد استجابة لاحتياجات التنمية أو محاولة لاستثمار الوفرة المائية التي تتمتع بها البلاد بحكم امتلاكها أكثر من عشرة أحواض نهرية. فالممارسة الإثيوبية خلال العقود الماضية تكشف عن نمط أوسع من التعامل الأحادي مع الموارد المائية المشتركة، امتد إلى عدد من دول الجوار ولم يقتصر على حوض النيل. ويظهر هذا النمط بوضوح في المشروعات التي نفذتها إثيوبيا على الأنهار العابرة للحدود، والتي اتسم بعضها بإعطاء الأولوية للمصالح الإثيوبية دون تنسيق كاف مع دول المصب، بما أفضى إلى آثار مائية وبيئية واقتصادية مباشرة عليها.
ويبرز حوضا نهري جوبا وشبيلي في الصومال باعتبارهما من أقدم الأمثلة على هذا النهج، ففي عام 1988، أنشأت إثيوبيا سد ملكا واكانا لتوليد الكهرباء بسعة تخزينية تقارب 76 مليون متر مكعب، ثم توسعت في استخدام مياه الحوض لأغراض زراعية من خلال مشروع جودي، الذي يعتمد على نقل المياه من خزان السد عبر قناة إلى المناطق القاحلة في صحراء أوجادين، وأسهم الجمع بين التوسع في تخزين المياه واستخدامها زراعياً في خفض الإيرادات المائية للصومال بنحو 60%. ولم يتوقف التوسع الإثيوبي عند هذه المشروعات، ففي عام 2005 أطلقت الحكومة الإثيوبية خطة تمتد ثلاثين عاماً لتعزيز استغلال روافد نهر وابي شبيلي في الزراعة وتوليد الطاقة، تضمنت أكثر من مائة مشروع للزراعة المروية على مساحة إجمالية تجاوزت مائتي ألأف هكتار، بجانب التخطيط لإنشاء عشرين سد لتوليد الكهرباء، بدأ تنفيذ ثلاثة سدود رئيسية منها.
وامتد النهج ذاته إلى حوض نهر أومو الذي يمثل المصدر الرئيسي للمياه في بحيرة توركانا الكينية، حيث نفذت إثيوبيا، دون تنسيق مع كينيا سلسلة سدود جيلجيل جيبي الثلاثة بين عامي 2004 و2015، لتتحول هذه المنظومة إلى المتحكم الرئيسي في تدفقات نهر أومو، الذي يوفر نحو 90% من الإيراد المائي السنوي لبحيرة توركانا. وقد برزت آثار هذا التحكم بصورة لافتة إذ انخفض منسوب البحيرة بنحو مترين بعد مرور عامين على اكتمال المشروع. ولم تقتصر التداعيات على التغير في كميات المياه في بحيرة توركانا، وإنما امتدت إلى النظم البيئية والاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بها. فقد كانت الفيضانات الموسمية لنهر أومو تؤدي وظائف طبيعية أساسية، من بينها تجديد الزراعة الفيضية والمراعي، ونقل الرواسب الغنية بالمغذيات إلى البحيرة وتهيئة الظروف الملائمة لتكاثر الأسماك. ومع تنظيم تدفق النهر واحتجاز جانب من الرواسب خلف السدود، تراجعت هذه الوظائف، وتردى مستوى خصوبة الأراضي والإنتاج الزراعي والمراعي والمصايد، وزاد الضغوط الواقعة على مصادر المياه وسبل عيش المجتمعات المحلية التي تعتمد بصورة متداخلة على الصيد والرعي والزراعة.
خاتمة
تكشف دراسة العوائق السابقة أن أزمة مفاوضات سد النهضة قد نشأت نتيجة تحول السياسة الإثيوبية من إدارة مشروع مائي ذي آثار عابرة للحدود إلى استخدام المشروع كأداة لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز المجال التنموي. فقد أدى التسييس المفرط للمشروع إلى رفع كلفة التراجع عنه سياسياً، بينما أفضى التنصل الإثيوبي المتكرر من الالتزامات القانونية القائمة إلى إضعاف الأساس الذي يمكن أن تستند إليه التسوية، ومن ثم حرص مصر والسودان على وجود وسيط وضامن خارجي للاتفاق ممثلاً في الاتحاد الأفريقي وعدد من الأطراف الدولية على رأسها الولايات المتحدة. كما أدت التصرفات الإثيوبية الأحادية المتكررة إلى خلق وقائع مادية جديدة قبل التوصل إلى قواعد متوافق عليها، بما أضر برؤية مصر والسودان لإثيوبيا كشريك تفاوضي موثوق. في حين كشفت السياسات المائية الإثيوبية في الأحواض المشتركة الأخرى عن استمرار نمط يتعمد الإضرار بدول المصب لتعزيز المكاسب الاقتصادية والسياسية المحتملة. وباجتماع هذه العوامل، أصبح التفاوض يجري في بيئة معقدة قلصت فرص الوصول إلى اتفاق نهائي ملزم ومستدام.
ومن ثم، فإن استدامة التفاوض مستقبلاً تتطلب تغييراً جوهرياً في الاستراتيجية الإثيوبية، وليس مجرد استئناف جولة جديدة من المفاوضات. ويبدأ ذلك بالفصل بين مشروع سد النهضة وبين الخطاب القومي والسيادي الذي يحول أي تنازل تفاوضي إلى خسارة داخلية، والاعتراف الإثيوبي بأن المشروعات المائية الواقعة على الأنهار الدولية لا يمكن إدارتها انطلاقاً من مبدأ السيادة المنفردة، وإنما في إطار الحقوق والمصالح المتبادلة على نحو ما يقره القانون الدولي. كما يتطلب ذلك تقديم إثيوبيا شواهد فعلية على احترامها للالتزامات القانونية القائمة والامتناع عن إعادة تفسيرها بصورة انتقائية، والانفتاح على التفاوض من أجل الوصول إلى قواعد مستقرة وملزمة تحكم الملء والتشغيل والتعامل مع فترات الجفاف وتبادل البيانات وآليات فض النزاعات.
وفي هذا السياق، لا يكفي أن تعلن إثيوبيا استعدادها للحوار، وإنما يتعين أن تقترن المشاركة في المفاوضات المستقبلية بإرادة حقيقية للتوصل إلى تسوية قابلة للالتزام والتنفيذ. فنجاح أي مسار تفاوضي جديد يتوقف على إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة التي تآكلت بفعل الإجراءات الإثيوبية الأحادية، وعلى قبول إثيوبيا مبدأ أن تحقيق المصالح التنموية الإثيوبية لا يتعارض مع حماية المصالح المائية المصرية والسودانية. وكلما انتقلت إثيوبيا من منطق تعظيم المكاسب المنفردة إلى منطق إدارة المورد المشترك، ومن فرض الأمر الواقع إلى بناء التوافق، أصبحت فرص التوصل إلى اتفاق مستقر أعلى. أما استمرار النهج السابق، القائم على التسييس والتنصل القانوني والتصرف الأحادي وتوسيع الاستخدامات المائية دون توافق، فلن يؤدي إلا إلى تحويل سد النهضة إلى مصدر دائم للتوتر في علاقات إثيوبيا الإقليمية، بما قد يؤول بنتائج عكسية اقتصادياً وسياسياً.





























