التنمية البشرية من الحماية إلى التمكين (1)

عضو الهيئة الاستشارية

من المسلم به أن هناك ارتباطا وثيقا بين التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية وانه من واجب السياسات العامة وهى تعمل على تحقيق زيادة مطردة فى الناتج القومى أن تؤكد كل ما يضمن أن تتوزع عوائد النمو بعدالة بين كل فئات المجتمع وبين مختلف أرجاء الوطن. من هنا تأتى أهمية تدشين تقرير التنمية البشرية فى مصر 2021 والذى جاء تحت عنوان التنمية حق للجميع: مصر المسيرة والمسار وهو التقرير الثانى عشر فى هذه السلسلة التى بدأت عام 1994 ، حين اصدر معهد التخطيط القومى التقرير الاول والذى تناول بالشرح والتحليل مفهوم التنمية البشرية الذى يتبناه منذ ذلك التاريخ وحتى الآن مع ادخال…

عبد الفتاح الجبالي on Email
عبد الفتاح الجبالي
عضو الهيئة الاستشارية

من المسلم به أن هناك ارتباطا وثيقا بين التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية وانه من واجب السياسات العامة وهى تعمل على تحقيق زيادة مطردة فى الناتج القومى أن تؤكد كل ما يضمن أن تتوزع عوائد النمو بعدالة بين كل فئات المجتمع وبين مختلف أرجاء الوطن. من هنا تأتى أهمية تدشين تقرير التنمية البشرية فى مصر 2021 والذى جاء تحت عنوان التنمية حق للجميع: مصر المسيرة والمسار وهو التقرير الثانى عشر فى هذه السلسلة التى بدأت عام 1994 ، حين اصدر معهد التخطيط القومى التقرير الاول والذى تناول بالشرح والتحليل مفهوم التنمية البشرية الذى يتبناه منذ ذلك التاريخ وحتى الآن مع ادخال بعض التعديلات الجوهرية عليه، لكى يتلاءم مع التطورات الجارية على الساحة الدولية.وكان آخرها التقرير الصادر عام 2010 والمعنون شباب مصر بناة مستقبلنا. كما انه يتزامن مع مرور 35 عاما على إعلان الامم المتحدة الحق فى التنمية الذى يكرس التنمية كحق من حقوق الانسان. ولهذا لم يكن مستغربا أن يتم تدشين التقرير عقب إعلان عن الإستراتيجية الوطنية لحقوق الانسان 2021-2026

يأتى التقرير الذى بين ايدينا ليرصد ويحلل مسيرة التنمية والاصلاح الاقتصادى خلال الحقبة الماضية، حيث يغطى الفترة من 2011 حتى 2021 وهى فترة فارقة فى تاريخ مصر بما شهدته من احداث ومتغيرات وتحديات جسام كما ذكرت وبحق د. هالة السعيد وزيرة التخطيط فى معرض تقديمها التقرير. فالتنمية بمعناها الشامل تهدف فى الأساس الى جعل الإنسان يحيا حياة سعيدة خالية من العلل والأمراض. وبالتالى فالحالة الصحية والتعليمية تعد أحد أهم دعامات التنمية خاصة أن ضعف هذه الحالة لدى الأفراد يؤثر تأثيرا مباشرا على المجتمع بأكمله من حيث القدرات الإنتاجية وإمكانات التطور. وبالتالى فإن تطوير قطاعى الصحة والتعليم يسهم مباشرة فى تحسين نوعية الحياة ويؤدى إلى جودة النمو.

فى هذا السياق تناول التقرير الاستثمار فى البشر خاصة فى مجالات الصحة والتعليم والبحث العلمى والسكن اللائق مع التركيز على الأبعاد المتعلقة بالجودة والتنافسية، حيث أظهر التقرير تحسن مستوى الإتاحة فى التعليم قبل الجامعى وكذلك تلاشى الفجوة النوعية بين الجنسين وكذلك الفجوات الجغرافية. كما انخفضت معدلات التسرب خاصة بالنسبة للتعليم الاعدادى. ويشير إلى ان مخرجات التعليم الفنى مازالت بعيدة عن توقعات قطاع الأعمال واحتياجاته على مستوى الكيف، كما اشار إلى ان اكبر معدلات البطالة تتركز فى حملة المؤهلات العليا. وعلى الرغم من ذلك فقد اشار التقرير الى ان انخفاض معدلات القيد فى مرحلتى التعليم الاعدادى والثانوى ترجع الى عوامل عديدة كتلك التى تتعلق بالوضع الاقتصادى والاجتماعى للاسر الفقيرة وطبيعة الموروث الثقافى والتى تدفع اولياء الامور الى الاكتفاء بالتعليم الابتدائى للابناء حتى يمكنهم الانخراط فى سوق العمل.ناهيك عن عدم إتاحة الخدمة فى بعض المناطق النائية، فضلا عن ان اكثر من ثلثى الاطفال فى سن 4-5 سنوات لايتمتعون بحقهم فى التعليم المبكر، وهو ما يتطلب التوعية المجتمعية بأهمية مرحلة رياض الاطفال والتوسع فى إتاحة الفصول والمدارس بهذه المرحلة، خاصة فى المناطق ذات القيد المنخفض. كما يجب التعامل الحذر مع المؤشرات الكلية لكثافة الفصول لانها تخفى بين ثناياها التفاوت بين المناطق الجغرافية المختلفة كما انها لاتعكس المشاكل الحقيقة التى قد تواجه الطلاب والمعلمين فى المدرسة. وهو ما يتطلب حزمة من التدخلات المبنية على الاستهداف الجغرافى.

اما فى قطاع الصحة فعلى الرغم من التحسن فى بعض المؤشرات الاساسية مثل ارتفاع متوسط العمر المتوقع عند الميلاد وانخفاض معدلات وفيات الاطفال دون الخامسة وغيرها من المؤشرات كنتيجة للإجراءات التى قامت بها الدولة خلال الفترة ( 2004-2020) واطلاق العديد من البرامج والمبادرات الصحية كالقضاء على فيروس سى،ومبادرة 100 مليون صحة والقضاء على قوائم انتظار المرضى والكشف عن الامراض غير السارية والتوسع فى اتاحة المستشفيات وتنظيم صناعة الدواء. ورغم ذلك فمازالت مصر تعد من اعلى الدول التى ترتفع فيها نسبة مساهمة الافراد فى إجمالى الإنفاق الجارى على الصحة والتى بلغت 62% عام 2018 وهى ضعف المتوسط العالمى. خاصة ان الإنفاق على الصحة يأتى فى الترتيب الثالث من إجمالى إنفاق الاسر، يذهب اكثر من نصفه الى الادوية والمنتجات الطبية. وهو ما اوجد العديد من التحديات منها ضعف إتاحة الادوية والمنتجات الصحية وضعف القدرة على مواجهة انتشار الامراض المعدية وضعف القدرة على التأهب للأوبئة ونقص الاستثمار فى تدريب العاملين بقطاع الصحة. وللتغلب على هذه الصعوبات يقترح التقرير فرض ضريبة تصاعدية على ايرادات الشركات الخاصة وتوجيه الموارد المتأتية منها للتعامل مع هذه المشكلات مثل توفير خدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحى فى المدارس التى تعانى انخفاض حجم الموارد. كما يجب الاستفادة من الفرص المتاحة، خاصة الارادة السياسية القوية للتطوير والتغيير، والبناء عليها لتعزيز الاستثمار فى رأس المال البشرى. كذلك استهداف الارتقاء بنوعية حياة المواطن المصرى من خلال خفض معدلات الزيادة السكانية، فاذا كان السكان احد عناصر القوة الشاملة للدولة فينبغى ألا تتعدى معدلات الزيادة السكانية قدرة الدولة على تقديم الخدمات الاساسية.

ويخلص التقرير، فى هذا الجزء، الى القول بان الدولة المصرية قد خطت خطوات أساسية فى مسيرة الاستثمار فى البشر بشكل يعكس الايمان بأن البشر هم الثروة الحقيقية للامم. من اجل تعزيز التنمية البشرية وتحقيق التنمية المستدامة، إلا أن المسار لايزال يتطلب مزيدا من الإصلاحات والمبادرات (وهو ما سنتناوله فى مقالنا القادم بإذن الله).

نقلا عن جريده الاهرام الأربعاء 22 سبتمبر 2021

عبد الفتاح الجبالي on Email
عبد الفتاح الجبالي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب