وحدة الدراسات الأفريقية

إلى أين سيتطور موقف واشنطن بشأن الأزمة الإثيوبية؟

في 2 ديسمبر الجاري، نددت الأمم المتحدة، في بيان لها، من العنف الطائفي في إثيوبيا الذي يهدد بتقسيم البلاد، محذرة من تكرار مشهد فوضى مطار كابول في أديس أبابا. وجاء ذلك البيان في خضم المعارك الطاحنة الجارية بين الجيش الإثيوبي المدعوم من إريتريا من جانب، وجبهة تحرير شعب التيجراي المتحالفة مع جيش تحرير أورومو من جانب آخر؛ وبالتوازي مع فيض من التصريحات المتضاربة حول مكاسب وخسائر كل معسكر  وتذبذب التكهنات بشأن المعسكر المنتصر، سيما مع قدرة معسكر المعارضة على تحقيق انتصارات ميدانية سريعة بطريقة دفعت رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” إلى إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، والتأكيد على…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

في 2 ديسمبر الجاري، نددت الأمم المتحدة، في بيان لها، من العنف الطائفي في إثيوبيا الذي يهدد بتقسيم البلاد، محذرة من تكرار مشهد فوضى مطار كابول في أديس أبابا. وجاء ذلك البيان في خضم المعارك الطاحنة الجارية بين الجيش الإثيوبي المدعوم من إريتريا من جانب، وجبهة تحرير شعب التيجراي المتحالفة مع جيش تحرير أورومو من جانب آخر؛ وبالتوازي مع فيض من التصريحات المتضاربة حول مكاسب وخسائر كل معسكر  وتذبذب التكهنات بشأن المعسكر المنتصر، سيما مع قدرة معسكر المعارضة على تحقيق انتصارات ميدانية سريعة بطريقة دفعت رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” إلى إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، والتأكيد على أنه سيقود بنفسه القتال ضد التيجراى، ودعوته للمدنيين بحمل السلاح للدفاع عن العاصمة. الأجواء التي صاحبها، دعوات العديد من الدول لرعاياها لـمغادرة إثيوبيا على الفور. الأمر الذي يثير التساؤلات بشأن موقف الولايات المتحدة مما يجري على الساحة الإثيوبية، سيما مع جهودها الدبلوماسية المكثفة التي قام بها مبعوثها إلى القرن الإفريقي “جيفري فيلتمان”، والأنباء التي كشفت عنها بعض المصادر بشأن وضع القوات الأمريكية في جيبوتي على أهبة الاستعداد.

ملامح التعاطي الأمريكي مع الأزمة الإثيوبية

على الرغم من أن قضايا الداخل الأمريكي قد شغلت الحيز الأكبر في أولويات إدارة الرئيس “جو بايدن” مقارنة بالسياسة الخارجية، الأمر الذي ترافق معه اتجاه الإدارة إلى التركيز على ملفات محددة في السياسة الخارجية والعمل على تقليل الانخراط الأمريكي الخارجي بطريقة بدا معها “تواضع” أهمية التركيز على أفريقيا، إلا أن التطورات الحرجة التي تجري على الساحة الإثيوبية قد تكون قد ظهرت كمحفزات لتعاطي أمريكي أوسع. إذ أن تجنب تصاعد وتيرة الحرب الأهلية، وتداعياتها الإقليمية، وتحجيم نطاق الأزمة الإنسانية، وبالأخص في منطقة التيجراي، بدا ضمن أولويات إدارة “بايدن”. لذا، اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تكثيف تعاطيها مع الأزمة الإثيوبية، بطريقة يُمكن تفكيكها في عدد من الأمور:

  • اهتمام مبكر: على الرغم من تراجع الأهمية النسبية لعدد من القضايا بالنسبة لإدارة “بايدن” إلا أن التطورات الحرجة الجارية في الداخل الإثيوبي تثير – بقدر كبير – قلق الإدارة الأمريكية، سيما مع اقترانها بأزمة إنسانية ضخمة وموجات موسعة من الهجرة واللجوء. ما إن تولت إدارة “بايدن” السلطة حتى بدأت في التعاطي مع الأزمة الدائرة على الساحة الإثيوبية. إذ أمر “أنطوني بلينكين” في 27 فبراير الماضي الحكومة الإثيوبية بسحب القوات الإريترية وميليشيا الأمهرة من التيجراي على الفور. وكرر المطلب نفسه في 2 مارس الماضي، في محادثة هاتفية مع “آبي أحمد”.
  • الاتجاه للضغط: دفعت التطورات المتسارعة واشنطن إلى اتخاذ موقف أكثر تشددَا تجاه أديس أبابا؛ إذ فرضت قيودًا على المساعدات الاقتصادية والأمنية لإثيوبيا، وحظرت التأشيرات لمسئولين إثيوبيين حاليين أو سابقين وكذلك مسئولين بالحكومة الإريترية على صلة بالأزمة بسبب الانتهاكات التي وقعت في إقليم التيجراي. وارتباطًا بذلك، ذكر المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية لشئون إفريقيا “سيندي كينج” لـــ”سكاي نيوز عربية” أن “البنتاجون اتخذ خطوات لتعليق المساعدات العسكرية، والبرامج الأمنية المشتركة مع أديس أبابا بسبب الانتهاكات في إقليم التيجراي”.
  • فك الارتباط بين أزمات الداخل الإثيوبي وسد النهضة: عملت إدارة “بايدن” على فك الارتباط بين العقوبات وبين ملف السد؛ الأمر الذي أرسل رسالة مفادها أن الأولوية لم تعد لملف السد، وإنما باتت الأولوية لتطورات الداخل الإثيوبي. في 20 فبراير الماضي، أوقفت واشنطن العمل بقرار إدارة الرئيس “ترامب” بشأن تعليق المساعدات لإثيوبيا البالغ قيمتها 272 مليون دولار على خلفية التعنت الإثيوبي تجاه سد النهضة.
  • الدبلوماسية الكثيفة: حاولت واشنطن التدخل عبر مبعوثها إلى القرن الإفريقي “جيفري فيلتمان” من خلال قيامه بجهود دبلوماسية مكثفة لتهدئة الأوضاع على الجبهة الإثيوبية. ففي الحوار الذي أجرته معه مجلة “فورين أفيرز”، عقب توليه منصبه، أعرب عن قلقه من عدم الاستقرار في القرن الإفريقي، مشيرًا إلى أن النزاع في إقليم التيجراى، الذي يشهد مأساة إنسانية، له الأولوية. ومؤخرًا – خلال ديسمبر الجاري – قام “فيلتمان” بجولة واسعة، تشمل كلا من الإمارات وتركيا ومصر، لبحث النزاع الدائر في إثيوبيا. 
  • دعم المسار التفاوضي: تدرك واشنطن أن الجلوس على مائدة التفاوض هو السبيل الوحيد لاحتواء الأوضاع المشتعلة على الساحة الإثيوبية؛ أي أن إدارة “بايدن” تدرك صعوبة الحسم العسكري للمشهد. فقد دعا وزير الخارجية “أنتوني بلينكن” إلى وقف القتال والجلوس على طاولة التفاوض، مؤكدًا أنه لا حل عسكريًا للنزاع. 
  • خروج الأوضاع عن السيطرة: تدرك واشنطن – في ذات الوقت – أن هناك احتمالات كبرى لخروج الأوضاع عن السيطرة وتفجر المشهد الإثيوبي؛ وما يدلل على ذلك، قيام واشنطن بمطالبة رعاياها بمغادرة إثيوبيا على الفور، كما وضعت قواتها في فى جيبوتي على أهبة الاستعداد للتدخل لترحيل المواطنين الامريكيين.
  • التداعيات الإقليمية: تعتبر بعض التحليلات أن الشواغل الإقليمية لواشنطن مما يجري في إثيوبيا ترتبط بالصومال واتساع نطاق الأنشطة الإرهابية؛ فلطالما ساعدت إثيوبيا الحكومة الصومالية وقدمت دعمًا كبيرًا لها من أجل مواجهة “حركة الشباب”. إضافة إلى تزايد موجات اللجوء والنزوح التي توفر البيئة الخصبة داخل تلك المعسكرات لمزيد من التجنيد في التنظيمات الإرهابية.
  • أداة العقوبات: كنتيجة لاستمرار حالة الاحتقان على الساحة الإثيوبية؛ أصدر الرئيس “بايدن” في سبتمبر الماضي أمرًا تنفيذيًا يسمح بفرض عقوبات على الأطراف المتسببة في إطالة أمد النزاع في منطقة التيجراي. لكن “فيلتمان” اعترف بأنه من غير المعتاد الإعلان عن فرض عقوبات دون ذكر الطرف المستهدف؛ موضحًا أن الإدارة تريد إعطاء جميع الجهات الفاعلة فرصة للتوجه صوب السلام.
  • تحجيم الامتيازات: مع استمرار تأزم الوضع على الساحة الإثيوبية، أبلغ “بايدن” الكونجرس في مستهل نوفمبر عزمه إنهاء إنهاء أهلية إثيوبيا للتفضيلات التجارية بموجب (قانون النمو والفرص الأفريقية “أجوا”)، الذي يسهل وصول صادرات الدول الأفريقية إلى السوق الأمريكية، في يناير 2022. يجلب قانون “أجوا” لإثيوبيا حوالي 100 مليون دولار نقدًا سنويًا، كما يوفر فرص عمل مباشرة لنحو 100 ألف شخص، معظمهم من النساء اللاتي يعملن في مصانع النسيج التي تصدر إلى الولايات المتحدة.
  • اهتمام الكونجرس: يشهد ما يجري في الداخل الإثيوبي اهتمام مماثل من قبل الكونجرس. ففي 27 مايو، عقدت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي جلسة استماع تحت عنوان “إثيوبيا فى أزمة: استراتيجية الولايات المتحدة والاستجابة السياسية”. ذكر فيها السيناتور “بوب مينينديز”، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، أن الحرب الوحشية في التيجراى، والعنف، وانعدام الأمن، والانغلاق السريع على الساحة السياسية، تزايد من احتمالات انهيار الدولة الإثيوبية؛ معتبرًا أن هناك أدلة على وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ ومشيرًا إلى أن تعامل “آبي أحمد” مع المبادرات الدبلوماسية لواشنطن يتم عبر نهج التعنت والتنصل من الوعود. علاوة على ذلك، تم إطلاق “قانون تعزيز السلام والديمقراطية” في إثيوبيا لعام 2021، وهو تشريع من الحزبين لتعزيز استجابة واشنطن الدبلوماسية والتنموية والقانونية لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والاستقرار في إثيوبيا. بالإضافة إلى تعليق المساعدات الأمنية الأمريكية لحكومة إثيوبيا والسماح بالدعم الأمريكي لحل النزاعات وجهود بناء السلام.

إلى أين سيتطور موقف واشنطن؟

قالت الدبلوماسية الأمريكية “ماكيلا جيمس”، إن “الوضع مأساوي بشكل كبير بالنظر إلى العلاقة الطويلة بين الولايات المتحدة وإثيوبيا، التي كانت ذات يوم حليفًا قويًا ودرعًا ضد الإرهاب في المنطقة”. الأمر الذي يعني أن الأزمة الإثيوبية قد فرضت نفسها بقوة على أجندة إدارة “بايدن” بطريقة دفعتها إلى الاشتباك مع هذه القضية منذ الأيام الأولى للإدارة. وعليه، فإن استمرار الوضع التأزم بالساحة الإثيوبية سيدفع باتجاه استمرار الاهتمام والتعاطي الأمريكي تجاه القضية. علاوة على ذلك، لا تزال إثيوبيا تمثل أهمية بالنسبة للمصالح الأمريكية في أفريقيا، كما يمثل انهيارها إيذانًا بدخول القارة الأفريقية في موجات متصلة من عدم الاستقرار والعنف والإرهاب، ما يعني ضرورة تدخل واشنطن لإيجاد “مخرج آمن” من المشهد المعقد.

وعلى الجانب الآخر، فليس من مصلحة واشنطن أن ينحصر دورها في ساحة مهمة كإثيوبيا في مقابل تزايد دور خصومها (سيما الصين)، الأمر الذي يعني اتجاه واشنطن لتكثيف جهودها لاحتواء الوضع المتردي على الساحة الإثيوبية كمحاولة لقطع الطريق على خصومها في استغلال هذا المشهد. فمنذ عام 2000، اتجهت الصين لتطوير البنية التحتية في إثيوبيا؛ ثم أصبحت إثيوبيا ضمن الدول المشاركة في المبادرة (الحزام والطريق). وتسيطر الصين على حوالي 60٪ من الاستثمار الأجنبي المباشر في إثيوبيا. وفي الفترة من 2000 إلى 2018، أقرضت الصين إثيوبيا 13.7 مليار دولار والولايات المتحدة 9.2 مليار دولار. وارتباطًا بهذا، يمكن النظر إلى الاضطرابات الجارية في إثيوبيا في إطار كونها مهدد لمصالح بكين هناك، ما يعني أنها تصب في صالح واشنطن، إلا أن هذا الافتراض قد يفقد منطقه حال خرجت الأوضاع عن نطاق السيطرة، واتجهت الدولة الإثيوبية صوب التفكك. 

علاوة على ذلك، يبدو أن هناك أسباب تتعلق بالداخل الأمريكي تدفع باتجاه تكثيف الاهتمام بإثيوبيا، أبرزها: التأكيد على السياسة القيمية لإدارة “بايدن” التي تتطلب تبني موقف عملي رافض للجرائم الإنسانية التي تقع في إثيوبيا على نطاق واسع؛ بجانب بلورة نموذج جديد يدلل على الدور العالمي لواشنطن الذي يتدخل بكثافة لضمان السلم والأمن الدوليين؛ إضافة إلى التأثير الواسع للتيار التقدمي، الذي ترافق مع وصول “بايدن” لسدة الحكم، والذي يعطي جانب كبير من تركيزه للقضايا الإنسانية ومسائل حقوق الإنسان؛ فضلًا عن الدور الذي تلعبه مجموعات الضغط المتابينة التي ترتبط وتدعم أطراف النزاع المختلفة في إثيوبيا وليس حكومة أديس أبابا فقط؛ وأخيرًا، الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات الأمريكية للضغط على إدارة “بايدن” من أجل تبني تحركات تحمي مصالح هذه الشركات وتمهد الطريق أمامها في الساحة الإثيوبية. 

واستنادًا إلى ذلك، يبدو أن إدارة “بايدن” بصدد تكثيف الجهود التي كانت قد بدأتها منذ وصولها للمكتب البيضاوي من أجل حلحلة المشهد الإثيوبي. قال “كاساهون برهانو”، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أديس أبابا، لوكالة “اسوشيتد برس”: “ما لم يكن هناك نوع من التدخل الإلهي، لا أرى أي فرصة لحل سلمي من خلال الحوار لأن المواقف شديدة الاستقطاب”. وعليه، تبدو ضرورة قيام واشنطن بتكثيف اعتمادها على الأداة السياسية والدبلوماسية، انطلاقًا من أن حسم المسألة على الأرض سيساهم في وقوع حمام دماء، ويزيد كذلك من احتمالات تفكك وانهيار الدولة الإثيوبية. وارتباطًا بذلك، يبدو أن الصيغة التوافقية التي قد تسعى واشنطن لتعزيزها تحمل احتمالات بوضع متميز للتيجراي، استنادًا إلى العلاقة الوثيقة التي تربطها بالجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، منذ أواخر الثمانينيات، وخاصة مع الحزب الديمقراطي.

ومن جانب آخر، تملك واشنطن أداة مؤثرة للضغط على حكومة أديس أبابا (وهي المساعدات)، حيث تعتمد إثيوبيا بشكل كبير على المساعدات الخارجية في ميزانيتها، ما يجعلها شديدة التأثر بالضغط من الجهات المانحة للمساعدات مثل الولايات المتحدة؛ إذ يتم تمويل حوالي ثلث ميزانية إثيوبيا من المساعدات الخارجية. وتعد واشنطن أكبر مانح للمساعدات بالنسبة لأديس أبابا، الأمر الذي يعني تزايد قدرتها على توجيه دفة الأمور. لكن الأمر لايزال متعلق أيضًا بضغط واشنطن على الأطراف الأخرى من أجل موازنة الوضع.  وعطفًا على ما سبق، يتضح أن التوسع في أداة العقوبات مسألة فعالة أيضًا، سيما مع اتجاه إدارة “بايدن” لوضع نظام للعقوبات أكثر مرونة. فالنظام الحالي للعقوبات يعطي استثناءات قانونية لإيصال الإغاثة الإنسانية، على خلاف ما قامت به إدارة “أوباما” التي تسبب قيامها بمحاربة (حركة الشباب الصومالية) في عرقلة جهود الإغاثة.  علاوة على ذلك، تسمح الوتيرة المتدرجة لنظام العقوبات الحالي بإعطاء مساحة أوسع للتراجع عن الاقتتال والاحتكام إلى طاولة المفاوضات. 

مجمل القول، على الرغم من اتساع نطاق الحديث حول تراجع السياسة الخارجية الأمريكية لصالح التركيز على قضايا الداخل، إلا أن التطورات الحرجة على الساحة الإثيوبية قد دفعت إدارة “بايدن” إلى تخصيص جزء من اهتمامها لهذه القضية. وبشكل عام يمكن القول إنه مع اتجاه المشهد الإثيوبي نحو مزيد من التأزم ستتجه واشنطن صوب تكثيف الجهود من أجل وضع تسوية تحمل تهدئة – ولو مؤقتة – لهذا الاحتدام. 

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية