وحدة الدراسات الاقتصادية

بيئة نظيفة: الاستثمار المصري والعالمي في الطاقة المتجددة

منذ الثورة الصناعية والوقود الأحفوري يهيمن على مزيج الطاقة في معظم البلدان في جميع أنحاء العالم، وهو الأمر الذي خلف آثارًا كبيرة على المناخ العالمي وعلى صحة الإنسان، فمن ناحية نجد أن ثلاثة أرباع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية ناتجة عن حرق الوقود الأحفوري من أجل الحصول على الطاقة، ومن ناحية أخرى فإن الوقود الأحفوري مسئول عن كميات كبيرة من تلوث الهواء المحلي، وهي مشكلة صحية تؤدي إلى ما لا يقل عن 5 ملايين حالة وفاة مبكرة كل عام. وبتسليط الضوء على حجم الضرر الناجم عن استهلاك الوقود الأحفوري، توجه العالم نحو البحث عن مصادر طاقة منخفضة الكربون والمتمثلة في…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

منذ الثورة الصناعية والوقود الأحفوري يهيمن على مزيج الطاقة في معظم البلدان في جميع أنحاء العالم، وهو الأمر الذي خلف آثارًا كبيرة على المناخ العالمي وعلى صحة الإنسان، فمن ناحية نجد أن ثلاثة أرباع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية ناتجة عن حرق الوقود الأحفوري من أجل الحصول على الطاقة، ومن ناحية أخرى فإن الوقود الأحفوري مسئول عن كميات كبيرة من تلوث الهواء المحلي، وهي مشكلة صحية تؤدي إلى ما لا يقل عن 5 ملايين حالة وفاة مبكرة كل عام.

وبتسليط الضوء على حجم الضرر الناجم عن استهلاك الوقود الأحفوري، توجه العالم نحو البحث عن مصادر طاقة منخفضة الكربون والمتمثلة في التقنيات النووية ومصادر الطاقة المتجددة، حيث أعلنت العديد من الدول والمدن والمرافق والشركات عن خطط إزالة الكربون أو متابعتها، خاصة عام 2020، على الرغم من ظهور جائحة عالمية وركود اقتصادي، وحتى بدون وجود حافز مباشر لتطوير البنية التحتية الخضراء في تدابير التحفيز الاقتصادي التي تم تمريرها استجابة لـ(ـكوفيد-19)، أثبت الطلب على الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة مرونة، حيث سجلت مصادر الطاقة المتجددة والتخزين انخفاض التكاليف وزيادة عوامل السعة والاستخدام. علاوة على ذلك، فقد تفوقت مصادر الطاقة المتجددة على مصادر توليد الكهرباء الأخرى.

وخطت مصر خطوات فعلية نحو استخدام الهيدروجين الأخضر، حيث نفذت عدة مشاريع في هذا النطاق، وعززت الاستثمارات في مصادر الطاقة النظيفة وبشكل خاص الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي تتمتع فيها مصر بإمكانيات هائلة.

الاستثمار في إمدادات الطاقة العالمية حسب القطاع

بحسب تقرير نشرته الوكالة الدولية للطاقة، فإنه سيزداد الاستثمار العالمي في قطاع الطاقة بنحو 5٪ في عام 2021 إلى أكثر من 820 مليار دولار أمريكي، وتجدر الإشارة إلى أنه من المرجح أن تستحوذ مصادر الطاقة المتجددة التي تقودها الطاقة الشمسية على 70٪ من الـ 530 مليار دولار المتوقع إنفاقها على جميع قدرات التوليد الجديدة.

وبفضل التحسينات التكنولوجية السريعة وخفض التكاليف، ينتج عن الدولار الذي يتم إنفاقه على نشر طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية اليوم أربعة أضعاف الكهرباء التي ينفقها الدولار على نفس التقنيات قبل عشر سنوات، وجدير بالذكر أن تكاليف تركيب أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية انخفضت على نطاق المرافق بنسبة 10٪ في عام 2020، بينما انخفضت تكاليف تركيب أنظمة الرياح بنسبة 5٪ على أساس المتوسط ​​العالمي. ويبين الجدول التالي الاستثمار في إمدادات الطاقة العالمية حسب القطاع: 

جدول رقم (1): الاستثمار في إمدادات الطاقة العالمية حسب القطاع خلال الفترة 2019-2021

القيمة: بالمليار دولار

المصدر: الوكالة الدولية للطاقة.

يُبين الجدول السابق الازدهار الواضح في تطور حجم الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة مقارنة بالاستثمارات التي تم ضخها في مصادر الطاقة الأخرى، حيث ارتفعت الاستثمارات في الطاقة المتجددة من 336 مليار دولار عام 2019، مرورًا بحجم استثمارات بلغ 359 مليار دولار عام 2020، وتوقعات بأن يواصل الارتفاع ليصل إلى 367 مليار دولار ليفوق حتى الاستثمارات الموجهة في استكشاف وإنتاج النفط والغاز.

وتجدر الإشارة إلى أن الصين ساهمت في رفع معدلات الإنفاق على مصادر الطاقة المتجددة عام 2020، وعلى رأسها الاستثمار في طاقة الرياح، وكذلك الولايات المتحدة وأوروبا.

وكان قطاع الكهرباء أيضًا محركًا رئيسيًا للإنفاق الاستثماري من قبل المستهلكين النهائيين، فمن المتوقع أن يزداد الاستثمار في قطاع الكهرباء العالمي بحوالي 5٪ في عام 2021، وقد أدى الوباء إلى تراجع الاستثمار في هذا القطاع في عام 2020.

وتستمر مبيعات السيارات الكهربائية في الارتفاع جنبًا إلى جنب مع انتشار عروض النماذج الجديدة من قبل شركات صناعة السيارات بدعم من أهداف الاقتصاد في استهلاك الوقود وتفويضات المركبات الخالية من الانبعاثات، وتوفر استراتيجيات التعافي من فيروس كورونا فرصة كبيرة لتعزيز الاستثمار في البنية التحتية والكفاءة وتقنيات الطاقة النظيفة، وبعد التراجع في عام 2020، من المتوقع أن يرتفع الإنفاق على شبكات الكهرباء في عام 2021، بقيادة الصين وأوروبا.

وتحفز السياسات والإنفاق التحفيزي المشاريع في مجالات جديدة مثل استخدام الهيدروجين واستخدام وتخزين الكربون، وحققت شركات الطاقة النظيفة أداءً جيدًا في الأسواق المالية، حيث تفوقت شركات الطاقة المتجددة على كل من شركات الوقود الأحفوري المدرجة ومؤشرات أسواق الأسهم العامة في السنوات الأخيرة، وبتقلب أقل.

مصر وجهود توسيع نطاق انتشار الطاقة المتجددة بها

أفصحت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة عن استراتيجيتها المتعلقة بقطاع الطاقة حتى عام 2035، وتضمنت الاستراتيجية تنويع مصادر الطاقة لتلعب فيها الطاقة المتجددة دورًا محوريًا، لتساهم بنسـبة 42% مـن إجمالي قـدرة الطاقـة بحلـول عـام 2035، وتُعد طاقة الرياح والطاقة الشمسية أهم مصادر الطاقة المتجددة غير المستغلة بشكل واسع في مصر.

ووفقًا لهيئة الطاقة المتجددة التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، فقد استهدفت استراتيجية الطاقة المتجددة الوصول إلى نسبة 20% من إجمالي الطاقة المتجددة المستخدمة في توليد الكهرباء في عام 2022، والنهوض بالنسبة بشكل تدريجي حتى تصل إلى 42% بحلول عام 2035. ويبين الشكل التالي مصادر إنتاج الكهرباء وفقًا لاستراتيجية الطاقة المتجددة المستهدفة:

شكل رقم (1): مصادر إنتاج الكهرباء وفقًا لاستراتيجية الطاقة المتجددة المستهدفة خلال عام 2022

 المصدر: هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة.

وبحسب الهيئة العامة للاستعلامات، فقد تم خلال عام 2020 الموافقة على تنفيذ 691 مشروعًا في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة والمياه والنقل، وفي إطار تشجيع الدولة على استخدام مصادر الطاقة المتجددة تم الإعلان عن شهادات نجمة خضراء للفنادق التي تطبق سياسات صديقة للبيئة، كما طرحت أول سندات خضراء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بقيمة 750 مليون دولار وذلك لتمويل مشاريع الاستثمار في الطاقة النظيفة.

ومن المشاريع التي تم الإعلان عنها في هذا الصدد بحسب الهيئة، تحويل 85 بئرًا تعمل بالديزل إلى التشغيل بالطاقة الشمسية بالوادي الجديد، وتم الانتهاء بالفعل من تحويل 60 بئرًا بالوادي الجديد من ديزل إلى طاقة شمسية بإجمالي 112 مليون جنيه، وأعلنت الهيئة أيضًا عن أن إجمالي الطاقة الشمسية المولدة من المحطات الصغيرة غير المرتبطة بالشبكة القومية للكهرباء بلغ نحو 132 ميجاوات بنهاية العام الماضي 2020، موضحا أن تلك الطاقات تنقسم إلى محطات بقدرة 32 ميجاوات غير مرتبطة بالشبكة بعضها في مصانع وأخرى في أماكن نائية لإنارة تلك الأماكن.

أيضًا طرحت الهيئة ٣ مشروعات وفي حيز التنفيذ، وتشمل مشروعَيْ طاقة شمسية ورياح، بالإضافة إلى مناقصة طرحتها الهيئة مؤخرًا لأعمال التشغيل والصيانة لمشروع طاقة رياح بقدرة ١٢٠ ميجاوات بموقع الهيئة بجبل الزيت في البحر الأحمر، ولمدة ٥ سنوات، حيث تم بدء التركيبات بالمشروع في عام ٢٠١٦.

وتم توقيع اتفاقية تمويل تنموي و3 مذكرات تفاهم بين البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومصر، بهدف تنفيذ برنامج البنك الرائد “المدن الخضراء”، ويعد مشروع الضبعة النووي خطوة لتنفيذ المرافق والخدمات والرصيف البحري والمدينة السكنية بما يوفر الطاقة النظيفة ويدعم عملية التنمية.

فضلًا عن ذلك سعت مصر للتعاون الخارجي في مجال الطاقة المتجددة، حيث تضمنت مناقشة بين وزارة التخطيط والمؤسسة الإفريقية للتمويل والصندوق السيادي لبحث سبل التعاون في مجال الطاقة المتجددة. أيضًا تم الإعلان مؤخرًا عن شراكة بين مصر وألمانيا في مجال الهيدروجين الأخضر الذي يعد أحد أنظمة الطاقة النظيفة الصديقة للبيئة، وتتطلع مصر لتصديره لما تتمتع به من إمكانيات في هذا المجال. كما وقّعت مصر مع فرنسا اتفاقيات تعاون لدعم تنمية سياسات قطاع الطاقة، وتم بحث سبل التعاون بين مصر وأستراليا في مجال الكهرباء والطاقة المتجددة، كما سعت بريطانيا من خلال مستثمريها لبحث سبل التعاون مع مصر في مجال الطاقة المتجددة، وغيرها من الجهود التي تبذلها الحكومة المصرية بهذا الخصوص.

وبالرغم من تلك الأرقام المشجعة على التحول للطاقة النظيفة، إلا أن الإنفاق التحفيزي على تقنيات الطاقة النظيفة لا يرقى إلى المستوى المطلوب. وبشكل عام، ما زالت العديد من البلدان النامية تفتقر إلى الوسائل لمتابعة استراتيجيات التعافي التوسعية من (كوفيد-19)، وهو الامر الذى قد يؤخر من تنفيذ استثمارات موسعة فى مجال الطاقة المتجددة ، وفي الوقت نفسه تُعد الجهود التي تبذلها مصر نموذجًا رائدًا في التحول نحو تعزيز استخدام الطاقة المتجددة والاستثمار في المشروعات صديقة البيئة، خاصة مع تمتع مصر بميزة توفر مصادر الطاقة النظيفة وبشكل خاص في مجال الطاقة الشمسية، وهو ما دفع العالم لترشيح مصر لتكون البلد المستضيف والقائد للاجتماع القادم لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ “كوب 27” عام 2022.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية