وحدة الدراسات العربية والإقليمية

“اليد الممدودة”: رسائل خطاب العاهل المغربي لدول الجوار

مثّل خطاب العاهل المغربي الملك “محمد السادس”، في 31 يوليو 2021، نقطة مهمة في خضمّ تطورات متسارعة تشهدها العلاقات المغربية الجزائرية وذلك في ضوء ما تضمنه الخطاب من إبداء الرغبة في إعادة فتح الحدود بين الدولتين، وحثّ الجزائر على تغليب منطق الحكمة، والعمل على تطوير العلاقات المتوترة بينهما. ولعلّ أزمة غلق الحدود منذ مطلع التسعينيات من بين الملفات العالقة بين كلٍّ من الجزائر والرباط، والتي تُعرقل بصورة كبيرة المساعي المختلفة لتهدئة الأوضاع بينهما. وتأتي تلك المبادرة في ظل جملة من المستحدثات في القضايا العالقة بينهما وكذا في إطار سياق إقليمي مضطرب. دلالات التوقيت جاء خطاب الملك “محمد السادس” متزامنًا مع…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

مثّل خطاب العاهل المغربي الملك “محمد السادس”، في 31 يوليو 2021، نقطة مهمة في خضمّ تطورات متسارعة تشهدها العلاقات المغربية الجزائرية وذلك في ضوء ما تضمنه الخطاب من إبداء الرغبة في إعادة فتح الحدود بين الدولتين، وحثّ الجزائر على تغليب منطق الحكمة، والعمل على تطوير العلاقات المتوترة بينهما.

ولعلّ أزمة غلق الحدود منذ مطلع التسعينيات من بين الملفات العالقة بين كلٍّ من الجزائر والرباط، والتي تُعرقل بصورة كبيرة المساعي المختلفة لتهدئة الأوضاع بينهما. وتأتي تلك المبادرة في ظل جملة من المستحدثات في القضايا العالقة بينهما وكذا في إطار سياق إقليمي مضطرب.

دلالات التوقيت

جاء خطاب الملك “محمد السادس” متزامنًا مع جملة من المتغيرات الوطنية والإقليمية التي يمكن توضيحها في النقاط الآتية:

  • تطور وضعية الصحراء الغربية: لعل جوهر توتر العلاقات بين المغرب والجزائر يعود لتضاد سياسات الدولتين حيال قضية الصحراء الغربية، وشهد هذا الملف مؤخرًا تطورات مختلفة جاء على رأسها الاشتباكات المسلحة بين الجيش المغربي وجبهة البوليساريو بعد أحداث معبر “الكركرات”، إضافة للتحركات الدبلوماسية المغربية المتسارعة التي حققت تقدمًا غير مسبوق في هذا الملف عبر إقناع عدد كبير من الدول الإقليمية والدولية بتبني الرؤية المغربية لتسوية تلك المسألة، وما تبعها من تحول مواقف بعض القوى الفاعلة تجاه هذا الملف، ويأتي على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت في ديسمبر 2020 بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، إضافة إلى قيام 19 دولة بافتتاح ممثلية دبلوماسية لها في مدينة العيون، وهو ما يُعد تحولًا نوعيًا لمواقف ثابتة على مدار خط الأزمة. ويقابل ذلك تراجع في الدول المعترفة بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لنحو 28 دولة بعدما كانت 84 دولة، الأمر الذي خلق حالة من العزلة الدبلوماسية لجبهة “البوليساريو”، وخلق مسرحًا ضاغطًا في التحركات الرامية للانفصال وحق تقرير المصير.
  • التوترات الدبلوماسية بين المغرب والجزائر: بعيدًا عن الصراع الدائر حول قضية الصحراء الغربية والمواقف المتباينة للدولتين حيال هذا الملف، يأتي هذا الطرح المغربي لإعادة فتح الحدود مع الجزائر على خلفية التوتر الدبلوماسي الذي شهده البلدان في السادس عشر من يوليو 2021، إثر مطالبة المغرب بحق تقرير المصير لــ”منطقة القبائل” وذلك وفقًا لما أدلى به السفير المغربي لدى الأمم المتحدة “عمر هلال” خلال اجتماع لحركة عدم الانحياز بالأمم المتحدة، وهو ما قابله طرح وزير الخارجية الجزائري “رمضان لعمامرة” لقضية الصحراء الغربية في ذلك الاجتماع، الأمر الذي أدى إلى استدعاء الجزائر سفيرها لدى المملكة المغربية، والتلويح باتخاذ إجراءات تصعيدية أخرى، وهو ما أوجد فصلًا جديدًا من التوترات بين الجانبين.
  • إسرائيل والانخراط المتسارع في الفضاء المغاربي: لقد شكلت عودة إسرائيل كعضو مراقب بالاتحاد الإفريقي في الثاني والعشرين من يوليو 2021 بعدما توقفت تلك الصفة منذ عام 2002، وما سبق ذلك من استئناف العلاقات المغربية مع الجانب الإسرائيلي وذلك على خلفية الصفقة التي تمت مع واشنطن نهاية عام 2020؛ شكّل هذا التحول المتسارع ضغطًا متزايدًا على الجزائر التي رفضت بشكل حاسم مسألة التطبيع مع إسرائيل، إلى جانب رفضها فكرة عودة إسرائيل كعضو مراقب بالاتحاد الإفريقي.
  • تعقد المشهد التونسي: لعل أحد المتغيرات ذات التأثير الممتد على دول المنطقة المغاربية هو التطور السياسي الذي وقع في تونس نهاية شهر يوليو 2021، والذي تم على إثره تجميد البرلمان وإقالة الحكومة، وحالة التصعيد التي دعت إليها حركة النهضة التونسية وما تبعها من حالة تخبط لدى التنظيمات الإسلامية المختلفة، وهو الأمر الذي استدعى مزيدًا من التنسيق لدول الجوار التونسي للحيلولة دون تأزم المشهد وما يعكسه سلبيًا على استقرار دول تلك المنطقة.

رسائل متعددة

لقد حمل خطاب الملك “محمد السادس” عددًا من الرسائل المختلفة المتعلقة بطور العلاقة الثنائية مع الجزائر على وجه الخصوص وفي إطار الاتحاد المغاربي على وجه العموم، وقد تضمن الخطاب رسائل متعددة تتمثل في الآتي:

  • الخطاب التصالحي: لطالما حملت الرسائل الملكية استراتيجية اليد الممدودة للتعاون وتجاوز الخلافات البينية مع الجزائر، وقد تجلى ذلك منذ عام 2008 منذ أن دعت المغرب لفتح الحدود بين البلدين، وبالتالي فهي بمثابة استراتيجية ثابتة لا تندرج تحت المناورات السياسية الدبلوماسية، ولعل هذا الخطاب يحمل في طياته اهتمامًا كبيرًا من جانب المغرب بحلحلة أزمة العلاقات الثنائية. فقد جاءت المبادرة الملكية بموجب خطاب العرش الذي يهتم بالأساس بالقضايا المحلية أكثر من القضايا الخارجية، بيد أن العلاقات مع الجزائر حظيت بمساحة واسعة من هذا الخطاب، فضلًا عن حرص الملك محمد السادس على عدم التطرق لقضية الصحراء خلال خطابه في رسالة منه لتهدئة الأوضاع وعدم إثارة النزاع، وبالتالي تغليب جانب المصلحة والتعاون على التصدع والتصادم.
  • الرغبة في إعادة تنشيط الاتحاد المغاربي: في ضوء التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة المغربية، وحرصًا من المغرب على تلافي سيناريوهات معقدة في تلك المنطقة، يحمل خطاب الملك رسالة بالرغبة في تعزيز التعاون المشترك تحت مظلة الاتحاد المغاربي، خاصة وأن تلك الدعوة لم تكن الأولى من نوعها بل سبقتها دعوات متكررة من بينها اقتراح الملك “محمد السادس” إطلاق آلية للحوار الثنائي مع الجزائر وما تبعها من دعوة الجزائر لاجتماع وزراء خارجية اتحاد المغرب العربي.
  • التطلع لتطوير التنسيق الأمني المشترك: لعل من بين الرسائل التي تضمنها الخطاب هو أهمية التعاون المرحلي والمستقبلي في الجانب الأمني بين البلدين، وقد عكست كلمة الملك “محمد السادس” تلك الرغبة، وذلك وفقًا لما قاله بأن “أمن الجزائر من أمن المغرب”، وبالتالي فإن ضروريات الجوار الجغرافي تحتم المزيد من التنسيق المشترك في المجال الأمني، والعمل على مواجهة التهديدات المشتركة كالجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات، ومن ثم فإن التعبير عن الارتباط الكبير لأمن البلدين يُعبر عن إدراك المغرب للمصير المشترك مع الجزائر.

ختامًا؛ لقد جاء خطاب العاهل المغربي ليحمل رسائل مختلفة تبدي رغبة المملكة في التفاعل الإيجابي مع الجزائر، ويستهدف بصورة كبيرة فتح صفحة جديدة بين الجانبين، ويتم التعامل في ضوء المصلحة والبراجماتية وفي ظل المتغيرات التي شهدتها المنطقة؛ غير أن نجاح هذا المسار يكمن بالضرورة في اتخاذ البلدين خطوات تنفيذية لتصفية القضايا الخلافية التقليدية وإعادة التفاعل البناء مرة أخرى.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at