تنمية ومجتمع

عقوبات أشد: نحو مواجهة فعالة للتحرش في مصر

وفقًا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة يُعد العنف ضد النساء والفتيات أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارًا في العالم، وتتعدد أشكاله ما بين العنف النفسي، والمنزلي، والاقتصادي، والجسدي، والجنسي. ووفقًا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة، فإن التحرش الجنسي يُعد من أبرز أشكال العنف ضد المرأة، وهو ما يُقيد قدرة المرأة على المُشاركة على قدم المساواة في الحياة المدنية، ولذلك دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار 73/148، وهو الأول من نوعه والصادر عام 2018، إلى تكثيف الجهود لمنع جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات والقضاء عليها، بما في ذلك التحرش الجنسي. وقد اعترفت الأمم المتحدة من خلال هذا القرار…

هالة فودة
باحث بوحدة دراسات المرأة وقضايا الأسرة

وفقًا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة يُعد العنف ضد النساء والفتيات أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارًا في العالم، وتتعدد أشكاله ما بين العنف النفسي، والمنزلي، والاقتصادي، والجسدي، والجنسي. ووفقًا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة، فإن التحرش الجنسي يُعد من أبرز أشكال العنف ضد المرأة، وهو ما يُقيد قدرة المرأة على المُشاركة على قدم المساواة في الحياة المدنية، ولذلك دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار 73/148، وهو الأول من نوعه والصادر عام 2018، إلى تكثيف الجهود لمنع جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات والقضاء عليها، بما في ذلك التحرش الجنسي. وقد اعترفت الأمم المتحدة من خلال هذا القرار بالتحرش الجنسي كعائق أمام تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات، والإعمال الكامل لحقوقهن الإنسانية.

قضية التحرش عالميًا وإقليميًا

أجرت مؤسسة هولاباك (مؤسسة دولية لمكافحة التحرش الجنسي) وجامعة كورونيل الأمريكية في عام 2014/2015 دراسة استقصائية واسعة النطاق حول التحرش في الأماكن العامة، وأشارت النتائج إلى أن أكثر من 81% من النساء تعرضن لشكل من أشكال العنف والتحرش الجنسي في الأماكن العامة. وواجه أكثر من 50% من النساء في أوروبا و75% من النساء في أمريكا أول حادثة تحرش قبل بلوغهن سن الـ17 عام. وفي فرنسا وجدت دراسة أجراها المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في عام 2013 أنه في عام واحد عانت واحدة من كل خمس نساء تحرشًا لفظيًا أثناء السير في الشارع.

وعلى المستوى الإقليمي، في المغرب أفادت الدراسة التي أجراها المفوض السامي للتخطيط على المستوى الوطني عام 2009 بأن 63% من النساء تعرضن لشكل من أشكال العنف والتحرش الجنسي في الأماكن العامة. وفي عام 2016، أجرى المركز التونسي للبحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة مسحًا بحثيًا لـ 3000 سيدة تراوحت أعمارهن بين 18 و64 عامًا، وأشارت النتائج إلى أن 54% تعرضن لعنف نفسي أو بدني مرة واحدة على الأقل في الأماكن العامة بين عامي 2011 و2015. وشملت تجاربهن ملاحقة الرجال لهن أو الإهانة أو التحرش الجنسي.

التحرش محليًا

تتفاوت الإحصائيات الرسمية المحلية والدولية عن حجم ظاهرة التحرش في مصر. فوفقًا لمسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على أساس النوع 2015 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، فقد تعرض 13% من النساء في الفئة العمرية (18-64 سنة) خلال العام السابق لأحد أشكال العنف في الأماكن العامة، سواء في مكان العمل أو المؤسسات التعليمية أو في المواصلات العامة أو في الشارع. أيضًا تعرض نحو 10% من النساء في الفئة العمرية (18-64 سنة)، تقريبًا 2 مليون ونصف امرأة، للتحرش خلال العام السابق في الشارع، والأسواق، والميادين وما شابه ذلك. وارتكبت غالبية حالات التحرش من شخص غريب بنحو 92%، وأكثر من 22% حالات التحرش ارتكبت من قبل شخصين أو أكثر معًا. 

وسائل المواصلات هي من بين أكثر الأماكن خطرًا بالنسبة للمرأة، فقد بينت الدراسة أن نحو 7% من النساء في الفئة العمرية (18-64 سنة) تعرضن للتحرش في المواصلات العامة، أي حوالي أكثر من مليون و700 ألف امرأة. وحدثت غالبية حالات التحرش في الميكروباص، بحوالي 60%، ومن شخص غريب بحوالي 96%. علاوة على تعرض 15% من الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين (18-19 سنة) للتحرش في المواصلات العامة.

مكان العمل هو أيضًا بيئة مناسبة لحدوث التحرش، فقد بين البحث أن نحو 4% (139 ألفًا و600 امرأة) من النساء اللاتي كن ملتحقات بسوق العمل خلال العام السابق على إجراء المسح قد تعرضن لأحد أشكال التحرش الجنسي أو العنف البدني أو النفسي في مكان العمل خلال هذه الفترة. وذكر نحو 1% تقريبًا (16 ألفًا) من الفتيات اللائي يدرسن حاليًا أو اللائي كن يدرسن في العام السابق بتعرضهن للتحرش الجنسي في المؤسسات التعليمية خلال السنة السابقة على المسح.

ووفقًا لدراسة طرق وأساليب القضاء على التحرش الجنسي في مصر (2013)، الصادرة عن معهد التخطيط القومي بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وصلت نسبة الفتيات والنساء اللواتي يتعرضن للتحرش إلى 99.3% من إجمالي عدد المبحوثات. وكانت الطالبات أكثر الفئات تعرضًا للتحرش بمحافظات العينة بنسبة 91.3%، تليهن فئة العاملات بنسبة 66.09%، يليها فئة ربات المنازل بنسبة 46.5%، ثم فئة السائحات بنسبة 29.9%، وأخيرًا فئة ذوي الإعاقات الذهنية بنسبة 17.7%. 

ويعود الفارق الكبير بين نتائج الدراستين إلى اختلاف عمر العينة. ففي الدراسة الأولى، تراوح عمر العينة من 18 إلى 63 عامًا، أما في الدراسة الثانية فتراوح عمر العينة من 10 إلى 35 عامًا، كما اختلف السؤال البحثي بين الدراستين، ففي الدراسة الأولى تم تناول حدوث الظاهرة في الأماكن العامة كالشارع، وأماكن العمل، والمؤسسات التعليمية، والمواصلات العامة. أما في الدراسة الثانية فتم تناول حدوث الظاهرة في الشارع، والشواطئ، والمواصلات، والإنترنت، والتلفون المحمول، والمؤسسات الدراسية، والأندية الرياضية، وداخل المنزل، وأماكن العمل، وداخل محيط الأصدقاء، وفي الأماكن الخالية، والأماكن السياحية، وفي المواصلات العامة والخاصة.

جهود مبذولة للحد من التحرش

لقد تم بذل الكثير من الجهود مؤخرًا للحد من التحرش، وتوزعت هذه الجهود بين عدة محاور، أبرزها:

المحور التوعوي: أطلقت الدولة ممثلة في مؤسساتها المعنية العديد من الحملات الوطنية لمكافحة أشكال العنف ضد النساء، ومن ضمنها مشكلة التحرش في الأماكن العامة، وأبرزها وأضخمها حملة (حياتك محطات متخليش محطة توقفك). وخاطبت الحملة النساء والرجال بالتعاون بين المجلس القومي للمرأة وشركة مترو الأنفاق. واحتوى بوستر الحملة على عبارات تشجع السيدات على الإبلاغ عن حالات التحرش، وحثت الرجال على حماية المرأة من التحرش.

أيضًا تم إطلاق مبادرة (اكسري حاجز الهوان من حقك تعيشي في أمان). وشملت المبادرة ورش عمل ولقاءات تثقيفية لعدد 516 من رجال الدين والإعلاميين وكبار الكتاب الصحفيين، والذكور من طلبة المرحلة الإعدادية ببعض المدارس لخلق رأي عام مناهض للتحرش، بالإضافة إلى توزيع ملصقات للحملة مع إيصالات الغاز ببعض مناطق القاهرة الكبرى. 

المحور التشريعي: في أغسطس 2021، صدق الرئيس عبدالفتاح السيسي على تعديلات قانون العقوبات، بعد أن أقر البرلمان المصري تعديلًا تشريعيًا شدد من خلاله عقوبة التحرش الجنسي بالنساء والتي تحولت من جنحة إلى جناية. كما تضمنت التعديلات: مادة ٣٠٦ مكرر (أ): يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات، كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل، بأية وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللا سلكية أو الإلكترونية، أو أية وسيلة تقنية أخرى، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليه. وفي حالة العود تضاعف عقوبتا الحبس والغرامة في حديهما الأدنى والأقصى. 

وجاء في مادة 306 (أ) مكرر: تمديد مدة عقوبة السجن إلى ما لا يقل عن خمس سنوات إذا كان الفاعل من أصول المجني عليها أو من المتولين تربيتها أو ملاحظتها أو ممن لهم سلطة عليها أو كان خادمًا بالأجر عندها أو عند من تقدم ذكرهم، أو تعدد الفاعلون للجريمة، أو كانت له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه أو ارتكبت الجريمة من شخصين فأكثر أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحًا تكون العقوبة السجن مدة لا تقل عن سبع سنوات.

وكانت الدولة، في عام 2014، قد أدخلت تعديلات على بعض مواد قانون العقوبات الخاصة بالتحرش، وهي التعديلات التي تم إدخالها بناء على توجيه مباشر من رئيس الجمهورية في أعقاب واحدة من حوادث التحرش التي صدمت المجتمع.

ولكن يبقى أبرز التحديدات التي تواجه هذه القضية في صعوبة تغيير عقلية وسلوك كل من الرجال والنساء تجاه قضايا المساواة بين الجنسين وتمكين وحماية المرأة. فقد أظهرت الدراسة الاستقصائية بشأن الرجال والمساواة بين الجنسين (MAGES) استطلاع الرأي العام بمصر (2016-2017) الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة عام 2018، أنه لا تزال هناك مفاهيم خاطئة حول قضايا النوع الاجتماعي في مصر، خاصة حول الأفكار المتعلقة بالممارسات الضارة التي تنبع من بعض التقاليد ذات الآثار السلبية على المجتمع المصري ككل.

وعلى الرغم من أن مصر اتخذت خطواتٍ ملموسة لإصدار القوانين والتعديلات لتحقيق الحماية للمرأة، إلا أن إصدار قانون شامل يُحدد ويعالج ويجرم جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات لا يزال مفقودًا. حيث يُعنَى هذا القانون بتوفير إطار قانوني شامل للتعامل مع العنف ضد النساء والفتيات، مصحوبًا بآلية إنفاذ قوية وحملة مخصصة للتوعية به. ونتيجة لغياب قانون شامل مخصص لمكافحة العنف ضد المرأة، يظل هناك قصور وعدم دقة في الإحصاءات والمعلومات وأعداد حالات العنف المبلغ عنها قضائيًا. وعلاوة على ذلك، هناك حاجة لتكثيف الجهود لرفع الوعي القانوني لدى النساء والفتيات المصريات حول جميع القوانين القائمة بالفعل والتي تحميهن من أي شكل من أشكال العنف ضدهن.

هالة فودة
باحث بوحدة دراسات المرأة وقضايا الأسرة