الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

الدبلوماسية الفعّالة: الدور المصري في حرب غزة

منذ اليوم الأول لاندلاع المواجهات بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، كان الدور المصري حاضرًا بقوة، إذ دفعت مصر بثقلها السياسي من أجل تحقيق التهدئة بين إسرائيل والفلسطينيين، وقد تكللت الجهود المصرية بموافقة الجانبين على وقف إطلاق النار، بعد 11 يومًا من تصعيد عسكري هو الأعنف بين الطرفين منذ 2014، والذي أسفر عن وقوع العديد من الضحايا، فضلًا عن تدمير البنية التحتية لقطاع غزة. وقد جاءت التحركات المصرية في الحرب على غزة انطلاقًا من دورها التاريخي والقيادي في تبني القضية الفلسطينية، وحماية الشعب الفلسطيني الشقيق، وأظهرت السياسة الخارجية المصرية قدرة لافتة على التحرك السريع على الصعيدين الإقليمى والدولي، لدرء أزمة حادة كان…

هبة شكري
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

منذ اليوم الأول لاندلاع المواجهات بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، كان الدور المصري حاضرًا بقوة، إذ دفعت مصر بثقلها السياسي من أجل تحقيق التهدئة بين إسرائيل والفلسطينيين، وقد تكللت الجهود المصرية بموافقة الجانبين على وقف إطلاق النار، بعد 11 يومًا من تصعيد عسكري هو الأعنف بين الطرفين منذ 2014، والذي أسفر عن وقوع العديد من الضحايا، فضلًا عن تدمير البنية التحتية لقطاع غزة.

وقد جاءت التحركات المصرية في الحرب على غزة انطلاقًا من دورها التاريخي والقيادي في تبني القضية الفلسطينية، وحماية الشعب الفلسطيني الشقيق، وأظهرت السياسة الخارجية المصرية قدرة لافتة على التحرك السريع على الصعيدين الإقليمى والدولي، لدرء أزمة حادة كان يمكن أن تتفاقم وتلقي بظلالها على المنطقة بأكملها، واستطاعت الدولة المصرية استغلال اتصالاتها الوثيقة مع كافة الأطراف في سبيل التوصل لهدنة، وبالفعل نجحت في إثبات أن مصر هي الدولة الوحيدة القادرة على لعب دور الوسيط في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي نظرًا لامتلاكها كافة المؤهلات التي تتيح لها القدرة على التأثير على الأطراف المختلفة، لما تتسم به سياستها المتزنة من قبول لدى كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

جهود مكثّفة وتحرك متعدد المستويات

لم تكتفِ مصر بإنجاز التوصل لوقف إطلاق النار فحسب، بل استمرت الجهود المصرية بعد بدء الهدنة، فوصل وفدان أمنيان مصريان مؤخرًا إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية، لبحث المستجدات المتعلقة بالتهدئة في قطاع غزة والقدس والضفة، وتنسيق الجهود الساعية لإعادة الإعمار في قطاع غزة، والموضوعات المتعلقة بترتيب البيت الداخلي الفلسطيني. وقد أجرى أحدهما مفاوضات في غزة مع قادة الفصائل، وتوجه لاحقًا إلى رام الله حيث استقبله الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وتأتي الزيارة بالأساس في مسعى لترسيخ التهدئة بعد جولة التصعيد العسكري الأخيرة.

وبشكل عام، لعبت الوساطة المصرية دورًا محوريًا في نجاح التوصل لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وغزة، وشملت التحركات المصرية كافة المستويات، سواء المستوى الأمني أو السياسي أو الدبلوماسي، فضلًا عن المستوى الإنساني. ولم تقتصر التحركات المصرية على إرسال وفود للتباحث مع طرفي الصراع، لكن أُجريت العديد من الاتصالات في الغرف المغلقة وقادت مصر التفاهمات، بدايةً من مباحثات الرئيس عبدالفتاح السيسي في باريس، مرورًا بالجهود الدبلوماسية المكثفة مع كافة الأطراف، وحتى تحقيق التهدئة والتجهيز للمرحلة اللاحقة، سواء فيما يتعلق بإعادة الإعمار أو استعادة المسار التفاوضي.

واقعيًا، فإن التحركات المصرية المتعددة قد بدأت فور اندلاع الشرارة الأولى للأحداث في الأراضي الفلسطينية، وفور وقوع أحداث حي الشيخ جراح، ومحاولة تهجير الفلسطينين من منازلهم، ومن بعدها اقتحام القوات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، حينها أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانًا شديد اللهجة يعارض بشكل تام كل الممارسات الإسرائيلية، وتم استدعاء السفيرة الإسرائيلية بالقاهرة يوم التاسع من مايو الماضي، وإبلاغها نفس رسالة الاعتراض على الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وبعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وقطاع غزة، وبالتحديد يومي 10 و11 مايو الجاري، قامت مصر بالبدء في محادثات ومفاوضات مكثفة مع جميع الأطراف، وتبنى الرئيس عبدالفتاح السيسي طرح الأزمة في قمة ثلاثية بقصر الإليزيه بباريس خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، إذ تم بحث مستجدات القضية الفلسطينية وسبل إحياء عملية السلام في ظل التطورات الأخيرة، وقد أكد الرئيس السيسي خلال الاجتماع على موقف مصر الثابت في هذا الصدد بوقف أعمال العنف في أسرع وقت ممكن، والتوصل إلى حل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية. كما أطلق الرئيس السيسي من هناك مبادرة لتخصيص نصف مليار دولار لإعمار غزة. وبالتوازي مع ذلك، وجه السيد الرئيس بفتح المستشفيات المصرية ومعبر رفح لنقل المصابين الفلسطينيين للعلاج داخل مصر. 

وانطلاقًا من حرص مصر على دعم الأشقاء الفلسطينيين ومساعدتهم في الحصول على حقوقهم المشروعة وإقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967 والعيش فيها بسلام، تستمر مصر في بذل الجهد في سبيل الدفاع عن القضية الفلسطينية ومحاولة الحشد، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي إلى حين التوصل إلى تسوية سلمية للقضية الفلسطينية. وفي هذا الصدد، ستستمر المساعي المصرية لمتابعة إجراءات تنفيذ وقف إطلاق النار، فضلًا عن الإجراءات اللاحقة التي من شأنها تهيئة الأجواء للشروع في مفاوضات سلام حقيقية جادة للوصول إلى حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية.

وحتى اللحظة، تستمر الجهود المصرية، إذ قام وزير الخارجية المصري سامح شكري بالتقاء نظيره الأردني أيمن الصفدي، بالعاصمة الأردني عمان، للتنسيق والعمل المشترك بين مصر والأردن للحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والوصول للغاية المنشودة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ما يضمن الحيلولة دون وقوع أحداث عنف داخل الأراضي الفلسطينية.

على الصعيد الدولي، من المقرر أن تستهدف التحركات المصرية حشد جهود المجتمع الدولي، واستغلال رؤية الإدارة الأمريكية المؤمنة بحل الدولتين، فضلًا عن كسب دعم الدول الأوروبية المؤيدة لهذا الحل، وهو ما تم التطرق إليه في المكالمة التي أجراها الرئيس المصري مع “أنطونيو جوتيريش”، الأمين العام الأمم المتحدة، إذ تم التأكيد على ثبات الموقف المصري إزاء ضرورة إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية الصادرة بالشأن ذاته، وقد تم التوافق خلال الاتصال على أهمية تكثيف الجهود القائمة أمميًا وإقليميًا ودوليًا للعمل على حث إسرائيل على ضرورة التوقف عن التصعيد الحالي مع الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك لوقف إطلاق النار، ولإتاحة الفرصة أمام استعادة الهدوء داخل القطاع، ثم إطلاق جهد جماعي دولى يهدف لإعادة إطلاق مسار المفاوضات بين الجانبين لتحقيق السلام المنشود وفق المرجعيات الدولية. في هذا الإطار، تم تداول بعض الأخبار التي تُشير إلى أن مصر تجري اتصالات لعقد مؤتمر لإعادة إعمار غزة بمشاركة دولية في القاهرة (منها موقع “العربية”).

على المستوى الإنساني، قامت مصر بدور يؤكد على مدى عمق الروابط مع الشعب الفلسطيني، إذ تم إرسال قوافل مساعدات إنسانية للشعب الفلسطيني، إحداها تضمنت 130 شاحنة عملاقة محملة بـ2500 طن مواد غذائية، وأدوية، وألبان أطفال، وملابس، ومفروشات، وأجهزة كهربائية، وغيرها من المواد المتنوعة المقدمة من خلال صندوق “تحيا مصر”. ولم تقتصر المساعدات على القوافل الحكومية فقط، بل تم إرسال العديد من القوافل الشعبية من خلال الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، فضلًا عن تخصيص حساب في كل البنوك المصرية لتلقي المساهمات من داخل وخارج مصر لإعادة إعمار القطاع، وتلبية للاحتياجات المعيشية والدوائية للأشقاء الفلسطينيين.

مصر.. وسيط لا يمكن استبداله

أثبت نجاح مصر في الوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين أنها وسيط فعال لا بديل له، ويرجع ذلك للعديد من المقومات الفريدة التي تتميز بها، منها خبرتها السابقة في هذا الملف، ولكونها تحظى بقبول الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، ويرجع ذلك لتأكدهما من إيجابية الدور المصري ونزاهته وابتعاده عن المزايدات السياسية ولعبة المصالح، فليست هناك شكوك حول نزاهة الوساطة المصرية واستهدافها وقف العنف ومنع التصعيد في الأراضي الفلسطينية بغرض حماية الفلسطينيين، والحيلولة دون استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

وقد تفردت مصر بلعب دور الوسيط الأمثل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، حيث قامت في عام 2014 بوساطة أسفرت عن وقف إطلاق نار بعد حرب مدمرة استمرت أسبوعًا بين إسرائيل وحماس التي تسيطر على قطاع غزة. وفي 2019، نجحت الوساطة المصرية في التوصل لاتفاق هدنة في قطاع غزة بعد تصعيد استمر يومين بعد اغتيال إسرائيل بهاء أبو العطا، القيادي بسرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، وزوجته.

وجاء تحرك مصر في الأحداث الأخيرة مختلفًا عن المرات السابقة، إذ تم التحرك على المسارين، الدبلوماسي والاستخباراتي الأمني، في التوقيت نفسه انطلاقًا من حرصها على تجنب استمرار المواجهات التي ستؤدي لا محالة إلى نتائج سلبية ومدمرة. وقد كثفت مصر الجهد الدبلوماسي إلى جانب التحركات الأمنية والاستراتيجية بهدف ممارسة أكبر قدر من الضغوط على الجانبين ونقل رسائل مباشرة، كما تحرك الوسيط المصري تجاه الجانب الفلسطيني، وتحديدًا تجاه حماس، وتمت اتصالات مباشرة مع قادة حركة حماس مباشرة وباقي الفصائل الأخرى، استنادًا إلى علاقاتها الجيدة مع كافة الفصائل، واضطلاعها بدور رئيسي في كافة حوارات المصالحة.

أيضًا، ساهمت القرارات التي اتخذتها القيادة المصرية أثناء اندلاع العدوان، والتي لاقت ترحيبًا فلسطينيًا، في دفع الفصائل الفلسطينية للقبول بمطالب مصر، ومنها قرار الرئيس عبدالفتاح السيسي بالتبرع بـ500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة، وفتح معبر رفح لنقل الفلسطينيين وفتح المستشفيات في شمال سيناء لعلاج الجرحى.

إضافة إلى ما سبق، فالعلاقة المستقرة بين مصر وإسرائيل، فضلًا عن أهمية مصر الاستراتيجية وثقلها الإقليمي، تُعد عوامل ساهمت في تعزيز الثقة في الوساطة المصرية. وقد نالت مصر إشادات واسعة على المستوى الدولي والإقليمي في أعقاب موقفها الأخير، واحتفت العديد من وسائل الإعلام الغربية بدور مصر في الأزمة.
باختصار، إن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة لم يكن لينتهي لولا تدخل مصر، والحقيقة هي أن كلا الطرفين (الإسرائيلي والفلسطيني) قد خرجا خاسرين من تلك الحرب التي انتصرت فيها فقط الدبلوماسية المصرية التي انحازت للشعب الفلسطيني دون النظر إلى انتماءاته السياسية. لقد أثبتت مصر أنها دولة سلام، وأكدت تمسكها بثوابت سياستها الخارجية تجاه الأشقاء الفلسطينيين والقضية الفلسطينية التي تُعد قضية رئيسية على المستوى الشعبي والسياسي، كما أكدت على دورها المحوري في تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة. ولكن بالرغم من الجهود المصرية في هذا الصدد، إلا أن الاستقرار الحقيقي للمنطقة لن يتحقق إلا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

هبة شكري
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية