شىء ما فى ثقافتنا يستحق الانتباه

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

توقفت كثيرا عند الرقم الذى أورده السيد وزير الرى بشأن نقص المياه المتدفقة فى فرع رشيد بنسبة تزيد على النصف بسبب تعديات الأهالى على النيل. لم تحدث كل هذه التعديات بين ليلة وضحاها، وإنما حدثت على مدى عقود طويلة، أمام أعين موظفين فى الدولة تصرفوا كما لو أن الأمر لا يعنيهم، وربما تواطأوا لتسهيله، بالضبط كما حدث فى كل مخالفات البناء فى المدن وعلى الأرض الزراعية. ما كان لهذه التعديات أن تحدث، لولا التفاعل بين عاملين اثنين. فمن ناحية، عانت الدولة المصرية خلال العقود الماضية ضعفا شديدا، فاصبحت عاجزة عن الدفاع عن ممتلكاتها وهيبتها، وعن تنفيذ قوانينها. ومن ناحية أخرى،…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

توقفت كثيرا عند الرقم الذى أورده السيد وزير الرى بشأن نقص المياه المتدفقة فى فرع رشيد بنسبة تزيد على النصف بسبب تعديات الأهالى على النيل. لم تحدث كل هذه التعديات بين ليلة وضحاها، وإنما حدثت على مدى عقود طويلة، أمام أعين موظفين فى الدولة تصرفوا كما لو أن الأمر لا يعنيهم، وربما تواطأوا لتسهيله، بالضبط كما حدث فى كل مخالفات البناء فى المدن وعلى الأرض الزراعية.

ما كان لهذه التعديات أن تحدث، لولا التفاعل بين عاملين اثنين. فمن ناحية، عانت الدولة المصرية خلال العقود الماضية ضعفا شديدا، فاصبحت عاجزة عن الدفاع عن ممتلكاتها وهيبتها، وعن تنفيذ قوانينها. ومن ناحية أخرى، كان هناك الأهالى بثقافة وقيم هيأت لهم استغلال ضعف الدولة من أجل الاعتداء على المال والممتلكات والمنافع العامة. كيف ولماذا ضعفت الدولة إلى هذا الحد؟ وما هى طبيعة الأفكار والقيم التى زينت للأهالى التصرف بهذه الطريقة؟

هزيمة يونيو 1967 هى نقطة البداية لظاهرة تراجع الدولة المصرية. قوضت الهزيمة مصداقية الدولة، فاختل ميزان الهيبة بين الدولة والمجتمع، وازداد ميزان الهيبة اختلالا بسبب الأموال الكثيرة التى أضيفت إلى ثروات الأفراد، قادمة من الخليج. ترددت الدولة، وتصرفت بخجل وهى تستخدم سلطتها وتطبق قوانينها، بينما تجرأ أصحاب المصالح، ومدوا أرجلهم للتعرف على المدى الذى يمكن أن يذهبوا إليه وهم آمنين.

حدث كل هذا على خلفية أزمة اقتصادية متصاعدة، بسبب تكلفة الحرب، وبسبب السياسات الاقتصادية غير الرشيدة التى تم تطبيقها. كانت الدولة قد بلغت ذروة قوتها وسيطرتها فى مطلع ستينيات القرن الماضى، عندما تبنت الاشتراكية مذهبا سياسيا، فقامت بتأميم المصالح الاقتصادية الكبرى والمتوسطة، وسلمتها لجهازها الإدارى لكى يتولى تشغيلها، فى نفس الوقت الذى ألزمت فيه نفسها بتقديم التعليم والعلاج المجانى والسكن المدعوم والتوظيف المضمون لكل المصريين.

ظن القائمون على الأمر أن الموارد التى توفرها المصالح الاقتصادية المؤممة تكفى للوفاء بالالتزام الاجتماعى الثقيل الذى وضعته الدولة على عاتقها. لم يستغرق الأمر سوى سنوات قليلة ليتضح أن بيروقراطية الحكومة لا يمكنها إدارة الشركات والمصانع والمعارض التجارية بكفاءة، وأن العائد الاقتصادى لكل هذه المشروعات لا يكفى لا لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولا لتغطية تكلفة الالتزامات الاجتماعية الهائلة.

كان من الممكن الخروج من المأزق بإعادة النظر فى الملكية الحكومية لوسائل الإنتاج، والتخفف من الالتزامات الاجتماعية باهظة التكلفة، إلا أن هذه الوصفة التى تبدو منطقية وبسيطة كانت من الناحية السياسية شديدة الصعوبة. فالتراجع عن المذاهب والأيديولوجيات هو فى عرف أهل السياسة تنازل وهزيمة، أما تخفيف الالتزامات الاجتماعية فيهدد بخسارة الشعبية، وإشعال مقاومة شديدة من جانب المستفيدين وأصحاب المصلحة.

طال تمسك الدولة بهذه السياسات أكثر مما ينبغى، وبدلا من تخفيف التزامات الدولة، تم التراجع عن جودة هذه الالتزامات، فأصبح رغيف الخبز المدعوم غير قابل للأكل؛ وفقد التعليم والعلاج المجانى جدواه، ولجأ الناس للدروس الخصوصية وعيادات الأطباء. حتى الوظيفة الحكومية تراجعت جودتها. فحتى منتصف الثمانينيات كانت الدولة توفر وظيفة لكل خريج، ولأنه لم يكن هناك تنمية تخلق وظائف حقيقية، فقد كانت وظائف الحكومة فى أغلب الأحوال مجرد بطالة مقنعة وعمالة زائدة، يتظاهر فيها الموظفون بالعمل، فيما تتظاهر الدولة بأنها تدفع لهم أجرا؛ بينما الجميع يعلمون أنه لا الموظفون يعملون، ولا الأجر الذى يتلقونه يسد احتياجاتهم.

لعقود طويلة كان التظاهر والادعاء هو السمة الأساسية للأداء العام، وأصبح التواطؤ للإبقاء على هذا المستوى المتواضع من الأداء هو السمة السائدة للأخلاق العامة فى بلدنا. لعقود طويلة لم يكن عندنا تعليم أو علاج أو بحث علمى أوظيفة عمومية أو حتى صحافة أو أحزاب سياسية، فاكتفينا بشبه تعليم، وشبه رعاية صحية، وشبه وظيفة عمومية، وشبه صحافة، وشبه أحزاب. ولهذا لم يكن لدينا سوى شبه دولة، كما أطلق عليها الرئيس السيسى فى إحدى المرات.

فى بلاد عدة، أدى الضعف الذى لحق بالدولة إلى إفساح الفرصة للمجتمع المدنى لتنظيم نفسه وتأكيد ذاته، ولإحداث تحول سياسى من الحكم السلطوى إلى الديمقراطية. الهزائم العسكرية والأزمات الاقتصادية هى أشد ما يمكن أن يواجه الدولة من محن، فكانت هزيمة الأرجنتين فى حرب فوكلاند، كما كانت الأزمة الاقتصادية فى البرازيل وإندونيسيا بمثابة الشرارات التى أطلقت التحول الديمقراطى فى هذه البلاد. لم يحدث شيء من هذا عندنا، فعندما ضعفت الدولة لم تتقدم قوى المجتمع لشغل الفراغ، وإنما شغله أصحاب المصالح الضيقة، المهتمون بالتكسب من وراء تعلية الأدوار وهدم الفيلات والتعدى على الحدائق والأرض الزراعية ومجرى النيل ومنشآت الري. فالهزيمة العسكرية والأزمة الاقتصادية فى بلادنا لم تحفز قوى المجتمع للمطالبة بالإصلاح والديمقراطية، وإنما شجعتهم على التواطؤ مع موظفى جهاز الدولة المأزومة، للاشتراك معا فى التعدى على ممتلكات الدولة، وحلب مواردها، وتجاهل قوانينها، وهو ما أنتج لنا عشرات آلاف الاعتداءات على مجرى النيل، وملايين مخالفات البناء؛ بينما كنا نتظاهر بأن كل شيء يسير على ما يرام.

هناك شىء ما فى ثقافتنا يضع المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة، ويدفع الناس لتجنب العمل الجماعى، ويزين لهم عدم الثقة فى الآخر، مؤسسات أو أفرادا. فما أحوجنا لمؤسسات بحث علمى اجتماعى تدرس تركيبة مجتمعنا وثقافته، وتقترح لنا سبيلا لتطويرها، ولسياسات فى التعليم والثقافة والشباب والدين تتولى مهمة تغييرالثقافة المدمرة الشائعة.

نقلا عن جريدة الاهرام الخميس 30 سبتمبر 2021

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب