وحدة الدراسات الاقتصادية

آفاق وتحديات النقل التشاركي في مصر

شهدت ظاهرة النقل التشاركي انتشارًا واسع النطاق خلال السنوات القليلة الماضية، وباتت الشركات السباقة في هذا القطاع تُقيَّم بمئات المليارات من الدولارات، وساهم اتساع حجم المدن في تضاعف حجم القطاع ليقدر حجمه بأكثر من 70 مليار دولار عالميًا بحسب تقديرات شركات الأبحاث العالمية، ومن المتوقع أن تنمو قيمة السوق إلى 150 مليار دولار بحلول 2026، على أن يأتي النمو الأكبر من الأسواق الآسيوية، لا سيما الصين والهند. وتعد شركة ديدي الصينية أكبر الشركات في هذا القطاع بتقييم بلغ 80 مليار دولار، تلتها شركة أوبر التي تأسست في عام 2009 والتي تقدر قيمتها بنحو 60 مليار دولار، وتأتي شركة Grab الماليزية…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

شهدت ظاهرة النقل التشاركي انتشارًا واسع النطاق خلال السنوات القليلة الماضية، وباتت الشركات السباقة في هذا القطاع تُقيَّم بمئات المليارات من الدولارات، وساهم اتساع حجم المدن في تضاعف حجم القطاع ليقدر حجمه بأكثر من 70 مليار دولار عالميًا بحسب تقديرات شركات الأبحاث العالمية، ومن المتوقع أن تنمو قيمة السوق إلى 150 مليار دولار بحلول 2026، على أن يأتي النمو الأكبر من الأسواق الآسيوية، لا سيما الصين والهند.

وتعد شركة ديدي الصينية أكبر الشركات في هذا القطاع بتقييم بلغ 80 مليار دولار، تلتها شركة أوبر التي تأسست في عام 2009 والتي تقدر قيمتها بنحو 60 مليار دولار، وتأتي شركة Grab الماليزية من بين الشركات المعروفة التي تعمل في ست دول هي: ماليزيا، وإندونيسيا، وفيتنام، والفلبين، وتايلاند، وسنغافورة، إلى جانب عدد من الشركات الكبرى مثل ليفت الأمريكية وكذلك شركة GoJek الإندونيسية التي تسمح للركاب بحجز دراجة نارية كوسيلة نقل لأنها شائعة في البلاد بسبب حركة المرور الكثيفة. أما في أمريكا اللاتينية فشركة Easy Taxi البرازيلية هي الخيار الأول، وهي تعمل في 170 مدينة وفي عدد كبير من دول القارة منها بوليفيا وتشيلي وكولومبيا.

تطور أعداد وتمويل المنصات الرقمية حول العالم

منذ عام 2010، كان هناك ارتفاع بمقدار خمسة أضعاف على مستوى العالم في عدد منصات العمل الرقمية، حيث ارتفعت من 142 على الأقل عام 2010 إلى أكثر من 777 عام 2020، سواء تلك المنصات التي تسهل العمل عبر الإنترنت، أو تشرك العمال بشكل مباشر لتقديم خدمات السيارات، والتوصيل، والخدمات المنزلية والرعاية.

ويشير الشكل التالي إلى تطور أعداد منصات العمل الرقمية بمختلف أنواعها خلال 20 عامًا (الفترة 2000-2020)، حيث تصدرت منصات النقل التشاركي إجمالي أعداد المنصات منذ عام 2016/2017 لتحل محل منصات التوظف التي كانت متصدره إجمالي أعداد المنصات منذ عام 2000.

وفيما يخص توزيع التمويل، فقد حصل قطاع النقل التشاركي على أكبر قدر من التمويل بين منصات العمل الرقمية التي تمكّنت من العمل والتوسع على الرغم من الخسائر المالية. ويتركز بين عدد قليل من الشركات، وقد تم تمويل نمو منصات العمل الرقمية إلى حد كبير من خلال صناديق رأس المال الاستثماري. ويوضح الشكل التالي إجمالي الاستثمارات الذي حصلت عليه القطاعات المختلفة من واقع الشركات العاملة في المجال خلال الفترة (1999-2020) بالمليار دولار. 

قطاع النقل التشاركي في مصر

شهد قطاع النقل التشاركي في مصر تطورًا إيجابيًا في الفترة الأخيرة، فقد ساهمت تلك التطبيقات في حل مشكلة انتقال الأفراد بالمدن الكبرى، والحد من التكدس في المواصلات العامة. والذي قاده عدد من شركات تطبيقات النقل التشاركي الأجنبية وتبعها دخول شركات محلية في مقدمتها “شركة سويفل” المحلية الناشئة المتخصصة في خدمات النقل الجماعي التشاركي التي نجحت في إعادة ترسيم القطاع من خلال إدراك الفرص، وتقديم خدمات متنوعة لتلائم قطاعات أوسع من المستهلكين، فقد بدأ استخدام الميني باص، والتروسكل، بجانب العربات الملاكي، كما توسعت سويفل في السوق العالمية ودخلت كينيا وباكستان.

وفيما يخص الإطار التشريعي والقرارات التنظيمية، تم إصدار القانون رقم 87 لسنة 2018 بشأن تنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات، ويعمل في مصر عدد من الشركات في مقدمتها شركة أوبر، وكريم، وسويفل، وهناك العديد من الشركات الجديدة في المجال تظهر من حين لآخر، فقد ظهرت إعلانات شركة دوبسي للنقل الجماعي التشاركي ثم اختفت معظمها فيما بعد وندرت الأخبار عن الشركة التي لم ترَ النور، كما تستعد مؤخرًا شركة القاهرة لتطبيقات المحمول “أوفا” للدخول في مجال النقل التشاركي في القاهرة والجيزة، وتعد مصر من أكبر عشرة أسواق لشركة “أوبر” على مستوى العالم، حيث ينتمي للشركة نحو 90 ألف سائق نشط في مصر، وتعمل في نحو نصف محافظات الجمهورية.

أهم تحديات سوق النقل التشاركي في مصر

على الرغم من التطورات الإيجابية التي تشهدها سوق النقل التشاركي في مصر، إلا أن ثمة بعض التحديات التي قد تحد من عمل الشركات الموجودة أو تحد من توسع القطاع بدخول منافسين جدد، وهي:

  • الأطر التشريعية والتنظيمية: بالرغم من محاولات الحكومة تقنين أوضاع شركات النقل التشاركي من خلال إصدار القانون رقم 87 لسنة 2018 بشأن تنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات، والوصول إلى تسوية المنازعات الضريبية مع شركة أوبر؛ إلا أن أسلوب احتساب ضريبة القيمة المضافة على هذه التطبيقات باختلاف نوع الخدمات لا يزال محل تساؤل، خاصة مع إلزام السائقين بدفع ضريبة على الدخل بما يحمل عبء الازدواج الضريبي، بما قد يدفع تلك الشركات إلى نقل مقرات تشغيلها أو ما يعرف بالسيرفرات إلى دول أخرى للتمتع بمعاملة ضريبية أكثر تساهلًا.
  • الممارسات غير العادلة من قبل الشركات الكبرى، والتي تتمثل في التشغيل بأسعار أقل من التكلفة الفعلية، الأمر الذي يؤثر على دخول منافسين جدد أو استمرار الشركات الصغيرة ذات الموارد المحدودة. على سبيل المثال، استمرار تكبد شركة أوبر لخسائر متتالية منذ الطرح العام لأسهمها، وذلك لتقديم منتجاتها بأسعار منخفضة للغاية للتوسع في حجم خدماتها على حساب الأرباح المحققة بهدف غلق السوق أمام دخول منافسين جدد إلى أن يتم الانفراد بالسوق ليتم بعدها إعادة تسعير الخدمة، هذا بخلاف صفقات الاستحواذ بين الشركات الكبرى كما حدث بين شركتي أوبر وكريم، ولكن هذا قد لا يستمر طويلًا مع الإعلان مؤخرًا عن بدء دخول منافسين جدد مثل شركة أوفا، كما أن هذا الأمر قد لا ينطبق بصورة كبيرة في مصر، حيث تحاول الشركات العاملة في مصر التركيز على شريحة محددة من المستهلكين باستخدام نوع معين من خدمات الانتقال. على سبيل المثال، استخدام الحافلات أو العربات الميكروباص للنقل، كما يحمل اختلاف النطاقات الجغرافية للتغطية.
  • يأتي التحدي الثالث المتعلق بالتمويل، فهذه النوعية من المشروعات أو ريادة الأعمال تحتاج أساليب تمويل غير تقليدية لمساندتها في انطلاقتها الأولى وضمان استمرارها حتى تتمكن من تحقيق الكفاءة، وهي على الأغلب مرتبطة بالحجم، وبالتالي تحقيق أرباح فيما بعد، فالتوسع الذي قامت به الشركات قد حدث بسبب طفرة في الاستثمارات أتت إما من خلال طرح عام مثل حالة أوبر مؤخرًا، أو من خلال استثمارات رأس مال مخاطر هو حال كافة التطبيقات المطروحة.

وختامًا، يمكن القول إن السوق المصرية لا تزال بحاجة إلى مزيد من التغطية من قبل خدمات النقل والانتقال لمواجهة تحديات حركة الأفراد والبضائع. وبناء عليه، فإن أهم ما يجب أن تعمل عليه الدولة في الوقت الحالي هو التأكد من اتساق الأطر التشريعية والتنظيمية لتشجيع بقاء محركات التحكم الخاصة بتلك التطبيقات داخل الدولة كي يتم الاستفادة ضريبيًا واقتصاديًا من خلال احتساب قيمتها المضافة داخل الناتج المحلي وتوسعاتها الداخلية ضمن الصادرات التكنولوجية.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية