هل توقفت الهجرة إلى المدن؟

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

انطلق أكبر مشروع لتنمية الريف المصرى. مدة المشروع ثلاث سنوات، نستكمل فى نهايتها تطوير أكثر من 4700 قرية، يعيش فيها 57% من المصريين، وهم المصريون الذين تبين الإحصاءات القومية أنهم يسكنون فى ريف مصر، بينما يعيش 43% الباقون فى المدن والحواضر المصرية. اللافت للنظر أن هذا التوزيع لسكان مصر بين الريف والحضر لم يتغير منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما يشهد العالم كله نموا مطردا فى سكان المدن، وتناقصا متواصلا فى سكان الريف. فكيف نفهم هذه المفارقة؟ حسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فقد مثل سكان الريف فى مصر، فى عام 1947،ما نسبته 69% من جملة السكان. شهدت السنوات…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

انطلق أكبر مشروع لتنمية الريف المصرى. مدة المشروع ثلاث سنوات، نستكمل فى نهايتها تطوير أكثر من 4700 قرية، يعيش فيها 57% من المصريين، وهم المصريون الذين تبين الإحصاءات القومية أنهم يسكنون فى ريف مصر، بينما يعيش 43% الباقون فى المدن والحواضر المصرية. اللافت للنظر أن هذا التوزيع لسكان مصر بين الريف والحضر لم يتغير منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما يشهد العالم كله نموا مطردا فى سكان المدن، وتناقصا متواصلا فى سكان الريف. فكيف نفهم هذه المفارقة؟

حسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فقد مثل سكان الريف فى مصر، فى عام 1947،ما نسبته 69% من جملة السكان. شهدت السنوات التالية تراجعا مضطردا فى نسبة سكان الريف، فوصلت فى عام 1960 إلى 62.3%، ثم إلى 55.5% فى عام 1986. كفت نسبة سكان الريف عن التغير منذ ذلك الحين، بل إنها زادت بعض الشيء، فوصلت إلى 57.6% فى تعداد عام 2017.

على العكس من ذلك، فإن نسبة سكان المدن وأهل الحضر فى العالم تزيد بلا توقف، بينما تتراجع نسبة السكان من أهل الريف. فبينما كان سكان الريف يمثلون 66.4% من سكان العالم عام 1960، فقد تساوى عدد سكان الحضر مع سكان الريف منذ عام 2006، أما فى عام 2017 فقد تراجعت نسبة سكان الريف إلى45.2%، ثم تراجعت مرة أخرى إلى 43.8% فى عام 2020.

التحضر المتزايد هو ظاهرة شاملة فى كل دول العالم بلا استثناء تقريبا، وهو مع التصنيع والتعليم يمثلون أهم القوى الدافعة لتحديث المجتمعات. أسرع معدلات التحضر نجدها فى البلدان النامية فى قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية السريعة فى هذه البلاد تشجع السكان على الهجرة من الريف إلى المدن بحثا عن الوظائف والتعليم والترفيه والخدمات. أما فى البلاد المتقدمة فى أوروبا وأمريكا الشمالية، والتى حققت بالفعل مستوى عاليا جدا من التحضر، فإن معدلات زيادة سكان الحضر تكون محدودة جدا، نظرا لاستقرار الهياكل الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى توافر مستوى مناسب من الخدمات فى الريف.

تحتل مصر الترتيب 135 بين دول العالم من حيث متوسط دخل الفرد، لكن نسبة سكان الريف فيها أعلى كثيرا من الدول القريبة منها على هذا المؤشر. المرتبة 133 تحتلها أوكرانيا، وفيها يبلغ سكان الريف 30.4% فقط من السكان، وهى نفس النسبة فى تونس التى تحتل المرتبة 139 على مقياس متوسط الدخل. الأردن تحتل المرتبة 126 على مقياس متوسط الدخل، وفيها تبلغ نسبة سكان الريف أقل من 9%، أما فى إندونيسيا صاحبة الترتيب 127، فتبلغ نسبة سكان الريف فيها أقل من 44% من السكان.

التحضر هو هجرة السكان من الريف إلى المدن، بحثا عن التعليم والوظائف والترفيه والخدمات والسكن الملائم وتحسين الدخل. قطاعات الصناعة والخدمات هى الأكثر توليدا للوظائف مرتفعة الأجر، بينما الاستخدام المتزايد للماكينات فى أعمال الرى والحصاد وغيرها من الأنشطة الزراعية يقلل من فرص العمل الجديدة التى يضيفها قطاع الزراعة. لقد تراجعت نسبة السكان العاملين فى الزراعة فى مصر حتى وصلت إلى 21% فقط، ومع هذا فإن سكان الريف يمثلون 57% من السكان، مما يشير إلى انفصام العلاقة بين الريف والزراعة، وأن كثيرا مما نعتبره ريفا هو فى الحقيقة تجمعات بشرية، يعتمد أهلها على الخدمات والصناعة والحرف، وليس على الزراعة، على عكس ما يوحى به تصنيفها باعتبارها ريفا، ووصف الوحدات المكونة لها باعتبارها قرى.

ركود معدلات التحضر عندنا هو ظاهرة فريدة لافتة للنظر، كما لو كانت الهياكل الاقتصادية والاجتماعية فى بلادنا قد وصلت إلى مرحلة النضج والاستقرار، مثلما هو الحال فى البلاد المتقدمة، وهذا على الأرجح غير صحيح. هجر المصريون مهنة الزراعة، كما هجرها الفلاحون فى كل مكان فى العالم، غير أنه لا يبدو أن المصريين قد هجروا القرية كمكان للسكان، فظلوا يعيشون فيها، حتى بعد أن انصرفوا عن الزراعة. تغيرت طبيعة القرية المصرية عما كانت عليه قبل عقود، ولم تعد الزراعة هى النشاط شبه الوحيد لأهلها، بعد أن سكن فيها موظفون ومدرسون وتجار ومهنيون، يبيعون سلعا ويقدمون خدمات كانت حكرا على المدن حتى وقت غير بعيد.

لقد انفصمت العلاقة بين الزراعة والريف إلى حد بعيد. ينطبق هذا بشكل خاص على القرى القريبة من المدن الكبرى، والتى تحولت إلى أحياء سكنية ملحقةبالمدينة، بعد أن فقدت جانبا كبيرا من أراضيها الزراعية للبناء، وبعد أن سكنتها طبقات لا تعمل بالفلاحة. ما حدث فى كفر طهرمس وزنين والمعتمدية، وعشرات القرى المحيطة بالقاهرة، حدث فى مئات القرى المحيطة بطنطا والمنصورة والمحلة وأسيوط والمنيا، رغم أن التقسيم الإدارى عندنا مازال يعتبرها جزءا من الريف، ويصفها بأنها قرى.

أظن أن التحضر يتزايد فى مصر مثلما يتزايد فى كل دول العالم النامى، إلا أنه عندنا لا يأخذ شكل الهجرة من الريف إلى المدينة، بقدر ما يأخذ شكل استعارة بعض مظاهر التحضر، ومزجها بالحياة الريفية فى القرى القريبة، فلا هى بقيت قرية ولا تحولت إلى مدينة، رغم أن التقسيمات الإدارية عندنا مازالت تصنفها على أنها قرية، وتصف سكانها بالريفيين، وهى تعريفات تحتاج إلى مراجعة من أجل فهم أدق لمجتعنا وما يجرى فيه من تغيرات.

نقلا عن جريدة الاهرام 5 أغسطس 2021

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب