وحدة الأمن السيبراني

“ميتاڤيرس”: ثورة الإنترنت الجديدة؟

يمكن وصف تقنية “ميتاڤيرس” بأنها الثورة المقبلة في تطور الإنترنت، لأنها تتأسس على رؤية جديدة للمستقبل من ناحية، ولأنها تهدف إلى تحويل الخيال العلمي إلى واقع معاش من ناحية ثانية. وقد حظيت تلك التقنية باهتمام واسع في مجال ألعاب الهواتف الذكية، بيد أنها حظيت بدفعة كبرى عقب إعلان شركة “فيسبوك” عن الاستثمار فيها؛ إذ يهدف “مارك زوكربيرج” -خلال السنوات القادمة- إلى تحويل شبكته الاجتماعية إلى شركة متخصصة في العوالم الافتراضية العملاقة، بل ودمج مختلف أدوات ومنصات “فيسبوك” في تجربة شاملة تبني مجموعة من التطبيقات الاجتماعية المتصلة وبعض الأجهزة الداعمة لها، الأمر الذي أعلنه “زوكربيرج” خلال إعلان شركة “فيسبوك” عن أرباحها…

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

يمكن وصف تقنية “ميتاڤيرس” بأنها الثورة المقبلة في تطور الإنترنت، لأنها تتأسس على رؤية جديدة للمستقبل من ناحية، ولأنها تهدف إلى تحويل الخيال العلمي إلى واقع معاش من ناحية ثانية. وقد حظيت تلك التقنية باهتمام واسع في مجال ألعاب الهواتف الذكية، بيد أنها حظيت بدفعة كبرى عقب إعلان شركة “فيسبوك” عن الاستثمار فيها؛ إذ يهدف “مارك زوكربيرج” -خلال السنوات القادمة- إلى تحويل شبكته الاجتماعية إلى شركة متخصصة في العوالم الافتراضية العملاقة، بل ودمج مختلف أدوات ومنصات “فيسبوك” في تجربة شاملة تبني مجموعة من التطبيقات الاجتماعية المتصلة وبعض الأجهزة الداعمة لها، الأمر الذي أعلنه “زوكربيرج” خلال إعلان شركة “فيسبوك” عن أرباحها الفصلية. وهو ما طرح في مجمله تساؤلات عن طبيعة “ميتاڤيرس” واستخداماتها الممكنة ومخاطرها المحتملة.

التعريف والماهية

يرجع الفضل إلى الكاتب “نيل ستيفنسون” (Neal Stephenson) في ظهور مصطلح “ميتاڤيرس” لأول مرة، وتحديدًا في روايته (Snow Crash) في عام 1992، واصفًا به عالمًا افتراضيًا ضخمًا للغاية. كما تناولته رواية (Ready Player One) للكاتب “إيرنست كلاين” الصادرة في 2011، وهي الرواية التي حولها المخرج العالمي “ستيفين سبيلبيرج” (Steven Spielberg) إلى فيلم في 2017. وبشكل عام، لا تعدو تقنية “ميتاڤيرس” كونها بيئة افتراضية تُمكّن المستخدمين من التواجد مع بعضهم بعضًا في مساحات رقمية مجسمة يتفاعلون معها وكأنهم بداخلها فعليًا، إذ لا يقتصر الأمر على مشاهدة تلك المساحات الرقمية فحسب، لكون الأخيرة أقرب ما تكون إلى نسخة مُجسّدة من الإنترنت على نحو يُمكّن المستخدمين من الرقص داخل فيديوهاتهم المفضلة -على سبيل المثال- لا مشاهدتها فحسب. 

ومن الجدير بالذكر أن هناك تباينًا واضحًا في تعريفات “ميتاڤيرس” من شخص لآخر ومن منصة لأخرى؛ إذ يشير أحد التعريفات إلى أنها الدامج بين العالمين الحقيقي والافتراضي بالاعتماد على تقنيات الواقعين المعزز والافتراضي. ويشير تعريف ثانٍ إلى كونها عالمًا افتراضيًا يُمكّن شخصية المستخدم الرقمية من التواجد والتفاعل في مساحة جديدة بالكامل. ولذا، فإنها أقرب ما تكون إلى الإصدار الشامل في مساحة رقمية مهولة. وقد تُدوولت تقنية “ميتاڤيرس” في أدبيات الخيال العلمي والعوالم الافتراضية بكثرة، بيد أن طبعتها الجديدة تشير إلى عالم افتراضي يُمكن للمستخدم العيش فيه والعمل من خلاله واللعب بداخله من خلال استخدام نظارات ذكية تنقل المستخدمين إلى عالم رقمي يجعل كل شيء ممكنًا. وحتى الآن، تبدو تلك النظارات أشبه ما تكون إلى الخوذة منها إلى النظارة الطبية، وهو ما تسعى شركة “فيسبوك” لتطويره وإتاحته للتغلب على محدوديته النسبية. 

وتعد شركة “أوكيلوس” (Oculus) الناشئة (التي استحوذت عليها شركة “فيسبوك” في مارس 2014 في صفقة قوامها 2 مليار دولار) واحدة من أبرز المستثمرين في هذا النوع من النظارات الذكية بشكل خاص، وفي تقنيات الواقع الافتراضي بشكل عام. ولذا، تعتبر نظارة “أوكيلوس كويست 2” هي حجر الزاوية في جهود “فيسبوك” للاستثمار في العالم الافتراضي، لأنها تقدم تجربة خالية من الأسلاك، وتضمن حرية حركة المستخدمين في مساحة تصل إلى 5 أمتار، وتتيح عوامل راحة عدة تُمكّن من ارتدائها لفترات طويلة، وتعتمد على وحدة معالجة داخلية للبيانات والرسومات، والأهم من ذلك كله هو ميزة (Oculus Link) التي تتيح ربط النظارة بالإنترنت. ولهذه الميزات مجتمعة، وصل عدد الألعاب المتوفرة داخل عالم نظارات “أوكيلوس” في شهر فبراير الماضي إلى 60 لعبة، تجاوزت أرباح 29 لعبة منها مليون دولار.

سمات بارزة

يمكن الوقوف على أبرز سمات “ميتاڤيرس” في جملة من النقاط، وذلك على النحو التالي:

1- إذابة الفواصل: ضخت شركة “فيسبوك” مليارات الدولارات في تقنيات الواقعين المعزز والافتراضي سعيًا لعالم “ميتاڤيرس” الذي يذيب الحدود الفاصلة بين العوالم المختلفة، ويشمل محتويات كلا الواقعين إلى جانب المحتوى المعروض على أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، مما يعني أن بإمكان الجميع الاستمتاع والمشاركة في هذه التقنية الجديدة.

2- استخدامات متعددة: لن تقتصر تقنية “ميتاڤيرس” بطبيعة الحال على الألعاب والتسلية، إذ يمكن لجميع مكونات الإنترنت والابتكارات التقنية أن تكون جزءًا منها، كما يُمكن للمستخدمين توظيفها لأغراض العمل والدراسة والاجتماعات والتسلية. ولهذا السبب، لا يمكن لأي من الشركات السيطرة عليها، فهي عالم مكون من عناصر لا نهاية لها على نحو يُمكّن جميع الشركات والمطورين وصناع المحتوى والمصممين من التعاون معًا لإنشائها. ومع هذا، تظل ألعاب الواقع الافتراضي هي ركنها الركين.

3- تطوير مستمر: تقدم شركة “فيسبوك” جملة من منتجات “ميتاڤيرس” الجديدة بما في ذلك أدوات صانع المحتوى والأطر الافتراضية والميزات الاجتماعية المتقدمة. كما ركزت مختبراتها على بناء المنتجات التي تمكن من التواجد عبر مساحات رقمية، ومن ذلك على سبيل المثال أجهزة (Portal) و(Oculus) التي تمكن المستخدم من الانتقال إلى غرفة ما مع شخص آخر بغض النظر عن المسافة المادية بينهما. ومع هذا، فإن التحول إلى عالم “ميتاڤيرس” يتطلب مزيدًا من الاستثمارات في بناء النسيج الضام لمختلف المساحات الافتراضية في تحدٍ واضح لقوانين الفيزياء، مما يستلزم إنشاء بارامترات أضحت هي محور تركيز الشبكات الاجتماعية. وبشكل عام، توفر تلك التقنية فرصة هائلة للمبدعين والمطورين من ناحية، والأفراد الذين يرغبون في العمل وامتلاك منازل بعيدة عن المراكز الحضرية من ناحية ثانية، والأشخاص الذين يعيشون في دول تتراجع فيها جودة التعليم والعمل من ناحية ثالثة.

4- نقلة نوعية: في رؤية “زوكربيرج” فإن “ميتاڤيرس” هي رؤية لصناعة متكاملة، وهي خليفة إنترنت الهواتف المحمولة. فقد كان هذا المصطلح خياليًا بالكامل عندما ظهر للمرة الأولى، وقد أضحى حقيقة في الحاضر، وسوف يسفر عن نقلة نوعية في غضون 5 سنوات على الأكثر. ولا شك في كونها التقنية المهيمنة على أعمال “وادي السيليكون” والأكثر تداولًا في المجتمع التقني حاليًّا. وقد ازدادت أهميتها عندما أعلنت “فيسبوك” رسميًا عن تأسيس فريق عمل جديد داخل الشركة للعمل عليها. وفي هذا الإطار، قال “زوكربيرج” إن “هذا سيكون جزءًا ضخمًا من الفصل القادم في صناعة التكنولوجيا”.

5- الارتباط بالألعاب الرقمية: لا تعدو ألعاب الهواتف الذكية كونها بيئة خصبة لعالم “ميتاڤيرس”، ولكن لم تبدأ أجهزة الواقع الافتراضي والمعزز في دعم الهواتف الذكية بشكل كامل حتى الآن، ولن يكون ذلك كافيًا عند وصول هذه التقنيات إليها، لأن الأمر يتطلب قدرات تتبع لأجساد اللاعبين حتى يتمكنوا من التفاعل في عالم افتراضي بشكل مماثل للحياة الواقعية، ما يتطلب بدوره دعمًا من الشركات التكنولوجية الكبرى وفي مقدمتها شركتا “جوجل” و”مايكروسوفت”. وتبعًا لصحيفة “نيويورك تايمز”، تمتاز بعض الشركات والمنتجات، بما في ذلك: (Epic Games’s Fortnite) وRoblox)) و(Animal Crossing: New Horizons) ببعض العناصر المشابهة لتقنية “ميتاڤيرس” بشكل متزايد.

6- أرباح متوقعة: لا تعمل شركة “فيسبوك” وغيرها من الشركات في هذا المجال بدافع الابتكار فحسب، ذلك أن نجاح هذه الفكرة سيسمح لها بتحقيق أرباح ضخمة من خلال بيع الأجهزة والمستلزمات الضرورية والسلع الافتراضية المحتمل استخدامها داخل هذا العالم أيضًا من ناحية، وتقديم إعلانات داخل “ميتاڤيرس” نفسها من ناحية ثانية. ولا يعني هذا بالضرورة ارتفاع تكلفة تلك الأدوات أو الأجهزة بالضرورة؛ فقد أكدت “فيسبوك” أنها لن تحاول بيع الأجهزة لتحقيق هامش ربح كبير، بهدف خدمة أكبر عدد ممكن من المستخدمين، ومن ثم مضاعفة حجم الاقتصاد الرقمي بداخلها.

تحديات محتملة

على تعدد سماتها المميزة، تثير “تقنية “ميتاڤيرس” جملة من التحديات والإشكاليات التي يمكن الوقوف عليها في النقاط التالية:

1- بين الإتاحة والاحتكار: تثار تساؤلات عدة عن مدى إتاحة تقنية “ميتاڤيرس” للجميع بمعايير شفافة معلومة، إذ إنه من المتوقع أن تتجه “فيسبوك” على اختلاف ممارساتها الاحتكارية التي باتت محلًا للمقاضاة والتحقيق والانتقادات المتكررة والغرامات المالية إلى احتكار تلك التقنية ولكن في صورة احتكار القلة. فكما سبق القول، لا يمكن لشركة منفردة أن تستثمر في تلك التقنية أو أن تطورها منفردة. وهو ما يثير تساؤلات أخرى على صعيد الصيغة التوافقية المحتملة بين الشركات الكبرى الرائدة في هذا المجال بجانب الشركات العاملة في مجال ألعاب الهواتف الذكية وآثارها على مختلف المستخدمين، بل وحول كيفية إدارة الفضاء الافتراضي، وكيفية تعديل محتوياته، وتأثيره على الشعور المشترك بالواقع. 

2- توحش “فيسبوك”: اقتحمت شركة “فيسبوك” مجالات عدة تجاوزت بكثير كونها شركة تدير واحدة من أبرز منصات التواصل الاجتماعي؛ فقد انخرطت في مجال العملات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وعمليات البيع والشراء، والألعاب الإلكترونية، والابتكار التكنولوجي، والدعاية والإعلان، وغير ذلك. ومع تمدد نشاطها، يتزايد احتياج المستخدمين لها من ناحية، وتنخرط هي في تفاصيل حياتهم اليومية من ناحية ثانية. 

3- خصوصية المستخدمين: اشترطت “فيسبوك” في العام الماضي على مستخدمي نظارات “أوكيلوس” تسجيل دخولهم إلى النظارة عبر حساباتهم على منصة “فيسبوك” التي تربط بياناتهم بحساباتهم عليها، ليسهل استهدافهم بالإعلانات، وذلك في اتجاه مضاد لوعود الشركة لمستخدميها في عام 2014 حين أُبرمت صفقة الاستحواذ عليها من “فيسبوك” كما سبق القول. وتثار المخاوف على خصوصية المستخدمين جراء نظارات الواقعين المعزز والافتراضي اللازمة لدخول عالم “ميتاڤيرس”، ما يعني بالضرورة جمع مزيد من البيانات الحيوية عن المستخدمين على شاكلة بصمات الأعين والكف والوجه، وهي البيانات الحساسة التي قد تتعرض للمتاجرة أو البيع (على شاكلة فضيحة “كامبريدج أنالاتيكا” على سبيل المثال) أو القرصنة والاختراق دون توافر وسائل الحماية اللازمة التي تحول دون ذلك.

4- عدم التبلور: تعتبر التحسينات في معالجات الأجهزة المحمولة وأنظمة الألعاب والبنية التحتية للإنترنت وسماعات الواقع الافتراضي والعملات المشفرة لبنات أساسية لتقنية “ميتاڤيرس”، ومع هذا لا تزال هذه التقنية غير متبلورة بشكل كلي، وقد لا تعمل بكفاءة عقب سنوات من الابتكار والبحث من جهة، وإنفاق مليارات الدولارات من جهة ثانية. وعلى الأغلب، فإن الشركات التي أعلنت عن الاستثمار في تلك التقنية تهدف إلى طمأنة عملائها وزرع القناعة لديهم بأن استثماراتهم في الواقع الافتراضي ستؤتي ثمارها في النهاية. ومهما كانت دوافعها، تظل هناك أسئلة كبرى مثارة على صعيد قضايا الخصوصية، ومدى رغبة المستخدمين في عيش حياتهم داخل محاكاة افتراضية غامرة، ودرجة أمان تلك التقنية بالمقارنة بثغراتها المحتملة، ومدى خطورة التفاعلات الجماعية من بين تساؤلات أخرى.

5- التضليل المحتمل: إن كان ممكنًا استبدال واقع شخص ما بالكامل بواقع بديل، فهل يمكن جعله يصدق أي شيء؟ إذ يعكس هذا السؤال أن المحتوى المتطرف والمضلل والأكاذيب والشائعات التي تلهث شركات ومنصات التواصل الاجتماعي لمجابهتها دون جدوى قد تنصرف هي أيضًا إلى تقنية “ميتاڤيرس”. ويزداد الأمر سوءًا مع تحول مختلف جوانب الحياة من استثمار وتعليم وترفيه إلى أخرى افتراضية، ما يعني بالضرورة طفرة محتملة موازية على صعيد السرقة والجريمة والابتزاز والتضليل.

ختامًا، باتت تقنية “ميتاڤيرس” هي المصطلح الأهم في المجال التقني؛ فهي المستقبل الحقيقي لشبكة الإنترنت لقدرتها على نقل منصات التواصل الاجتماعي إلى مستوى جديد كليًا، على نحو يفتح الطريق لآلاف المشروعات والتقنيات الجديدة مدفوعة بجهود عمالقة التكنولوجيا وكبار المطورين، وإن ظلت السنوات المقبلة هي خير شاهد على درجة تطورها جنبًا إلى جنب مع ما يتصل بها من أدوات وأجهزة من ناحية، وقدرتها على نقل المستخدم إلى العالم الافتراضي ومجابهة التحديات الجديدة التي ستتمخض عنها من ناحية ثانية.

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني